روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (12)

{ وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر } أي إذا أصابه جنس الضر من مرض وفقر وغيرهما من الشدائد إصابة يسيرة ، وقيل : مطلقاً { دَعَانَا } لكشفه وإزالته { لِجَنبِهِ } في موضع الحال ولذا عطف عليه الحال الصريحة أعني قوله سبحانه : { أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا } أي دعانا مضطجعاً أو ملقى لجنبه ، واللام على ظاهرها ، وقيل : إنها بمعنى على كما في قوله تعالى : { يَخِرُّونَ لِلاْذْقَانِ } [ الإسراء : 107 ] ولا حاجة إليه وقد يعبر بعلى وهي تفيد استعلاءه عليه واللام تفيد اختصاص كينونته واستقراره بالجنب إذ لا يمكنه الاستقرار على غير تلك الهيئة ففيه مبالغة زائدة .

واختلف في ذي الحال فقيل : إنه فاعل { دَعَانَا } وقييل : هو مفعول { مَسَّ } واستضعف بأمرين : أحدهما تأخر الحال عن محلها من غير داع . الثاني أن المعنى على أنه يدعو كثيراً في كل أحواله إلا أنه خص المعدودات بالذكر لعدم خلو الإنسان عنها عادة لا أن الضر يصيبه في كل أحواله : وأجيب عن هذا بأنه لا بأس به فإنه يلزم من مسه الضر في هذه الأحوال دعاؤه فيها أيضاً لأن القيد في الشرط قيد في الجواب فإذا قلت إذا جاء زيد فقيراً أحسنا إليه فالمعنى أحسنا إليه في حال فقره وأنت تعلم أن الأظهر هو الأول ، واعتبر بعضهم توزيع هذه الأحوال على أفراد الإنسان على معنى أن من الإنسان من يدعو على هذه الحالة ومنه من يدعو على تلك ، وذكر غير واحد أنه يجوز أن يكون المراد بهذه الأحوال تعميم أصناف المضار لأنها إما خفيفة لا تمنع الشخص القيام أو متوسطة تمنعه القييام دون القعود أو شديدة تمنعه منها وانفهام ذلك منها بمعونة السياق و { إِذَا } قيل إنها على أصلها وقيل إنها للمضي { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ } الذي مسه غب ما دعانا كما ينبىء عنه الفاء { مَرَّ } أي مضى واستمر على ما كان عليه قبل ونسي حالة الجهد والبلاء أو مر عن موقف الدعاء والابتهال ونأى بجانبه ، والمرور على الأول مجاز وعلى الثاني باق على حقيقته ويكون كناية عن عدم الدعاء { كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا } أي كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن ، ومثل ذلك قوله

: ووجه مشرق النحر . . . كأن ثدياه حقان

فإن الأصل فيه كأنه فخفف كأن وحذف ضمير الشأن ، لكن صرح ابن هشام في شواهده أن ذلك غير متعين إذ يجوز كون الضمير للوجه أو للصدر على رواية وصدر وروي كأن ثدييه على إعمال كأن في اسم مذكور ولا يبعد أن يجوز ذلك في الرواية الأولى على بعض اللغات ، والجملة التشبيهية في موضع الحال من فاعل { مَرَّ } أي مر مشبهاً بمن لم يدعنا { إلى ضُرّ } أي إلى كشفه لأنه المدعو إليه ، وقيل : لا حاجة إلى التقدير ، وإلى بمعنى اللام أي لضر { مَسَّهُ } والظاهر أن هذا وصف لجنس الإنسان مطلقاً أو الكافر منه باعتبار حال بعض الأفراد ممن هو متصف بهذه الصفات .

وذكر الشهاب أن للمفسرين في المراد بالإنسان هنا ثلاثة أقوال فقيل : الجنس وقيل : الكافر وقيل : شخص معين وعليه لا حاجة إلى الاعتبار لكن لا اعتبار له { كذلك } أي مثل ذلك التزيين العجيب { زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ } أي للموصوفين بما ذكر من الصفات الذميمة { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من الإعراض عن الذكر والدعاء والانهماك في الشهوات ، والإسراف مجاوزة الحد وسموا أولئك مسرفين لما أن الله تعالى إنما أعطاهم القوى والمشاعر ليصرفوها إلى مصارفها ويستعملوها فيما خلقت له من العلوم والأعمال الصالحة وهم قد صرفوها إلى ما لا ينبغي مع أنها رأس مالهم ، وفاعل التزيين إما مالك الملك جل شأنه وإما الشيطان عليه اللعنة وقد مر تحقيق ذلك وكذلك فتذكر . وتعلق الآية الكريمة بما قبلها قيل من حيث أن في كل منهما إملاء للكفرة على طريقة الاستدراج بعد الإنقاذ من الشر المقرر في الأولى ومن الضر المقرر في الأخرى .

وذكر الإمام في وجه الانتظام مع الآية الأولى وجهين . الأول : أنه تعالى بين في الأولى أنه لو أنزل العذاب على العبد في الدنيا لهلك وأكد ذلك في هذه الآية حيث دلت على غاية ضعفه ونهاية عجزه . والثاني : أنه سبحانه أشار في الأولى إلى أن الكفرة يستعجلون نزول العذاب وبين جل شأنه في هذه أنهم كاذبون في ذلك الطلب حيث أفادت أنه لو نزل بالإنسان أدنى شيء يكرهه فإنه يتضرع إلى الله تعالى في إزالته عنه انتهى . ولكل وجهة .

وفي الآية ذم لمن يترك الدعاء في الرخاء ويهرع إليه في الشدة واللائق بحال الكامل التضرع إلى مولاه في السراء والضراء فإن ذلك أرجى للإجابة ففي الحديث «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة »

وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء قال : ادع الله تعالى يوم سرائك يستجب لك يوم ضرائك ، وفي حديث للترمذي عن أبي هريرة ، ورواه الحاكم عن سلمان وقال صحيح الإسناد «من سره أن يستجيب الله تعالى له عند الشدائد والكروب فليكثر الدعاء في الرخاء » والآثار في ذلك كثيرة .

ومن باب الإشارة :{ وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا } أو استغرق أوقاته في الدعاء { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إلى ضُرّ مَّسَّهُ } [ يونس : 12 ] هذا وصف الذين لم يدركوا حقائق العبودية في مشاهد الربوبية فإنهم إذا أظلم عليهم ليل البلاء قاموا إلى إيقاد مصباح التضرع فإذا انجلت عنهم الغياهب بسطوع أنوار فجر الفرج نسوا ما كانوا فيه ومروا كأن لم يدعوا مولاهم إلى كشف ما عناهم

. كأن الفتى لم يعر يوماً إذا اكتسى . . . ولم يك صعلوكاً إذا ما تمولا

ولو كانوا عارفين لم يبرحوا دارة التضرع وإظهار العبودية بين يديه تعالى في كل حين

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (12)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وإذا مس الإنسان الضر} يعني المرض بلاء أو شدة...

{دعانا لجنبه}، يعني لمضجعه في مرضه، {أو} دعانا {قاعدا أو قائما} كل ذلك لما كان،

{فلما كشفنا عنه ضره}، وعوفي من مرضه، {مر} يعني استمر، أي أعرض عن الدعاء، {كأن لم يدعنا إلى ضر مسه}، ولا يزال يدعونا ما احتاج إلى ربه، فإذا أعطي حاجته أمسك عن الدعاء، قال الله تعالى عند ذلك: استغنى عبدي،

{كذلك}، يعني هكذا {زين للمسرفين ما كانوا يعملون} من أعمالهم السيئة، يعني الدعاء في الشدة.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وإذا أصاب الإنسان الشدّة والجهد "دَعانا لِجَنْبِهِ "يقول: استغاث بنا في كشف ذلك عنه، "لجنبه": يعني مضطجعا لجنبه، "أوْ قاعِدا أوْ قائما" الحال التي يكون بها عند نزول ذلك الضرّ به. "فَلَمّا كَشَفْنا عَنْه ضُرّهُ" يقول: فلما فرّجنا عنه الجهد الذي أصابه، "مرّ كأنْ لَمْ يَدعُنَا إلى ضُرّ مَسّهُ" يقول: استمرّ على طريقته الأولى قبل أن يصيبه الضرّ، ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء، أو تناساه، وترك الشكر لربه الذي فرّج عنه ما كان قد نزل به من البلاء حين استعاذ به، وعاد للشرك ودعوى الآلهة والأوثان أربابا معه. يقول تعالى ذكره: "كذلكَ زُيّنَ للْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ" يقول: كما زين لهذا الإنسان الذي وصفنا صفته استمراره على كفره بعد كشف الله عنه ما كان فيه من الضرّ، كذلك زين للذين أسرفوا في الكذب على الله وعلى أنبيائه، فتجاوزوا في القول فيهم إلى غير ما أذن الله لهم به، ما كانوا يعملون من معاصي الله والشرك به...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

... (دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما) ليس على إرادة حقيقة الجنب والقعود والقيام، ولكن على الدعاء في كل حال، أي يدعوه الكفرة لما عرفوا أن الذين كانوا يعبدون من دون الله لا يملكون دفع ما حل بهم من الشدائد والمضار أقبلوا على الله بالتضرع والدعاء إليه في كشف ذلك عنهم.

ثم أخبر عن سفههم وشدة تعنتهم وعودهم إلى الخلال التي كانوا عليها من قبل، فقال: (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ) يقول، والله أعلم: (مر كأن لم يدعنا) قد نسينا في الرخاء كأن لم يعرفنا...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

إذا امتُحِنَ العبدُ وأصابه الضُّرُّ أزعجته الحالُ إلى أَنْ يرومَ التخلُّصَ مما ناله، فيعلمَ أنَّ غيْر الله لا يُنْجِيه، فتحمله الضرورةَ على صِدْق الالتجاءِ إلى الله، فإذا كَشَفَ اللَّهُ عنه ما يدعو لأَجْلِهِ شَغَلَتْه راحةُ الخلاصِ عن تلك الحالة، وزَايَلَه ذلك الالتياع، وصار كأنه لم يكن في بلاءِ قط...

ويقال بلاءُ يُلْجِئُك إلى الانتصاب بين يَدَيْ معبودِك أجدى من عطاءٍ ينْسِيك ويكفيك عنه.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... فإن قلت: فما فائدة ذكر هذه الأحوال؟ قلت: معناه أنّ المضرور لا يزال داعياً لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه الضرّ، فهو يدعونا في حالاته كلها -إن كان مضطجعاً عاجز النهض متخاذل النوء، أو كان قاعداً لا يقدر على القيام، أو كان قائماً لا يطيق المشي، والمضطرب- إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها والمسحة بتمامها. ويجوز أن يراد أن من المضرورين من هو أشدّ حالاً وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخفّ وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع للقيام، وكلهم لا يستغنون عن الدعاء واستدفاع البلاء لأنّ الإنسان للجنس. {مَرَّ} أي مضى على طريقته الأولى قبل مسّ الضرّ، ونسي حال الجهد. أو مرّ عن موقف الابتهال والتضرع لا يرجع إليه، كأنه لا عهد له به، {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا}، كأنه لم يدعنا...

{كذلك} مثل ذلك التزيين {زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ} زين الشيطان بوسوسته أو الله بخذلانه وتخليته {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الإعراض عن الذكر واتباع الشهوات.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

هذه الآية أيضاً عتاب على سوء الخلق من بعض الناس، ومضمنه النهي عن مثل هذا، والأمر بالتسليم إلى الله تعالى والضراعة إليه في كل حال والعلم بأن الخير والشر منه لا رب غيره..

{الضر} لفظ لجميع الأمراض، والرزايا في النفس والمال والأحبة هذا قول اللغويين، وقيل هو مختص برازيا البدن، الهزال والمرض، وقوله {مر} يقتضي أن نزولها في الكفار ثم هي بعد تتناول كل من دخل تحت معناها من كافر أو عاص، فمعنى الآية {مر} في إشراكه بالله وقلة توكله عليه...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في كيفية النظم وجهان:

الأول: أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه لو أنزل العذاب على العبد في الدنيا لهلك ولقضى عليه، فبين في هذه الآية ما يدل على غاية ضعفه ونهاية عجزه، ليكون ذلك مؤكدا لما ذكره من أنه لو أنزل عليه العذاب لمات.

الثاني: أنه تعالى حكى عنهم أنهم يستعجلون في نزول العذاب، ثم بين في هذه الآية أنهم كاذبون في ذلك الطلب والاستعجال، لأنه لو نزل بالإنسان أدنى شيء يكرهه ويؤذيه، فإنه يتضرع إلى الله تعالى في إزالته عنه وفي دفعه عنه وذلك يدل على أنه ليس صادقا في هذا الطلب.

المسألة الثانية: المقصود من هذه الآية، بيان أن الإنسان قليل الصبر عند نزول البلاء، قليل الشكر عند وجدان النعماء والآلاء، فإذا مسه الضر أقبل على التضرع والدعاء مضطجعا أو قائما أو قاعدا مجتهدا في ذلك الدعاء طالبا من الله تعالى إزالة تلك المحنة، وتبديلها بالنعمة والمنحة، فإذا كشف تعالى عنه ذلك بالعافية أعرض عن الشكر، ولم يتذكر ذلك الضر ولم يعرف قدر الإنعام، وصار بمنزلة من لم يدع الله تعالى لكشف ضره، وذلك يدل على ضعف طبيعة الإنسان وشدة استيلاء الغفلة والشهوة عليه، وإنما ذكر الله تعالى ذلك تنبيها على أن هذه الطريقة مذمومة، بل الواجب على الإنسان العاقل أن يكون صابرا عند نزول البلاء شاكرا عند الفوز بالنعماء، ومن شأنه أن يكون كثير الدعاء والتضرع في أوقات الراحة والرفاهية حتى يكون مجاب الدعوة في وقت المحنة... واعلم أن المؤمن إذا ابتلي ببلية ومحنة، وجب عليه رعاية أمور:

فأولها: أن يكون راضيا بقضاء الله تعالى غير معترض بالقلب واللسان عليه. وإنما وجب عليه ذلك لأنه تعالى مالك على الإطلاق وملك بالاستحقاق. فله أن يفعل في ملكه وملكه ما شاء كما يشاء، ولأنه تعالى حكيم على الإطلاق وهو منزه عن فعل الباطل والعبث، فكل ما فعله فهو حكمة وصواب، وإذا كان كذلك فحينئذ يعلم أنه تعالى إن أبقى عليه تلك المحنة فهو عدل، وإن أزالها عنه فهو فضل، وحينئذ يجب عليه الصبر والسكوت وترك القلق والاضطراب.

وثانيها: أنه في ذلك الوقت إن اشتغل بذكر الله تعالى والثناء عليه بدلا عن الدعاء كان أفضل، لقوله عليه السلام حكاية عن رب العزة « من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» ولأن الاشتغال بالذكر اشتغال بالحق، والاشتغال بالدعاء اشتغال بطلب حظ النفس، ولا شك أن الأول أفضل، ثم إن اشتغل بالدعاء وجب أن يشترط فيه أن يكون إزالته صلاحا في الدين، وبالجملة فإنه يجب أن يكون الدين راجحا عنده على الدنيا.

وثالثها: أنه سبحانه إذا أزال عنه تلك البلية فإنه يجب عليه أن يبالغ في الشكر وأن لا يخلو عن ذلك الشكر في السراء والضراء، وأحوال الشدة والرخاء، فهذا هو الطريق الصحيح عند نزول البلاء. وههنا مقام آخر أعلى وأفضل مما ذكرناه، وهو أن أهل التحقيق قالوا: إن من كان في وقت وجدان النعمة مشغولا بالنعمة لا بالمنعم كان عند البلية مشغولا بالبلاء لا بالمبلي، ومثل هذا الشخص يكون أبدا في البلاء، أما في وقت البلاء فلا شك أنه يكون في البلاء، وأما في وقت حصول النعماء فإن خوفه من زوالها يكون أشد أنواع البلاء، فإن النعمة كلما كانت أكمل وألذ وأقوى وأفضل، كان خوف زوالها أشد إيذاء وأقوى إيحاشا، فثبت أن من كان مشغولا بالنعمة كان أبدا في لجة البلية. أما من كان في وقت النعمة مشغولا بالمنعم، لزم أن يكون في وقت البلاء مشغولا بالمبلي. وإذا كان المنعم والمبلي واحدا، كان نظره أبدا على مطلوب واحد، وكان مطلوبه منزها عن التغير مقدسا عن التبدل ومن كان كذلك كان في وقت البلاء وفي وقت النعماء، غرقا في بحر السعادات، واصلا إلى أقصى الكمالات، وهذا النوع من البيان بحر لا ساحل له، ومن أراد أن يصل إليه فليكن من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر.

المسألة الثالثة: اختلفوا في {الإنسان} في قوله: {وإذا مس الإنسان الضر} فقال بعضهم: إنه الكافر، ومنهم من بالغ وقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان، فالمراد هو الكافر، وهذا باطل، لأن قوله: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه فأما من أوتى كتابه بيمينه} لا شبهة في أن المؤمن داخل فيه، وكذلك قوله: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر} وقوله: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} وقوله: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} فالذي قالوه بعيد، بل الحق أن نقول: اللفظ المفرد المحلى بالألف واللام حكمه أنه إذا حصل هناك معهود سابق انصرف إليه، وإن لم يحصل هناك معهود سابق وجب حمله على الاستغراق صونا له عن الإجمال والتعطيل. ولفظ {الإنسان} ههنا لائق بالكافر، لأن العمل المذكور لا يليق بالمسلم البتة...

المسألة الثامنة: في قوله تعالى: {كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون} أبحاث:

.. الوجه الثالث: وهو الذي خطر بالبال في هذا الوقت، أن المسرف هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس، ومعلوم أن لذات الدنيا وطيباتها خسيسة جدا في مقابلة سعادات الدار الآخرة. والله تعالى أعطاه الحواس والعقل والفهم والقدرة لاكتساب تلك السعادات العظيمة، فمن بذل هذه الآلات الشريفة لأجل أن يفوز بهذه السعادات الجسمانية الخسيسة، كان قد أنفق أشياء عظيمة كثيرة، لأجل أن يفوز بأشياء حقيرة خسيسة، فوجب أن يكون من المسرفين. البحث الثالث: الكاف في قوله تعالى: {كذلك} للتشبيه. والمعنى: كما زين لهذا الكافر هذا العمل القبيح المنكر زين للمسرفين ما كانوا يعملون من الإعراض عن الذكر ومتابعة الشهوات.

...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} هذا بيان لغريزة الإنسان العامة، وشأنه فيما يمسه من الضر، يعلم منه أن استعجال أولئك الناس بالشر تعجيزا لنبيهم ومبالغة في تكذيبه إنما هو من طغيانهم الذي خرجوا فيه عن مقتضى طبيعتهم، فهو يقول: إن الإنسان إذا أصابه من الضر ما يشعر بشدة ألمه أو خطره- من إشراف على غرق وغيره من أنواع التهلكة، أو شدة مسغبة، أو إعضال داء- دعانا ملحا في كشفه عنه في كل حال يكون عليه: دعانا مضطجعا لجنبه، أو قاعدا في كسر بيته، أو قائما على قدميه حائرا في أمره، فهو لا ينسى حاجته إلى رحمة ربه، ما دام يشعر بمس الضر ولذعه له، ويعلم من نفسه العجز عن النجاة منه، قدّم من هذه الحالات الثلاث ما يكون الإنسان فيها أشد عجزا وأقوى شعورا بالحاجة إلى ربه، فالتي تليها، فالتي تليها، وثم حالة رابعة هي سعيه لدفع الضر من طريق الأسباب فلم تذكر؛ لأن الإنسان غير المؤمن قلما يتذكر ما أودع في فطرته من الإيمان بربه -ذي السلطان الغيبي الذي هو فوق جميع الأسباب- ويشعر بحاجته إلى اللجوء إليه، ودعائه والاستغاثة به إلا عند عجزه عن الأسباب المسخرة له، والمشركون بالله تعالى أقل الناس تذكرا لذلك؛ لأنهم عند عجزهم عن الأسباب العامة المعلومة يلجؤون إلى مظنة الأسباب الموهومة، وهي المخلوقات المعبودة التي يعتقدون أن لها سلطانا غيبيا فوق الأسباب من جنس سلطان الرب الخالق عز وجل، إما لذاتها وإما بما لها من المكانة عند الله، والمثل مضروب هنا لهؤلاء.

{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ} كان الظاهر أن يقال:"فإذا كشفنا عنه ضره"، إذ هو المناسب للشرط في أول الآية، وهو في جنس الإنسان ومقتضى طبعه لا في فرد من أفراده، ونكتة هذا التعبير أن يتصور القارئ والسامع للآية كشف الضر بعد الدعاء واقعا مشاهدا من شخص معين، ويرى ما يفعل بعده لأنه أبلغ في العبرة، أي فلما كشفنا عند ضره- الذي دعانا له في حال شعوره بعجزه عن كشفه بنفسه وبغيره من الأسباب- مرّ ومضى في شؤونه على ما كان من طريقته في الغفلة عن ربه والكفر به، كأن الحال لم تتغير عليه، فلم يدعنا إلى ضر مسه، ولم نكشف عنه ضره.

{كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} كهذا النحو من معرفة الله والإخلاص في دعائه وحده في الشدة، ونسيانه والكفر به بعد كشفها، زين للمسرفين من طغاة مكة وغيرهم ما كانوا يعملون من أعمال الشرك، حتى بلغ من عنادهم للرسول صلى الله عليه وسلم واستهزائهم بما أنذرهم من عذاب أن استعجلوه بالعذاب، والإسراف رديف الطغيان وأخوه، وسيأتي مثل هذه الآية بعد عشر آيات ببيان أبلغ. وقد أسند التزيين هنا إلى المفعول؛ لأنه المقصود بالعبرة دون فاعله. وسبق مثله في آل عمران والأنعام والتوبة، وقد أسند إلى الشيطان في سورة الأنعام والأنفال، وأسند إلى الله تعالى في الأنعام أيضا بقوله: {زينا لكل أمة عملهم} [الأنعام: 108] وبينا في تفسير هذه نكتة اختلاف الإسناد في كل موضع (راجع ج 8 تفسير الطبعة الثانية).

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وبمناسبة الحديث عن استعجال الشر يعرض صورة بشرية للإنسان عندما يمسه الضر، تكشف عن التناقض في طبيعة هذا الإنسان الذي يستعجل الشر وهو يشفق من مس الضر، فإذا كشف عنه عاد إلى ما كان فيه: (وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما؛ فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه. كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون).. إنها صورة مبدعة لنموذج بشري مكرور.. وإن الإنسان ليظل مدفوعا مع تيار الحياة، يخطئ ويذنب ويطغى ويسرف، والصحة موفورة، والظروف مواتية. وليس -إلا من عصم الله ورحم- من يتذكر في إبان قوته وقدرته أن هناك ضعفا وأن هناك عجزا. وساعات الرخاء تنسي، والإحساس بالغنى يطغي.. ثم يمسه الضر فإذا هو جزوع هلوع، وإذا هو كثير الدعاء، عريض الرجاء، ضيق بالشدة مستعجل للرخاء. فإذا استجيب الدعاء وكشف الضر انطلق لا يعقب ولا يفكر ولا يتدبر. انطلق إلى ما كان فيه من قبل من اندفاع واستهتار. والسياق ينسق خطوات التعبير وإيقاعه مع الحالة النفسية التي يصورها، والنموذج البشري الذي يعرضه. فيصور منظر الضر في بطء وتلبث وتطويل: (دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً).. يعرض كل حالة وكل وضع وكل منظر، ليصور وقفة هذا الإنسان وقد توقف التيار الدافع في جسمه أو في ماله أو في قوته كما يتوقف التيار أمام السد، فيقف أو يرتد. حتى إذا رفع الحاجز (مر) كلمة واحدة تصور الاندفاع والمروق والانطلاق. (مر) لا يتوقف. ليشكر، ولا يلتفت ليتدبر، ولا يتأمل ليعتبر: (مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه).. واندفع مع تيار الحياة دون كابح ولا زاجر ولا مبالاة! وبمثل هذه الطبيعة. طبيعة التذكر فقط عند الضر، حتى إذا ارتفع انطلق ومر. بمثل هذه الطبيعة استمر المسرفون في إسرافهم، لا يحسون ما فيه من تجاوز للحدود: كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

عطف على جملة {ولو يعجل الله للناس الشر} [يونس: 11] الآية، لأن الغرض الأهم من كلتيهما هو الاعتبار بذميم أحوال المشركين تفظيعاً لحالهم وتحذيراً من الوقوع في أمثالها بقرينة تنهية هذه الآية بجملة {كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون}. فلما بُين في الآية السابقة وجه تأخير عذابِ الاستئصال عنهم وإرجاء جزائهم إلى الآخرة بُين في هذه الآية حالهم عندما يمسهم شيء من الضر وعندما يُكشف الضر عنهم. فالإنسان مراد به الجنس، والتعريف باللام يفيد الاستغراق العرفي، أي الإنسان الكافر، لأن جمهور الناس حينئذٍ كافرون... وبهذا الاعتبار يكون المنظور إليهم في هذا الحكم هم الكافرون، كما في قوله تعالى: {ويقول الإنسان أئذا ما مِت لسَوف أخرج حيا} [مريم: 66] وقوله: {يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسوّاك} [الانفطار: 6، 7]. ويأخذ المسلمون من هذا الحكم ما يناسب مقدار ما في آحادهم من بقايا هذه الحال الجاهلية فيفيق كلٌّ من غفلته. وعدل عن الإتيان بالضمير الراجع إلى (الناس) من قوله: {ولو يعجل الله للناس الشر} [يونس: 11] لأن في ذكر لفظ الإنسان إيماء إلى التذكير بنعمة الله عليهم إذ جعلهم، من أشرف الأنواع الموجودة على الأرض... واللام في قوله: لجنبه} بمعنى (على) كقوله تعالى: {يخرون لِلأذقان} [الإسراء: 109] وقوله: {وتلَّه للجبين} [الصافات: 103]. ألا ترى أنه جاء في موضع اللام حرف (على) في قوله تعالى: {فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبكم} [النساء: 103] وقوله: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} [آل عمران: 190].وهو متولد من معنى الاختصاص الذي هو أعم معاني اللام، لأن الاختصاص بالشيء يقع بكيفيات كثيرة منها استعلاؤه عليه. وإنما سلك هنا حرف الاختصاص للإشارة إلى أن الجنب مختص بالدعاء عند الضر ومتصل به فبالأولى غيره..وموضع المجرور في موضع الحال، ولذلك عطف {أو قاعداً أو قائماً} بالنصب. وإنما جعل الجنب مجروراً باللام ولم ينصب فيقال مثلاً مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً لتمثيل التمكن من حالة الراحة بذكر شق من جسده لأن ذلك أظهر في تمكنه، كما كان ذكر الإعطاء في الآيتين الأخريين.. بحيث جمع فيها بين ذكر الأعضاء وذكر الأفعال الدالة على أصل المعنى للدلالة على أنه يدعو الله في أندر الأحوال ملابَسَةً للدعاء، وهي حالة تطلب الراحة وملازمة السكون. ولذلك ابتدئ بذكر الجنب، وأما زيادة قوله: {أو قاعداً أو قائماً} فلقصد تعميم الأحوال وتكميلها، لأن المقام مقام الإطناب لزيادة تمثيل الأحوال، أي دعانا في سائر الأحوال لا يلهيه عن دعائنا شيء.

{كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون} إذ جعلها حالاً للمسرفين. وإذ عبر عن عملهم بلفظ {كانوا} الدال على أنه عملهم في ماضي أزمانهم، ولذلك جيء في شرطها وجوابها وما عطف عليهما بأفعال الماضي لأن كون ذلك حالهم فيما مضى أدخلُ في تسجيله عليهم مما لو فرض ذلك من حالهم في المستقبل إذ لعل فيهم من يتعظ بهذه الآية فيقطع عن عمله هذا أو يساق إلى النظر في الحقيقة. ولهذا فرع عليه جملة: {فلما كشفنا عنه ضره مرَّ} لأن هذا التفريع هو المقصود من الكلام إذ الحالة الأولى وهي المفرع عليها حالة محمودة لولا ما يعقبها.

وعدي الدعاء بحرف (إلى) في قوله: {إلى ضر} دون اللام كما هو الغالب في نحو قوله: دعوت لما نابني مسورا على طريقة الاستعارة التبعية بتشبيه الضر بالعدو المفاجئ الذي يدعو إلى من فاجأه ناصراً إلى دفعه. وجَعْل (إلى) بمعنى اللام بُعد عن بلاغة هذا النظم وخلط للاعتبارات البلاغية.

واختير لفظ {المسرفين} لدلالته على مبالغتهم في كفرهم، فالتعريف في المسرفين للاستغراق ليشمل المتحدث عنهم وغيرهم. وأسند فعل التزيين إلى المجهول لأن المسلمين يعلمون أن المزين للمسرفين خواطرهم الشيطانية، فقد أسند فعل التزيين إلى الشيطان غيرَ مرة، أو لأن معرفة المزين لهم غيرُ مهمة ههنا وإنما المهم الاعتبار والاتعاظ باستحسانهم أعمالهم الذميمة استحساناً شنيطاً. والمعنى أن شأن الأعمال الذميمة القبيحة إذا تكررت من أصحابها أن تصير لهم دُربة تُحسن عندهم قبائحها فلا يكادون يشعرون بقبحها فكيف يقلعون عنها..