روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} (16)

وقوله تعالى : { تتجافي جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع } جملة مستأنفة لبيان بقية محاسنهم .

وجوز أن تكون حالية أو خبراً ثانياً للمبتدأ ، والتجافي البعد والارتفاع ؛ والجنوب جمع جنب الشقوق ، وذكر الراغب أن أصل الجنب الجارحة ثم يستعار في الناحية التي تليها كعادتهم في استعارة سائر الجوارح لذلك نحو اليمين والشمال ، و { المضاجع } جمع المضجع أماكن الاتكاء للنوم أي تتنحى وترتفع جنوبهم عن مواضع النوم وهذا كناية عن تركهم النوم ومثله قول عبد الله بن رواحة يصف النبي صلى الله عليه وسلم :

نبي تجافي جنبه عن فراشه *** إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

والمشهور أن المراد بذلك التجافي القيام لصلاة النوافل بالليل وهو قول الحسن . ومجاهد . ومالك . والأوزاعي . وغيرهم . وفي الأخبار الصحيحة ما يشهد له ، أخرج أحمد . والترمذي وصححه . والنسائي . وابن ماجه . ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة . وابن جرير . وابن أبي حاتم . والحاكم . وصححه . وابن مردويه . والبيهقي في شعب الإيمان عن معاذ بن جبل قال : «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير فقلت : يا نبي الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار ؟ قال : لقد سألت عن عظيم وأنه يسير على من يسره الله تعالى عليه تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير ؟ الصوم جنة والصدقة تطفيء الخطيئة وصلاة الرجل في جوف الليل ثم قرأ { تتجافي جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع } حتى بلغ يعملون » الحديث .

وقال أبو الدرداء . وقتادة . والضحاك هو أن يصلي الرجل العشاء والصبح في جماعة ، وعن الحسن . وعطاء هو أن لا ينام الرجل حتى يصلي العشاء ، أخرج الترمذي وصححه . وابن جرير . وغيرهما عن أنس قال : إن هذه الآية { تتجافي جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع } نزلت في انتظار الصلاة التي تدعي العتمة ، وفي رواية أخرى عنه أنه قال فيها : نزلت فينا معاشر الأنصار كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : هو أن يصلي الرجل المغرب ويصلي بعدها إلى العشاء ، فقد أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد . وابن عدي . وابن مردويه عن مالك بن دينار قال : سألت أنس بن مالك عن هذه الآية { تتجافي جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع } قال : كان قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين الأولين يصلون المغرب ويصلون بعدها إلى عشاء الآخرة فنزلت هذه الآية فيهم ، وقال قتادة . وعكرمة : هو أن يصلي الرجل ما بين المغرب والعشاء ؛ واستدل به بما أخرجه محمد بن نصر عن عبد الله بن عيسى قال : كان ناس من الأنصار يصلون ما بين المغرب والعشاء فنزلت فيهم { تتجافي جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع } .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية : تتجافي جنوبهم لذكر الله تعالى كلما استيقظوا ذكروا الله عز وجل إما في الصلاة وإما في قيام أو قعود أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله تعالى ، وروى نحوه هو . ومحمد بن نصر عن الضحاك . والجمهور عولوا على ما هو المشهور ، وفي فضل التهجد ما لا يحصى من الأخبار وأفضله على ما نص عليه غير واحد ما كان في الأسحار .

{ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ } حال من ضمير { جُنُوبُهُمْ } وقد أضيف إليه ما هو جزء ، وجوز على احتمال كون جملة { تتجافي } الخ حالية أن تكون حالاً ثانية مما جعلت تلك حالاً منه وعلى احتمال كونها خبراً ثانياً للمبتدأ أن تكون خبراً ثالثاً ، وجوز كونها مستأنفة ، والظاهر أن المراد بدعائهم ربهم سبحانه المعنى المتبادر ، وقيل : المراد به الصلاة { خَوْفًا } أي خائفين من سخطه تعالى وعذابه عز وجل وعدم قبول عبادتهم { وَطَمَعًا } في رحمته تبارك وتعالى فالمصدران حالان من ضمير { يَدَّعُونَ } وجوز أن يكونا مصدرين لمقدر أي يخافون خوفاً ويطمعون طمعاً وتكون الجملة حينئذٍ حالاً ، وأن يكونا مفعولاً له ولا يخفي أن الآية على الحالية أمدح .

{ وَمِمَّا رزقناهم } إياه من المال { يُنفِقُونَ } في وجوه الخير .

ومن باب الإشارة : وفي قوله : { وَمِمَّا رزقناهم } أي من المعارف وأنواع الفيوضات { يُنفِقُونَ } [ السجدة : 16 ] إشارة إلى تكميلهم للغير بعد كما لهم في أنفسهم وذكر القوم أن العذاب الأدنى الحرص على الدنيا . والعذاب الأكبر العذاب على ذلك .

وقال بعضهم : الأول التعب في طلب الدنيا والثاني شتات السر ، وقيل : الأول حرمان المعرفة والثاني الاحتجاب عن مشاهدة المعروف ، وقيل : الأول الهوان والثاني الخذلان

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} (16)

قوله تعالى : { تتجافى } ترتفع وتنبو ، { جنوبهم عن المضاجع } جمع مضجع ، وهو الموضع الذي يضطجع عليه ، يعني الفرس ، وهم المتهجدون بالليل ، الذين يقومون للصلاة . واختلفوا في المراد بهذه الآية ، قال أنس : نزلت فينا معشر الأنصار ، كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم . وعن أنس أيضاً قال : نزلت في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء ، وهو قول أبي حازم ومحمد بن المنكدر ، وقالا : هي صلاة الأوابين . وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال : إن الملائكة لتحف بالذين يصلون بين المغرب والعشاء ، وهي صلاة الأوابين . وقال عطاء : هم الذين لا ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة . وعن أبي الدرداء ، وأبي ذر ، وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم : هم الذين يصلون العشاء الآخرة والفجر في جماعة . وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من صلى العشاء في جماعة كان كمن قام نصف ليلة ، ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة " .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنبأنا زاهر بن أحمد ، أنبأنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنبأنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً " . وأشهر الأقاويل أن المراد منه : صلاة الليل ، وهو قول الحسن ، ومجاهد ، ومالك ، والأوزاعي وجماعة .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ، أنبأنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار ، أنبأنا أحمد بن منصور الرمادي ، أنبأنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر عن عاصم بن أبي النجود ، عن أبي وائل ، عن معاذ بن جبل قال : " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه وهو يسير فقلت : يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار ، قال : قد سألت عن أمر عظيم ، وإنه ليسير على من يسره الله عليه ، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت ، ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير ؟ الصوم جنة ، والصدقة تطفئ الخطيئة ، وصلاة الرجل في جوف الليل ، ثم قرأ : تتجافى جنوبهم عن المضاجع حتى بلغ :جزاء بما كانوا يعملون ثم قال ألا أدلك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه الجهاد ؟ قلت : بلى يا رسول الله ، قال : رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد . ثم قال : ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ قلت : بلى يا نبي الله ، قال : فأخذ بلسانه فقال : اكفف عليك هذا ، فقلت : يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ قال : ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم ، أو قال على مناخرهم ، إلا حصائد ألسنتهم " .

حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد بن زياد الحنفي ، أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد المخلدي ، أنبأنا محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، أنبأنا حمد بن زنجويه ، أنبأنا أبو عبد الله بن صالح ، حدثني معاوية بن صالح ، حدثني ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ، وقربة لكم إلى ربكم ، وتكفير للسيئات ، ومنهاة عن الإثم " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، أنبأنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، أنبأنا حميد بن زنجويه ، أنبأنا روح بن أسلم ، أنبأنا حماد بن سلمة ، أنبأنا عطاء بن السائب ، عن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عجب ربنا من رجلين : رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين جنبيه وأهله إلى صلاته ، فيقول الله لملائكته : انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه من بين جنبيه وأهله إلى صلاته رغبةً فيما عندي وشفقاً مما عندي ، ورجل غزا في سبيل الله فانهزم معه أصحابه ، فعلم ما عليه في الانهزام وما له في الرجوع ، فرجع فقاتل حتى أهريق دمه ، فيقول الله لملائكته : انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقاً مما عندي حتى أهريق دمه " .

أخبرنا أبو عثمان الضبي ، أنبأنا أبو محمد الجراح ، أنبأنا أبو العباس المحبوبي ، أنبأنا أبو عيسى الترمذي ، أنبأنا قتيبة بن سعيد ، أنبأنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن حميد بن عبد الرحمن الحيري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم ، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل " .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنبأنا أبو الحسين بن بشران ، أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار ، أنبأنا أحمد بن منصور الرمادي ، أنبأنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن ابن معانق ، عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، أعدها الله لمن ألان الكلام ، وأطعم الطعام ، وتابع الصيام ، وصلى بالليل والناس نيام " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد ابن يوسف ، أنبأنا محمد بن إسماعيل ، أنبأنا أصبغ ، أخبرني عبد الله بن وهب ، أخبرني يونس عن ابن شهاب ، أن الهيثم بن أبي سنان ، أخبره أنه سمع أبا هريرة في قصصه يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : " إن أخاً لكم لا يقول الرفث ، يعني بذلك عبد الله بن رواحة " قال :

وفينا رسول الله يتلو كتابه *** إذا انشق معروف من الفجر ساطع

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا *** به موقنات أن ما قال واقع

يبيت يجافي جنبه عن فراشه *** إذا استثقلت بالكافرين المضاجع

وقوله عز وجل : { يدعون ربهم خوفاً وطمعاً } قال ابن عباس : خوفاً من النار وطمعاً في الجنة ، { ومما رزقناهم ينفقون } قيل : أراد به الصدقة المفروضة . وقيل : عام في الواجب والتطوع .