البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا} (11)

{ ويدع الإنسان } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : نزلت ذامّة لما يفعله الناس من الدعاء على أموالهم وأبنائهم في أوقات الغضب والضجر ، ومناسبتها لما قبلها أن بعض من لا يؤمن بالآخرة كان يدعو على نفسه بتعجيل ما وعد به من الشر في الآخرة ، كقول النضر : { فأمطر علينا حجارةً } الآية .

وكتب { ويدع } بغير واو على حسب السمع والإنسان هنا ليس واحداً معيناً ، والمعنى أن في طباع الإنسان أنه إذا ضجر وغضب دعا على نفسه وأهله وماله بالشر أن يصيبه كما يدعو بالخير أن يصيبه ، ثم ذكر تعالى أن ذلك من عدم تثبته وقلة صبره .

وعن سلمان الفارسي وابن عباس : أشار به إلى آدم لما نفخ الروح في رأسه عطس وأبصر ، فلما مشى الروح في بدنه قبل ساقه أعجبته نفسه فذهب يمشي مستعجلاً فلم يقدر ، أو المعنى ذو عجلة موروثة من أبيكم انتهى .

وهذا القول تنبو عنه ألفاظ الآية .

وقالت فرقة : هذه الآية ذم لقريش الذين قالوا : { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك } الآية .

وكان الأولى أن يقولوا : فاهدنا إليه وارحمنا .

وقالت فرقة : هي معاتبة للناس على أنهم إذا نالهم شر وضر دعوا وألحوا في الدعاء واستعجلوا الفرج ، مثل الدعاء الذي كان يجب أن يدعوه في حالة الخير انتهى .

والباء في { بالشر } و { بالخير } على هذا بمعنى في ، والمدعوّ به ليس الشر ولا الخير ، ويراد على هذا أن تكون حالتاه في الشر والخير متساويتين في الدعاء والتضرّع لله والرغبة والذكر ، وينبو عن هذا المعنى قوله : { دعاءه } إذ هو مصدر تشبيهي يقتضي وجوده ، وفي هذا القول شبه { دعاءه } في حالة الشر بدعاء مقصود كان ينبغي أن يوجد في حالة الخير .

وقيل : المعنى { ويدع الإنسان } في طلب المحرم كما يدعو في طلب المباح