خالدا فيها : ماكثا مكثا طويلا .
وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا . . . أي : ومن يقتل مؤمنا قاصدا قتله ؛ فجزاؤه الذي يستحقه على اقتراف تلك الجريمة الشنيعة ، دخول جهنم ماكثا فيها مكثا طويلا ، إلى أن يشاء الله إخراجه من النار فيخرجه منها ؛ إذ ليس المراد من الخلود هنا دوام البقاء في جهنم أبدا ؛ فإن الخلود فيها أبدا جزاء الكافرين .
وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ . . أي : وانتقم منه ، وأبعده سبحانه عن رحمته . .
وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا . . . أي : وقد هيأ الله في جهنم لمن تعمد قتل المؤمن ، عذابا رهيبا ، لا يدرك الإنسان غايته لشدة بشاعته .
قال الإيمام ابن كثير في تفسيره :
وهذه الآية تهديد شديد ، ووعيد أكيد ، لمن تعاطى هذا الذنب العظيم ، الذي هو مقرون بالشرك في غير ما آية ، في كتاب الله حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان : وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ . ( الفرقان : 68 ) .
وقال تعالى : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . ( الأنعام : 151 )
و الآيات و الأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدا فمن ذلك ما ثبث في الصحيحين عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( ( أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء ) ) {[56]} .
ورو أبو داود عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم ) ) {[57]} .
وفي الحديث الآخر ( ( لو اجتمع أهل السموات و الأرض على قتل رجل مسلم لأكبهم الله في النار ) ) {[58]} .
وفي الحديث الآخر : ( ( من أعان علي قتل مسلم ولو بشطر كلمة ؛ جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه : آيس من رحمة الله ) ) {[59]} .
ساق الطبري عدة آراء في صفة القتل الذي يستحق صاحبه أن يسمى متعمدا .
فقال بعضهم : العمد ما كان بحديدة ، وشبه العمد ما كان بخشبة ، وقال آخرون : كل ما عمد الضارب إتلاف نفس المضروب فهو عمد ، إذا كان الذي ضرب به الأغلب منه أن يقتل ، وقد رجح الطبري هذا الرأى .
وأما قوله : فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا .
فقد اختلف أهل التأويل في معنى هذه الجملة .
1- فقال بعضهم : معناه : فجزاؤه جهنم إن جازاه الله وإن شاء تجاوز عنه .
2- وقال آخرون : عني بذلك رجلا بعينه كان أسلم فارتد عن إسلامه وقتل رجلا مؤمنا قالوا : فمعنى الآية : ومن قتل مؤمنا مستحلا قتله ؛ فجزاؤه جهنم خالدا فيها .
وقد ساق الطبري أحاديث تثبت ذلك ، وفيها : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ''أظنه قد أحدث حدثا ، أما والله لئن كان فعل ؛ لا أقيله في حل ولا حرم ولا سلم ولا حرب ؛ فقتل يوم الفتح''{[60]} قال ابن جريج وفيه نزلت هذه الآية ، وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا .
3- وقال آخرون : معنى ذلك : إلا من تاب .
. قال مجاهد في هذه الآية : إلا من ندم
4-وقال آخرون : ذلك إيجاب من الله الوعيد لقاتل المؤمن متعمدا ، كائنا من كان القاتل ، على ما وصفه في كتابه ، ولم يجعل له توبة من فعله ، قالوا : فكل قاتل مؤمن عمدا ، فله ما أوعده الله من العذاب والخلود في النار ، ولا توبة له ، وقالوا : نزلت هذه الآية بعد التي في سورة الفرقان .
وفي الحديث الصحيح {[61]} الذي رواه الإمام أحمد ، ورواه الإمام البخاري ، والامام مسلم ، أن رجلا قال ابن عباس- بعد أن كف بصره- أفريت إن تاب قاتل المؤمن عمدا ، وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ؟ قال ابن عباس ثكلته أمه ! وأنى له التوبة ؟ فوالذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : ثكلته أمه قتل رجلا متعمدا ؛ جاء يوم القيامة آخذا بيمنه أو بشماله ، تشجب أوداجه دما ، في قبل عرش الرحمن ، يلزم قاتله بيده الأخرى يقول : سل هذا فيم قتلني ؟ ! والذي نفس عبد الله بيده ، لقد أنزلت هذه الآية ، فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وسلم وما نزل بعدها برهان {[62]} .
وقد وردت عدة آثار في هذا المعنى ، تفيد أن عبد الله بن عباس قال في شأن هذه الآية ، التي تحدثت عن جزاء قتل المؤمن عمدا : لقد نزلت في آخر ما نزل من القرآن ، وما نسخها شيء . وعن الضحاك بن مزاحم قال : ما نسخها شيء منذ نزلت ، وليس له توبة .
وأولي الأقوال في ذلك بالصواب ، قول من قال : معناه :
ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه- إن جزاه- جهنم خالدا فيها ؛ ولكنه يعفو ويتفضل على أهل الإيمان به و برسوله ، فلا يجازيهم بالخلود فيها ، ولكنه- عز ذكره- إ ما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار ، وإما أن يدخله إياها ثم يخرجه منها ؛ بفضل رحمته لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا . ( الزمر : 53 ) .
لقد قال تعالى عن المشرك : إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء .
بعض الناس يستدل بهذه الآية على أن مرتكب الكبيرة في النار .
والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها : أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله عز وجل ، فإن تاب وأناب ، وخشع وخضع وعمل عملا صالحا ، بدل الله سيئاته حسنات ، وعوض المقتول من ظلامته ، وأرضاه عن طلابته قال تعالى :
والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر . . . إلى قوله . . . إلا من تاب وءامن وعمل عملا صالحا . . . وهذا خبر لا يجوز نسخه وحمله على المشركين ، وحمل هذه الآية ومن يقتل مؤمنا متعمدا . . . على المؤمنين خلاف الظاهر ، ويحتاج حمله إلى دليل ، والله أعلم .
وقال تعالى : إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء . ( النساء : 116 ) .
فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ، ما عدا الشرك .
وثبت في الصحيحين : خبر الإسرائلي الذي قتل مائة نفس ، ثم سأل عالما : هل لي من توبة فقال : ومن يحول بينك وبين التوبة ؟ ! ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه ؛ فهاجر إليه فمات في الطريق فقبضته وملائكة الرحمة . {[63]} .
وإذا كان هذا في بني إسرائيل ، فلأن يكون في هذه الأمة ؛ التوبة مقبوله بطريق الأولى والأحرى ؛ لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال ؛ التي كانت عليهم ، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة{[64]}