{ وَيَدْعُ الإنسان بالشر } قال شيخ الإسلام : بيان لحال المهدي إثر بيان حال الهادي وإظهار لما بينهما من التباين والمراد بالإنسان الجنس أسند إليه حال بعض أفراده وهو الكافر ، وإليه يشير كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو حكى عنه حاله في بعض أحيانه كما يقتضيه ما روى عن الحسن . ومجاهد فالمعنى على الأول أن القرآن يدعو الإنسان إلى الخير الذي لا خير فوقه من الأجر الكبير ويحذره من الشر الذي لا شر وراءه من العذاب الأليم وهو أي بعض أفراده أعني الكافر يدعو لنفسه بما هو الشر من العذاب المذكور إما بلسانه حقيقة كدأب من قال منهم : { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الأنفال : 32 ] ومن قال : { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } [ الأعراف : 70 ] إلى غير ذلك مما حكى عنهم ، وإما بأعمالهم السيئة المفضية إليه الموجبة له مجازاً كما هو ديدن كلهم . وبعضهم جعل الدعاء باللسان مجازاً أيضاً عن الاستعجال استهزاء .
{ دُعَاءهُ } أي دعاء كدعائه فحذف الموصوف وحرف التشبيه وانتصب المجرور على المصدرية وهو مراد من قال : مثل دعائه { بالخير } المذكور فرضاً لا تحقيقاً فإنه بمعزل عن الدعاء به ، وفيه رمز إلى أنه اللائق بحاله .
{ وَكَانَ الإنسان } أي من أسند إليه الدعاء المذكور من أفراده { عَجُولاً } يسارع إلى طلب كل ما يخطر بباله متعامياً عن ضرره أو مبالغاً في العجلة يستعجل الشر والعذاب وهو آتيه لا محالة ففيه نوع تهكم به ، وعلى تقدير حمل الدعاء على أعمالهم تجعل العجولة على اللج والتمادي في استيجاب العذاب بتلك الأعمال( {[555]} ) ، والمعنى على الثاني أن القرآن يدعو الإنسان إلى ما هو خير وهو في بعض أحيانه كما عند الغضب يدعه ويدعو الله تعالى لنفسه وأهله وماله بما هو شر وكان الإنسان بحسب جبلته عجولاً ضجراً لا يتأنى إلى أن يزول عنه ما يعتريه .
أخرج الواقدي في المغازي عن عائشة رضي الله تعالى عنها : «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها باسير وقال لها : احتفظي به قالت : فلهوت مع امرأة فخرج ولم أشعر فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عنه فقلت : والله لا أدري وغفلت عنه فخرج فقال : قطع الله يدك ثم خرج عليه الصلاة والسلام فصاح به فخرجوا في طلبه حتى وجدوه ثم دخل علي فرآني وأنا أقرب يدي فقال : ما لك ؟ قلت : انتظر دعوتك فرفع يديه وقال : اللهم إنما أنا بشر آسف وأغضب كما يغضب البشر فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوتك عليه بدعوة فاجعلها له زكاة وطهراً »
أو يدعو بما هو شر ويحسبه خيراً وكان عجولاً غير مستبصر لا يتدبر في أموره حق التدبر ليتحقق ما هو خير حقيق بالدعاء به وهو شر جدير بالاستعاذة منه اه مع بعض زيادة وتغيير .
واختار إرادة الكافر من الإنسان الأول بعض المحققين وذكر في وجه ربط الآيات أنه تعالى لما شرح ما خص به نبيه صلى الله عليه وسلم من الإسراء وإيتاء موسى عليه السلام التوراة وما فعله بالعصاة المتمردين من تسليط البلاء عليهم كان ذلك تنبيهاً على أن طاعة الله تعالى توجب كل خير وكرامة ومعصية سبحانه توجب كل بلية وغرامة لا جرم قال : { إِنَّ هذا القرآن يهدى } [ الإسراء : 9 ] الخ ثم عطف عليه { وَجَعَلْنَا اليل } [ الإسراء : 12 ] الخ بجامع دليل العقل والسمع أو نعمتي الدين والدنيا ، وأما اتصال قوله تعالى : { وَيَدْعُ الإنسان } الخ فهو أنه سبحانه لما وصف القرآن حتى بلغ به الدرجة القصوى في الهداية أتى بذكر من أفرط في كفران هذه النعمة العظمة قائلاً { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ } [ الأنفال : 32 ] الخ .
ومثل هذا ما قيل إنه تعالى بعد إن وصف القرآن بما وصف ذم قريشاً بعدم سؤالهم الهداية به وطلبهم إنزال الحجارة عليهم أو إيتاء العذاب الأليم إن كان حقاً ، وفي «الكشف » أن قوله تعالى : { وَيَدْعُ الإنسان } الخ بيان أن القرآن يهديهم للتي هي أقوم ويأبون إلا التي هي ألوم وهو وجه للربط مطلقاً وكل ما ذكروه في ذلك متقارب .
ويرد على حمل الدعاء على الدعاء بالأعمال والعجولية على اللج والتمادي في استيجاب العذاب بتلك الأعمال خلاف المتبادر كما لا يخفى ، وفسر بعضهم الإنسان الثاني بآدم عليه السلام لما أخرج ابن جرير . وابن المنذر . وغيرهما عن سليمان الفارسي قال : أول ما خلق الله تعالى من آدم عليه السلام رأسه فجعل ينظر وهو يخلق وبقيت رجلاه ، فلما كان بعد العصر قال : يا رب أعجل قبل الليل فذلك قوله تعالى : { وَكَانَ الإنسان عَجُولاً } ، وروى نحوه عن مجاهد وروى القرطبي والعهدة عليه أنه لما وصلت الروح لعينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخلت جوفه اشتهاها فوثب عجلاً إليها فسقط ، ووجه ارتباط { وَكَانَ الإنسان } الخ على هذا القول إفادته أن عجلته بالدعاء لضجره أو لعدم تأمله من شأنه وأنه موروث له من أصله وشنشنة يعرفها من أخزم فهو اعتراض تذييلي وكلام تعليلي والأولى إرادة الجنس وإن كان ألفاظ الآية لا تنبو عن إرادة آدم عليه السلام كما زعم أبو حيان ثم أن الباء في الموضعين على ظاهرها صلة الدعاء ، وقيل : إنها بمعنى في والمعنى يدعو في حالة الشر والضر كما كان يدعو في حالة الخير فالمدعو به ليس الشر والخير ، وقيل : إنها للسببية أي يدعو بسبب ذلك وكلا القولين( {[556]} ) مخالفين للظاهر لا يعول عليهما ، واستدل بالآية على بعض الاحتمالات على المنع من دعاء الرجل على نفسه أو على ماله أو على أهله وقد جاء النهي عن ذلك صريحاً في بعض الأخبار .
فقد أخرج أبو داود والبزار عن جابر عن قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدعو على أنفسكم لا تدعوا على أولادكم لا تدعو على أموالكم لئلا توافقوا من الله تعالى ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم » وبه يرد على ما قيل من أن الدعاء بذلك لا يستجاب فضلاً من الله تعالى وكرماً . واستشكل بأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على أهله كما سمعت في حديث الواقدي ، وأجيب عن ذلك بأنه كان للزجر وإن كان وقت الغضب وقد اشترط صلى الله عليه وسلم على ربه سبحانه في مثل ذلك أن يكون رحمة فقد صح أنه عليه الصلاة والسلام قال : «إني اشترطت على ربي فقلت إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طوراً وزكاة وقربة » وذكر النووي في جواب ما يقال : إن ظاهر الحديث أن الدعاء ونحوه كان بسبب الغضب ما قال المازري من أنه يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن دعاءه وسبه ونحوهما كان مما يخير فيه بين أمرين أحدهما هذا الذي فعله والثاني زجره بأمر آخر فحمله الغضب لله تعالى على أحد الأمرين المخير فيهما وليس ذلك خارجاً عن حكم الشرع ، والمراد من قوله عليه الصلاة والسلام ليس لها بأهل ليس لها بأهل عند الله تعالى وفي باطن الأمر ولكنه في الظاهر مستوجب لذلك ، وقد يستدل على ذلك بإمارات شرعية وهو مأمور صلى الله عليه وسلم بالحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر ، وقيل : إن ما وقع منه عليه الصلاة والسلام من الدعاء ونحوه ليس بمقصود بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامهما بلا نية كتربت يمينك وعقري حلقي لكن خاف صلى الله عليه وسلم أن يصادف شيء من ذلك إجابة فسأل ربه سبحاته وتعالى ورغب إليه في أن يجعل ذلك زكاة وقربة ، نعم في ذكر حديث الواقدي ونحوه كالحديث الذي ذكره البيضاوي في المقام الذي ذكر فيه لا يخلو عن شيء فتأمل ، ثم إن القياس إثبات الواو في { يَدُعُّ } الإنسان إذ لا جازم تحذف له لكن نقل القرآن العظيم كما يمع ولم يتصرف فيه الناقل بمقدار فهمه وقوة عقله .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَاءهُ بالخير وَكَانَ الإنسان عَجُولاً } [ الإسراء : 11 ] فيه إشارة إلى أدب من آداب الدعاء وهو عدم الاستعجال فينبغي للسالك أن يصبر حتى يعرف ما يليق بحاله فيدعو به ، وقال سهل : أسلم الدعوات الذكر وترك الاختيار لأن في الذكر الكفاية وربما يسأل الإنسان ما فيه هلاكه ولا يشعر ، وفي الأثر يقول الله تعالى شأنه من شغله ذكري عن مسألتين أعطيه أفضل ما أعطى السائلين
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره مذكرا عباده أياديه عندهم، ويدعو الإنسان على نفسه وولده وماله بالشرّ، فيقول: اللهمّ أهلكه والعنه عند ضجره وغضبه، كدعائه بالخير: يقول: كدعائه ربه بأن يهب له العافية، ويرزقه السلامة في نفسه وماله وولده، يقول: فلو استجيب له في دعائه على نفسه وماله وولده بالشرّ كما يستجاب له في الخير هلك، ولكن الله بفضله لا يستجيب له في ذلك... عن ابن عباس، قوله:"وَيَدْعُ الإنْسانُ بالشّرّ دعاءَه بالخَيْرِ وكانَ الإنْسان عَجُولاً" يعني قول الإنسان: اللهمّ العنه واغضب عليه، فلو يُعَجل له ذلك كما يُعجِل له الخير، لهلك... عن مجاهد "وَيَدْعُ الإنْسانُ بالشّرّ دُعاءَهُ بالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجولاً "قال: ذلك دعاء الإنسان بالشرّ على ولده وعلى امرأته، فيعجل: فيدعو عليه، ولا يحب أن يصيبه.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
... إن كان ذلك الإنسان هو الكافر، فهو يدعو على الاستهزاء كقوله: {فأمطر علينا حجارة من السماء} الآية (الأنفال: 32) وكذلك قوله: {سأل سائل بعذاب واقع} (المعارج: 1) ونحوه. وإن كان مسلما فهو يدعو بالشر على نفسه وأهله عند الغضب على علم منه أنه (منه) ويدعو أيضا بالشر على السهو والغفلة منه نحو ما يسأل الأموال والنكاح، ولعل ذلك شر له.
{وكان الإنسان عجولا}... كل الإنسان خلق في الطبع من الأصل عجولا؛ ألا ترى أنه لا يصبر على أمر واحد ولا على شيء واحد، وإن كان نعمة لم يصبر عليها، ولكن يمل عنها، وكذلك في أدنى شدة وبلاء إذ بلي به، لم يصبر عليه، فأبدا يريد الانتقال من حال إلى حال.
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
{وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً}... ضجراً لا صبر له على سراء ولا ضرّاء.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
العجلة: طلب الشيء قبل وقته الذي لا يجوز تقديمه عليه أو ليس بأولى فيه. والسرعة عمل الشيء في أول وقته الذي هو أولى به...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
من الأدب في الدعاء أَلاَّ يسألَ العبدُ إلاَّ عند الحاجة، ثم ينظر فإنْ كان شيءٌ لا يعنيه ألا يتعرَّضَ له؛ فإنَّ في الخبر:"مِن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" ثم من آداب الداعي إذا سأل من اللَّهِ حاجَته ورأى تأخيراً في الإجابة ألا يَتَّهم الحقَّ -سبحانه- ويجب أن يعلم أن الخير في ألا يجيبَه، والاستعجالُ- فيما يختاره العبد- غيرُ محمود، وأوْلى الأشياءِ السكونُ والرضا بحُكْمِه سبحانه، إن لم يساعدْه الصبر وسَأَلَ فالواجبُ تَرْكُ الاستعجال، والثقةُ بأنَّ المقسومَ لا يفوته، وأَنَّ اختيارَ الحقِّ للعبد خيرٌ له من اختياره لنفسه...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{وَكَانَ الإنسان عَجُولاً} يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله، لا يتأنى فيه تأني المتبصر... ويجوز أن يريد بالإنسان الكافر، وأنه يدعو بالعذاب استهزاء ويستعجل به، كما يدعو بالخير إذا مسته الشدّة...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد: هذه الآية نزلت ذامة لما يفعله الناس من الدعاء على أموالهم وأبنائهم في وقت الغضب والضجر، فأخبر الله أنهم يدعون بالشر في ذلك الوقت كما تدعون بالخير في وقت التثبت، فلو أجاب الله دعاءهم أهلكهم، لكنه يصفح ولا يجيب دعاء الضجر المستعجل، ثم عذر بعض العذر في أن الإنسان له عجلة فطرية...
أقول: يحتمل أن يكون المراد: أن الإنسان قد يبالغ في الدعاء طلبا لشيء يعتقد أن خيره فيه، مع أن ذلك الشيء يكون منبع شره وضرره، وهو يبالغ في طلبه لجهله بحال ذلك الشيء، وإنما يقدم على مثل هذا العمل لكونه عجولا مغترا بظواهر الأمور غير متفحص عن حقائقها وأسرارها...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما ذكر سبحانه ما لكلامه من الدعاء إلى الأقوام، أتبعه ما عليه الإنسان من العوج الداعي له إلى العدول عن التمسك بشرائعه القويمة والإقدام على ما لا فائدة فيه، تنبيهاً على ما يجب عليه من التأني للنظر فيما يدعو إليه نفسه ووزنِه بمعيار الشرع، فقال تعالى: {ويدع} حذف واوه -الذي هو لام الفعل -... مشير إلى أنه يدعو بالشر لسفهه وقلة عقله، وهو لا يريد علو الشر عليه- بما أشير إليه بحذف ما معناه عند أهل الله الرفعة والعلو، وإلى أن غاية فعله الهلاك إلى أن يتداركه الله، وقد ذكرت حكم الوقف عليه وعلى أمثاله في سورة القمر {الإنسان} أي عند الغضب ونحوه على نفسه وعلى من يحبه، لما له من الأنس بنفسه والنسيان لما يصلحه {بالشر} أي ينادي ربه ويتضرع إليه بسبب إيقاع الشر به {دعاءه} أي مثل دعائه {بالخير} أي بحصول الخير له ولمن يحبه؛ ثم نبه على الطبع الذي هو منبع ذلك، فقال تعالى: {وكان الإنسان} أي هذا النوع بما له من قلة التدبر لاشتغاله بالنظر في عطفيته والأنس بنفسه، كوناً هو مجبول عليه {عجولاً} أي مبالغاً في العجلة يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله من غير أن يتأنى فيه تأني المتبصر الذي لا يريد أن يوقع شيئاً إلا في أتم مواقعه، ولذلك يستعجل العذاب لنفسه استهزاء، ولغيره استشفاء...
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
وكان الإنسان عجولاً غيرَ متبصّر لا يتدبر في أموره حقَّ التدبر ليتحقق ما هو خيرٌ حقيقٌ بالدعاء به وما هو شرٌّ جديرٌ بالاستعاذة منه...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ذلك أنه لا يعرف مصائر الأمور وعواقبها. ولقد يفعل الفعل وهو شر، ويعجل به على نفسه وهو لا يدري. أو يدري ولكنه لا يقدر على كبح جماحه وضبط زمامه.. فأين هذا من هدى القرآن الثابت الهادئ الهادي؟ ألا إنهما طريقان مختلفان: شتان شتان. هدى القرآن وهوى الإنسان!...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
موقع هذه الآية هنا غامض، وانتزاع المعنى من نظمها وألفاظها أيضاً، ولم يأت فيها المفسرون بما ينثلج له الصدر. والذي يظهر لي أن الآية التي قبلها لما اشتملت على بشارة وإنذار، وكان المنذرون إذا سمعوا الوعيد والإنذار يستهزئون به ويقولون: {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} [يس: 48] عُطف هذا الكلام على ما سبق تنبيهاً على أن لذلك الوعد أجلاً مسمى. فالمراد بالإنسان الإنسان الذي لا يؤمن بالآخرة كما هو في قوله تعالى: {ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حياً} و {أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً} [مريم: 66 67] وإطلاق الإنسان على الكافر كثير في القرآن.
وفعل {يدعو} مستعمل في معنى يطلب ويبتغي...
وقوله: {دعاءه بالخير} مصدر يفيد تشبيهاً، أي يستعجل الشر كاستعجاله الخير، يعني يستبطئ حلول الوعيد كما يستبطئ أحد تأخر خير وعد به.
وقوله: {وكان الإنسان عجولاً} تذييل، فالإنسان هنا مراد به الجنس لأنه المناسب للتذييل، أي وما هؤلاء الكافرون الذين لا يؤمنون بالآخرة إلا من نوع الإنسان، وفي نوع الإنسان الاستعجال فإن (كان) تدل على أن اسمها متصف بخبرها اتصافاً متمكناً كقوله تعالى: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً} [الكهف: 54].
والمقصود من قوله: {وكان الإنسان عجولاً} الكناية عن عدم تبصره وأن الله أعلم بمقتضى الحكمة في توقيت الأشياء {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم} [يونس: 11]، ولكنه دَرّج لهم وصول الخير والشر لطفاً بهم في الحالين.
والباء في قوله:"بالشر" و"بالخير "لتأكيد لصوق العامل بمعموله كالتي في قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} [المائدة: 6]؛ أو لتضمين مادة الدعاء معنى الاستعجال، فيكون كقوله تعالى: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها} [الشورى: 18].
وعجول: صيغة مبالغة في عاجل. يقال: عجل فهو عاجل وعجول.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ} ويطلبه في واقع أمره، تخلّصاً من حالات الترقب والانتظار والتفكير، التي تربطه بالمستقبل الذي قد يأتي بعد وقت طويل، وبذلك يقع في كثيرٍ من الخسائر والهزائم والمشاكل، لأنه لم ينتظر الشروط الواقعية التي تنقذه منها أو من سلبيتها، أو تبدّلها إلى حالات أفضل. {دُعَآءهُ بِالْخَيْرِ} كما يدعو بالخير في شوقٍ ولهفةٍ واستعجالٍ ليحصل على لذته ومنفعته في أقرب وقت. ولكن الإنسان لا يعي ما معنى استعجال العذاب الذي يدمّر مصيره، ويحطّم كل معنى للحياة فيه، ولذلك يظل سادراً في غيّه، فيرى أنه لا يمثل الحقيقة لأنه اعتاد على أن يكون مقياسها السرعة في الوجود بشكلٍ مباشر...
{وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً} تلك هي طبيعته التي يتحرك من خلالها، وهي الأساس للكثير من أخطائه وانحرافاته ومشاكله التي يتخبّط فيها، ولكن ذلك لا يعني أنها الطبيعة الثابتة المتصلة بالتكوين الذاتي لوجوده، بحيث يكون التخلص منها تخلّصاً من جزءٍ من ذاته، بل هي الطبيعة المتحركة الناشئة من ارتباطه بعالم الحسّ في حركة حياته، فيمكن لها أن تهتز وتتراجع إذا أخذ الإنسان بأسباب الفكر، وتعامل مع الحياة بمنطق الواقع، ودرسها من خلال سنن الله في الكون التي تفرض الانتظار سنة في بعض الأمور، وعدة سنين في بعضٍ آخر، كما قد تفرض الانتظار مدة الحياة في ما يأتي في نهايتها أو بعدها...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
إِنَّ كلمة «دعا» هُنا تنطوي على معنى واسع يشمل كل طلب ورغبة للإِنسان، سواء أعلن عنها بلسانه وكلامه، أو سعى إِليها بعمله وجهده وسلوكه... إِنَّ استعجال الإِنسان واندفاعه في سبيل تحصيل المنافع لِنفسه، تقوده إلى النظرة السطحية للأُمور بحيثُ أنَّهُ لا يحيط الأشياء بالدراسة الشاملة المعمّقة ممّا يفوّت عليه تشخيص خيره الحقيقي ومنفعته الواقعية، وهكذا بنتيجة تعجّله واندفاعه المُضطرب يَضيع عليه وجه الحقيقة، ويتغيَّر مضمونها بنظره، فيقود نفسه باتجاه الشر والأعمال السيئة الضارّة. وهكذا ينتهي الإِنسان نتيجة سوء تشخيصه واضطراب مقياسه في رؤية الخير والحقيقة إلى أن يطلب من اللّه الشر، تماماً كما يطلب مِنُه الخير، وأن يسعى وراء الأعمال السيئة، كسعيه وراء الأعمال الحسنة. وهذا الاضطراب وفقدان الموازين هي أسوأ بلاء يصاب به الإِنسان ويحول بينهُ وبين السعادة الحقيقية... مِن هنا يتّضح كما أشرنا سابقاً أنَّ معنى «دعا» لا يقتصر لا على الرغبات التي يظهرها الإِنسان على لسانه، ولا على تلك الرغبات التي يسعى لتحقيقها بسلوكه وبما يبذل لها مِن جهد؛ وإِنّما المعنى يشمل محصلة الاثنين معاً. وأمّا ما ذهب إِليه بعض المفسّرين من حصر المعنى في أحدهما فليس ثمّة دليل عليه...
أمّا ما يظهر من بعض الرّوايات مِن اقتصار المعنى على الدعاء اللفظي، فإِنَّ ذلك مِن قبيل بيان المصداق لا كل المفهوم من قبيل الرّواية التي يقول فيها الإِمام الصادق (عليه السلام): «واعرف طريق نجاتك وهلاكك، كي لا تدعو اللّه بشيء عسى فيه هلاكك، وأنت تظن أنّ فيه نجاتك، قال اللّه تعالى: (ويدع الإِنسان بالشر دعائه بالخير وكانَ الإِنسان عجولا). مِن هنا يتبيّن أنّ أفضل طريق لوصول الإِنسان إلى الخير والسعادة، هو أن يكون الفرد في كل خطوة وموقف على غاية قصوى من الدقّة والحيطة والحذر، وأن يتجنب الاندفاع والعجلة والتسرُّع، ويدرس الموقف مِن جميع جوانبه، ويجانب الأحكام المتعجِّلة الممزوجة بالهوى والعاطفة، وأن يستعين باللّه العزيز ويستمده القوة والعون...