تأويلات أهل السنة للماتريدي - الماتريدي  
{وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا} (93)

الآية 93

وقوله تعالى : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها } الآية ( يحتمل وجوها : أحدها ){[6358]} : قيل في بعض القصة : إن رجلا قتل آخر عمدا . فلما علم أنه يقتل به ارتد عن الإسلام ، ولحق بدار الحرب ، فنزل الوعيد . وهذا ، والله أعلم ، كقوله تعالى : { الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون } ( فصلت : 7 ) كانوا( يمتنعون عن ){[6359]} الزكاة لما كان عندهم أن الزكاة تنقص المال ، فجحدوا بها رأسا كقوله تعالى : { لم نك من المصلين } { ولم نك نطعم المسكين } { وكنا نخوض مع الخائضين } { وكنا نكذب بيوم الذين } ( المدثر : 43-46 ) فتركوا الصلاة والزكاة لما يلحقهم بذلك من مؤن وأشغال نشغلهم . ذلك كله مما {[6360]} تهوى أنفسهم ، فأنكروا رأسا لأنهم إن صلوا ، وأدوا الزكاة ، لا يكون ذلك صلاة وزكاة إذ كانوا يكذبون بيوم الدين .

فعلى ذلك قاتل المسلم عمدا ، إذ علم أنه مقتول به ترك دينه ، فصار من أهل النار خالدا مخلدا فيها .

والثاني : {[6361]} يحتمل قوله تعالى : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } لدينه ، يقتله عمدا غير غالط ولا جاهل عالما{[6362]} بذلك ، وإلى قتله ليدينه قاصدا{[6363]} ، ومن كان هذه صفته فقد كفر ، ووجب له هذا الوعيد الذي ذكره في كتابه الكريم إلا أن يجدد إيمانه{[6364]} ، فإن الله تعالى يقبل إيمانه وتوبته .

والثالث : أن يكون الوعيد الذي ذكره في كتابه ، ذلك جزاؤه ، ولله الإفضال عليه بالعفو والمجاوزة ؛ إذ ذلك جزاؤه إن لم يكن له حسنات كقوله : { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات }( الفرقان : 70 ) .

ثم الدليل أن الآية في من قتل مسلما لدينه قاصدا لنفسه دون دينه قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } ( البقرة : 178 )وإنما كتب{[6365]} عليهم إذا كان القتل قتل عمد ، وأبقى لهم بعد القتل اسم الإيمان . ثم قال : { فمن عفى له من أخيه شيء } فأبقى لهم اسم الأخوة . ثم قال : { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة } أطمعه في رحمته عز وجل ، وبعيد أن يكون له مع هذا خلود في النار . فدلت الآية على بقاء اسم الإيمان وعلى رجاء الرحمة ، وهما معنيان ينقضان قول المعتزلة حين خلدوا ( صاحب ){[6366]} الكبيرة في النار ، ولأنه تعالى قال : { فجزاؤه جهنم خالدا فيها } ، ولم يقل : يجزيه . وله أن يتفضل بالعفو عنه على ما وصفنا ، وبالله التوفيق والنجاة .

وروي عن ابن عباس رضي الله عنه ، في تأويل الآية ما يؤيد ما قلنا ؛ روي عنه أنه قال في قوله ( سبحانه وتعالى : { فجزائه جهنم } الآية قال : ( جزاؤه إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له ) .

وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " في من قبلكم رجل ){[6367]} قتل تسعا وتسعين نفسا ، فسأل عن علم أهل الأرض ، فدل على راهب ، فأتاه ، فقال : إني قلت تسعا وتسعين نفسا بغير حق فهل لي من توبة ؟ فقال : لا ، فقتله ، ثم سأل عن علم أهل الأرض ، فدل على رجل ، فأتاه ، فقال : إني قتلت مئة نفس بغير حق ، فه لي من توبة ؟ قال : نعم ، ومن يحول بينك وبين التوبة ؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا ، فإن فيها ناسا يعبدون الله ، فاعبده معهم . فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت ، فاختصم به ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فأتاهم ملك ، فجعلوه حكما بينهم ، فقال : قيسوا ما بين الأرضين ، قال : أيهما كان أدنى وأقرب فهو له ، فقاسوه ، فوجدوه أدنى من الأرض التي أراد ، فقبضته ملائكة الرحمة " ( البخاري : 3470 ) ألا ترى أنه لما كان كافرا ، فقتل مئة نفس ، فقبلت توبته . ولو كان مسلما كانت مظالم المقتولين في عنقه باقية . فهذا الحديث يدل ، والله أعلم ، على أن التأويل ما ذكرنا ؟ وبالله التوفيق .


[6358]:ساقطة من الأصل وم.
[6359]:في الأصل: يمتنعون. في م: يمنعون.
[6360]:في الأصل وم: عما.
[6361]:في الأصل وم: و.
[6362]:في الأصل وم: عالم.
[6363]:في الأصل وم: قاصد.
[6364]:في الأصل وم: إيمان.
[6365]:في الأصل وم: يكتب.
[6366]:ساقطة من الأصل وم.
[6367]:ساقطة من م.