{ والذين } مبتدأ { يُتَوَفَّوْنَ } أي تقبض أرواحهم فإن التوفي هو القبض يقال : توفيت مالي من فلان واستوفيته منه أي قبضته وأخذته . وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه فيما رواه أبو عبد الرحمن السلمي عنه والمفضل عن عاصم { يُتَوَفَّوْنَ } / بفتح الياء أي يستوفون آجالهم فعلى هذا يقال للميت متوفي بمعنى مستوف لحياته ، واستشكل بما حكي أن أبا الأسود كان خلف جنازة فقال له رجل : من المتوفي ؟ بكسر الفاء فقال : الله تعالى وكأن هذا أحد الأسباب لعلي كرم الله تعالى وجه على أن أمره بوضع كتاب النحو ، وأجاب السكاكي بأن سبب التخطئة أن السائل كان ممن لم يعرف وجه صحته فلم يصلح للخطاب به { مّنكُمْ } في محل نصب على الحال من مرفوع { يُتَوَفَّوْنَ } ومن تحتمل التبعيض وبيان الجنس والخطاب لكافة الناس بتلوين الخطاب { وَيَذَرُونَ } أي يتركون ويستعمل منه الأمر ، ولا يستعمل اسم الفاعل ولا اسم المفعول وجاء الماضي على شذوذ { أزواجا } أي نساءاً لهم .
{ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ } خبر عن ( الذين ) والرابط محذوف أي لهم أو بعدهم ، ورجح الأول : بقلة الإضمار وبما في اللام من الإيماء إلى أن العدة حق المتوفى ، وقيل : خبر لمحذوف أي أزواجهم يتربصن ، والجملة خبر ( الذين ) وبعض البصريين قدر مضافاً في صدر الكلام أي أزواج الذين وهن نساؤهم ، وفيه أنه لا يبقى ليذرون أزواجاً فائدة جديدة يعتد بها ، ويروى عن سيبويه أن ( الذين ) مبتدأ والخبر محذوف أي فيما يتلى عليكم حكم الذين الخ ، وحينئذٍ يكون جملة يتربصن بياناً لذلك الحكم وفيه كثرة الحذف ، وذهب بعض المحققين إلى أن { الذين } مبتدأ و( يتربصن ) خبره والرابط حاصل بمجرد عود الضمير إلى الأزواج لأن المعنى يتربص الأزواج اللاتي تركوهن ، وقد أجاز الأخفش والكسائي مثل ذلك ولولا أن الجمهور على منعه لكان من الحسن بمكان { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } لعل ذلك العدد لسر تفرد الله تعالى بعلمه أو علمه من شاء من عباده ، والقول بأنه لعل المقتضي لذلك أن الجنين في غالب الأمر يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكراً ولأربعة إن كان أنثى فاعتبر أقصى الأجلين وزيد عليه العشرة استظهاراً إذ ربما تضعف حركته في المبادئ فلا يحس بها مع ما فيه من المنافاة للحديث الصحيح «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله تعالى ملكاً بأربع كلمات فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح » لأن ظاهره أن نفخ الروح بعد هذه المدة مطلقاً لا يروي الغليل ولا يشفي العليل ، وتأنيث العشر قيل : لأن التمييز المحذوف هو الليالي وإلى ذلك ذهب ربيعة ويحيى بن سعيد ، وقيل : بل هو باعتبار الليالي ؛ لأنها غرر الشهور ولذلك لا يستعملون التذكير في مثله ذهاباً إلى الأيام حتى إنهم يقولون كما حكى الفراء : صمنا عشراً من شهر رمضان ، مع أن الصوم إنما يكون في الأيام ويشهد له قوله تعالى :
{ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً } [ طه : 103 ] ثم { إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً } [ طه : 4 10 ] وذكر أبو حيان أن قاعدة تذكير العدد وتأنيثه إنما هي إذا ذكر المعدود ، وأما عند حذفه فيجوز الأمران مطلقاً ولعله أولى مما قيل ، واستدل بالآية على وجوب العدة على المتوفى عنها سواء كان مدخولاً بها أو لا ، وذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلى أنه لا عدة للثانية وهو محجوج بعموم اللفظ كما ترى ، وشملت الآية المسلمة والكتابية وذات الأقراء والمستحاضة والآيسة والصغيرة والحرة والأمة كما قاله الأصم والحامل وغيرها ، لكن القياس اقتضى تنصيف المدة للأمة والإجماع خص الحامل عنه لقوله تعالى : { وأولات الاحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } [ الطلاق : 4 ] وعن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس أنها تعتد بأقصى الأجلين احتياطاً وهو لا ينافي الإجماع بل فيه عمل بمقتضى الآيتين ، واستدل بعضهم بها على أن العدة من الموت حيث علقت عليه فلو لم يبلغها موت الزوج إلا بعد مضي العدة حكم بانقضائها وهو/ الذي ذهب إليه الأكثرون والشافعي في أحد قوليه ، ويؤيده أنّ الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء عدّتها هذه المدّة ، وقيل : إنها ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تنقضي عدّتها بهذه الأيام لما روي «امرأة المفقود امرأة حتى يأتيها تبين موته أو طلاقه » .
{ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي انقضت عدّتهن { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أيها القادرون عليهن ، وقيل : الخطاب للأولياء ، وقيل : لجميع المسلمين { فِيمَا فَعَلْنَ في أَنفُسِهِنَّ } مما حرّم عليهنّ في العدّة ، وفي التقييد إشارة إلى علة النهي { بالمعروف } أي بالوجه الذي يعرفه الشرع ولا ينكره ، وقيد به للإيذان بأنه لو فعلن خلاف ذلك فعليهم أن يكفوهنّ ، فإن قصروا أثموا { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فلا تعملوا خلاف ما أمرتم به والظاهر : أنّ المخاطب به هو المخاطب في سابقه ، وجوّز أن يكون خطاباً للقادرين من الأولياء والأزواج فيكون فيه تغليبان الخطاب على الغيبة والذكور على الإناث وفيه تهديد للطائفتين ، ويحتمل أن يكون وعداً ووعيداً لهما .
{ يتوفون } : يوفيهم الله تعالى ما كتب لهم من العمر فيموتون .
{ ويذرون أزواجاً } : يتركون زوجات لهم .
{ يتربصن بأنفسهن } : ينتظرن حتى انقضاء عدتهن وهي أربعة أشهر وعشر ليال .
{ بلغن أجلهن } : بلغن انتهاء العدة .
{ لا جناح عليكم } : لا حرج عليكم أيها الأولياء فيما فعلن في أنفسهن من مس الطيب والتجمل والتعرض للخطاب .
ما زال السياق في بيان أحكام الطلاق والعدد والنفقات ففي هذه الآية ( 234 ) أن على من مات عليها زوجها أن تنتظر أربعة أشهر وعشر ليال إن كانت حرة أو نصف المدة إن كانت أمة فلا تتجمل ولا تمس طيباً ولا تتعرض للخطاب بحال تنقضي عدتها المذكورة في الآية إلا أن تكون حاملا فإن عدتها تنقضي بوضع حملها لقوله تعالى من سورة الطلاق : { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } .
فإذا بلغت أجلها أي انتهت المدة التي هي محدة فيها فلا جناح على ذوي زوجها المتوفى ولا على ذويها هي فيما تفعل بنفسها من ترك الإِحداد والتعرض للخطاب للتزوج هذا معنى قوله تعالى : { والذين يتوفون منك ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } أي بما هو مباح لهن ووعظهم في ختام الآية بقوله { والله بما تعلمون خبير } فاحذروه فلا تعملون إلا ما أذن فيه لكم .
- بيان عدة الوفاة وهي أربعة أشهر وعشر ليال ، وبينت السنّة أن عدة الأمة على النصف .
- وجوب الإِحداد على المتوفى عنها زوجها وهو عدم التزيّن ومس الطيب وعدم التعرض للخطاب وملازمة المنزل الذي توفى عنها زوجها وهي فيه فلا تخرج منه إلا لضرورة قصوى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.