تأويلات أهل السنة للماتريدي - الماتريدي  
{وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} (125)

الآية 125 وقوله تعالى : { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } [ قيل : المثابة المجمع ] . وقيل{[1452]} : المثابة المرجع [ يثوبون : يرجعون ]{[1453]} . وقيل : يحجون . وقوله { مثابة للناس وأمنا } هو فعل العباد لأنهم يأمنون ، ويثوبون ؛ أخبر أنه جعل ذلك ، ففيه دلالة خلق أفعال العباد . ثم بين فيه عز وجل شدة اشتياق الناس إليه وتمنيهم الحضور بها مع احتمال /18-ب/ الشدائد والمشقة وتحمل المؤن مع بعد المسافة والخطوات{[1454]} . فدل ان الله تعالى بلطفه وكرمه حبب ذلك إلى قلوب الخلق وأنه جعل آيات الربوبية والوحدانية من تدبير سماوي لا من تدبير البشرية . وفيه دلالة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إذ أخبر عما قد كان ، فثبت أنه أخبر عن الله عز وجل .

وقوله : { وأمنا }لمن دخله من عذاب الآخرة . وقيل : { وأمنا } لكل مجرم{[1455]} أوى إليه من القتل وغيره كقوله : { ومن دخله كان آمنا }

[ آل عمران : 97 ] من كل ما ارتكب . وأما عندنا فإنه إن قتل قتيلا ، ثم التجأ إليه ، فإنه لا يقتل ما دام فيه لأنه لا يقتل للكفر هنالك . فعلى ذلك القصاص لقوله : { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } [ البقرة : 191 ] وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن مكة حرام بتحريم الله إياها يوم خلق الله السماوات والأرض ؛ لما تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، لا يختلى خلاها ، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفر صيدها " [ البخاري 1833 و 1834 ] . وما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال : ( لو ظفرت بقاتل عمر في الحرم ما قتلته ) . وإذا قتل في الحرم يقتل به هنالك .

والوجه فيه أن إقامة مثله عليه في ما يرتكبه في الحرم أحق ، إذ هي كفارة لينزجر عما ارتكب ، وأحق ما يقع فيه الزجر بمثله ما هو فيه من المكان .

وإذا قتل في غير المحرم ، ثم التجأ إلى الحرم ؛ قال أبو حنيفة رضي الله عنه{[1456]} : ( لا يخرج من الحرم ) . وأبو يوسف رضي الله عنه{[1457]} جعل ذلك للسلطان ؛ ذهب إلى أنه قال : { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل } [ البقرة : 191 ] كما قال : { فإن قاتلوكم فاقتلوهم } ، فأوجب الإخراج من حيث [ أخرج كما أوجب القتل من حيث القتل ]{[1458]} . قيل : لم يخرج من الحرم إذا لم يخرج منه كما لم يقتل في الحرم إذا لم يقتل فيه . أو نقول بالإخراج للقتل قصد ما لم يسع{[1459]} فعله فيه ، كان كالصيد يخرج{[1460]} ، يلزم فيه ما يجب بالقتل ، فمثله في موضع الخطر .

وبعد فإنه لو أخرج لم يأمن بالحرم ، بل زيد في عقوبته ؛ إذ الإخراج عقوبة ، فقد زيد عليه مع ما لم يجز في الكفار الذين نهي{[1461]} عن قتلهم إخراجهم للقتل ، كذلك القاتل . وذهب الآخر إلى أنه يخرج لإقامة الحد عند أبي حنيفة رضي الله عنه{[1462]} وإن لم يرتكب فيه . وإخراج المرتكب له أقل في الحكم من إقامته عليه . غير أنه غلط لأن إخراجه للقتل يرفع{[1463]} من الحد لأنه يصل إلى قتله ولما في القتل عقوبة واحدة ، وفي الإخراج عقوبتان ، ثم لم يلزمه العقوبة الواحدة ، وهي القتل إذا لم يقتل فيه كان من ألا يلزمه العقوبتان أحق .

وقوله : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } اختلف{[1464]} في مقام إبراهيم عليه السلام : منهم من جعل الحرم كله مقامه [ ( مصلى ) ]{[1465]} ؛ يصلي إليه لمقامه هنالك بأولاده . ومنهم من جعل المسجد مقامه لأنه كان مكان عبادته ، فهو المصلى . ومنهم من جعل ما ظهر من مقامه ، وهو موضع ركوبه ونزوله ، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما قدم مكة قام إلى الركن اليماني ، فقال عمر : يا رسول الله : ألا تتخذ مقام إبراهيم مصلى ؟ فأنزل الله تعالى : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } . وعندنا : القبلة البيت لقوله{[1466]} : ( فولوا وجوهكم شطره ) [ البقرة : 144 و 150 ] وقوله : { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس } [ المائدة : 97 ] أي مقاما لقيام العبادات .

وقوله : { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل } فيه الأمر ببنائه .

وقوله : { أن طهر بيتي }{[1467]} يحتمل التطهير وجهين{[1468]} :

أحدهما : من الأصنام والأوثان التي كانت هنالك وعبادة غير الله والأنجاس .

والثاني{[1469]} : التطهير من كل أنواع الأقذار [ ومن ]{[1470]} كل أنواع المكاسب على ما روي في جملة المساجد .

وقوله : { للطائفين والعاكفين والركع السجود } قيل : الطائف هو القادم ، سمي طائفا لدخوله{[1471]} بطوافه . وقيل : الاستيجاب{[1472]} للطواف ، لذلك قال أصحابنا : [ رحمهم الله ]{[1473]} الطواف للقادم أفضل من الصلاة ، والصلاة للمقيم أفضل . وقيل : العاكفون المجاورون

[ أي من أهل مكة والقادمين إليها ]{[1474]} .


[1452]:- من ط م و ط ع، في الأصل: قيل.
[1453]:- من ط م و ط ع.
[1454]:- في ط م: الخطرات.
[1455]:- في ط م: مجترم، في ط ع: محرم.
[1456]:- في ط م: رحمه الله.
[1457]:- في ط م: رحمه الله.
[1458]:- من ط م.
[1459]:- في ط م: يسغ.
[1460]:- من ط م، في الأصل و ط ع: مخرج.
[1461]:- في النسخ الثلاث: نهوا.
[1462]:- في ط م: رحمه الله.
[1463]:- من ط م، في الأصل و ط ع: ليرفع.
[1464]:- أدرج في ط ع: قبل هذه الكلمة العبارة التالية: اختلاف في مقام إبراهيم عليه السلام، وجعلت عنوانا.
[1465]:- في ط ع: فصلى، ساقطة الأصل و ط م.
[1466]:- من ط م، في الأصل و ط ع: كقوله.
[1467]:- أدرج في ط ع تتمة الآية.
[1468]:- في النسخ الثلاث: لوجهين.
[1469]:- في النسخ الثلاث: ويحتمل.
[1470]:- الواو ساقطة من الأصل.
[1471]:- في ط م: بدخوله.
[1472]:- من ط م و ط ع، في الأصل: الاستحباب.
[1473]:- من ط م.
[1474]:- من ط ع.