روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ} (11)

{ لَهُ } الضمير راجع إلى من تقدم ممن أسر بالقول وجهر به إلى آخره باعتبار تأويله بالمذكور وإجرائه مجرى اسم الإشارة وكذا المذكورة بعده { معقبات } ملائكة تعتقب في حفظه وكلائته جمع معقبة من عقب مبالغة في عقبه إذا جاء على عقبه واصله من العقب وهو مؤخر الرجل ثم تجوز به عن كون الفعل بغير فاصل ومهلة كأن أحدهم يطأ عقب الآخر ، فالتفعيل للتكثير وهو إما في الفاعل أو في الفعل لا للتعدية لأن ثلاثيه متعد بنفسه ، ويجوز أن يكون إطلاق المعقبات على الملائكة عليهم السلام باعتبار أنهم يعقبون أقوال الشخص وأفعاله أي يتبعونها ويحفظونها بالكتابة . وقال الزمخشري : إن أصله معتقبات فهو من باب الافتعال فأدغمت التاء في القاف كقوله تعالى : { وَجَاء المعذرون } ( التوبة ؛ 90 ) أي المعتذرون . وتعقب بأنه وهم فاحش فإن التاء لا تدغم في القاف من كلمة أو كلمتين ، وقد نص الصرفيون على أن القاف والكاف كل منهما لا يدغم في الآخر ولا يدغمان في غيرهما ، والتاء في معقبة للمبالغة كتاء نسابة لأن الملائكة عليهم السلام غير مؤنثين ، وقيل : هي للتأنيث بمعنى أن معقبة صفة جماعة منهم ، فمعنى معقبات جماعات كل جماعة منها معقبة وليس معقبة جمع معقب ، وذكر الطبري أنه جمعه وشبه ذلك برجل ورجال ورجالات وهو كما ترى لكن أوله أبو حيان بأنه أراد بقوله : جمع معقب أنه أطلق من حيث الاستعمال على جمع معقب وإن كان أصله أن يطلق على مؤنث معقب فصار مثل الواردة للجماعة الذين يردون وإن كان أصله أن يطلق على مؤنث وارد ؛ وتشبيه ذلك بما ذكر من حيث المعنى لا من حيث صناعة النحو ، فبين أن معقبة من حيث أريد به الجمع كرجال من حيث وضع للجمع وإن معقبات من حيث استعمل جمعاً لمعقبة المستعمل في الجمع كرجالات الذي هو جمع رجال .

وقرأ أبي . وإبراهيم { *معاقيب } وهو جمع كما قال الزمخشري جمع معقب أو معقبة بتشديد القاف فيهما والياء عوض من حذف إحدى القافين في التكسير ، وقال ابن جني : إنه تكسير معقب كمطعم ومطاعيم ومقدم ومقاديم كأنه جمع على معاقبة ثم حذفت الهاء من الجمع وعوضت الياء عنها ولعله الأظهر ، وقرىء { *معتقبات } من اعتقب { مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } متعلق بمحذوف وقع صفة لمعقبات أو حالاً من الضمير في الظرف الواقع خبراً له ، فالمعنى أن المعقبات محيطة بجميع جوانبه أو هو متعلق بمعقبات و { مِنْ } لابتداء الغاية ، فالمعنى أن المعقبات تحفظ ما قدم وأخر من الأعمال أي تحفظ جميع أعماله ، وجوز أن يكون متعلقاً بقوله تعالى : { يَحْفَظُونَهُ } والجملة صفة معقبات أو حال( {[456]} ) من الضمير في الظرف .

وقرأ أبي { مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَرقيب مِنْ خَلْفِهِ } وابن عباس { وَرقباء مِنْ خَلْفِهِ } وروى مجاهد عنه أنه قرأ { لَهُ معقبات مّن * خَلْفِهِ ورقيب من*بَيْنِ يَدَيْهِ يَحْفَظُونَهُ } { مِنْ أَمْرِ الله } متعلق بما عنده و { مِنْ } للسببية أي يحفظونه من المضار بسبب أمر الله تعالى لهم بذلك ، ويؤيد ذلك أن علياً كرم الله تعالى وجهه ، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وزيد بن علي . وجعفر بن محمد . وعكرمة رضي الله تعالى عنهم قرؤا { بِأَمْرالله } بالباء وهي ظاهرة في السببية .

وجوز أن يتعلق بذلك أيضاً لكن على معنى يحفظونه من بأسه تعالى متى أذنب بالاستمهال أو الاستغفار له أي يحفظونه باستدعائهم من الله تعالى أن يمهله ويؤخر عقابه ليتوب أو يطلبون من الله تعالى أن يغفر له ولا يعذبه أصلاً ، وقال في «البحر » : إن معنى الكلام يصير على هذا الوجه إلى التضمين أي يدعون له بالحفظ من نقمات الله تعالى .

وقال الفراء . وجماعة : في الكلام تقديم وتأخير أي له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه ، وروى هذا عن مجاهد . والنخعي . وابن جريج فيكون { مِنْ أَمْرِ الله } متعلقاً بمحذوف وقع صفة لمعقبات أي كانئة من أمره تعالى ، وقيل : إنه لا يحتاج في هذا المعنى إلى دعوى تقديم وتأخير بأن يقال : إنه سبحانه وصف المعقبات بثلاث صفات . إحداها : كونها كائنة من بين يديه ومن خلفه . وثانيتها : كونها حافظة له . وثالثتها : كونها كائنة من أمره سبحانه ، وإن جعل { مِن بَيْنِ يَدَيْهِ } متعلقاً بيحفظونه يكون هناك صفتان الجملة والجار والمجرور ، وتقديم الوصف بالجملة على الوصف به سائغ شائع في الفصيح ، وكأن الوصف بالجملة الدالة على الديمومة في الحفظ لكونه آكد قدم على الوصف الآخر . وأخرج ابن أبي حاتم . وابن جرير . وأبو الشيخ عن ابن عباس أن المراد بالمعقبات الحرس الذين يتخذهم الأمراء لحفظهم من القتل ونحوه ، وروى مثله عن عكرمة ، ومعنى { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله } أنهم يحفظونهم من قضاء الله تعالى وقدره ويدفعون عنه ذلك في توهمه لجهله بالله تعالى . ويجوز أن يكون من باب الاستعارة التهكمية على حد ما اشتهر في قوله تعالى : { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ * أَلِيمٌ } [ آل عمران : 21 ] فهو مستعار لضده وحقيقته لا يحفظونه . وعلى ذلك يخرج قول بعضهم : إن المراد لا يحفظونه لا على أن هناك نفياً مقدراً كما يتوهم ، والأكثرون على أن المراد بالمعقبات الملائكة .

وفي «الصحيح » " يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر " وذكروا أن مع العبد غير الملائكة الكرام الكاتبين ملائكة حفظة ، فقد أخرج أبو داود . وابن المنذر وابن أبي الدنيا .

وغيرهم عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : لكل عبد حفظة يحفظونه لا يخر عليه حائط أو يتردى في بئر أو تصيبه دابة حتى إذا جاء القدر الذي قدر له خلت عنه الحفظة فأصابه ما شاء الله تعالى أن يصيبه .

وأخرج ابن أبي الدنيا . والطبراني . والصابوني عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وكل بالمؤمن( {[457]} ) ثلاثمائة وستون ملكاً يدفعون عنه ما لم يقدر عليه من ذلك للبصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل من الذباب في اليوم الصائف وما لو بدا لكم لرأيتموه على كل سهل وجبل كلهم باسط يديه فاغر فاه وما لو وكل العبد فيه إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين »

وأخرج ابن جرير عن كنانة العدوي قال : دخل عثمان رضي الله تعالى عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه من ملك ؟ فقال : «ملك عن يمينك على حسناتك وهو أمير على الذي على الشمال إذا عملت حسنة كتبت عشراً فإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين : أأكتب ؟ قال : لا لعله يستغفر الله تعالى ويتوب فإذا قال ثلاثاً قال : نعم اكتب أراحنا الله تعالى منه فبئس القرين ما أقل مراقبته لله سبحانه وأقل استحياءه منه تعالى يقول الله جل وعلا : { مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ ق : 18 ] وملكان من بين يديك وملكان من خلفك يقول الله تعالى : { لَهُ معقبات مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله } وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لله تعالى رفعك وإذا تجبرت على الله تعالى قصمك وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية فيه وملكان على عينك فهؤلاء عشرة أملاك ينزلون على بني آدم في النهار وينزل مثلهم في الليل »

والأخبار في هذا الباب كثيرة . واستشكل أمر الحفظ بأن المقدر لا بد من أن يكون وغير المقدر لا يكون أبداً فالحفظ من أي شيء . وأجيب بأن من القضاء والقدر ما هو معلق فيكون الحفظ منه ولهذا حسن تعاطي الأسباب وإلا فمثل ذلك وارد فيها بأن يقال : إن الأمر الذي نريد أن نتعاطاه إما أن يكون مقدراً وجوده فلا بد أن يكون أو مقدراً عدمه فلا بد أن لا يكون فما الفائدة في تعاطيه والتشبث بأسبابه . وتعقب هذا بأن ما ذكر إنما حسن منا لجهلنا بأن ما نطلبه من المعلق أو من غيره والمسألة المستشكلة ليست كذلك ، وأنت تعلم أن الله تعالى جعل في المحسوسات أسباباً محسوسة وربط بها مسبباتها حسبما تقضيه حكمته الباهرة ولو شاء لأوجد المسببات من غير أسباب لغناه جل شأنه الذاتي ، ولا مانع من أن يجعل في الأمور الغير المحسوسة أسباباً يربط بها المسببات كذلك ، وحينئذ يقال : إنه جلت عظمته جعل أولئك الحفظة أسباباً للحفظ كما جعل في المحسوس نحو الجفن للعين سبباً لحفظها مع أنه ليس سبباً إلا للحفظ مما لم يبرم من قضائه وقدره جل جلاله ، والوقوف على الحكم بأعيانها مما لم نكلف به ، والعلم بأن أفعاله تالى لا تخلو عن الحكم والمصالح على الإجمال مما يكفي المؤمن ، ويقال نحو هذا في أمر الكرام الكاتبين فهم موجودون بالنص وقد جعلهم الله تعالى حفظة لأعمال العبد كاتبين لها ونحن نؤمن بذلك وإن لم نعلم ما قلمهم وما مدادهم وما قرطاسهم وكيف كتابتهم وأين محلهم وما حكمة ذلك مع أن علمه تعالى كاف في الثواب والعقاب عليها وكذا تذكر الإنسان لها وعلمه وعلمه بها يوم القيامة كاف في دفع ما عسى أن يختلج في صدره عند معاينة ما يترتب عليها .

ومن الناس من خاض في بيان الحكمة وهو أسهل من بيان ما معها .

وذكر الإمام الرازي في جواب السؤال عن فائدة جعل الملائكة عليهم السلام موكلين علينا كلاماً طويلاً فقال : إعلم أن ذلك غير مستبعد لأن المنجمين اتفقوا على أن التدبير في كل يوم لكوكب على حدة وكذا القول في كل ليلة ، ولا شك أن لتلك الكواكب أرواحاً عندهم فتلك التدبيرات المختلفة لتلك الكواكب أوراحاً عندهم فتلك التدبيرات المختلفة لتلك الأرواح في الحقيقة ، وكذا القول في تدبير الهيلاك والكدخداه على ما يقولون . وأما أصحاب الطلسمات فهذا الكلام مشهور على ألسنتهم فإنهم يقولون : أخبرنا الطباع التام بكذا ، ومرادهم به أن لكل إنسان روحاً فلكية تتولى صلاح مهماته ودفع بلياته وآفاته ، وإذا كان هذا متفقاً عليه بين قدماء الفلاسفة وأصحاب الأحكام فكيف يستبعد مجيئة في الشرع .

وتمام التحقيق فيه أن الأرواح البشرية مختلفة في جواهرها وطبائعها فبعضها خية وبعضها شريرة وبعضها حرة وبعضها نذلة وبعضها قوية القهر وبعضها ضعيفته ، وكما أن الأمر في الأرواح البشرية كذلك فكذلك القول في الأرواح الفلكية ، ولا شك أن الأرواح الفلكية في كل باب وصفة أقوى من الأرواح البشرية ، وكل طائفة من الأرواح البشرية تكون متشاركة في طبيعة خاصة وصفة مخصوصة وتكون في مرتبة روح من الأرواح الفلكية مشاكلة لها في الطبيعة والخاصية ، فتكون تلك الأرواح البشرية كأنها أولاد لذلك الروحي الفلكي وإذا كان الأمر كذلك فإن ذلك الروح الفلكي يكون معيناً على مهماتها ومرشداً لها إلى مصالحها وعاصماً إياها عن صنوف الآفات ، وهذا كلام ذكره محققو الفلاسفة ، وبذلك يعلم أن ما وردت به الشريعة أمر مقبول عند الكل فلا يمكن استنكاره اه .

ولعل مقصوده بذلك تنظير أمر الحفظة مع العبد بأمر الأرواح الفلكية معه على زعم الفلاسفة في الجملة ، وإلا فما يقوله المسلمون في أمرهم أمر وما يقوله الفلاسفة في أمر تلك الأرواح أمر آخر وهيهات هيهات أن نقول بما قالوا فإنه بعيد عما جاء عن الشارع عليه الصلاة والسلام بمراحل ، ثم ذكر عليه الرحمة من فوائد الحفظة للأعمال أن العبد إذا علم أن الملائكة عليهم السلام يحضرونه ويحصون عليه أعماله وهم هم كان أقرب إلى الحذر عن ارتكاب المعاصي ، كمن يكون بين يدي أناس أجلاء من خدام الملك موكلين عليه فإنه لا يكاد يحاول معصية بينهم ، وقد ذكر ذلك غيره ولا يخلو عن حسن ، ثم نقل عن المتكلمين في فائدة الصحف المكتوبة أنها وزنها يوم القيامة فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية ، ويظهر كل من الأمرين للخلائق .

وتعقبه القاضي بأن ذلك بعيد لأن الأدلة قد دلت على أن كل واحد قبل مماته عند المعاينة يعلم أنه من السعداء أو من الأشقياء والعياذ بالله تعالى فلا يجوز توقف حصول المعرفة على الميزان ، ثم أجاب بأنه لا يمتنع أيضاً ما ذكرناه لأمر يرجع إلى حصول سرور العبد عند الخلق العظيم بظهور أنه من أولياء الله تعالى لهم وحصول ضد ذلك لمن كان من أعداء الله تعالى ، ولا يخفى أن هذا مبني على أن الذي يوزن هو الصحف وهو أحد أقوال في المسؤلة . نعم ذهب إليه جمع من الأجلة لحديث البطاقة والسجلات المشهور ، وكذا على أن الكتابة على معناها الظاهر وهو الذي ذهب إليه أهل الحديث بل وغيرهم فيما أعلم ونقل( {[458]} ) عن حكماء الإسلام : معنى آخر فقال : إن الكتابة عبارة عن نقوش مخصوصة وضعت بالاصطلاح لتعريف بعض المعاني المخصوصة فلو قدرنا كون تلك النقوش دالة على تلك المعاني بأعيانها وذواتها كانت تلك الكتابة أقوى وأكمل ، وحينئذ نقول : إن الإنسان إذا أتى بعمل من الأعمال مرات كثيرة متوالية حصل في نفسه بسبب ذلك ملكة قوية راسخة ، فإن كانت تلك الملكة ملكة في أعمال نافعة في السعادات الروحانية عظم ابتهاجه بعد الموت ، وإن كانت تلك الملكة ملكة ضارة في الأحوال الروحانية عظم تضرره بها بعد ، ثم قال : إذا ثبت هذا فنقول : إن التكرير الكثير إن كان سبباً لحصول تلك الملكة الراسخة كان لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الملكة ، وذلك الأثر وإن كان غير محسوس إلا أنه حاصل في الحقيقة ، وإذا عرف هذا ظهر أنه لا يحصل للإنسان لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويحصل منه في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة وآثار الشقاوة قل أو كثر ، وهذا هو المراد من كتب الأعمال عند حكماء الإسلام والله تعالى العالم بحقائق الأمور انتهى ، وقد رأيت ذلك لبعض الصوفية .

وأنت تعلم أنه خلاف ما نطقت به الآيات والأخبار ، ونحن في أمثال هذه الأمور لا نعدل عن الظاهر ما أمكن ، والحق أبلج وما بعد الحق إلا الضلال هذا . ومن الناس من جعل ضمير { لَهُ } لمن الأخير والأول أولى ، ومنهم من جعله لله تعالى وما بعده لمن وفيه تفكيك للضمائر من غير داع ، ومنهم من جعله للنبي صلى الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام معلوم من السياق وقد تقدم الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : { وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ } [ يونس : 20 ] الآية . واستدل على ذلك بما أخرجه ابن المنذر . وابن أبي حاتم . والطبراني في الكبير . وابن مردويه ، وأبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس أن أربد ابن قيس . وعامر بن الطفيل قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهيا إليه وهو عليه الصلاة والسلام جالس فجلسا بين يديه فقال عامر : ما تجعل لي إن أسلمت ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم قال : أتجعل لي إن أسلمت الأمر بعدك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل قال : فاجعل لي الوبر ولك المدر فقال صلى الله عليه وسلم : لا فلما قفى من عنده قال : لأملأنها عليك خيلاً ورجلاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يمنعك الله تعالى ، وفي رواية وابناء قيلة يريد الأوس والخزرج فلما خرجا قال عامر : يا أربد أنى سألهي محمداً عنك بالحديث فاضربه بالسيف فإن الناس إذا قتلته لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب فسنعطيهم الدية فقال أربد : افعل فأقبلا راجعين فقال عامر : يا محمد قم معي أكلمك فقام عليه الصلاة والسلام معه فخليا إلى الجدار ووقف عامر يكلمه وسل أربد السيف فلما وضع يده عليك يبست على قائمه فلم يستطع سله وأبطأ على عامر فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع فانصرف عنهما وقال عامر لأربد : ما لك ؟ قال : وضعت يدي على قائم سيفي فيبست فلما خرجا حتى إذا كانا بالرقم نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فوقع بهما أسيد قال : اشخصا يا عدوى الله تعالى لعنكم الله تعالى فقال عامر : من هذا يا سعد ؟ فقال : هذا أسيد بن حضير الكتائب فقال : أما والله إن كان حضير صديقاً لي ، ثم إن الله سبحانه أرسل على أربد صاعقة فقتلته وخرج عامر حتى إذا كان بوادي الجريد أرسل الله تعالى عليه قرحة فأدركه الموت ، وفي رواية أنه كان يصيح يا لعامر أغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية فأنزل الله تعالى فيهما :

{ الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى } [ الرعد : 8 ] إلى قوله سبحانه : { لَهُ معقبات } إلى آخره ثم قال : المعقبات من أمر الله يحفظون محمداً صلى الله عليه وسلم ، وجاء في رواية أخرى عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال : هذه للنبي عليه الصلاة والسلام خاصة ، والأكثرون على اعتبار العموم ، وسبب النزول لا يأبى ذلك والله تعالى أعلم ، ثم أنه سبحانه بعد أن ذكر إحاطة علمه بالعباد وإن لهم معقبات يحفظونهم من أمره جل شأنه نبه على لزوم الطاعة ووبال المعصية فقال عز من قائل : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ } من النعمة والعافية { حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } ما اتصفت به ذواتهم من الأحوال الجميلة لا ما أضمروه ونووه فقط ، والمراد بتغبير ذلك تبديله بخلافه لا مجرد تركه ، وجاء عن علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً يقول الله تعالى : «وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي ما من أهل قرية ولا أهل بيت ولا رجل ببادية كانوا على ما كرهت من معصيتي ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي وما من أهل قرية ولا أهل بيت ولا رجل ببادية كانوا على ما أحببت من طاعتي ثم تحولوا عنها إلى ما كرهت من معصيتي إلا تحولت لهم عما يحبون من رحمتي إلى ما يكرهون من عذابي » أخرجه ابن أبي شيبة . وأبو الشيخ . وابن مردويه .

واستشكل ظاهر الآية حيث أفادت أنه لا يقع تغيير النعم بقوم حتى يقع تغيير منهم بالمعاصي مع أن ذلك خلاف ما قررته الشريعة من أخذ العامة بذنوب الخاصة ومنه قوله سبحانه : { واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } [ الأنفال : 25 ] وقوله عليه الصلاة والسلام وقد سئل : «أنهلك وفينا الصالحون ؟ نعم إذا كثر الخبث » وقوله صلى الله عليه وسلم : «إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله سبحانه بعقاب » في أشياء كثيرة وأيضاً قد ينزل الله تعالى بالعبد مصائب يزيد بها أجره ، وقد يستدرج المذنب بترك ذلك .

وأولها ابن عطية لذلك بأن المراد حتى يقع تغيير ما منهم أو ممن هو منهم كما غير سبحانه بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة ما بأنفسهم والحق أن المراد أن ذلك عادة الله تعالى الجارية في الأكثر لا أنه سبحانه لا يصيب قوماً إلا بتقدم ذنب منهم فلا إشكال ، قيل : ولك أن تقول : إن قوله سبحانه :

{ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بقوم سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ } تتميم لتدارك ما ذكر وفيه تأمل ، والسوء يجمع كل ما يسوء من مرض وفقر وغيرهما من أنواع البلاء ، و { مَرَدَّ } مصدر ميمي أي فلا رد له ، والعامل في { إِذَا } ما دل عليه الجواب لأن معمول المصدر وكذا ما بعد الفاء لا يتقدم عليه ، والتقدير كما قال أبو البقاء وقع أو لم يرد أو نحو ذلك ، والظاهر أن { إِذَا } للكلية ، وقد جاءت كذلك في أكثر الآيات { وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ } سبحانه { مِن وَالٍ } يلي أمورهم من ضرر ونفع ويدخل في ذلك دخولاً أولياً دفع السوء عنهم ، وقيل : الأول إشارة إلى نفي الدافع بالدال وهذا إشارة إلى نفي الرافع بالراء لئلا يتكرر ولا حاجة إلى ذلك كما لا يخفى .

واستدل بالآية على أن خلاف مراد الله تعالى محال . واعترض بأنها إنما تدل على أنه تعالى إذا أراد بقوم سوءاً وجب وقوعه ولا تدل على أن كل مراد له تعالى كذلك ولا على استحالة خلافه بل على عدم وقوعه ، وأجيب بأنه لا فرق بين إرادة السوء وإرادة غيره لكن اقتصر على إرادة الأول لأن الكلام في الانتقام من الكفار وهو أبلغ في تخويفهم فإذا امتنع رد السوء فغيره كذلك ، والمراد بالاستحالة عدم الإمكان الوقوعي لا الذاتي ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر ، ومن أعجب ما قيل : إن الجمهور احتجوا بالآية على أن المعاصي مما يشملها السوء وأنها يخلقه تعالى ، ومن الناس من جعل الآية متعلقة بقوله تعالى : { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة } [ الرعد : 6 ] إلى آخره وبين ذلك أبو حيان بما لا يرتضيه إنسان ، وقيل : إن فيها إيذاناً بأنهم بما باشروه من إنكار البعث واستعجال السيئة واقتراح الآية قد غيروا ما في أنفسهم من الفطرة فاستحقوا لذلك حلول غضب الله تعالى هذا . ووقف ابن كثير على { هَادٍ } [ الرعد : 7 ] وكذا { وَاقٍ } [ الرعد : 34 ] حيث وقع وعلى { وَالٍ } هنا و { بَاقٍ } في النحل ( 96 ) بإثبات الياء وباقي السبعة وقفوا بحذفها . وفي الإقناع لأبي جعفر ابن الباذش عن ابن مجاهد الوقف في جميع الباب لابن كثير بالياء وهذا لا يعرفه المكيون ، وفيه أيضاً عن أبي يعقوب الأزرق عن ورش أنه خيره في الوقف في جميع الباب بين أن يقف بالياء وأن يقف بحذفها كذا في «البحر » وفيه أنه أثبت ابن كثير . وأبو عمرو في رواية ياء { المتعال } وقفاً ووصلاً وهو الكثير في لسان العرب وحذفها الباقون وصلاً ووقفاً لأنها كذلك رسمت في الإمام .

واستشهد سيبويه لحذفها في الفواصل والقوافي وأجاز غيره حذفها مطلقاً ووجهه حذفها مع أنها تحذف مع التنوين وأل معاقبة له أجراء المعاقب مجرى المعاقب .

ومن باب الإشارة :{ لَهُ معقبات مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله } إشارة إلى سوابق الرحمة الحافظة له من خاطفات الغضب أو الإمدادات الملكوتية الحافظة له من جن القوى الخيالية والوهمية والسبعية والبهيمية وإهلاكها أياه { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ } من النعم الظاهرة أو الباطنة { حتى يُغَيّرُواْ مّمَّا بِأَنفُسِهِمْ } من الاستعداد وقوة القبول ؛ قال النصر أبادي : إن هذا الحكم عام لكن مناقشة الخواص فوقة مناقشة العوام ، وعن بعض السلف أنه قال : إن الفأرة مزقت خفى وما أعلم ذلك إلا بذنب أحدثته وإلا لما سلطها على وتمثل بقول الشاعر :

لو كنت من مازن لم تستبح إبلى *** بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا

{ وإذا أراد الله بقومٍ سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال } [ الرعد : 11 ] إذ الكل تحت قهره سبحانه ، قال القاسم : إذا أراد الله تعالى هلاك قوم حسن موارده في أعينهم حتى يمشون إليها بتدبيرهم وأرجلهم ، ولله تعالى در من قال :

إذا لم يكن عون من الله للفتى *** فأول ما يجنى عليه اجتهاده


[456]:- وقد تكون مستأنفة اهـ منه.
[457]:- لعل التخصيص بالذكر للشرف فلا تغفل اهـ منه.
[458]:- أي الرازي اهـ منه.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ} (11)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم قال لهذا الإنسان المستخفي بالليل السارب بالنهار مع علمه بعمله {له معقبات} من الملائكة، {من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله}، يعني: بأمر الله من الإنس والجن مما لم يقدر أن يصيبه حتى تسلمه المقادير، فإذا أراد الله أن يغير ما به لم تغن عنه المعقبات شيئا.

ثم قال: {إن الله لا يغير ما بقوم} من النعمة، {حتى يغيروا ما بأنفسهم}، يعني كفار مكة... والنعمة أنه بعث فيهم رسولا من أنفسهم، وأطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف فغيروا هذه النعمة فغير الله ما بهم، فذلك قوله: {وإذا أراد الله بقوم سوءا}، يعني بالسوء العذاب، {فلا مرد له وما لهم من دونه من وال}، يعني: ولي يرد عنهم العذاب...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛

فقال بعضهم: معناه: لله تعالى ذكره "مُعَقبّات"، قالوا: الهاء في قوله «له» من ذكر اسم الله، والمعقّبات التي تتعقّب على العبد وذلك أن ملائكة الليل إذا صَعِدت بالنهار أعقبتها ملائكة النهار، فإذا انقضى النهار صعدت ملائكة النهار ثم أعقبتها ملائكة الليل، وقالوا: قيل معقبّات...

وقوله: "مِنْ بينَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ "يعني بقوله: "مِنْ بينَ يَدَيْهِ": من قدّام هذا المستخفي بالليل والسارب بالنهار، "وَمَنْ خَلْفِهِ": من وراء ظهره... وقال آخرون: بل عني بالمعقّبات في هذا الموضع: الحرس الذي يتعاقب على الأمير... وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، قول من قال: الهاء في قوله: "لَهُ مُعَقّباتٌ" من ذكر «من» التي في قوله: "وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ باللّيْلِ" وأن المعقبات من بين يديه ومن خلفه، هي حَرَسه وجَلاَوِزته كما قال ذلك مَن ذكرنا قوله.

وإنما قلنا: ذلك أولى التأويلين بالصواب لأن قوله: "لَهُ مُعَقّباتٌ" أقرب إلى قوله: "وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ باللّيْلِ" منه إلى عالم الغيب، فهي لقربها منه أولى بأن تكون من ذكره، وأن يكون المعنىّ بذلك هذا، مع دلالة قول الله: "وَإذَا أرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلا مَرَدّ لَهُ" على أنهم المعِنيّون بذلك. وذلك أنه جلّ ثناؤه ذكر قوما أهل معصية له وأهل ريبة، يستخفون بالليل ويظهرون بالنهار، ويمتنعون عند أنفسهم بحرس يحرسهم، ومَنَعَة تمنعهم من أهل طاعته أن يحولوا بينهم وبين ما يأتون من معصية الله، ثم أخبر أن الله تعالى ذكره إذا أراد بهم سوءا لم ينفعهم حرسهم، ولا يدفع عنهم حفظهم.

وقوله: "يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ"؛ اختلف أهل التأويل في تأويل هذا الحرف على نحو اختلافهم في تأويل قوله: "لَهُ مُعَقّباتٌ" فمن قال: المعقبات هي الملائكة، قال: الذين يحفظونه من أمر الله هم أيضا الملائكة، ومن قال: المعقبات هي الحرس والجلاوزة من بني آدم، قال: الذين يحفظونه من أمر الله هم أولئك الحرس.

واختلفوا أيضا في معنى قوله: "مِنْ أمْرِ اللّهِ"؛

فقال بعضهم: حِفْظهم إياه من أمره. وقال بعضهم: يحفظونه من أمر الله: بأمر الله... وقال آخرون: معنى ذلك: يحفظونه عليه من الله... عن ابن جريج: "يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْر الله" قال: يحفظون عليه من الله... يعني ابن جريج بقوله: يحفظون عليه: الملائكة الموكّلة بابن آدم، بحفظ حسناته وسيئاته، وهي المعّقبات عندنا، تحفظ على ابن آدم حسناته وسيئاته من أمر الله. وعلى هذا القول يجب أن يكون معنى قوله: "مِنْ أمْر الله" أن الحفظة من أمر الله، أو تحفظ بأمر الله، ويجب أن تكون الهاء التي في قوله: "يَحْفَظُونَهُ" وحدت وذكرت، وهي مراد بها الحسنات والسيئات، لأنها كناية عن ذكر من الذي هو مستخف بالليل وسارب بالنهار، وأن يكون المستخفي بالليل أقيم ذكره مقام الخبر عن سيئاته وحسناته، كما قيل: "وَاسْأل القَرْيَة التي كُنّا فِيها والعِيرَ التي أقْبَلْنا فِيها"...

وقوله: "إنّ اللّهَ لا يُغَيّرُ ما بِقَوْمٍ حتى يُغَيّرُوا ما بأنْفُسِهِمْ" يقول تعالى ذكره: إن الله لا يغير ما بقوم من عافية ونعمة فيزيل ذلك عنهم ويهلكهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من ذلك بظلم بعضهم بعضا واعتداء بعضهم على بعض، فتحلّ بهم حينئذٍ عقوبته وتغييره.

وقوله: "وَإذَا أرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلا مَرَدّ لَهُ" يقول: وإذا أراد الله بهؤلاء الذين يستخفون بالليل ويسربون بالنهار، لهم جند ومنعة من بين أيديهم ومن خلفهم، يحفظونهم من أمر الله هلاكا وخزيا في عاجل الدنيا "فلا مَرَدّ لَهُ" يقول: فلا يقدر على ردّ ذلك عنهم أحد غير الله.

يقول تعالى ذكره: "وَما لَهُمْ مِنْ دُونِه مِنْ وَالٍ" يقول: وما لهؤلاء القوم، والهاء والميم في «لهم» من ذكر القوم الذين في قوله: "وَإذَا أرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءا"، "مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ وَالٍ" يعني: من وال يليهم ويلي أمرهم وعقوبتهم. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: السوء: الهلكة...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" يشبه أن تكون هذه النعمة نعمة الدين من رسول الله أو القرآن أو ما كان في أمر الدين، لا يغير ذلك عليهم إلا بتغيير يكون منهم كقوله: (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم) [التوبة: 127] وكقوله: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) [الصف: 5]. ويحتمل أن يكون ذلك من النعمة الدنياوية من الصحة والسلامة والمال، لا يغير ذلك عليهم إلا بتغيير ذلك من أنفسهم...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{وما لهم مِن دونه من وال} فيه وجهان: أحدهما: من ملجأ، الثاني: يعني من ناصر...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{معقبات} جماعات من الملائكة تعتقب في حفظه وكلاءته، والأصل: معتقبات، فأدغمت التاء في القاف، كقوله {وَجَاء المعذرون} [التوبة: 90] بمعنى المعتذرون... أو هو مفعلات من عقبه إذا جاء على عقبه، كما يقال: قفاه، لأنّ بعضهم يعقب بعضاً أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه. {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله} هما صفتان جميعاً وليس {مِنْ أَمْرِ الله} بصلة للحفظ، كأنه قيل: له معقبات من أمر الله. أو يحفظونه من أجل أمر الله أي من أجل أنّ الله أمرهم بحفظه. والدليل عليه قراءة علي رضي الله عنه وابن عباس وزيد بن علي وجعفر بن محمد وعكرمة: «يحفظونه بأمر الله». أو يحفظونه من بأس الله ونقمته إذا أذنب، بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب وينيب، كقوله: {قُلْ مَن يَكْلَأكُم بالليل والنهار مِنَ الرحمن} [الأنبياء: 42] وقيل: المعقبات الحرس والجلاوزة حول السلطان، يحفظونه في توهمه وتقديره من أمر الله أي من قضاياه ونوازله، أو على التهكم به... {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ} من العافية والنعمة {حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} من الحال الجميلة بكثرة المعاصي {مِن وَالٍ} ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{له} أي لذلك المستخفي أو السارب -كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما {معقبات} أي أعوان وأنصار يتناوبون في أمره بأن يخلف كل واحد منهم صاحبه ويكون بدلاً منه. ولما كان حفظ جهتي القدام والخلف يستلزم حفظ اليمين والشمال وكان ملأ كل من الجهتين من الحفظة على المخلوق متعذراً، قال آتياً بالجار: {من بين يديه} أي من قدامه {ومن خلفه} واستأنف بيان فائدة المعقبات فقال: {يحفظونه} أي في زعمه من كل شيء يخشاه {من أمر الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة. ولما دل هذا على غاية القدرة، وجرت عادة المتمكنين من ملوك الأرض بالتعدي على جيرانهم واستلاب ممالكهم والعسف في شأنهم، زيادة في المكنة وتوسعاً في الملك، ولا سيما إذا كان ذلك الجار ظاناً مع ضعفه وعجزه أن يحفظه مانع من أخذه، أخبر تعالى من كأنه سأل عن ذلك أنه على غير هذا لغناه عنه، فقال: {إن الله} أي الذي له الإحاطة و الكمال كله {لا يغير ما بقوم} أي خيراً كان أوشراً {حتى يغيروا ما} أي الذي {بأنفسهم} مما كانوا يزينونها به من التحلي بالأعمال الصالحة والتخلي من أخلاق المفسدين، فإذا غيروا ذلك غير ما بهم إذا أراد وإن كانوا في غاية القوة. ولما كان ملوك الدنيا لا يتمكنون غالباً من جميع مراداتهم لكثرة المعارضين من الأمثال الصالحين للملك، قال تعالى عاطفاً على ما تقديره: فإذا غيروا ما بأنفسهم أنزل بهم السوء: {وإذا أراد الله} أي الذي له صفات الكمال {بقوم} أي وإن كانوا في غاية القوة {سوءاً فلا مرد له} من أحد سواه، وقد تقدم لهذه الآية في الأنفال مزيد بيان. ولما كان كل أحد دونه في الرتبة لا إمكان له أن يقوم مقامه بوجه، قال: {وما لهم} وبين سفول الرتب كلها عن رتبته فقال: {من دون} وأعرق في النفي فقال: {من} ولما كان السياق ظاهراً في أنه لا منفذ لهم مما أراده، أتى بصيغة فاعل منقوص إشارة إلى نفي أدنى وجوه الولاية فكيف بما فوقها فقال: {وال} أي من ملجأ يعيذهم، بأن الفعل معهم من الإنجاء والنصرة ما يفعل القريب مع وليه الأقرب إليه...

روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :

ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر إحاطة علمه بالعباد وأن لهم معقبات يحفظونهم من أمره جل شأنه نبه على لزوم الطاعة ووبال المعصية فقال عز من قائل: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ} من النعمة والعافية {حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} ما اتصفت به ذواتهم من الأحوال الجميلة لا ما أضمروه ونووه فقط، والمراد بتغيير ذلك تبديله بخلافه لا مجرد تركه...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(له معقبات من بين يديه ومن خلفه -يحفظونه- من أمر الله).. والحفظة التي تتعقب كل إنسان، وتحفظ كل شاردة وكل واردة وكل خاطرة وكل خالجة، والتي هي من أمر الله، لا يتعرض لها السياق هنا بوصف ولا تعريف أكثر من أنها (من أمر الله).. فلا نتعرض نحن لها: ما هي؟ وما صفاتها؟ وكيف تتعقب؟ وأين تكون؟ ولا نذهب بجو الخفاء والرهبة والتعقب الذي يسبغه السياق، فذلك هو المقصود هنا؛ وقد جاء التعبير بقدره؛ ولم يجئ هكذا جزافا؛ وكل من له ذوق بأجواء التعبير يشفق من أن يشوه هذا الجو الغامض بالكشف والتفصيل! (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).. فهو يتعقبهم بالحفظة من أمره لمراقبة ما يحدثونه من تغيير بأنفسهم وأحوالهم فيرتب عليه الله تصرفه بهم. فإنه لا يغير نعمة أو بؤسى، ولا يغير عزا أو ذلة، ولا يغير مكانة أو مهانة... إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم، فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم. وإن كان الله يعلم ما سيكون منهم قبل أن يكون. ولكن ما يقع عليهم يترتب على ما يكون منهم، ويجيء لاحقا له في الزمان بالقياس إليهم. وإنها لحقيقة تلقي على البشر تبعة ثقيلة؛ فقد قضت مشيئة الله وجرت بها سنته، أن تترتب مشيئة الله بالبشر على تصرف هؤلاء البشر؛ وأن تنفذ فيهم سنته بناء على تعرضهم لهذه السنة بسلوكهم. والنص صريح في هذا لا يحتمل التأويل. وهو يحمل كذلك -إلى جانب التبعة- دليل التكريم لهذا المخلوق الذي اقتضت مشيئة الله، أن يكون هو بعمله أداة التنفيذ لمشيئة الله فيه. وبعد تقرير المبدأ يبرز السياق حالة تغيير الله ما بقوم إلى السوء؛ لأنهم -حسب المفهوم من الآية- غيروا ما بأنفسهم إلى أسوء فأراد لهم الله السوء: (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال).. يبرز السياق هذا الجانب هنا دون الجانب الآخر لأنه في معرض الذين يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة. وقد قدم لهم هناك المغفرة على العذاب ليبرز غفلتهم، وهو هنا يبرز العاقبة السوأى وحدها لإنذارهم حيث لا يرد عذاب الله عنهم -إذا استحقوه بما في أنفسهم- ولا يعصمهم منه وال يناصرهم...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

{له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله}

جملة {له معقبات} إلى آخرها، يجوز أن تكون متصلة ب {من} الموصولة من قوله: {من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10]. على أن الجملة خبر ثانٍ عن {من أسر القول} وما عطف عليه.

والضمير في {له} والضمير المنصوب في {يحفظونه}، وضميرا {من بين يديه ومن خلفه} جاءت مفردة لأن كلا منها عائد إلى أحد أصحاب تلك الصلات حيث إن ذكرهم ذكر أقسام من الذين جعلوا سواء في علم الله تعالى، أي لكل من أسرّ القول ومنْ جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنّهار معقبات يحفظونه من غوائل تلك الأوقات.

ويجوز أن تتصل الجملة ب {من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10]، وإفراد الضمير لمراعاة عطف صلة على صلة دون إعادة الموصول. والمعنى كالوجه الأول.

و (المعقبات) جمع معَقّبة بفتح العين وتشديد القاف مكسورة اسم فاعل عَقّبه إذا تبعه. وصيغة التفعيل فيه للمبالغة في العقب. يقال: عقبه إذا اتبعه واشتقاقه من العقب يقال فكسر وهو اسم لمؤخّر الرجل فهو فَعِل مشتق من الاسم الجامد لأنّ الّذي يتبع غيره كأنّه يطأ على عقبه، والمراد: ملائكة معقّبات. والواحد معقب.

وإنما جمِع جمْع مؤنث بتأويل الجماعات.

والحفظ: المراقبة، ومنه سمي الرقيب حفيظاً. والمعنى: يراقبون كلّ أحد في أحواله من إسرار وإعلان، وسكون وحركة، أي في أحوال ذلك، قال تعالى: {وإن عليكم لحافظين} [الانفطار: 10].

و {من بين يديه ومن خلفه} مستعمل في معنى الإحاطة من الجهات كلها.

وقوله: {من أمر الله} صفة {معقبات}، أي جماعات من جند الله وأمره، كقوله تعالى: {قل الروح من أمر ربي} [الإسراء: 85] وقوله: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} [الشورى: 52] يعني القرآن.

ويجوز أن يكون الحفظ على الوجه الثاني مراداً به الوقاية والصيانة، أي يحفظون من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار، أي يقونه أضرار الليل من اللصوص وذوات السموم، وأضرارَ النّهار نحو الزحام والقتال، فيكون {من أمر الله} جاراً ومجروراً لغواً متعلقاً ب {يحفظونه}، أي يقُونه من مخلوقات الله. وهذا منّة على العباد بلطف الله بهم وإلا لكان أدنى شيء يضر بهم. قال تعالى: {الله لطيف بعباده} [سورة الشورى: 19].

{إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال}.

جملة معترضة بين الجمل المتقدمة المسوقة للاستدلال على عظيم قدرة الله تعالى وعلمه بمصنوعاته وبين التذكير بقوة قدرته وبين جملة {هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً} [سورة الرعد: 12]. والمقصود تحذيرهم من الإصرار على الشّرك بتحذيرهم من حلول العقاب في الدنيا في مقابلة استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة، ذلك أنهم كانوا في نعمة من العيش فبطروا النعمة وقابلوا دعوة الرسول بالهزء وعاملوا المؤمنين بالتّحقير {وقالوا لو نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31] {وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا} [المزمل: 11].

فذكرهم الله بنعمته عليهم ونبههم إلى أنّ زوالها لا يكون إلاّ بسبب أعمالهم السيّئة بعد ما أنذرهم ودعاهم.

والتغيير: التبديل بالمُغاير، فلا جرم أنه تديد لأولي النعمة من المشركين بأنهم قد تعرضوا لتغييرها. فما صدقُ ما الموصولة حالة، والباء للملابسة، أي حالة ملابسة لقوم، أي حالة نعمة لأنها محل التحذير من التغيير، وأما غيرها فتغييره مطلوب. وأطلق التغيير في قوله: {حتى يغيروا} على التسبب فيه على طريقة المجاز العقلي.

وجملة {وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له} تصريح بمفهوم الغاية المسْتفاد من {حتى يغيروا ما بأنفسهم} تأكيداً للتحذير. لأن المقام لكونه مقام خوف ووجل يقتضي التصريح دون التعريض ولا ما يقرب منه، أي إذا أراد الله أن يغيّر ما بقوم حين يغيرون ما بأنفهسم لا يَردّ إرادته شيء. وذلك تحذير من الغرور أن يقولوا: سنسترسل على ما نحن فيه فإذا رأينا العذاب آمنا. وهذا كقوله: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس} [سورة يونس: 98] الآية.

وجملة وما لهم من دونه من وال} زيادة في التحذير من الغرور لئلا يحسبوا أن أصنامهم شفعاؤهم عند الله.

والوالي: الذي يلي أمر أحد، أي يشتغل بأمره اشتغال تدبير ونفع، مشتق من ولي إذا قَرب، وهو قرب ملابسة ومعالجة.

وقرأ الجمهور {من وال} بتنوين {وال} دون ياء في الوصل والوقف. وقرأه ابن كثير بياء بعد اللام وقفا فقط دون الوصل كما علمته في قوله تعالى {ومن يضلل الله فما له من هاد} في هذه السورة الرعد (33).

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

(السوء) ما يسوء الأمم من الهلاك أو الهزيمة، أو الخسران، أو الحرمان، أو الفساد والدمار، إذا أراد الله تعالى ذلك وأشباهه، مما تضيع به الأمم وتذهب قوتها من أعمالها، بأن ارتكبوا الشر واستعذبوا فعله، إذا أراد الله ذلك بسبب ما في نفوسهم وما يرتكبون فإنه نتيجة حتمية لعملهم، وأراده الله تعالى فيهم بسبب سوء ما يصنعون...

التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :

{إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له} والجملة الأولى جديرة بالتنويه لما تحتويه من تقرير لناموس إلهي اجتماعي يتقلب البشر وفقه بين النعم والنقم والصلاح والفساد وبالتالي لما تحتويه من تلقين جليل مستمر المدى؛ حيث قصدت تقرير كون النعم والنقم والخيرات والويلات لا تأتي على الناس عفوا، وإنما هي منوطة بسلوكهم وسيرتهم. فإذا كانوا متمتعين بالقوة والعزة والنجاح والصلاح فإنما يكون ذلك بسبب ما يقوم عليه سلوكهم من أسس الاستقامة والحق فلا تتبدل حالتهم من الحسن إلى السيئ إلا إذا انحرفوا عن الطريق القويم الذي يسيرون فيه. وإذ كانوا ضعافا يقاسون الويل والذل والفقر والفوضى فإنما يكون هذا بسبب ما يقوم عليه سلوكهم من انحراف وإهمال وفساد فلا تتبدل حالتهم من السيئ إلى الحسن إلا إذا عدلوا عما هم فيه وساروا في طريق الصلاح والاستقامة. وفي هذا ما هو ظاهر من الاتساق مع حقائق الأشياء. والإطلاق في الجملة يجعل مداها المشروح شاملا لجميع الناس والبيئات والطبقات والملل والنحل والحالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ ولذلك فإنها تصح أن تعد من أمهات وجائز الحِكم والأمثال والشواهد القرآنية البليغة. وفي سورة الأنفال آية فيها بعض المشابهة لهذه وهي: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}. [53] على أن الجملة التي نحن في صددها أشمل بسبب إطلاقها الذي يتناول حالتي النعمة والنقمة معا. وفي الجملة كما هو واضح صراحة بأن الناس يتحملون مسؤولية كسبهم بقابليتهم لتغيير ما في أنفسهم بإرادتهم مما هو متسق مع التقريرات القرآنية التي نبّهنا عليها في المناسبات العديدة السابقة. أما الجملة الثانية فليس فيها ما يفيد أن إرادة الله تعالى بقوم سوءا تكون جزافا وبدون سبب. بل إن الجملة الأولى من الآية تمنع ورود هذا الخاطر. وكل ما أرادت تقريره هو عدم قدرة أحد على منع السوء الذي تشاء حكمته إنزاله بقوم ما. وروح الجملة الأولى قوية الإلهام بأن ذلك إنما يكون حين ينحرف القوم عن الحق والهدى إلى البغي والضلال فيغير الله ما بهم وينزل نقمته عليهم. وهناك آيات فيها توضيح وتفسير ودعم حاسم لذلك. منها آية سورة القصص هذه: {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون 59} وآية سورة هود هذه: {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون 117}...

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

{إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} إشارة إلى عدل الله المطلق وحكمته البالغة، وأنه لا يسلب النعم، ويبتلي بالنقم، إلا من غير طريقته في الشكر والطاعة، فأعرض عن الله، ونأى عنه بجانبه، فإذا انتقل من المعصية إلى الطاعة، ومن الكفر إلى الشكر، ومن الانحراف إلى الاستقامة، أكرمه الله بعفوه ورضاه، وسلك به مسالك النجاة، فردا كان أو أمة...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وكلمة (له) تفيد النفعية، فإذا قلت "لك كذا "فهي عكس أن نقول "عليك كذا". وحين يقول سبحانه: {له معقبات} فكأن المعقبات لصالح الإنسان. و" معقبات "جمع مؤنث، والمفرد" معقبة"، أي: أن للحق سبحانه وتعالى ملائكة يتناوبون على حراسة الإنسان وحفظه ليلاً ونهاراً من الأشياء التي لا يمكن الاحتراز منها...

وهكذا نرى أن الحق سبحانه قد أعد للإنسان الكون قبل أن يخلقه ليستخلفه فيه؛ أعد السماوات وأعد الأرض؛ وسخر الشمس والقمر؛ وأخرج الثمرات؛ وجعل الليل يغشى النهار.

كل ذلك أعده سبحانه للخليفة قبل أن يوجد الخليفة؛ وهو سبحانه قيوم على هذا الخليفة؛ فيصونه أيضاً بعد الخلق، ولا يدعه لمقومات نفسه ليدافع عنها فيما لا يستطيع الدفاع عنها، ويكلف الله الملائكة المعقبات بذلك.

وقد ينصرف معنى المعقبات إلى الملائكة الذين يتعقبون أفعال الإنسان وكتابة حسناته وكتابة سيئاته، ويمكن أن يقوما بالعملين معاً؛ حفظه وكتابة أعماله، فإن كتبوا له الحسنات فهذا لصالحه.

ولقائل أن يقول: ولكنهم سيكتبون السيئات؛ وهذه على الإنسان وليست له. وأقول: لا؛ ويحسن أن نفهم جيداً عن المشرع الأعلى؛ ونعلم أن الإنسان إذا ما عرف أن السيئة ستحسب عليه وتحصى؛ وتكتب؛ يمسك كتابه ليقرأه؛ فلسوف يبتعد عن فعل السيئات...

ولذلك أقول دائماً: إياك أن تكره أن يكون لك أعداء؛ لأن الذي يغر الإنسان في سلوكه هو نفاق أصحابه له، أما عدوك فهو يفتح عينيه عليك طوال الوقت؛ ولذلك فأنت تحذر أن تقع في الخطأ...

إذن: فكتابة الحسنات والسيئات هي مسألة لصالح الإنسان...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{مُعَقِّبَاتٌ}: حفظة يعقبون الإنسان في مسيره إلى الله. {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} وتدخل الآية ضمن حديث الله عن تدبيره لحياة الإنسان عبر قواعد وضوابط وقوانين تحكمها في ثلاث نقاط:

إن الله قد جعل للإنسان في حياته عوامل وعناصر تحيط به من كل جوانبه وتتعاقب على مدار الساعة بحيث يتبع بعضها بعضاً بشكل متواصل، وهذا ما عبّر عنه بالمعقّبات التي تتناوب في حياته، فلا تتركه وحده، {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} بما يمثله ذلك الأمر من أوضاع وأخطار تجرها إليه سنن الله المودعة في الكون، مما قد يهدم حياته، ويهزم استقراره، إذا واجهها وحده، دون ما وفره الله لصونه من عناصر الحماية والدفاع في نفسه وجسده، بحيث لا يشعر الإنسان بالقلق والضياع أمام الكون الكبير المملوء بالأخطار والمهالك، بل يشعر بالثقة الكبيرة، لما ركّبه الله في داخله من أجهزةٍ، وهيّأ له من أسبابٍ، وما أحاطه به من عنايةٍ ورعايةٍ. فحسبه أنه يتحرك في أجواء الحفظ الشامل من قبل الله.

{إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ}: وهي النقطة الثانية في تدبير الله لأمر الإنسان، فهو لم يخضع الإنسان للقوانين الحتمية التي تتحكم به وتصوغه بطريقةٍ جامدة ثابتةٍ لا يملك معها لنفسه أية فرصةٍ للتغيير وللتبديل، بل خلقه خلقاً حيوياً يتحرك بفعل الإرادة المتحركة التي تتنوّع فيها الأفكار والمواقف، ما يجعل مصيره محكوماً لإرادته، فهو الذي يصنع تاريخه بقراره الإرادي الحر، وهو الذي يملك تغيير واقعه بتغيير الأفكار والمفاهيم والمشاعر التي تحكمه وتحرك حياته، فقد أراد الله للإنسان أن يملك حريته، ويتحمل مسؤولية نفسه من موقع هذه الحرية، كما أراد أن يدفعه إلى أن يواجه عملية التغيير في الخارج بواسطة التغيير في الداخل، فهو الذي يستطيع أن يتحكم بالظروف المحيطة به، بقدر علاقتها به، وليس من الضروري أن تتحكم به. فالإنسان هو صانع الظروف، وليست الظروف هي التي تصنعه. وعلى ضوء ذلك، نستطيع اعتبار العامل الأساس في التغيير هو الإنسان بما يحمله من مفاهيم وأفكار حول الحياة الدائرة حوله، ذلك أن المشاريع المتنوعة التي تحكم الواقع، تبدأ كفكرةٍ ثم تتحول إلى مشروع، وهذا ما يؤكد تكريم الله للإنسان في إرجاع أمره إلى نفسه، فهو الذي يغيّر واقعه بتغيير نفسه، وهو الذي يغيّر نفسه بعمق إرادته وامتداد أفقه. 3 {وَإِذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ}: فهو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في مستقبل الإنسان، في حياته وموته، في قوته وضعفه، وفي صحته ومرضه، وهكذا يملك الله إيقاع السوء بالإنسان، كما يملك دفعه عنه، ولا يملك أحدٌ له شيئاً إذا أراد الله به شيئاً {وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} يلي أمرهم ويدفع عنهم ذلك كله. وهذا ما يؤكّد للإنسان ارتباطه بربّه بالمستوى الذي ينقطع بذاك الارتباط عن غيره، طلباً لحماية نفسه من أيّ شر، الأمر الذي يدفعه للابتعاد عن إقامة أيِّ علاقةٍ مع الآخرين بغرض تأمين الحماية لذاته، فالله هو الذي يجب أن يفكر به من هذه الناحية، بالإضافة إلى النواحي الأخرى التي تفرض على الإنسان أن يعبد الله من موقع حقيقة الألوهية فيه، والعبودية في الإنسان...