{ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً } بأن يقصد قتله بما يفرق الأجزاء ، أو بما لا يطيقه ألبتة عالماً بإيمانه ، وهو نصب على الحال من فاعل { يُقْتَلُ } . وروي عن الكسائي أنه سكن التاء وكأنه فر من توالي الحركات { فَجَزَاؤُهُ } الذي يستحقه بجنايته { جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا } أي ماكثاً إلى الأبد ، أو مكثاً طويلاً إلى حيث شاء الله تعالى ، وهو حال مقدرة من فاعل فعل مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل : فجزاؤه أن يدخل جهنم خالداً . وقال أبو البقاء : هو حال من الضمير المرفوع أو المنصوب في يجزاها المقدر ، وقيل : هو المنصوب لا غير ويقدر جازاه ، وأيد بأنه أنسب بعطف ما بعده عليه لموافقته له صيغة ، ومنع جعله حالاً من الضمير المجرور في { فَجَزَاؤُهُ } لوجهين ، أحدهما : أنه حال من المضاف إليه ، وثانيهما : أنه فصل بين الحال وذيها بخبر المبتدأ ، وقوله سبحانه : { وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ } عطف على مقدر تدل عليه الشرطية دلالة واضحة كأنه قيل : بطريق الاستئناف تقريراً لمضمونها حكم الله تعالى بأن جزاءه ذلك وغضب عليه أي انتقم منه على ما عليه الأشاعرة { وَلَعَنَهُ } أي أبعده عن رحمته بجعل جزائه ما ذكر ، وقيل : هو وما بعده معطوف على الخبر بتقدير أن وحمل الماضي على معنى المستقبل أي فجزاؤه جهنم وأن يغضب الله تعالى عليه الخ { وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } لا يقادر قدره .
والآية كما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني( {[258]} ) أنه أسلم هو وأخوه هشام وكانا بالمدينة فوجد مقيس أخاه هشاماً ذات يوم قتيلاً في الأنصار في بني النجار فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من قريش من بني فهر ومعه مقيس إلى بني النجار ومنازلهم يومئذ بقباء أن ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه إن علمتم ذلك وإلا فادفعوا إليه الدية فلما جاءهم الرسول قالوا : السمع والطاعة لله تعالى وللرسول صلى الله عليه وسلم والله تعالى ما نعلم له قاتلاً ولكن نؤدّي الدية فدفعوا إلى مقيس مائة من الإبل دية أخيه ، فلما انصرف مقيس والفهري راجعين من قباء إلى المدينة ، وبينهما ساعة عمد مقيس إلى الفهري رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله وارتد عن الإسلام ، وفي رواية أنه ضرب به الأرض وفضخ رأسه بين حجرين وركب جملاً من الدية وساق معه البقية ولحق بمكة ، وهو يقول في شعر له :
قتلت به فهراً وحملت عقله *** سراة بني النجار أرباب ( قارع )
وأدركت ثأري واضجعت موسدا *** وكنت إلى الأوثان أول راجع
فنزلت هذه الآية مشتملة على إبراق وإرعاد وتهديد وإبعاد ، وقد تأيدت بغير ما خبر ورد عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج أحمد والنسائي عن معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كل ذنب عسى الله تعالى أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً ، وأخرج ابن المنذر عن أبي الدرداء مثله ، وأخرج ابن عدي والبيهقي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أعان على دم امرىء مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة آيس من رحمة الله تعالى " ، وأخرجا عن البراء بن عازب " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله تعالى من قتل مؤمن ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله تعالى النار " ، وفي رواية الأصبهاني عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال : " لو أن الثقلين اجتمعوا على قتل مؤمن لأكبهم الله تعالى على مناخرهم في النار ، وإن الله تعالى حرم الجنة على القاتل والآمر " ، واستدل بذلك ونحوه من القوارع المعتزلة على خلود من قتل مؤمناً متعمداً في النار ، وأجاب بعض المحققين بأن ذلك خارج مخرج التغليظ في الزجر لا سيما الآية لاقتضاء النظم له فيها كقوله تعالى : { وَمَن كَفَرَ } [ آل عمران : 97 ] في آية الحج ، وقول صلى الله عليه وسلم للمقداد بن الأسود كما في «الصحيحين » حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب " لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال " ، وعلى ذلك يحمل ما أخرجه عبد بن حميد عن الحسن قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نازلت ربي في قاتل المؤمن أن يجعل له توبة فأبى عليَّ " وما أخرجه عن سعيد بن عينا أنه قال : «كنت جالساً بجنب أبي هريرة رضي الله تعالى عنه إذ أتاه رجل فسأله عن قاتل المؤمن هل له من توبة ؟ فقال : لا والذي لا إله إلا هو لا يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط2 .
وشاع القول بنفي التوبة عن ابن عباس ، وأخرجه غير واحد عنه وهو محمول على ما ذكرنا ، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن حميد والنحاس عن سعيد بن عبيدة أن ابن عباس كان يقول : لمن قتل مؤمناً توبة فجاءه رجل فسأله ألمن قتل مؤمناً توبة ؟ قال : لا إلا النار فلما قام الرجل قال له جلساؤه : ما كنت هكذا تفتينا كنت تفتينا أن لمن قتل مؤمناً توبة مقبولة فما شأن هذا اليوم ؟ا قال : إني أظنه رجلاً مغضباً يريد أن يقتل مؤمناً فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك ، وكان هذا أيضاً شأن غيره من الأكابر فقد قال سفيان : كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا : لا توبة له فإذا ابتلى رجل قالوا له : تب ، وأجاب آخرون بأن المراد من الخلود في الآية المكث الطويل لا الدوام لتظاهر النصوص الناطقة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم ، وأخرج ابن المنذر عن عون بن عبد الله أنه قال : ( فجزاؤه جهنم إن هو جازاه ) ، وروي مثله بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قيل : وهذا كما يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر : إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب ، ثم إن لم يجازه لم يكن ذلك منه كذباً ، والأصل في هذا على ما قال الواحدي : إن الله عز وجل يجوز أن يخلف الوعيد وإن امتنع أن يخلف الوعد ، وبهذا وردت السنة ففي حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" من وعده الله تعالى على عمله ثواباً فهو منجزه له ، ومن أوعده على عمله عقاباً فهو بالخيار " «ومن أدعية الأئمة الصادقين رضي الله تعالى عنهم : يا من إذا وعد وفا ، وإذا توعد عفا » ، وقد افتخرت العرب بخلف الوعيد ، ولم تعده نقصاً كما يدل عليه قوله :
وإني إذا أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
واعترض بأن الوعيد قسم من أقسام الخبر ، وإذا جاز الخلف فيه وهو كذب لإظهار الكرم ، فلم لا يجوز في القصص والأخبار لغرض من الأغراض ، وفتح ذلك الباب يفضي إلى الطعن في الشرائع كلها .
/ والقائلون بالعفو عن بعض المتوعدين منهم من زعم أن آيات الوعيد إنشاء ، ومنهم من قال : إنها أخبار إلا أن هناك شرطاً محذوفاً للترهيب فلا خلف بالعفو فيها ، وقال شيخ الإسلام : «والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل لأنه إخبار منه تعالى بأن جزاءه ذلك لا بأنه يجزيه ( بذلك ) كيف لا وقد قال عز وجل : { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] ولو كان هذا إخباراً بأنه سبحانه يجزي كل سيئة بمثلها لعارضه قوله جل شأنه : { وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } [ الشورى : 30 ] وهذا مأخوذ من كلام أبي صالح وبكر بن عبد الله ، واعترضه أبو علي الجبائي بأن ما لا يفعل لا يسمى جزاءاً ألا ترى أن الأجير إذا استحق الأجرة فالدراهم التي عند مستأجره لا تسمى جزاءاً ما لم تعط له وتصل إليه ؟ وتعقبه الطبرسي «بأن هذا لا يصح لأن الجزاء عبارة عن المستحق سواء فعل أم لم يفعل ، ولهذا يقال : جزاء المحسن الإحسان وجزاء المسيء الإساءة ، وإن لم يتعين المحسن والمسيء حتى يقال : فعل ذلك معهما أو لم يفعل ، ويقال لمن قتل غيره : جزاء هذا أن يقتل ، ( وهو كلام صادق وإن لم يفعل القتل ) وإنما لا يقال للدراهم : إنها جزاء الأجير لأن الأجير إنما يستحق الأجرة في الذمة لا في الدراهم المعينة ، فللمستأجر أن يعطيه منها ومن غيرها » .
واعترض بأنا سلمنا أنه لا يلزم في الجزاء أن يفعل إلا أن كثيراً من الآيات كقوله تعالى : { مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } [ النساء : 123 ] { وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } [ الزلزلة : 8 ] يدل على أنه تعالى يوصل الجزاء إلى المستحقين ألبتة ، وفي الآية ما يشير إليه ؛ ولا يخفى ما فيه لأن الآيات التي فيها أنه تعالى يوصل الجزاء إلى مستحقه كلها في حكم آيات الوعيد والعفو فيه جائز ، فلا معنى للقول بالبت ، ومن هنا قيل : إن الآية لا تصلح دليلاً للمعتزلة مع قوله تعالى : { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء : 48 ] .
وقد أخرج البيهقي عن قريش بن أنس قال : «كنت عند عمرو بن عبيد في بيته فأنشأ يقول : يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي الله تعالى فيقول لي : لم قلت : إن القاتل في النار ؟ فأقول أنت قلته ثم تلا هذه الآية { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً } الخ فقلت له : وما في البيت أصغر مني أرأيت إن قال لك فإني قد قلت : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء : 48 ] فمن أين علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا ؟ قال : فما استطاع أن يرد عليَّ شيئاً » ، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن المنذر عن إسماعيل بن ثوبان قال : «جالست الناس قبل الداء الأعظم في المسجد الأكبر فسمعتهم يقولون لما نزلت { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً } الآية : قال المهاجرون والأنصار وجبت لمن فعل هذا النار حتى نزلت { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } الخ ، فقال المهاجرون والأنصار يصنع الله تعالى ما شاء » وبآية المغفرة ردّ ابن سيرين على من تمسك بآية الخلود وغضب عليه وأخرجه من عنده وكون آية الخلود بعد تلك الآية نزولاً بستة أشهر ، أو بأربعة أشهر كما روي عن زيد بن ثابت لا يفيد شيئاً ، ودعوى النسخ في مثل ذلك مما لا يكاد يصح كما لا يخفى ، وأجاب بعض الناس بأن حكم الآية إنما هو للقاتل المستحل وكفره مما لا شك فيه فليس ذلك محلاً للنزاع ، ويدل عليه أنها نزلت في الكناني حسبما مرت حكايته ، وقد روى عن عكرمة وابن جريج وجماعة أنهم فسروا { مُّتَعَمّداً } بمستحيلاً ؛ واعترض بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، وبأن تفسير المتعمد بالمستحل مما لا يكاد يقبل إذ ليس هو معناه لغة ولا شرعاً فإن التزم المجاز فلا دليل عليه وسبب النزول لا يصلح أن يكون دليلاً لما علمت الآن على أنه يفوت التقابل بين هذا القتل المذكور في هذه الآية والقتل المذكور في الآية السابقة وهو الخطأ الصرف ، وقيل : إن الاستحلال يفهم من تعليق القتل بالمؤمن لأنه مشتق ؛ وتعليق الحكم بالمشتق يفيد علية مبدأ الاشتقاق ، فكأنه قيل : ومن يقتل مؤمناً لأجل إيمانه ولا شك أن من يقتله لذلك لا يكون إلا مستحلاً فلا يكون إلا كافراً فيخرج هذا القاتل عن محل النزاع وإن لم يعتبر سبب النزول ، واعترض بأن المؤمن وإن كان مشتقاً في الأصل إلا أنه عومل معاملة الجوامد ، ألا ترى أن قولك كلمت مؤمناً مثلاً لا يفهم منه أنك كلمته لأجل إيمانه ؟ ولو أفاد تعليق الحكم بالمؤمن العلية لكان ضرب المؤمن وترك السلام عليه والقيام له كقتله كفراً ولا قائل به ، واعتبار الاشتقاق تارة وعدم اعتباره أخرى خارج عن حيز الاعتبار فليفهم ، ثم إنه سبحانه ذكر هنا حكم القتل العمد الأخروي ، ولم يذكر حكمه الدنيوي اكتفاءاً بما تقدم في آية البقرة . ( 178 ) .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ } [ النساء : 93 ] إشارة إلى أن النفس إذا قتلت القلب واستولت عليه بقيت معذبة في نيران الطبيعة مبعدة عن الرحمة مظهراً لغضب الله تعالى .
قوله تعالى : { ومن يقتل مؤمناً متعمداً } الآية نزلت في مقيس بن صبابة الكندي ، وكان قد أسلم هو وأخوه هشام ، فوجد أخاه هشام قتيلاً في بني النجار ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه رجلاً من بني فهر إلى بني النجار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام ابن صبابة أن تدفعوه إلى مقيس فيقتص منه ، وإن لم تعلموا أن تدفعوا إليه ديته ، فأبلغهم الفهري ذلك فقالوا : سمعاً وطاعة لله ولرسوله ، والله ما نعلم له قاتلاً ، ولكنا نؤدي ديته ، فأعطوه مائة من الإبل ، ثم انصرفا راجعين نحو المدينة فأتى الشيطان مقيساً فوسوس إليه ، فقال : تقبل دية أخيك فتكون عليك مسبة ، اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية ، فتغفل الفهري ، فرماه بصخرة فقتله ، ثم ركب بعيراً وساق بقيتها راجعاً إلى مكة كافراً ، فنزل فيه ، { ومن يقتل مؤمناً متعمداً } . قوله تعالى : { فجزاؤه جهنم خالداً فيها } ، بكفره وارتداده ، وهو الذي استثناه النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ، عمن أمنه فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة .
قوله تعالى : { وغضب الله عليه ولعنه } أي : طرده عن الرحمة .
قوله تعالى : { وأعد له عذاباً عظيماً } . اختلفوا في حكم هذه الآية . فحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن قاتل المؤمن عمداً لا توبة له ، فقيل له : أليس قد قال الله في سورة الفرقان : { ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق } إلى أن قال { ومن يفعل ذلك يلق أثاما*يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا*إلا من تاب } [ الفرقان : 67-70 ] فقال : كانت هذه في الجاهلية ، وذلك أن أناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وزنوا ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن الذي تدعو إليه لحسن ، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة ، فنزلت { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر } إلى قوله { إلا من تاب وآمن } فهذه لأولئك .
وأما التي في النساء فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ، ثم قتل مسلما متعمدا فجزاؤه جهنم . وقال زيد بن ثابت : لما نزلت التي في الفرقان { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر } عجبنا من لينها ، فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللينة ، فنسخت اللينة ، وأراد بالغليظة هذه الآية ، وباللينة آية الفرقان . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : تلك آية مكية ، وهذه مدنية . نزلت ولم ينسخها شيء .
والذي عليه الأكثرون ، وهو مذهب أهل السنة : أن قاتل المسلم عمداً توبته مقبولة . لقوله تعالى : { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً } [ طه :82 ] وقال : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ النساء :48 ] وما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما فهو تشديد ومبالغة في الزجر عن القتل ، كما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال : إن لم يقتل يقال له : لا توبة لك ، وإن قتل ثم جاء يقال : لك توبة ، ويروى مثله عن ابن عباس رضي الله عنهما .
وليس في الآية متعلق لمن يقول بالتخليد في النار بارتكاب الكبائر ، لأن الآية نزلت في قاتل هو كافر ، وهو مقيس بن صبابة ، وقيل : إنه وعيد لمن قتل مؤمناً مستحلاً لقتله بسبب إيمانه ، ومن استحل قتل أهل الإيمان لإيمانهم كان كافراً مخلداً في النار ، وقيل في قوله تعالى : { فجزاؤه جهنم خالداً فيها } معناه : هي جزاؤه إن جازاه ، ولكنه إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له بكرمه ، فإنه وعد أن يغفر لمن يشاء .
حكي أن عمرو بن عبيد جاء إلى أبي عمرو بن العلاء فقال له : هل يخلف الله وعده ؟ فقال :لا ، فقال : أليس قد قال الله تعالى : { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها } ؟ فقال له أبو عمرو بن العلاء : من العجم أتيت يا أبا عثمان ؟أن العرب لا تعد الإخلاف في الوعيد خلفاً وذماً ، وإنما تعد إخلاف الوعد خلفاً وذماً ، وأنشد :
وإني وإن أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
والدليل على أن غير الشرك لا يوجب التخليد في النار ، ما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة } .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا أبو اليمن ، أنا شعيب عن الزهري قال : أخبرني أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه -وكان شهد بدراً وهو أحد النقباء ليلة العقبة- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه : ( بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم ، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوا في معروف ، فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله ، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه ) . فبايعناه على ذلك .
قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا } الآية ، قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في رجل من بني مرة بن عوف يقال له مرداس بن نهيك ، وكان من أهل فدك مسلماً لم يسلم من قومه غيره ، فسمعوا بسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم تريدهم ، وكان على السرية رجل يقال له غالب بن فضالة الليثي ، فهربوا وأقام الرجل لأنه كان على دين المسلمين ، فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من غير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل ، وصعد هو إلى الجبل فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون ، فلما سمع التكبير عرف أنهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكبر ونزل وهو يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، السلام عليكم ، فتغشاه أسامة بن زيد بسيفه فقتله واستاق غنمه ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجداً شديداً ، وكان قد سبقهم قبل ذلك الخبر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقتلتموه إرادة ما معه ؟ ثم قرأ هذه الآية على أسامة بن زيد ، فقال : يا رسول الله استغفر لي ، فقال : فكيف بلا إله إلا الله ؟ قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات . قال أسامة : فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيدها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لي بعد ثلاث مرات ، وقال : أعتق رقبة . وروى أبو ظبيان عن أسامة رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله إنما قال خوفاً من السلاح ، قال : أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها خوفاً أم لا ؟
وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : مر رجل من بني سليم على نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومعه غنم له ، فسلم عليهم ، قالوا : ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم ، فقاموا وقتلوه وأخذوا غنمه ، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله }
قوله : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) وهذه إحدى الجرائم الفظيعة التي يشدد عليها الإسلام ؛ لأنها غاية في البشاعة والنكر ، ولأنها من القواصم الفادحة التي تضطرب بسببها أوضاع الناس فضلا عن إزهاق أرواحهم بغير حق .
إن الاعتداء على الإنسان بإزهاق روحه لهو من أنكر الفوادح والموبقات التي تودي بالفاعل المجرم إلى الدركات السحيقة من عذاب الله ، وهو كذلك مجلبة لغضب الله ولعنته سبحانه ، ليحيقا بالقاتل الأًثيم الذي يتجاسر في اجتراء كنود ظالم على قتل امرئ مؤمن ، لا جرم أن ذلك غاية في النكر والفظاعة ولا غرو ، فقد أعدّ الله لهؤلاء القتلة السفّاحين نارا تلظّى تصطلي بلهيبها جلودهم ليذوقوا وبال أمرهم . وهو عذاب شنيع لا يطاق يتكبكب فيه من تجرأ في صلف وظلم فأودى بحياة امرئ وادع مطمئن .
روى النسائي في سننه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله ( ص ) : " قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا " وروى أبو داود عن النبي ( ص ) قول : " لو اجتمع أهل السماوات والأرض على قتل رجل لأكبّهم الله في النار " .
وأخرج النسائي أيضا بإسناده عن ابن عباس أنه سأله سائل فقال : يا أبا العبّاس هل للقاتل توبة ؟ فقال له ابن عباس كالمتعجّب من مسألته : ماذا تقول ! مرتين أو ثلاثا . ثم قال ابن عباس : ويحك ! وأنّى له توبة ! سمعت نبيّكم ( ص ) يقول : " يأتي المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله بيده الأخرى تشخب أوداجه دما حتى يوقفا فيقول المقتول لله سبحانه وتعالى : رب هذا قتلني فيقول الله تعالى للقاتل : تعست ويذهب به إلى النار " .
والقاتل عمدا فيما إذا كانت له توبة أم لا ، فثمة قولان في هذه المسألة . والقول الأول لجماعة منهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وآخرون وهو أن الذي يقتل عمدا ليست له توبة أبدا وأنه خالد في النار . فقد ذكر عن ابن عباس قوله : نزلت هذه الآية ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ) وهي آخر ما نزل ( في حكم القتل ) وما نسخها شيء . وهو كذلك يذهب إلى أن عموم هذه الآية ينفي التوبة عن القاتل عمدا وهو مخصص لعموم قوله تعالى : ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) الذي استند إليه المحتجون بإمكانية وقوع التوبة للقاتل عمدا . وقال ابن عباس كذلك أنه يمكن الجمع بين هاتين الآيتين على النحو التالي : التقدير هو : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدا . أما القول الثاني فهو لجمهور أهل العلم وهو أن القاتل عمدا له توبة بدليل قوله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) وقوله سبحانه : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) واستندوا أيضا لظاهر قوله تعالى : ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) ومن أوضح الأدلة على ذلك قوله النبي ( ص ) : " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " وفي مجموع هذه الأدلة ما يرجح القول الثاني وهو أن القاتل العمد إذا تاب وأناب ، وإذا أخلص التوبة في ندم شديد فإن الله جل وعلا يقبل التوبة وذلك الذي نميل إليه .
أما الخلود الوارد في الآية فأفضل التأويل فيه أن يطلق على غير التأييد وأن المقصود به طول المكث .
قوله : ( ومن يقتل ) اسم الشرط وفعله . وجواب الشرط في الجملة الاسمية من قوله تعالى : ( فجزاؤه جهنم ) والفاء مقترنة بجواب الشرط .
وخلاصة القول في صفة القتل العمد أنه ما استعملت فيه آلة وكان مثلها يقتل غالبا على أن يقترن ذلك بقصد القتل . يستوي في ذلك أن يكون القتل بالحديد كالسيف أو الخنجر أو الرمح أو السكّين مادام ذلك يقتل غالبا ، أو أن يكون بالمثقل كالضرب بالحجر الكبير أو إخماد سقف ونحوه وهو من شانه أن يقتل ، أو أن يكون القتل تحريقا بالنار أو تغريقا في الماء فذلك كله ضروب في القتل ؛ لأن من شأنه أن يقتل في الغالب . وهذا هو القتل العمد الذي يستوجب القود إلا أن يعفو ولي القتيل مطلقا أو يعفوا على الدية فقط .
أما إذا وقع القتل بآلة لا تقتل في الغالب كالقذف بحجر صغير أو الضرب بعصا خفية أو العضة أو اللطمة ونحو ذلك فإن القتل في مثل هذه الأحوال يسمّى شبه عمد . وهو أن تجتمع النية لدى القاتل على ضرب القتيل ولكن بآلة لا تقتل غالبا كالمعلم يضرب تلميذه بعصا خفيفة ليؤدّبه ثم يموت فما كان المعلم يقصد بذلك القتل ، وإن قصد أن يضرب تلميذه بالذات . وهذا النوع من القتل يأتي وسطا بين العمد والخطأ فلا هو بالعمد الذي يقع بآلة تقتل في الغالب مقترنا بالنية في قتل الشخص نفسه . وعلى هذا فشبه العمد هو ما كان القصد بضرب الشخص نفسه حاصلا إلا أن الآلة التي حصل بها القتل ليس من شأنها أن تقتل غالبا .
وهذا الصنف من القتل ( شبه العمد ) ذهب إليه كثير من أهل العلم منهم الشعبي والنخعي وقتادة والثوري والحنفية والشافعية وهو مروي عن عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب وقد أنكر ذلك جماعة آخرون منهم الإمام مالك والليث بن سعد . وقيل : إن ذلك قد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين وقد نقل عن الإمام مالك قوله : ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ وأما شبه العمد فلا نعرفه . وذكر عن مالك والليث أن من قتل بما لا يقتل مثله غالبا كالعضة واللطمة وضربة السوط وشبه ذلك فإنه عمد وفيه القود ( القصاص ) .
والراجح ما ذهب إليه الجمهور من أهل العلم وهو أن شبه العمد نوع من القتل متميز فلا هو بالعمد الذي يحققه قصد القتل أو النية المسبقة لذلك ، مع الضرب الذي يقع على شخص معيّن مقصود بآلة تقتل غالبا . ولا هو بالخطأ الذي تحقق فيه النية في القتل بآلة تقتل غالبا لكن القتيل ما كان مقصودا للقاتل بل غيره هو الذي كان مقصودا . وحقيقة شبه العمد ليست على أحد من هذين النوعين من القتل فهو بذلك أخرى أن يأخذ من التسمية ما يجعله مستقلا وذلك من حيث الصورة التي يجيء عليها ومن حيث الحكم الذي يجعله له الشرع .
فقد أخرج أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ( ص ) قال : " ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها " .
وروى الدارقطني عن ابن عباس أن رسول الله ( ص ) قال : " العمد قود اليد ، والخطأ عقل لا قود فيه ، ومن قتل في عمّية بحجر أو عصا أو سوط فهو دية مغلّظة في أسنان الإبل " والعمية بكسر العين وتشديد الميم المكسورة والياء المفتوحة . ومعناه أن يقع القتل في حال يعمى فيه أمر المقتول فلا يعرف قاتله ولا كيف قتل .
وروى الدارقطني أيضا بإسناده عن عمرو بن شعب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله ( ص ) : " عقل شبه العمد مغلّظ مثل قتل العمد ولا يقتل صاحبه " .
تلك نصوص تحوي الدليل على صحة ما قاله الجمهور وهو قتل شبه العمد ، وهو قتل يشبه كلا من الخطأ والعمد بعض الشبه ولكنه لا يستوي مع احدهما تمام الاستواء من حيث الصورة والحكم .
أما الذي يتلزم بدفع دية شبه العمد فموضع خلاف . فقد قيل إن الذي يلتزم بذلك هو القائل نفسه فتجب الدية عليه في ماله ، وهو رأي بعض أهل العلم منهم ابن شبرمة وقتادة وأبو ثور . وثمة قول ثان وهو الراجح وهو مذهب الجمهور منهم الشعبي والنخعي والشافعي والثوري وأحمد بن حنبل والحنفية كلهم . فقد ذهب هؤلاء وغيرهم إلى أن دية القتل شبه العمد تجب على عاقلة القاتل وهم أولياؤه الورثة .
وفي تعزيز هذا الرأي وترجيحه ما رواه أبو هريرة عن النبي ( ص ) أنه جعل دية الجنين على عاقلة الضاربة . وذلك حديث المرأتين اللتين اقتتلتا فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها ومن في بطنها فقضي النبي فيه غرة وجعلها على عاقلة المرأة وبذلك فإن الدية في قتل الخطأ والديه المغلظة في شبه العمد إنما تجب كل واحدة منهما في مال العاقلة . وذلك على سبيل العون وبذلك المساعدة للقاتل ما دامت فعلته لم تقترن بسوء النية أو القصد المبيت . وعلى هذا فإن النية من حيث وجودها وعدمه لهي الأساس الركين الذي تقوم عليه الأحكام والمقاييس الشرعية ، وهي كذلك الأصل الذي تفترق به القضايا والمسائل لتأخذ أحكاما متفاوتة شتى .
والنية شأنها عظيم فإن ما يتميز الحرام من الحلال أو الخبيث من الطيّب مثلما يتميز الطيبون في مقارفات تساورها البراءة من قصد الأذى والبائقة ، من الأشرار الذين تختلط قلوبهم بالشر المبيّت قبل الفعل أو القول . وليس للطيب عندئذ إلا أن تتحقق له المعاذير لينجو من عقاب الآخرة الشديد ، لكن الخبيث الشرير هو الذي يوجب الشرع أن يحيق به عقاب ملائم في الآخرة جزاء ما قارفت يداه عن سوء في النية والمقصود . وأعظم ما يجيء في هذا الصدد من شواهد السنة الطاهرة هو حديث النبي ( ص ) : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " {[813]} .