روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (199)

{ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس } أي من عرفة لا من المزدلفة والخطاب عام ، والمقصود إبطال ما كان عليه الحمس من الوقوف بجمع ، فقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس وكانت سائر العرب يقفون بعرفات فلما جاء الإسلام أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله سبحانه : { ثُمَّ أَفِيضُواْ } الآية ومعناها : ثم أفيضوا أيها الحجاج من مكان أفاض جنس الناس منه قديماً وحديثاً ، وهو عرفة لا من مزدلفة ، وجعل الضمير عبارة عن الحمس يلزم منه بتر النظم إذ الضمائر السابقة واللاحقة كلها عامة ؛ والجملة معطوفة على قوله تعالى : { فَإِذَا أَفَضْتُم } ولما كان المقصود من هذه التعريض كانت في قوة ثم لا تفيضوا من المزدلفة ؛ وأتى بِثُم إيذاناً بالتفاوت بين الإفاضتين في الرتبة بأن إحداهما صواب ، والأخرى خطأ ، ولا يقدح في ذلك أن التفاوت إنما يعتبر بين المتعاطفين لا بين المعطوف عليه وما دخله حرف النفي من المعطوف لأن الحصر ممنوع ، وكذا لا يضر انفهام التفاوت من كون أحدهما مأموراً به ، والآخر منهياً عنه كيفما كان العطف لأن المراد أن كلمة ( ثم ) تؤذن بذلك مع قطع النظر عن تعلق الأمر والنهي ، وجوز أن يكون العطف على فاذكروا ويعتبر التفاوت بين الإفاضتين أيضاً كما في السابق بلا تفاوت ، وبعضهم جعله معطوفاً على محذوف أي : أفيضوا إلى منى ثم أفيضوا الخ وليس بشيء كالقول بأن في الآية تقديماً وتأخيراً والتقدير : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واستغفروا وإذا أريد بالمفاض منه المزدلفة وبالمفاض إليه منى كما قال الجبائي : بقيت كلمة ( ثم ) على ظاهرها لأن الإفاضة إلى منى بعيدة عن الإفاضة من عرفات لأن الحاج إذا أفاضوا منها عند غروب الشمس يوم عرفة يجيئون إلى المزدلفة ليلة النحر ويبيتون بها فإذا طلع الفجر وصلوا بغلس ذهبوا إلى قزح فيرقون فوقه أو يقفون بالقرب منه ثم يذهبون إلى وادي محسر ثم منه إلى منى ، والخطاب على هذا عام بلا شبهة ، والمراد من الناس الجنس كما هو الظاهر أي من حيث أفاض الناس كلهم قديماً وحديثاً ، وقيل : المراد بهم إبراهيم عليه السلام وسمي ناساً لأنه كان إماماً للناس ، وقيل : المراد هو وبنوه ، وقرئ ( الناس ) بالكسر أي الناسي والمراد به آدم عليه السلام لقوله تعالى في حقه : { فَنَسِىَ } [ طه : 115 ] وكلمة ثم على هذه القراءة للإشارة إلى بعد ما بين الإفاضة من عرفات والمخالفة عنها بناءاً على أن معنى ثم أفيضوا عليها ثم لا تخالفوا عنها لكونها شرعاً قديماً كذا قيل فليتدبر { واستغفروا الله } من جاهليتكم في تغيير المناسك ونحو { إنَّ الله غَفُورٌ } للمستغفرين { رَّحِيمٌ } بهم منعم عليهم .

( ومن باب الإشارة ) :{ ثُمَّ أَفِيضُواْ } إلى ظواهر العبادات { مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ } سائر الناس إليها وكونوا كأحدهم فإن النهاية الرجوع إلى البداية أو أفيضوا من حيث أفاض الأنبياء عليهم السلام لأجل أداء الحقوق والشفقة على عباد الله تعالى بالإرشاد والتعليم { واستغفروا الله } فقد كان الشارع الأعظم صلى الله عليه وسلم يغان على قلبه ويستغفر الله تعالى في اليوم سبعين مرة ، ومن أنت يا مسكين بعده { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ البقرة : 199 ]

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (199)

قوله تعالى : { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } . قال أهل التفسير ، كانت قريش وحلفاؤها ومن دان بدينها ، وهم الحمس ، يقفون بالمزدلفة ويقولون : نحن أهل الله ، وقطان حرمه ، فلا نخلف الحرم ولا نخرج منه ، ويتعظمون أن يقفوا مع سائر العرب بعرفات ، وسائر الناس كانوا يقفون بعرفات ، فإذا أفاض الناس من عرفات أفاض الحمس من المزدلفة ، فأمرهم الله أن يقفوا بعرفات ، ويفيضوا منها إلى جمع مع سائر الناس ، وأخبرهم أنه سنة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، وقال بعضهم : خاطب به جميع المسلمين . وقوله تعالى ( من حيث أفاض الناس ) من جمع ، أي ثم أفيضوا من جمع إلى منى ، وقالوا : لأن الإفاضة من عرفات قبل الإفاضة من جمع ، فيكف يسوغ أن يقول : فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله ثم أفيضوا من عرفات ، والأول قول أكثر أهل التفسير ، وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره : فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام . وقيل : ثم بمعنى الواو أي " وأفيضوا " كقوله تعالى : ( ثم كان من الذين آمنوا ) وأما الناس فهم العرب كلهم غير الحمس . وقال الكلبي : هم أهل اليمن وربيعة ، وقال الضحاك : الناس هاهنا إبراهيم عليه السلام وحده كقوله تعالى ( أم يحسدون الناس ) وأراد محمداً صلى الله عليه وسلم وحده . ويقال هذا الذي يقتدي به ويكون لسان قومه . وقال الزهري : الناس هاهنا آدم عليه السلام وحده دليله قراءة سعيد بن جبير " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " بالياء ويقال : هو آدم نسي عهد الله حين أكل من الشجرة .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال : سئل أسامة وأنا جالس كيف كان يسير رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حين دفع ؟ قال : كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص ، قال هشام : والنص فوق العنق .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا إبراهيم بن سويد ، حدثني عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ، قال : أخبرني سعيد بن جبير مولى واثلة الكوفي ، حدثني ابن عباس أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجراً شديداً وضرباً للإبل ، فأشار بسوطه إليهم وقال : يا أيها الناس ، عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع .

قوله تعالى : { واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } .