{ لَيْسَ عَلَيْكُمْ } أي حرج في { ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ } أي تطلبوا { فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } أي رزقاً منه تعالى بالربح بالتجارة في مواسم الحج ، أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال : كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في الموسم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم / عن ذلك فنزلت ، واستدل بها على إباحة التجارة والإجارة وسائر أنواع المكاسب في الحج وإن ذلك لا يحبط أجراً ولا ينقص ثواباً ، ووجه الارتباط أنه تعالى لما نهى عن الجدال في الحج كان مظنة للنهي عن التجارة فيه أيضاً لكونها مفضية في الأغلب إلى النزاع في قلة القيمة وكثرتها فعقب ذلك بذكر حكمها ، وذهب أبو مسلم إلى المنع عنها في الحج ، وحمل الآية على ما بعد الحج ، وقال ؛ المراد واتقون في كل أفعال الحج ثم بعد ذلك ليس عليكم جناح الخ كقوله تعالى : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا مِن فَضْلِ الله } [ الجمعة : 0 1 ] وزيف بأن حمل الآية على محل الشبهة أولى من حملها على ما لا شبهة فيه ومحل الاشتباه هو التجارة في زمان الحج .
وأما بعد الفراغ فنفي الجناح معلوم وقياس الحج على الصلاة فاسد فإن الصلاة أعمالها متصلة فلا يحل في أثنائها التشاغل بغيرها ، وأعمال الحج متفرقة تحتمل التجارة في أثنائها ، وأيضاً الآثار لا تساعد ما قاله فقد سمعت ما أخرجه البخاري ، وقد أخرج أحمد وغيره عن أبي أمامة التيمي قال سألت ابن عمر فقلت : إنا قوم نكري في هذا الوجه وإن قوماً يزعمون أنه لا حج لنا قال : ألستم تلبون ألستم تطوفون بين الصفا والمروة ألستم ألستم ؟ ؟ قلت بلى قال : إن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عما سألت عنه فلم يدر ما يرد عليه حتى نزلت { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } الآية فدعاه فتلا عليه حين نزلت وقال : «أنتم الحجاج » وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقرأ فيما أخرجه البخاري وعبد ابن حميد وابن جرير وغيرهم عنه { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } في مواسم الحج ، وكذلك روي عن ابن مسعود ، وأيضاً الفاء في قوله تعالى : { فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات } ظاهرة في أن هذه الإفاضة حصلت عقيب ابتغاء الفضل وذلك مؤذن بأن المراد وقوع التجارة في زمان الحج ، نعم قال بعضهم : إذا كان الداعي للخروج إلى الحج هو التجارة أو كانت جزء العلة أضر ذلك بالحج لأنه ينافي الإخلاص لله تعالى به وليس بالعيد و{ أَفَضْتُمْ } من الإفاضة من فاض الماء إذا سال منصبا .
وأفضته أسلته والهمزة فيه للتعدية ، ومفعوله مما التزم حذفه للعلم به ، وأصله أفيضتم فنقلت حركة الياء إلى الفاء قبلها فتحركت الياء في الأصل وانفتح ما قبلها الآن فقلبت ألفاً ثم حذفت ، والمعنى هنا فإذا دفعتم أنفسكم بكثرة من عرفات و{ مِنْ } لابتداء الغاية وعرفات موضع بمنى وهي اسم في لفظ الجمع فلا تجمع قال الفراء : ولا واحد له بصحة ، وقول الناس نزلنا عرفة شبيه بمولد وليس بعربي محض واعترض عليه بخبر " الحج عرفة " وأجيب بأن عرفة فيه اسم لليوم التاسع من ذي الحجة كما صرح به الراغب والبغوي والكرماني ، والذي أنكره استعماله في المكان ، فالاعتراض ناشئ من عدم فهم المراد ومن هنا قيل : إنه جمع عرفة وعليه صاحب «شمس العلوم » ، والتعدد حينئذ باعتبار تسمية كل جزء من ذلك المكان عرفة كقولهم : جب مذاكيره فلا يرد ما قاله العلامة : من أنه لو سلم كون عرفة عربياً محضا ، ً فعرفة وعرفات مدلولهما واحد ، وليس ثمة أماكن متعددة كل منها عرفة لتجمع على عرفات ، وإنما نون وكسر مع أن فيه العلمية والتأنيث ؛ لأن تنوين جمع المؤنث في مقابلة نون جمع المذكر فإن النون في جمع المذكر قائم مقام التنوين الذي في الواحد في المعنى الجامع لأقسام التنوين وهو كونه علامة تمام الاسم فقط ، وليس في النون شيء من معاني الأقسام للتنوين فكذا التنوين في جمع المؤنث علامة لتمام الاسم فقط ، وليس فيها أيضاً شيء من تلك المعاني سوى المقابلة وليس الممنوع من غير المنصرف هذا التنوين بل تنوين التمكين ؛ لأنه الدال على عدم مشابهة الاسم بالفعل وأن ذهاب الكسرة على المذهب المرضي تبع لذهاب التنوين من غير عوض لعدم الصرف ، وهنا ليس كذلك قاله الجمهور وقال الزمخشري : إنما نون وكسر لأنه منصرف لعدم الفرعيتين المعتبرتين إذ التأنيث/ المعتبر مع العلمية في منع الصرف إما أن يكون بالتاء المذكورة وهي ليست تاء تأنيث بل علامة الجمع ، وإما أن يكون بتاء مقدرة كما في زينب ، واختصاص هذه التاء بجمع المؤنث يأبى تقدير تاء لكونه بمنزلة الجمع بين علامتي تأنيث فهذه التاء كتاء بنت ليست للتأنيث بل عوض عن الواو المحذوفة ، واختصت بالمؤنث فمنعت تقدير التاء فعلى هذا لو سمي بمسلمات ، وبنت مؤنث كان منصرفاً ، وقول ابن الحاجب : إن هذا يقتضي أنه إذا سمي بذلك منع صرفه ليس بشيء إذ الاقتضاء غير مسلم ، وكذا ما قاله عصام الدين من أن التأنيث لمنع الصرف لا يستدعي قوة ألا يرى أن طلحة يعتبر تأنيثه لمنع الصرف ولا يعتبر لتأنيث ضمير يرجع إليه لأن بناء الاستدلال ليس على اعتبار القوة والضعف بل على عدم تحقق التأنيث ، نعم يرد ما أورده الرضي من أن لو لم يكن فيه تأنيث لما التزم تأنيث الضمير الراجع إليه ، ويجاب بأن اختصاص هذا الوزن بالمؤنث يكفي لإرجاع الضمير ولا يلزم فيه وجود التاء لفظاً أو تقديراً ، وإنما سمي هذا المكان المخصوص بلفظ ينبئ عن المعرفة ؛ لأنه نعت لإبراهيم عليه الصلاة والسلام فعرفه ، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، أو لأن جبريل كان يدور به في المشاعر ( فلما رآه ) قال : قد عرفت ، وروي عن عطاء ؛ أو لأن آدم وحواء اجتمعا فيه فتعارفا ، وروي عن الضحاك والسدي ؛ أو لأن جبريل عليه السلام قال لآدم فيه اعترف بذنبك واعرف مناسكك قاله بعضهم . وقيل : سمي بذلك لعلوه وارتفاعه ، ومنه عرف الديك ، واختير الجمع للتسمية مبالغة فيما ذكر من وجوهها كأنه عرفات متعددة وهي من الأسماء المرتجلة قطعاً عند المحققين ، وعرفة يحتمل أن تكون منها وأن تكون منقولة من جمع عارف ولا جزم بالنقل إذ لا دليل على جعلها جمع عارف والأصل عدم النقل .
{ فاذكروا الله } بالتلبية والتهليل والدعاء ، وقيل : بصلاة العشاءين لأن ظاهر الأمر للوجوب ولا ذكر واجب { عِندَ المشعر الحرام } إلا الصلاة ، والمشهور أن المشعر مزدلفة كلها ، فقد أخرج وكيع وسفيان وابن جرير والبيهقي وجماعة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن المشعر الحرام فسكت حتى إذا هبطت أيدي الرواحل بالمزدلفة قال : هذا المشعر الحرام وأيد بأن الفاء تدل على أن الذكر عند المشعر يحصل عقيب الإفاضة من عرفات وما ذاك إلا بالبيتوتة بالمزدلفة ، وذهب كثير إلى أنه جبل يقف عليه الإمام في المزدلفة ويسمى قزح ، وخص الله تعالى الذكر عنده مع أنه مأمور به في جميع المزدلفة لأنها كلها موقف إلا وادي محسر كما دلت عليه الآثار الصحيحة لمزيد فضله وشرفه ، وعن سعيد بن جبير ما بين جبلي مزدلفة فهو المشعر الحرام ومثله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وإنما سمي مشعراً لأنه معلم العبادة ، ووصف بالحرام لحرمته ، والظرف متعلق باذكروا أو بمحذوف حال من فاعله .
{ واذكروه كَمَا } أي كما علمكم المناسك والتشبيه لبيان الحال وإفادة التقييد أي اذكروه على ذلك النحو ولا تعدلوا عنه ، ويحتمل أن يراد مطلق الهداية ومفاد التشبيه التسوية في الحسن والكمال أي : اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة إلى المناسك وغيرها . و( ما ) على المعنيين تحتمل أن تكون مصدرية فمحل { واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ } النصب على المصدرية بحذف الموصوف أي ذكراً مماثلاً لهدايتكم ، وتحتمل أن تكون كافة فلا محل لها من الإعراب ، والمقصود من الكاف مجرد تشبيه مضمون الجملة بالجملة ، ولذا لا تطلب عاملاً تفضي بمعناه إلى مدخولها ، وذهب بعضهم إلى أن الكاف للتعليل وأنها متعلقة بما عندها وما مصدرية لا غير أي : اذكروه وعظموه لأجل هدايته السابقة منه تعالى لكم .
{ وَإِن كُنتُمْ } أي وإنكم كنتم فخففت ( إن ) وحذف الاسم وأهملت عن العمل ولزم اللام فيما بعدها ، وقيل : إن ( إن ) / نافية ، واللام بمعنى إلا { مِن قَبْلِهِ } أي الهدى والجار متعلق بمحذوف يدل عليه { لَمِنَ الضالين } ولم يعلقوه به لأن ما بعد أل الموصولة لا يعمل فيما قبلها وفيه تأمل ، والمراد من الضلال الجهل بالإيمان ومراسم الطاعات ، والجملة تذييل لما قبلها كأنه قيل : اذكروه الآن إذ لا يعتبر ذكركم السابق المخالف لما هداكم لأنه من الضلالة ، وحمله على الحال توهم بعيد عن المرام .
( ومن باب الإشارة ) :{ لَيْسَ عَلَيْكُمْ } حرج عند الرجوع إلى الكثرة أن تطلبوا رفقاً لأنفسكم على مقتضى ما حده المظهر الأعظم صلى الله عليه وسلم فإذا دفعتم أنفسكم من عرفات المعرفة { فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام } أي شاهدوا جماله سبحانه عند السر الروحي المسمى بالخفي وسمي مشعراً لأنه محل الشعور بالجمال ، ووصف بالحرام لأنه محرم أن يصل إليه الغير { واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ } إلى ذكره في المراتب { وَإِن كُنتُمْ مّن } قبل الوصول إلى عرفات المعرفة والوقوف بها { لَمِنَ الضالين } [ البقرة : 198 ] عن هذه الأذكار في طلب الدنيا .
قوله تعالى : { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم } . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا علي بن عبد الله ، أخبرنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس رضي الله عنه قال : كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز ، أسواقاً في الجاهلية ، فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها فأنزل الله تعالى ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ) في مواسم الحج ، قرأ ابن عباس كذا .
وروى عن أبي أمامة التيمي قال : قلت لابن عمر : إنا قوم نكري في هذا الوجه يعني إلى مكة فيزعمون أن لا حج لنا ، فقال : ألستم تحرمون كما يحرمون ؟ وتطوفون كما يطوفون ؟ وترمون كما يرمون ؟ قلت بلى ، قال : أنت حاج : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الذي سألتني عنه فلم يجبه بشيء حتى نزل جبريل بهذه الآية .
قوله تعالى : { ليس عليكم جناح } . أي حرج .
قوله تعالى : { أن تبتغوا فضلاً } . أي رزقاً .
قوله تعالى : { من ربكم } . يعني بالتجارة في مواسم الحج .
قوله تعالى : { فإذا أفضتم } . دفعتم ، والإفاضة : دفع بكثرة ؛وأصله من قول العرب : أفاض الرجل ماء أي :صبه .
قوله تعالى : { من عرفات } . هي جمع عرفة ، جمع بما حولها وإن كانت بقعة واحدة كقولهم : ثوب أخلاق . واختلفوا في المعنى الذي لأجله سمي الموقف عرفات ، واليوم عرفة . فقال عطاء : كان جبريل عليه السلام يري إبراهيم عليه السلام المناسك ويقول عرفت ؟ فيقول عرفت فسمي ذلك المكان عرفات واليوم عرفة ، وقال الضحاك : إن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض وقع بالهند وحواء بجدة ، فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات يوم عرفة . وتعارفا فسمي اليوم يوم عرفة ، والموضع عرفات ، وقال السدي لما أذن إبراهيم في الناس بالحج وأجابوه بالتلبية وأتاه من أتاه أمره الله أن يخرج إلى عرفات ونعتها له فخرج فلما بلغ الجمرة عند القعبة استقبله الشيطان ليرده فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ، فطار فوقع على الجمرة الثانية ، فرماه وكبر فطار فوقع على الجمرة الثالثة ، فرماه وكبر ، فلما رأى الشيطان أنه لا يطيعه ذهب ، فانطلق إبراهيم حتى أتى ذا المجاز فلما نظر إليه لم يعرفه ، فجاز ، فسمي ذا المجاز ، ثم انطلق حتى وقف بعرفات فعرفها بالنعت فسمي الوقت عرفة والموضع عرفات ، حتى إذا أمسى ازدلف ، أي قرب إلى جمع ، فسمي المزدلفة .
وروي عن أبي صالح عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام رأى ليلة التروية في منامه أنه يؤمر بذبح ابنه فلما أصبح روى يومه أجمع أي فكر ، أمن الله تعالى هذه الرؤيا أم من الشيطان ؟ فسمي اليوم يوم التروية ، ثم رأى ذلك ليلة عرفة ثانياً فلما أصبح عرف أن ذلك من الله تعالى فسمي اليوم يوم عرفة ، وقيل سمي بذلك لعلو الناس فيه على جباله ، والعرب تسمى ما علا عرفة ، ومنه سمي عرف الديك لعلوه ، وقيل : سمي بذلك لأن الناس يعترفون في ذلك اليوم بذنوبهم ، وقيل : سمي بذلك من العرف وهو الطيب ، وسمي منىً لأنه يمنى فيه الدم ، أي يصب فيكون فيه ، فيكون فيه الفروث والدماء ، ولا يكون الموضع طيباً ، وعرفات طاهرة عنها فتكون طيبة .
قوله تعالى : { فاذكروا الله } . بالدعاء والتلبية .
قوله تعالى : { عند المشعر الحرام } . وهو ما بين جبلي المزدلفة من مرمي عرفة إلى المحسر ، وليس المأزمان ولا المحسر من المشعر الحرام ، وسمي مشعر ، من الشعار وهي العلامة لأنه من معالم الحج ، وأصل الحرام : من المنع فهو ، ممنوع أن يفعل فيه ما لم يؤذن فيه ، وسمي المزدلفة جمعاً : لأنه يجمع فيه بين صلاة المغرب والعشاء ، والإفاضة من عرفات تكون بعد غروب الشمس ، ومن جمع قبل طلوعها من يوم النحر . قال طاووس كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس ومن مزدلفة بعد أن تطلع الشمس ويقولون : أشرق ثبير كيما نغير ، فأخر الله هذه وقدم هذه .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن موسى بن عقبة عن كريب مولى عبد الله بن عباس عن أسامة بن زيد أنه سمعه يقول : دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ، ثم توضأ فلم يسبغ الوضوء ، فقلت له : الصلاة يا رسول الله قال : فقال الصلاة أمامك ، فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئاً . وقال جابر : دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المزدلفة ، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً ، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة ، ودعاه وكبره وهلله ووحده ، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فدفع قبل أن تطلع الشمس .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد ابن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا زهير بن حرب ، أخبرنا وهب بن جرير ، أخبرنا أبي عن يونس الأيلي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن أسامة بن زيد : كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة ، ثم أردف الفضل من مزدلفة إلى منى ، قال : فكلاهما قال : لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة .
قوله تعالى : { واذكروه كما هداكم } . أي واذكروه بالتوحيد والتعظيم كما ذكركم بالهداية فهداكم لدينه ومناسك حجه .
قوله تعالى : { وإن كنتم من قبله لمن الضالين } . أي وقد كنتم ، وقيل : وما كنتم من قبله إلا من الضالين . كقوله تعالى : ( وإن نظنك لمن الكاذبين ) أي : وما نظنك إلا من الكاذبين ، والهاء في قوله " من قبله " راجعة إلى الهدى ، وقيل : إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كناية عن غير مذكور .