{ وَإِذْ جَعَلْنَا البيت } عطف على { وَإِذِ ابتلى } [ البقرة : 124 ] والبيت من الأعلام الغالبة للكعبة كالنجم للثريا { مَثَابَةً لّلنَّاسِ } أي مجمعاً لهم قاله الخليل وقتادة أو معاذاً وملجأ قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، أو مرجعاً يثوب إليه أعيان الزوار أو أمثالهم قاله مجاهد وجبير ، أو مرجعاً يحق أن يرجع ويلجأ إليه قاله بعض المحققين ، أو موضع ثواب يثابون بحجه واعتماره قاله عطاء وحكاه الماوردي عن بعض أهل اللغة .
والتاء فيه وتركه لغتان كما في مقام ومقامة وهي لتأنيث البقعة وهو قول الفراء . والزجاج وقال الأخفش : إن التاء فيه للمبالغة كما في نسابة وعلامة ، وأصله مثوبة على وزن مفعلة مصدر ميمي ، أو ظرف مكان ، واللام في الناس للجنس وهو الظاهر وجوز حمله على العهد أو الاستغراق العرفي ، وقرأ الأعمش ، وطلحة ( مثابات ) على الجمع لأنه مثابة كل واحد من الناس لا يختص به أحد منهم { سَوَاء العاكف فِيهِ والباد } [ الحج : 52 ] فهو وإن كان واحداً بالذات إلا أنه متعدد باعتبار الإضافات ، وقيل : إن الجمع بتنزيل تعدد الرجوع منزلة تعدد المحل أو باعتبار أن كل جزء منه مثابة ، واختار بعضهم ذلك زعماً منه أن الأول يقتضي أن يصح التعبير عن غلام جماعة بالمملوكين ولم يعرف ، وفيه أنه قياس مع الفارق إذ له إضافة المملوكية إلى كلهم لا إلى كل واحد منهم { وَأَمْناً } عطف على { مَثَابَةً } وهو مصدر وصف به للمبالغة ، والمراد موضع أمن إما لسكانه من الخطف ؛ أو لحجاجه من العذاب حيث إن الحج يزيل ويمحو ما قبله غير حقوق العباد والحقوق المالية كالكفارة على الصحيح ، أو للجاني الملتجئ إليه من القتل وهو مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه إذ عنده لا يستوفى قصاص النفس في الحرم لكن يضيق على الجاني ولا يكلم ولا يطعم ولا يعامل حتى يخرج فيقتل ، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه من وجب عليه الحد والتجأ إليه يأمر الإمام بالتضييق عليه بما يؤدي إلى خروجه ، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل فإن لم يخرج جاز قتله فيه ، وعند الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه لا يستوفى من الملتجئ قصاص مطلقاً ولو قصاص الأطراف حتى يخرج ومن الناس من جعل ( أمنا ) مفعولاً ثانياً لمحذوف على معنى الأمر أي واجعلوه أمنا كما جعلناه مثابة وهو بعيد عن ظاهر النظم ، ولم يذكر للناس هنا كما ذكر من قبل ، اكتفاء به أو إشارة إلى العموم أي أنه أمن لكل شيء كائناً ما كان حتى الطير والوحش إلا الخمس الفواسق فإنها خصت من ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه أمن الناس دخولاً أولياً
{ واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } عطف على جعلنا أو حال من فاعله على إرادة القول أي وقلنا أو قائلين لهم اتخذوا والمأمور به الناس كما هو الظاهر أو إبراهيم عليه السلام وأولاده كما قيل ، أو عطف على اذكر المقدر عاملاً ل { إِذْ } ، أو معطوف على مضمر تقديره ثوبوا إليه { واتخذوا } وهو معترض باعتبار نيابته عن ذلك بين ( جعلنا ) و( عهدنا ) ولم يعتبر الاعتراض من دون عطف مع أنه لا يحتاج إليه ليكون الارتباط مع الجملة السابقة أظهر ، والخطاب على هذين الوجهين لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو صلى الله عليه وسلم رأس المخاطبين .
و { مِنْ } إما للتبعيض أو بمعنى في أو زائدة على مذهب الأخفش والأظهر الأول ، وقال القفال : هي مثل اتخذت من فلان صديقاً وأعطاني الله تعالى من فلان أخاً صالحاً ، دخلت لبيان المتخذ الموهوب وتمييزه ، والمقام مفعل من القيام يراد به المكان أي مكان قيامه ، وهو الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم عليه السلام حين ضعف من رفع الحجارة التي كان ولده إسماعيل يناوله إياها في بناء البيت ، وفيه أثر قدميه قاله ابن عباس ، وجابر ، وقتادة ، وغيرهم ، وأخرجه البخاري وهو قول جمهور المفسرين وروي عن الحسن أنه الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل عليه السلام تحت إحدى رجليه وهو راكب فغسلت أحد شقي رأسه ثم رفعته من تحتها وقد غاصت فيه ووضعته تحت رجله الأخرى فغسلت شقه الآخر وغاصت رجله الأخرى فيه أيضاً ، أو الموضع الذي كان فيه الحجر حين قام عليه ودعا الناس إلى الحج ورفع بناء البيت ، وهو موضعه اليوم ، فالمقام في أحد المعنيين حقيقة لغوية وفي الآخر مجاز متعارف ، ويجوز حمل اللفظ على كل منهما كذا قالوا إلا أنه استشكل تعيين الموضع بما هو الموضع بما هو الموضع اليوم لما في «فتح الباري » من أنه كان المقام أي الحجر من عهد إبراهيم عليه السلام لزيق البيت إلى أن أخره عمر رضي الله تعالى عنه إلى المكان الذي هو فيه الآن أخرجه عبد الرزاق بسند قوي ، وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن مجاهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي حوله ، فإن هذا يدل على تغاير الموضعين سواء كان المحول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو عمر رضي الله تعالى عنه ، وأيضاً كيف يمكن رفع البناء حين القيام عليه حال كونه في موضعه اليوم ؟ وهو بعيد من الحجر الأسود بسبعة وعشرين ذراعاً ، وأيضاً المشهور أن دعوة الناس إلى الحج كانت فوق أبي قبيس فإنه صعده بعد الفراغ من عمارة البيت ونادى : أيها الناس حجوا بيت ربكم فإن لم يكن الحجر معه حينئذ أشكل القول بأنه قام عليه ودعا وإن كان معه وكان الوقوف عليه فوق الجبل كما يشير إليه كلام روضة الأحباب ، وبه يحصل الجمع أشكل التعيين بما هو اليوم ، وغاية التوجيه أن يقال : لا شك أنه عليه السلام كان يحول الحجر حين البناء من موضع إلى موضع ويقوم عليه فلم يكن له موضع معين ، وكذا حين الدعوة لم يكن عند البيت بل فوق أبي قبيس فلا بد من صرف عباراتهم عن ظاهرها بأن يقال : الموضع الذي كان الحجر في أثناء زمان قيامه عليه واشتغاله بالدعوة ، أو رفع البناء لا حالة القيام عليه ، ووقع في بعض الكتب أن هذا المقام الذي فيه الحجر الآن كان بيت إبراهيم عليه السلام ، وكان ينقل هذا الحجر بعد الفراغ من العمل إليه ، وأن الحجر/ بعد إبراهيم كان موضوعاً في جوف الكعبة ، ولعل هذا هو الوجه في تخصيص هذا الموضع بالتحويل ، وما وقع في «الفتح » من أنه كان المقام من عهد إبراهيم لزيق البيت معناه بعد إتمام العمارة ، فلا ينافي أن يكون في أثنائها في الموضع الذي فيه اليوم كذا ذكره بعض المحققين فليفهم وسبب النزول ما أخرجه أبو نعيم من حديث ابن عمر :
«أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عمر رضي الله تعالى عنه فقال : يا عمر هذا مقام إبراهيم فقال عمر : أفلا نتخذه مصلى فقال : لم أومر بذلك فلم تغب الشمس حتى نزلت هذه الآية » والأمر فيها للاستحباب إذ المتبادر من المصلى موضع الصلاة مطلقاً ، وقيل : المراد به الأمر بركعتي الطواف لما أخرجه مسلم عن جابر : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين ، وقرأ الآية » فالأمر للوجوب على بعض الأقوال ، ولا يخفى ضعفه لأن فيه التقييد بصلاة مخصوصة من غير دليل وقراءته عليه الصلاة والسلام الآية حين أداء الركعتين لا يقتضي تخصيصه بهما ، وذهب النخعي ومجاهد إلى أن المراد من مقام إبراهيم الحرم كله ، وابن عباس وعطاء إلى أنه مواقف الحج كلها ، والشعبي إلى أنه عرفة ومزدلفة والجمار ، ومعنى اتخاذها مصلى أن يدعى فيها ويتقرب إلى الله تعالى عندها ، والذي عليه الجمهور ، هو ما قدمناه أولاً ، وهو الموافق لظاهر اللفظ ولعرف الناس اليوم وظواهر الأخبار تؤيده ، وقرأ نافع وابن عامر { واتخذوا } بفتح الخاء على أنه فعل ماض ، وهو حينئذ معطوف على { جَعَلْنَا } أي واتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي عرف به وأسكن ذريته عنده وهو الكعبة قبلة يصلون إليها .
فالمقام مجاز عن ذلك المحل وكذا المصلى بمعنى القبلة مجاز عن المحل الذي يتوجه إليه في الصلابة بعلاقة القرب والمجاورة
{ وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل } أي وصينا أو أمرنا أو أوحينا أو قلنا ، والذي عليه المحققون أن العهد إذا تعدى ب ( إلى ) يكون بمعنى التوصية ، ويتجوز به عن الأمر ، وإسماعيل علم أعجمي قيل : معناه بالعربية مطيع الله ، وحكي أن إبراهيم عليه السلام كان يدعو أن يرزقه الله تعالى ولداً ، ويقول : اسمع إيل أي استجب دعائي يا الله ، فلما رزقه الله تعالى ذلك سماه بتلك الجملة ، وأراه في غاية البعد وللعرب فيه لغتان اللام والنون
{ أَن طَهّرَا بَيْتِيَ } أي بأن طهرا على أن { إن } مصدرية وصلت بفعل الأمر بياناً للموصى المأمور به ، وسيبويه وأبو علي جوزا كون صلة الحروف المصدرية أمراً أو نهياً والجمهور منعوا ذلك مستدلين بأنه إذا سبك منه مصدر فات معنى الأمر ، وبأنه يجب في الموصول الاسمي كون صلته خبرية . والموصول الحرفي مثله ، وقدروا هنا قلنا ليكون مدخول الحرف المصدري خبراً ، ويردّ عليهم أولاً أن كونه مع الفعل بتأويل المصدر لا يستدعي اتحاد معناهما ضرورة عدم دلالة المصدر على الزمان مع دلالة الفعل عليه . وثانياً : أن وجوب كون الصلة خبرية في الموصول الأسمى إنما هو للتوصل إلى وصف المعارف بالجمل وهي لا توصف بها إلا إذا كانت خبرية ، وأما الموصول الحرفي فليس كذلك ، وثالثاً : أن تقدير قلنا يفضي إلى أن يكون المأمور به القول ، وليس كذلك ، وجوز أن تكون { إن } هذه مفسرة لتقدم ما يتضمن معنى القول دون حروفه ، وهو العهد ، ويحتاج حينئذ إلى تقدير المفعول إذ يشترط مع تقدم ما ذكر كون مدخولها مفسراً لمفعول مقدر أو ملفوظ أي قلنا لهما شيئاً هو : أن طهرا والمراد من التطهير التنظيف من كل ما لا يليق فيدخل فيه الأوثان والأنجاس وجميع الخبائث وما يمنع منه شرعاً كالحائض ؛ وخص مجاهد ، وابن عطاء ، ومقاتل ، وابن جبير التطهير بإزالة الأوثان ، وذكروا أن البيت كان عامراً على عهد نوح عليه السلام وأنه كان فيه أصنام على أشكال صالحيهم ، وأنه طال/ العهد فعبدت من دون الله تعالى فأمر الله تعالى بتطهيره منها ، وقيل : المراد بَخرَاهُ ونظفاه وخلقاه وارفعا عنه الفرث والدم الذي كان يطرح فيه ، وقيل : أخلصاه لمن ذكر بحيث لا يغشاه غيرهم فالتطهير عبارة عن لازمه ، ونقل عن السدي أن المراد به البناء والتأسيس على الطهارة والتوحيد وهو بعيد ، وتوجيه الأمر هنا إلى إبراهيم وإسماعيل لا ينافي ما في سورة الحج من تخصيصه بإبراهيم عليه السلام فإن ذلك واقع قبل بناء البيت كما يفصح عنه قوله تعالى : { وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت } [ الحج : 26 ] وكان إسماعيل حينئذ بمعزل من مثابة الخطاب ، وظاهر أن هذا بعد بلوغه مبلغ الأمر والنهي ، وتمام البناء بمباشرته كما ينبئ عنه إيراده إثر حكاية جعله مثابة وإضافة البيت إلى ضمير الجلالة للتشريف ك { نَاقَةُ الله } [ الأعراف : 3 7 ] لا أنه مكان له تعالى عن ذلك علواً كبيراً .
{ لِلطَّائِفِينَ } أي لأجلهم فاللام تعليلية وإن فسر التطهير بلازمه كانت صلة له ، والطائف اسم فاعل من طاف به إذا دار حوله ، والظاهر أن المراد كل من يطوف من حاضر أو باد وإليه ذهب عطاء وغيره وقال ابن جبير : المراد الغرباء الوافدون مكة حجاجاً وزواراً . { والعاكفين } وهم أهل البلد الحرام المقيمون عند ابن جبير ، وقال عطاء : هم الجالسون من غير طواف من بلدي وغريب ، وقال مجاهد : المجاورون له من الغرباء ، وقيل : هم المعتكفون فيه { والركع السجود } وهم المصلون جمع راكع وساجد ، وخص الركوع والسجود بالذكر من جميع أحوال المصلي لأنهما أقرب أحواله إليه تعالى ، وهما الركنان الأعظمان وكثيراً ما يكنى عن الصلاة بهما ، ولذا ترك العطف بينهما ولم يعبر بالمصلين مع اختصاره إيذاناً بأن المعتبر صلاة ذات ركوع وسجود لا صلاة اليهود . وقدم الركوع لتقدمه في الزمان وجمعا جمع تكسير لتغير هيأة المفرد مع مقابلتهما ما قبلهما من جمعي السلامة وفي ذلك تنويع في الفصاحة ، وخالف بين وزني تكسيرهما للتنويع مع المخالفة في الهيآت وكان آخرهما على فعول لأجل كونه فاصلة والفواصل قبل وبعد آخرها حرف قبله حرف مدّ ولين .
( ومن باب الإشارة ) : { وَإِذْ جَعَلْنَا } بيت القلب مرجعاً للناس ، ومحل أمن وسلامة لهم إذا وصلوا إليه وسكنوا فيه من شر غوائل صفات النفس ، وفتك قتال القوى الطبيعية وإفسادها ، وتخييل شياطين الوهم والخيال وإغوائهم . { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم } الذي هو مقام الروح والخلة موطناً للصلاة الحقيقية التي هي المشاهدة والخلة الذوقية { وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل } [ البقرة : 125 ] أمرناهما بتطهير بيت القلب من قاذورات أحاديث النفس ، ونجاسات وساوس الشيطان ، وأرجاس دواعي الهوى ، وأدناس صفات القوى للسالكين المشتاقين الذين يدورون حول القلب في سيرهم ، والواصلين إلى مقامه بالتوكل الذي هو توحيد الأفعال ، والخاضعين الذين بلغوا إلى مقام تجلي الصفات وكمال مرتبة الرضا ، الغائبين في الوحدة ، الفانين فيها .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"وَإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً": عطف ب«إذْ» على قوله: "وَإِذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ". وقوله: {وَإذِا ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ} معطوف على قوله: {يا بَنِي إسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي}، {واذكروا إذ ابتلى إبراهيمَ ربّه}، {وإذ جعلنا البيت مثابة}. والبيت الذي جعله الله مثابة للناس هو البيت الحرام.
وأما المثابة فإن أهل العربية مختلفون في معناها، والسبب الذي من أجله أنثت فقال بعض نحويي البصرة: ألحقت الهاء في المثابة لما كثر من يثوب إليه، كما يقال سيارة لمن يكثر ذلك، ونَسّابة.
وقال بعض نحويي الكوفة: بل المَثَابُ والمثابة بمعنى واحد، نظيرة المقام والمقامة والمقام، ذُكّر على قوله لأنه يريد به الموضع الذي يقام فيه، وأنثت المقامة لأنه أريد بها البقعة...
فمعنى قوله: {وَإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً للنّاسِ} وإذ جعلنا البيت مرجعا للناس ومعاذا يأتونه كل عام ويرجعون إليه، فلا يقضون منه وطرا...
{وأمْنا}: والأمن: مصدر من قول القائل أمِنَ يَأْمَنُ أَمْنا. وإنما سماه الله أمنا لأنه كان في الجاهلية مَعَاذا لمن استعاذ به، وكان الرجل منهم لو لقي به قاتل أبيه أو أخيه لم يهجه ولم يعرض له حتى يخرج منه، وكان كما قال الله جل ثناؤه: {أَوَ لَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنَا حَرَما آمِنا وَيُتَخَطّف النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}... من أَمّ إليه فهو آمن.
{وَاتّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى}:
اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: {وَاتّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى} بكسر الخاء على وجه الأمر باتخاذه مصلّى، وهي قراءة عامة المصريْن: الكوفة والبصرة. وقراءة عامة قرّاء أهل مكة وبعض قرّاء أهل المدينة. وذهب إليه الذين قرأوه كذلك من الخبر الذي: حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم، قالا: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حميد، عن أنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله، لو اتخذت المقام مصلّى؟ فأنزل الله: {وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى}...
قالوا: فإنما أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية أمرا منه نبيّهُ صلى الله عليه وسلم باتخاذ مقام إبراهيم مصلّى فغير جائز قراءتها وهي أمرٌ على وجه الخبر.
وقد زعم بعض نحويي البصرة أن قوله: {وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى} معطوف على قوله: {يَا بَنِي إسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي}، {وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى}، فكان الأمر بهذه الآية وباتخاذ المصلى من مقام إبراهيم على قول هذا القائل لليهود من بني إسرائيل الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم... فتأويل قائل هذا القول: "وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأتَمّهُنّ قالَ إنّي جَاعِلُكَ للنّاسِ إماما "وقال: {وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى}. والخبر الذي ذكرناه عن عمر بن الخطاب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل، يدلّ على خلاف الذي قاله هؤلاء، وأنه أمر من الله تعالى ذكره بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به وجميع الخلق المكلفين.
وقرأه بعض قرّاء أهل المدينة والشام: «واتّخَذُوا» بفتح الخاء على وجه الخبر.
ثم اختلف في الذي عطف عليه بقوله: «وَاتّخَذُوا» إذا قرئ كذلك على وجه الخبر، فقال بعض نحويي البصرة: تأويله إذا قرئ كذلك: "وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا "وإذِ "اتخذوا من مقام إبْرَاهِيمَ مصلّى".
وقال بعض نحويي الكوفة: بل ذلك معطوف على قوله: "جَعَلْنَا" فكان معنى الكلام على قوله: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس واتّخَذُوه مصلى.
والصواب من القول والقراءة في ذلك عندنا: وَاتّخِذُوا بكسر الخاء، على تأويل الأمر باتخاذ مقام إبراهيم مصلى للخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه آنفا.
{وَاتّخِذُوا مِن مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى} وفي مقام إبراهيم.
فقال بعضهم: مقام إبراهيم: هو الحجّ كله...
وقال آخرون: مقام إبراهيم عرفة والمزدلفة والجمار.
وقال آخرون: مقام إبراهيم: الحرم... الحرم كله مقام إبراهيم.
وقال آخرون: مقام إبراهيم: الحجر الذي قام عليه إبراهيم حين ارتفع بناؤه، وضعف عن رفع الحجارة.
وقال آخرون: بل مقام إبراهيم، هو مقامه الذي هو في المسجد الحرام.
وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا ما قاله القائلون إن مقام إبراهيم: هو المقام المعروف بهذا الاسم، الذي هو في المسجد الحرام لما روينا آنفا عن عمر بن الخطاب، ولما: حدثنا يوسف بن سليمان، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن، فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: {وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى} فجعل المقام بينه وبين البيت فصلى ركعتين. فهذان الخبران ينبئان أن الله تعالى ذكره إنما عنى بمقام إبراهيم الذي أمرنا الله باتخاذه مصلى هو الذي وصفنا. ولو لم يكن على صحة ما اخترنا في تأويل ذلك خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكان الواجب فيه من القول ما قلنا وذلك أن الكلام محمول معناه على ظاهره المعروف دون باطنه المجهول، حتى يأتي ما يدلّ على خلاف ذلك مما يجب التسليم له.
ولا شكّ أن المعروف في الناس بمقام إبراهيم هو المصلى الذي قال الله تعالى ذكره: {وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى} فإن أهل التأويل مختلفون في معناه، فقال بعضهم: هو المُدّعَى... عن مجاهد: مصلى إبراهيم مُدّعًى.
وقال آخرون: معنى ذلك: اتخذوا مصلى تصلون عنده... فكأن الذين قالوا تأويل المصلى ههنا المدعَى، وجهوا المصلى إلى أنه مفعّل من قول القائل: صليت بمعنى دعوت. وقائلو هذه المقالة هم الذين قالوا: إن مقام إبراهيم هو الحجّ كله.
فكان معناه في تأويل هذه الآية: واتخذوا عرفة والمزدلفة والمشعر والجمار وسائر أماكن الحجّ التي كان إبراهيم يقوم بها مداعي تدعونني عندها، وتأتمون بإبراهيم خليلي عليه السلام فيها، فإني قد جعلته لمن بعده من أوليائي وأهل طاعتي إماما يقتدون به وبآثاره، فاقتدوا به.
وأما تأويل القائلين القول الاَخر، فإنه: اتخذوا أيها الناس من مقام إبراهيم مصلى تصلون عنده، عبادة منكم، وتكرمة مني لإبراهيم. وهذا القول هو أولى بالصواب لما ذكرنا من الخبر عن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{وعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ أنْ طَهّرَا بَيْتِي}.
"وَعَهِدْنَا": وأمرنا... فمعنى الآية: وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين. والتطهير الذي أمرهما الله به في البيت، هو تطهيره من الأصنام وعبادة الأوثان فيه ومن الشرك بالله.
فإن قال قائل: وما معنى قوله: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أنْ طَهّرَا بَيْتِيَ لِلطائِفِينَ} وهل كان أيام إبراهيم قبل بنائه البيت بيت يطهر من الشرك وعبادة الأوثان في الحرم، فيجوز أن يكونا أُمِرا بتطهيره؟ قيل: لذلك وجهان من التأويل، قد كان لكل واحد من الوجهين جماعة من أهل التأويل، أحدهما: أن يكون معناه: وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن ابنيا بيتي مُطهّرا من الشرك والريب، كما قال تعالى ذكره: "أفَمنْ أسّسَ بُنْيَانَهُ على تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أمْ مَنْ أسّسَ بُنْيَانَهُ على شَفَا جُرُفٍ هارٍ"، فكذلك قوله: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أنْ طَهّرَا بَيْتِيَ} أي ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب...
فهذا أحد وجهيه، والوجه الاَخر منهما أن يكونا أُمرا بأن يطهرا مكان البيت قبل بنيانه والبيت بعد بنيانه مما كان أهل الشرك بالله يجعلونه فيه على عهد نوح ومن قبله من الأوثان، ليكون ذلك سنة لمن بعدهما، إذ كان الله تعالى ذكره قد جعل إبراهيم إماما يقتدي به مَنْ بعده...
"للطّائِفِينَ": اختلف أهل التأويل في معنى الطائفين في هذا الموضع؛
فقال بعضهم: هم الغرباء الذين يأتون البيت الحرام من غربة...
وقال آخرون: بل الطائفون هم الذين يطوفون به غرباء كانوا أو من أهله...عن عطاء: {للطّائِفِينَ} قال: إذا كان طائفا بالبيت، فهو من الطائفين.
وأولى التأويلين بالآية ما قاله عطاء لأن الطائف هو الذي يطوف بالشيء دون غيره، والطارئ من غربة لا يستحقّ اسم طائف بالبيت إن لم يطف به.
{والعاكِفِينَ}: يعني تعالى ذكره بقوله: {وَالعاكِفِينَ} والمقيمين به، والعاكف على الشيء: هو المقيم عليه...
وإنما قيل للمعتكف معتكف من أجل مقامه في الموضع الذي حبس فيه نفسه لله تعالى.
ثم اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله: "وَالعاكِفِينَ" فقال بعضهم: عنى به الجالس في البيت الحرام بغير طواف ولا صلاة...
وقال بعضهم: العاكفون هم المعتكفون المجاورون.
وقال بعضهم: العاكفون هم أهل البلد الحرام.
وقال آخرون: العاكفون: هم المصلون.
وأولى هذه التأويلات بالصواب هو أن العاكف في هذا الموضع: المقيم في البيت مجاورا فيه بغير طواف ولا صلاة، لأن صفة العكوف ما وصفنا من الإقامة بالمكان. والمقيم بالمكان قد يكون مقيما به وهو جالس ومصلَ وطائف وقائم، وعلى غير ذلك من الأحوال، فلما كان تعالى ذكره قد ذكر في قوله: {أنْ طَهّرَا بَيْتِيَ للطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والركّعِ السّجُودِ} المصلين والطائفين، علم بذلك أن الحال التي عنى الله تعالى ذكره من العاكف غير حال المصلي والطائف، وأن التي عنى من أحواله هو العكوف بالبيت على سبيل الجوار فيه، وإن لم يكن مصليا فيه ولا راكعا ولا ساجدا.
يعني تعالى ذكره بقوله: "وَالرّكّعِ" جماعة القوم الراكعين فيه له، واحدهم راكع. وكذلك "السجود" هم جماعة القوم الساجدين فيه له واحدهم ساجد، كما يقال رجل قاعد ورجال قعود، ورجل جالس ورجال جلوس، فكذلك رجل ساجد ورجال سجود. وقيل: بل عنى بالركّع السجود: المصلين.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} قيل: المثابة المجمع. وقيل: المثابة المرجع [يثوبون: يرجعون]. وقيل: يحجون.
{مثابة للناس وأمنا} هو فعل العباد لأنهم يأمنون، ويثوبون؛ ... ثم بين فيه عز وجل شدة اشتياق الناس إليه وتمنيهم الحضور بها مع احتمال الشدائد والمشقة وتحمل المؤن مع بعد المسافة والخطوات.
فدل أن الله تعالى بلطفه وكرمه حبب ذلك إلى قلوب الخلق، وأنه جعل آيات الربوبية والوحدانية من تدبير سماوي لا من تدبير البشرية.
وفيه دلالة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إذ أخبر عما قد كان، فثبت أنه أخبر عن الله عز وجل...
{وأمنا} لمن دخله من عذاب الآخرة. وقيل: {وأمنا} لكل مجرم أوى إليه من القتل وغيره... فإنه لا يقتل ما دام فيه لأنه لا يقتل للكفر هنالك. فعلى ذلك القصاص لقوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} [البقرة: 191] وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن مكة حرام بتحريم الله إياها يوم خلق الله السماوات والأرض؛ لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها" [البخاري 1833 و 1834]... وإذا قتل في الحرم يقتل به هنالك...
وقوله: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}... وعندنا: القبلة البيت لقوله: (فولوا وجوهكم شطره) [البقرة: 144 و 150] وقوله: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس} [المائدة: 97] أي مقاما لقيام العبادات.
{وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل} فيه الأمر ببنائه.
{أن طهرا بيتي} يحتمل التطهير وجهين: أحدهما: من الأصنام والأوثان التي كانت هنالك وعبادة غير الله والأنجاس. والثاني: التطهير من كل أنواع الأقذار ومن كل أنواع المكاسب على ما روي في جملة المساجد.
{للطائفين والعاكفين والركع السجود}... قال أصحابنا رحمهم الله: الطواف للقادم أفضل من الصلاة، والصلاة للمقيم أفضل...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{مَثَابَةً لّلنَّاسِ}: مباءة ومرجعاً للحجاج والعمار، يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه أي يثوب إليه أعيان الذين يزورونه أو أمثالهم.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
و {أمناً} معناه أن الناس يغيرون ويقتتلون حول مكة وهي آمنة من ذلك،وأضاف الله البيت إلى نفسه تشريفاً للبيت، وهي إضافة مخلوق إلى خالق ومملوك إلى مالك. قال القاضي أبو محمد: والعكوف في اللغة اللزوم للشيء والإقامة عليه،فمعناه لملازمي البيت إرادة وجه الله العظيم.
و {الركع السجود} المصلون، وخص الركوع والسجود بالذكر لأنهما أقرب أحوال المصلي إلى الله تعالى، وكل مقيم عند بيت الله إرادة ذات الله فلا يخلو من إحدى هذه الرتب الثلاث، إما أن يكون في صلاة أو في طواف فإن كان في شغل من دنياه فحال العكوف على مجاورة البيت لا يفارقه.
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
هَذَا تَنْبِيهٌ مِن اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ عَلَى فَضْلِهِ، وَتَعْدِيدٌ لِنِعَمِهِ الَّتِي مِنْهَا أًنْ جَعَلَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ لِلْعَرَبِ -عُمُومًا وَلِقُرَيْشٍ خُصُوصًا- مَثَابَةً لِلنَّاسِ...
اعلم أنه تعالى بين كيفية حال إبراهيم عليه السلام حين كلفه بالإمامة، وهذا شرح التكليف الثاني، وهو التكليف بتطهير البيت، والسبب في أنه تعالى أطلق لفظ البيت وعنى به الحرم كله، أن حرمة الحرم لما كانت معلقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت...
{جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا}: خبر، فتارة نتركه على ظاهره ونقول أنه خبر، وتارة نصرفه عن ظاهره ونقول أنه أمر:
(أما القول الأول): فهو أن يكون المراد أنه تعالى جعل أهل الحرم آمنين من القحط والجدب على ما قال: {أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا} وقوله: {أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبي إليه ثمرات كل شيء} ولا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع القتل في الحرم، لأنا نشاهد أن القتل الحرام قد يقع فيه، وأيضا فالقتل المباح قد يوجد فيه، قال الله تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} فأخبر عن وقوع القتل فيه.
(القول الثاني): أن نحمله على الأمر على سبيل التأويل، والمعنى أن الله تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضع أمنا من الغارة والقتل، فكان البيت محترما بحكم الله تعالى، وكانت الجاهلية متمسكين بتحريمه، لا يهيجون على أحد التجأ إليه، وكانوا يسمون قريشا: أهل الله تعظيما له، ثم اعتبر فيه أمر الصيد حتى أن الكلب ليهم بالظبي خارج الحرم فيفر الظبي منه فيتبعه الكلب فإذا دخل الظبي الحرم لم يتبعه الكلب...
أما قوله: {أن طهرا بيتي} فيجب أن يراد به التطهير من كل أمر لا يليق بالبيت، فإذا كان موضع البيت وحواليه مصلى وجب تطهيره من الأنجاس والأقذار، وإذا كان موضع العبادة والإخلاص لله تعالى: وجب تطهيره من الشرك وعبادة غير الله...
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي 741 هـ :
{وعهِدنا}: عبارة عن الأمر والوصية.
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
{وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً}: لما رد على اليهود في إنكارهم التوجه إلى الكعبة، وكانت الكعبة بناء إبراهيم أبيهم، كانوا أحق بتعظيمها، لأنها من مآثر أبيهم. ولوجه آخر من إظهار فضلها، وهو كونها مثابة للناس وأمناً، وأن فيها مقام إبراهيم، وأنه تعالى أوحى إليه وإلى ولده ببنائها وتطهيرها، وجعلها محلاً للطائف والعاكف والراكع والساجد، وأمره بأن ينادي في الناس بحجها.
ولو قال: القائم هنا معناه: العاكف، من قوله: ما دمت عليه قائماً، لكان حسناً، ويكون في ذلك جمع بين أحوال من دخل البيت للتعبد، لأنه لا يخلو إذ ذاك من طواف أو اعتكاف أو صلاة، فيكون حمله على ذلك أجمع لما هيئ البيت له...
وقدّم الركوع على السجود لتقدمه عليه في الزمان، وجمعا جمع تكسير لمقابلتهما ما قبلهما من جمعي السلامة، فكان ذلك تنويعاً في الفصاحة، وخالف بين وزني تكسيرهما تنويعاً في الفصاحة أيضاً، وكان آخرهما على فعول، لا على فعل، لأجل كونها فاصلة، والفواصل قبلها وبعدها آخر ما قبله حرف مدّ ولين، وعطفت تينك الصفتان لفرط التباين بينهما بأي تفسير فسرتهما مما سبق. ولم يعطف السجود على الركع، لأن المقصود بهما المصلون. والركع والسجود، وإن اختلفت هيآتهما فيقابلهما فعل واحد وهو الصلاة. فالمراد بالركع السجود: المصلون، فناسب أن لا يعطف، لئلا يتوهم أن كل واحد منهما عبادة على حيالها، وليستا مجتمعتين في عبادة واحدة، وليس كذلك.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة هذه الآية: أن الله تعالى يذكر شرف البيت وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدرًا من كونه مثابة للناس، أي: جعله مَحَلا تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرًا، ولو ترددَت إليه كلَّ عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم، عليه السلام، في قوله: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} إلى أن قال: {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [إبراهيم: 37 -40]
ويصفه تعالى بأنه جعله أمنًا، من دخله أمن، ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمنًا. ثم ذكر أن البيت إنما أسس لمن يعبد الله وحده لا شريك له، إما بطواف أو صلاة، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة: قيامها، وركوعها، وسجودها، ولم يذكر العاكفين لأنه تقدم {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين، واجتزأ بذكر الركوع والسجود عن القيام؛ لأنه قد علم أنه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام. وفي ذلك- أيضًا -رَدّ على من لا يحجه من أهل الكتابين: اليهود والنصارى؛ لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وعظمته، ويعلمون أنه بنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة وغير ذلك وللاعتكاف والصلاة عنده وهم لا يفعلون شيئًا من ذلك، فكيف يكونون مقتدين بالخليل، وهم لا يفعلون ما شرع الله له؟ وقد حَجَّ البيتَ موسى بن عمران وغيره من الأنبياء عليهم السلام، كما أخبر بذلك المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4].
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان من إمامته اتباع الناس له في حج البيت الذي شرفه الله ببنائه، قال إثر ذلك ناعياً على أهل الكتاب مخالفته وترك دينه وموطئاً لأمر القبلة:
{وإذ جعلنا البيت} أي الذي بناه إبراهيم بأم القرى {مثابة للناس} أي مرجعاً يرجعون إليه بكلياتهم. كلما تفرقوا عنه اشتاقوا إليه هم أو غيرهم آية على رجوعهم من الدنيا إلى ربهم.
قال الحرالي: وهو مفعلة من الثوب وهو الرجوع ترامياً إليه بالكلية. وفي صيغة المفعلة دوام المعاودة مثابرة {وأمناً} لكونه بيت الملك. من حرب الدنيا ومن عذاب الآخرة إلا في حق من استثناه الله من الكافرين فعلاً بالشرك وقوة بالإلحاد، والأمن براءة عيب من تطرق أذى إليه -قاله الحرالي...
ولما كان التقدير: فثاب الناس إليه ائتماماً ببانيه وآمنوا بدعوته فيه عطف عليه قوله: {واتخذوا}، وعلى قراءة الأمر يكون التقدير: فثوبوا إليه أيها الناس ائتماماً به واتخذوا {من مقام إبراهيم} خليلنا {مصلى}...
{وعهدنا} عطف على قوله {جعلنا} {إلى إبراهيم} الوفي {وإسماعيل} ابنه الصادق الوعد، وفي ذكره إفصاح بإجابة دعوته فيه في قوله: {ومن ذريتي} [البقرة: 124] و [إبراهيم: 37] وإشارة إلى أن في ذريته من يختم الأمم بأمته ويكون استقباله بيته في أجل العبادات من شرعته.
وأتم الإشارة بقوله: {أن طهرا بيتي} أي عن كل رجس حسي ومعنوي، فلا يفعل بحضرته شيء لا يليق في الشرع؛ والبيت موضع المبيت المخصوص من الدار المخصوصة من المنزل المختص من البلد- قاله الحرالي.
{للطائفين} به الذين فعلهم فعل العارف بأنه ليس وراء الله مرمى ولا مهرب منه إلا إليه.
{والعاكفين} فيه، والعكوف الإقبال على الشيء وملازمته والاقتصار عليه. والطواف التحليق بالشيء في غيب أو لمعنى غيب -قاله الحرالي.
{والركع السجود} قال الحرالي: وفي ذكر الركوع تخصيص للعرب الذين إنما شرع الركوع في دينهم، وفي ذلك تبكيت لمن أخرج المؤمنين ومنعهم من البيت، وفي تكرير تفصيل هذه الآيات ب"إذ" تنبيه على توبيخهم بترك دينه وهو الخليل واتباع من لا يعلم وهو العدو...
محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :
كأن الأصل في الآية: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ومصلى. إلا أنه عدل إلى هذا الأسلوب الحكيم دون ذاك، ودون أن يقال مثلا: واتخذوا منه مصلى لوجوه:
(أحدها): التنويه بأمر الصلاة فيه والتعظيم لشأنها حيث أفرد، للعناية بها، جملة على حدة.
(وثانيها): التذكير بأنه مقام الأب الأكبر للأنبياء كافة. وما كان مقامه فجدير أن يحترم ويعظم.
(وثالثها): التنصيص على أن هذا الاتخاذ بأمر رباني لا بتشريع بشر، تمهيدا للأمر باستقباله، وإلزاما لمن جادل فيه، وهم اليهود.
وقد روى الشيخان وغيرهما أن عمر رضي الله عنه قال: (يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى}...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
يذكر الله تعالى العرب بهذه النعمة أو النعم العظيمة وهي جعل البيت الحرام مرجعا للناس يقصدونه ثم يثوبون إليه، ومأمنا لهم في تلك البلاد بلاد المخاوف التي يتخطف الناس فيها من كل جانب، وبدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام للبيت وأهله المؤمنين، وفي هذا التذكير ما فيه من الفائدة في تقرير دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وبيان بنائها على أصول ملة إبراهيم، الذي تحترمه قريش وغيرها من العرب وقد اختار المثابة على نحو القصد والمزار، لأن لفظ المثابة يتضمن هذا وزيادة فإنه لا يقال: ثاب المرء إلى الشيء إلا إذا كان قصده أولا ثم رجع إليه. ولما كان البيت معبدا وشعارا عاما كان الناس الذين يدينون بزيارته والقصد إليه للعبادة يشتاقون الرجوع إليه، فمن سهل عليه أن يثوب إليه فعل، ومن لم يتمكن من الرجوع إليه بجثمانه، رجع إليه بقلبه ووجدانه، وكونه مثابة للناس أمر معروف في الجاهلة والإسلام، وهو يصدق برجوع بعض زائريه إليه، وحنين غيرهم وتمنيهم له عند عجزهم عنه. وكذلك جعله أمنا معروف عندهم فقد كان الرجل يرى قاتل أبيه في الحرم فلا يزعجه، على ما هو معروف عندهم من حب الانتقام والتفاخر بأخذ الثأر...
(الأستاذ الإمام): قد يقال: ما وجه المنة على العرب عامة بكون البيت أمنا للناس والفائدة فيه إنما هي للجُنَاة والضعفاء الذين لا يقدرون على المدافعة عن أنفسهم؟ والجواب عن هذا: أنه ما من قوي إلا ويوشك أن يضطر في يوم من الأيام إلى مفزع يلجأ إليه لدفع عدو أقوى منه أو لهدنة يصطلح في غضونها مع خصم يرى سلمه خيرا من حربه، وولاءه أولى من عدائه، فبلاد كلها أخطار ومخاوف لا راحة فيها لأحد. وقد بين الله المنة على العرب إذ جعل لهم مكانا آمنا بقوله في سورة العنكبوت {29: 67 أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم، أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون؟}...
{واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} قرأ نافع وابن عامر "واتخَذوا "بفتح الخاء على أنه فعل ماض معطوف على "جعلنا" والباقون بكسرها على أنه أمر أي وقلنا اتخِذوا أو قائلين اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فحذف القول للإيجاز، وفائدته أن يستحضر ذهن التالي أو السامع المأمورين حاضرين والأمر يوجه إليهم، فهو تصوير للماضي بصورة الحاضر ليقع في نفوس المخاطبين بالقرآن أن الأمر يتناولهم، وأنه موجه إليهم كما وجه إلى سلفهم في عهد أبيهم إبراهيم؛ وهم ولده إسماعيل وآل بيته ومن أجاب دعوتهما إلى حج البيت، لا أنه حكاية تاريخية سيقت للفكاهة والتسلية بل شريعة ودين. وهذا القول أحسن من قول بعضهم إن "اتخِذوا" أمر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم لأن ذلك القول يقتصر على معنى صيغة الأمر وما قلنا يتضمن مع ذلك معنى القراءة بصيغة الماضي الدالة على أن إبراهيم ومن معه قد اتخذوا مقامه مصلى، ولأنه أبلغ لما فيه من تحريك شعور الخلف بشرف عمل السلف وبعثهم على الافتداء بهم...
{وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي...} عهد إليه بالشيء وصّاه به، والمراد أن الله كلفهما أن يطهرا ذلك المكان الذي نسبه إليه وسماه بيته لأنه جعله معبدا فيه العبادة الصحيحة. ولم يذكر ما يجب أن يطهراه منه ليشمل جميع الرجس الحسي والمعنوي كالشرك وأصنامه واللغو والرفث والتنازع...
وتخصيص الله تعالى ذلك البيت بالنسبة إلى ذاته المنزهة عن صفات الأجسام ليس لخصوصية في موقعه ولا في أحجاره، وإنما كان بيتا لله لأن الله تعالى سماه بيته وأمر بأن يتوجه إليه المصلون، وبأن يعبد فيه عبادة خاصة. والحكمة في ذلك أن البشر يعجزون عن التوجه إلى موجود غيبي مطلق لا يتقيد بمكان ولا ينحصر في جهة وهم في حاجة إلى التوجه إلى خالقهم وشكره والتوسل إليه والثناء عليه واستمداد رحمته ومعونته لما في ذلك من الفائدة لهم، لأنه يعلي مداركهم عن التقيد في دائرة الأسباب المعروفة على ضيقها وعن الاستخذاء لما لا يعرفون له سببا، ويرفع نفوسهم عن الرضى بالحياة الحيوانية. فله الحمد والمنة أن عين لهم مكانا نسبه إليه فسماه بيته رمزا إلى أن ذاته المقدسة تحضره، فإذا كان الحضور الحقيقي محالا عليها، فإنها تحضره رحمته الإلهية، ولذلك كان التوجه إليه بمنزلة التوجه إلى تلك الذات العلية، لو وجد العبد إلى ذلك سبيلا. ولو كلف الله عباده بعبادته مطلقا- وقد علمهم بنظر العقل وإرشاد الشرع أنه ليس كمثله شيء لوقعوا في الحيرة والاضطراب لا يدرون كيف يتوجهون إلى ذات غيبية مطلقة. ولو اختار بعضهم لنفسه عبادة تليق بهذا التنزيه الذي أرشد إليه الكتاب وصدقه العقل لما اهتدى إليه الآخرون وبذلك يفقد المؤمنون الجامعة التي تجمعهم على أفضل الأعمال التي تؤلف بين قلوبهم، لذلك قلنا: إن الله رحمهم إذ جعل لنفسه بيتا يقصدونه ويثوبون إليه عند الإمكان، ويتوجهون إليه في صلاتهم وإن بعد المكان، ولا يخشى على المؤمن توهم الحلول في ذات الله بنسبة البيت إليه بعد ما نفى سبحانه كل إيهام بقوله {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم}...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
ثم ذكر تعالى، نموذجا باقيا دالا على إمامة إبراهيم، وهو هذا البيت الحرام الذي جعل قصده، ركنا من أركان الإسلام، حاطا للذنوب والآثام. وفيه من آثار الخليل وذريته، ما عرف به إمامته، وتذكرت به حالته فقال: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ} أي: مرجعا يثوبون إليه، لحصول منافعهم الدينية والدنيوية، يترددون إليه، ولا يقضون منه وطرا، {و} جعله {أَمْنًا} يأمن به كل أحد، حتى الوحش، وحتى الجمادات كالأشجار. ولهذا كانوا في الجاهلية -على شركهم- يحترمونه أشد الاحترام، ويجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم، فلا يهيجه، فلما جاء الإسلام، زاده حرمة وتعظيما، وتشريفا وتكريما... وأضاف الباري البيت إليه لفوائد، منها: أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره، لكونه بيت الله، فيبذلان جهدهما، ويستفرغان وسعهما في ذلك. ومنها: أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام، ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه. ومنها: أن هذه الإضافة هي السبب الجاذب للقلوب إليه...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
تدرجُ في ذكر منقبة إبراهيم إذ جعل الله بيته بهذه الفضيلة. و (إذ) أضافها إلى جلالته فقال: (بيتي)، واستهلالٌ لفضيلة القبلة الإسلامية، فالواو عاطفة على {ابتلى} [البقرة: 124]
وأعيدت (إذ) للتنبيه على استقلال القصة وأنها جديرة بأن تعد بنية أخرى، ولا التفات إلى حصول مضمون هذه بعد حصول الأخرى أو قبله إذ لا غرض في ذلك في مقام ذكر الفضائل، ولأن الواو لا تفيد ترتيباً...
والبيت اسم جنس للمكان المتخذ مسكناً لواحد أو عدد من الناس في غرض من الأغراض، وهو مكان من الأرض يحيط به ما يميزه عن بقية بقعته من الأرض ليكون الساكن مستقلاً به لنفسه ولمن يتبعه فيكون مستقَراً له وكناً يكنه من البرد والحر وساتراً يستتر فيه عن الناس ومحطاً لأثاثه وشؤونه، وقد يكون خاصاً وهو الغالب وقد يكون لجماعة مثل دار الندوة في العرب وخيمة الاجتماع في بني إسرائيل، وقد يكون محيط البيت من حجر وطين كالكعبة ودار الندوة، وقد يكون من أديم مثل القباب، وقد يكون من نسيج صوف أو شعر قال تعالى: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها} [النحل: 80]، ولا يكون بيتاً إلا إذا كان مستوراً أعلاه عن الحر والقُر وذلك بالسقف لبيوت الحجر وبيوت الأديم والخيام...
ولما كان المقصود من هذا ذكر منقبة البيت والمنة على ساكنيه كان الغرض التذكير بنعمة الله أن جعله لا ينصرف عنه قوم إلا ويخلفهم قوم آخرون، فكان الذين يخلفون الزائرين قائمين مقامهم بالنسبة للبيت وسكانه، ويجوز حمل تعريف الناس على العهد أي يثوب إليه الناس الذين ألفوه وهم كُمَّل الزائرين فهم يعودون إليه مراراً، وكذلك كان الشأن عند العرب...
وقوله: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} قرأه نافع وابن عامر بصيغة الماضي عطفاً على {جعلنا} فيكون هذا الاتخاذ من آثار ذلك الجعل فالمعنى ألهمنا الناس أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، أو أمرناهم بذلك على لسان إبراهيم فامتثلوا واتخذوه، فهو للدلالة على حصول الجعل بطريق دلالة الاقتضاء فكأنه قيل جعلنا ذلك فاتخذوا...
والمراد من تطهير البيت ما يدل عليه لفظ التطهير من محسوس بأن يحفظ من القاذورات والأوساخ ليكون المتعبِّد فيه مقبلاً على العبادة دون تكدير، ومِن تطهير معنوي وهو أن يُبْعَد عنه ما لا يليق بالقصد من بنائه من الأصنام والأفعال المنافية للحق كالعدوان والفسوق، والمنافية للمروءة كالطواف عرياً دون ثياب الرجال والنساء. وفي هذا تعريض بأن المشركين ليسوا أهلاً لعمارة المسجد الحرام لأنهم لم يطهروه مما يجب تطهيره منه قال تعالى: {وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون} [الأنفال: 34] وقال: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} [التوبة: 28]...
والطائفون والعاكفون والراكعون والساجدون أصناف المتعبدين في البيت من طوافٍ واعتكاف وصلاة، وهم أصناف المتلبسين بتلك الصفات سواء انفردت بعض الطوائف ببعض هذه الصفات أو اجتمعت الصفات في طائفة أو طوائف، وذلك كله في الكعبة قبل وضع المسجد الحرام، وهؤلاء هم إسماعيل وأبناؤه وأصهاره من جرهم وكلّ من آمن بدين الحنيفية من جيرانهم...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وإطلاق كلمة "البيت "وإرادة البيت الحرام إشعار بفضله، وإشارة إلى كماله، وإلى أنه أكمل بيت وضع للناس، لأنه أول بيت للعبادة، ولأنه بناء إبراهيم أبي الأنبياء، ولأنه موضع الأمن من الخوف، ومثابة الناس، ولأنه أنشئ مطهرا من الأصنام وما جاء بها العرب بعد ذلك إلا بعد أن انحرفوا عن ملة إبراهيم وإن كان – البيت – شرفهم ومحتدهم الكريم...
{مثابة للناس وأمنا} فيه إشارة أولا إلى أن الكعبة مثابة للناس، يجيئون إليها في حجهم، كما صرح سبحانه وتعالى، وفيها قبلتهم إذ يثوبون إليها في الصلاة ويلتفون حولها التفاف الدائرة حول قطبها، فهم يتجهون إليها من كل أرض الله تعالى...
وإن باني الكعبة المكرمة إبراهيم عليه السلام هو وابنه إسماعيل عليه السلام، وإنه ليبقى الاتصال بين الحاضر والماضي أمر الله تعالى أن يكون مقام إبراهيم للبناء مصلى لمن جاء بعده من الذين سماهم إبراهيم المسلمين، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولذا قال الله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}...
وإن اتخاذ مقام إبراهيم مكانا للصلاة إبقاء لذكر إبراهيم عليه السلام وتنويها بالصلاة في ذاتها وأنها الصلة بين الماضي والحاضر، وقد كانت بأمر الله تعالى، وليست بدعا قد أتيها...
[و] لقد أقام البناء للبيت العتيق نبيان، وبهذا البناء بنيا مجد العرب وبنيا أمنهما ومكان عبادة الناس، ومثابتهم التي يستقبلونها فيحيطون بها. وقد بنياه طاهرا، مطهرا، وعهد الله تعالى إلى اللذين بنياه أن يقوما على استمرار طهارته ليتحقق الغرض الأول، وهو أن يكون مقصدا للحجيج الطائفين والذين يجاورونه عاكفين على العبادة فيه، فقال تعالى: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود}... والعهد في هذا النص السامي، من عهد إلى هذا برعاية بيته أو أهله في غيبه. فمعنى {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل}، أي جعلنا لهما عهدا وفوضناهما برعاية البيت إنشاء وتطهيرا وقوله تعالى: {أن طهرا بيتي} تفسير للعهد المذكور... ويصح على هذا أن نقول إن العهد أن يبنياه مطهرا من كل خبث في بنائه بقلب سليم، ونفس مخلصة لوجه الله تعالى، وأن يجعلاه طاهرا معنى وحسا ليكون للقاصدين له من غير مكة، والمقيمين حوله، وسماهم هنا العاكفين مشيرا إلى أن البقاء بجواره مجاورين له قائمين بحقه عبادة، وعبر في الآية الأخرى بالقائمين أي المستمرين حوله...
الحق سبحانه وتعالى يقول: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا}.. تأمل كلمة البيت وكلمة مثابة..
بيت مأخوذ من البيتوتة وهو المأوى الذي تأوي إليه وتسكن فيه وتستريح وتكون فيه زوجتك وأولادك.. ولذلك سميت الكعبة بيتا لأنها هي المكان الذي يستريح إليه كل خلق الله..
ومثابة يعني مرجعا تذهب إليه وتعود.. ولذلك فإن الذي يذهب إلى بيت الله الحرام مرة يحب أن يرجع مرات ومرات.. إذن فهو مثابة له لأنه ذاق حلاوة وجوده في بيت ربه.. وأتحدى أن يوجد شخص في بيت الله الحرام يشغل ذهنه غير ذكر الله وكلامه وقرآنه وصلاته.. تنظر إلى الكعبة فيذهب كل ما في صدرك من ضيق وهم وحزن ولا تتذكر أولادك ولا شئون دنياك ولو ظلت جاذبية بيت الله في قلوب الناس مستمرة لتركوا كل شئون دنياهم ليبقوا بجوار البيت.. ولذلك كان عمر بن الخطاب حريصا على أن يعود الناس إلى أوطانهم وأولادهم بعد انتهاء مناسك الحج مباشرة...