وقوله تعالى : { وَنَضَعُ الموازين القسط } بيان لما سيقع عند إتيان ما أنذروه .
وجعل الطيبي الجملة حالاً من الضمير في { لَّيَقُولَنَّ } [ الأنبياء : 46 ] بتقدير ونحن نضع ، وهي في الخلو عن العائد نحو جئتك والشمس طالعة ، ويجوز أن يقال : أقيم العموم في { نَفْسٌ } الآتي بعد مقام العائد وهو كما ترى أي ونحضر الموازين العادلة التي توزن بها بها صحائف الأعمال كما يقضي بذلك حديث السجلات والبطاقة التي ذكره مسلم وغيره أو نفس الأعمال كما قيل ، وتظهر بصور جوهرية مشرفة إن كانت حسنات ومظلمة إن كانت سيئات ، وجمع الموازين ظاهر في تعدد الميزان حقيقة وقد قيل به فقيل لكل أمة ميزان ، وقيل لكل مكلف ميزان ، وقيل للمؤمن موازين بعدد خيراته وأنواع حسناته ، والأصح الأشهر أنه ميزان واحد لجميع الأمم ولجميع الأعمال كفتاه كإطباق السموات والأرض لصحة الإخبار بذلك ، والتعدد اعتباري وقد يعبر عن الواحد بما يدل على الجمع للتعظيم كقوله تعالى : { رَبّ ارجعون لَّعَلّي أَعْملُ صالحا } [ المؤمنون : 99 ، 100 ] وقوله
: فارحموني يا إله محمد *** وإحضار ذلك تجاه العرش بين الجنة والنار ويأخذ جبريل عليه السلام بعموده ناظراً إلى لسانه وميكائيل عليه السلام أمين عليه كما في «نوادر الأصول » ، وهل هو مخلوق اليوم أو سيخلق غداً ؟ .
قال اللقاني : لم أقف على نص في ذلك كما لم أقف على نص في أنه من أي الجواهر هو اه ، وما روي من أن داود عليه السلام سأل ربه سبحانه أن يريه الميزان فلما رآه غشي عليه ثم أفاق فقال : يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات ؟ فقال تعالى : يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة نص في أنه مخلوق اليوم لكن لا أدري حال الحديث فلينقر .
وأنكر المعتزلة الميزان بالمعنى الحقيقي وقالوا : يجب أن يحمل ما ورد في القرآن من ذلك على رعاية العدل والإنصاف ، ووضع الموازين عندهم تمثيل لإرصاد الحساب السوي والجزاء على حسب الأعمال ، وروي هذا عن الضحاك . وقتادة . ومجاهد . والأعمش ولا داعي إلى العدول عن الظاهر ، وإفراد القسط مع كونه صفة الجمع لأنه مصدر ووصف به مبالغة ، ويجوز أن يكون على حذف مضاف أي ذوات القسط ، وجوز أبو حيان أن يكون مفعولاً لأجله نحو قوله :
لا أقعد الجبن عن الهيجاء *** وحينئذٍ يستغني عن توجيه إفراده ، وقرئ { القصط } بالصاد ، واللام في قوله تعالى : { القسط لِيَوْمِ القيامة } بمعنى في كما نص عليه ابن مالك وأنشد لمجيئها كذلك قول مسكين الدارمي
: أولئك قومي قد مضوا لسبيلهم *** كما قد مضى من قبل عاد وتبع
وهو مذهب الكوفيين ووافقهم ابن قتيبة أي نضع الموازين في يوم القيامة التي كانوا يستعجلونها ؛ وقال غير واحد : هي للتعليل أي لأجل حساب يوم القيامة أو لأجل أهله وجعلها بعضهم للاختصاص كما هو أحد احتمالين في قولك جئت لخمس ليال خلون من الشهر ، والمشهور فيه وهو الاحتمال الثاني أن اللام بمعنى في .
{ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ } من النفوس { شَيْئاً } من الظلم فلا ينقص ثوابها الموعود ولا يزاد عذابها المعهود . فالشيء منصوب على المصدرية والظلم هو بمعناه المشهور .
وجوز أن يكون { شَيْئاً } مفعولاً به على الحذف والإيصال والظلم بحاله أي فلا تظلم في شيء بأن تمنع ثواباً أو تزاد عذاباً ، وبعضهم فسر الظلم بالنقص وجوز في { شَيْئاً } المصدرية والمفعولية من غير اعتبار الحذف والإيصال أي فلا تنقص شيئاً من النقص أو شيئاً من الثواب ، ويفهم عدم الزيادة في العقاب من إشارة النص واللزوم المتعارف ، واختير ما لا يحتاج فيه إلى الإشارة واللزوم . والفاء لترتيب انتفاء الظلم على وضع الموازين .
وربما يفهم من ذلك أن كل أحد توزن أعماله ، وقال القرطبي : الميزان حق ولا يكون في حق كل أحد بدليل الحديث الصحيح فيقال : «يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن » الحديث وأحرى الأنبياء عليهم السلام ، وقوله تعالى : { يُعْرَفُ المجرمون بسيماهم فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام } [ الرحمن : 41 ] وقوله تعالى : { فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً } [ الكهف : 105 ] وقوله سبحانه : { وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } [ الفرقان : 23 ] وإنما يبقى الوزن لمن شاء الله سبحانه من الفريقين .
وذكر القاضي منذر بن سعيد البلوطي أن أهل الصبر لا توزن أعمالهم وإنما يصب لهم الأجر صباً ، وظواهر أكثر الآيات والأحاديث تقتضي وزن أعمال الكفار ، وأول لها ما اقتضى ظاهره خلاف ذلك وهو قليل بالنسبة إليها ، وعندي لا قاطع في عموم الوزن وأميل إلى عدم العزوم ، ثم إنه كما اختلف في عمومه بالنسبة إلى أفراد الأنس اختلف في عمومه بالنسبة إلى نوعي الإنس والجن ، والحق أن مؤمني الجن كمؤمني الإنس وكافرهم ككافرهم كما بحثه القرطبي واستنبطه من عدة آيات ، وبسط اللقاني القول في ذلك في شرحه الكبير للجوهرة ، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان الخلاف في كيفية الوزن { وَإِن كَانَ } أي العمل المدلول عليه بوضع الموازين ، وقيل الضمير راجع لشيئاً بناءً على أن المعنى فلا تظلم جزاء عمل من الأعمال { مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ } أي مقدار حبة كائنة من خردل فالجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لحبة ، وجوز أن يكون صفة لمثقال والأول أقرب ، والمراد وإن كان في غاية القلة والحقارة فإن حبة الخردل مثل في الصغر .
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما . وأبو جعفر . وشيبة . ونافع { مِثْقَالَ } بالرفع على أن كان تامة { أَتَيْنَا بِهَا } أي جئنا بها وبه قرأ أبي ، والمراد أحضرناها ، فالباء للتعدية والضمير للمثقال وأنث لاكتساب التأنيث من المضاف إليه والجملة جواب إن الشرطية ، وجوز أن تكون إن وصلية والجملة مستأنفة وهو خلاف الظاهر .
وقرأ ابن عباس . ومجاهد . وابن جبير . وابن أبي إسحاق . والعلاء بن سيابة . وجعفر بن محمد . وابن شريح الأصبهاني { ءاتَيْنَا } بمدة على أنه مفاعلة من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة لأنهم أتوه تعالى بالأعمال وأتاهم بالجزاء ، وقيل هو من الإيتاء وأصله أأتينا فأبدلت الهمزة الثانية ألفاً ، والمراد جازينا أيضاً مجازاً ولذا عدى بالباء ولو كان المراد أعطينا كما قال بعضهم لتعدى بنفسه كما قال ابن جني وغيره . وقرأ حميد { أثبنا } من الثواب { بِهَا وكفى بِنَا حاسبين } قيل أي عادين ومحصين أعمالهم على أنه من الحساب مراداً به معناه اللغوي وهو العد وروي ذلك عن السدي ، وجوز أن يكون كناية عن المجازاة . وذكر اللقاني أن الحساب في عرف الشرع توقيف الله تعالى عباده إلا من استثنى منهم قبل الانصراف من المحشر على أعمالهم خيراً كانت أو شراً تفصيلاً لا بالوزن ، وأنه كما ذكر الواحدي وغيره وجزم به صاحب كنز الإسرار قبل الوزن ، ولا يخفى أن في الآية إشارة ما إلى أن الحساب المذكور فيها بعد وضع الموازين فتأمل ، ونصب الوصف إما على أنه تمييز أو على أنه حال واستظهر الأول في «البحر » .
هذا ومن باب الإشارة : { وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة } [ الأنبياء : 41 ] قال بعض الصوفية : الموازين متعددة فللعاشقين ميزان وللوالهين ميزان وللعاملين ميزان وهكذا ، ومن ذلك ميزان للعارفين توزن به أنفاسهم ولا يزن نفساً منها السموات والأرض .
وذكروا أن في الدنيا موازين أيضاً وأعظم موازينها الشريعة وكفتاه الكتاب والسنة ، ولعمري لقد عطل هذا الميزان متصوفة هذا الزمان أعاذنا الله تعالى والمسلمين مما هم عليه من الضلال أنه عز وجل المتفضل بأنواع الإفضال .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره:"وَنَضَعُ المَوَازِينَ" العدل وهو القِسْطَ... وقوله: "لِيَوْمِ القِيامَةِ "يقول: لأهل يوم القيامة، ومن ورد على الله في ذلك اليوم من خلقه. وقد كان بعض أهل العربية يوجه معنى ذلك إلى «في» كأن معناه عنده: ونضع الموازين القسط في يوم القيامة.
وقوله: "فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئا" يقول: فلا يظلم الله نفسا ممن ورد عليه منهم شيئا بأن يعاقبه بذنب لم يعمله أو يبخسه ثواب عمل عمله وطاعة أطاعه بها، ولكن يجازي المحسن بإحسانه، ولا يعاقب مسيئا إلا بإساءته...
وقوله: "وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبّةٍ مِنْ خَرْدَلِ أتَيْنا بِها" يقول: وإن كان الذي له من عمل الحسنات أو عليه من السيئات وزن حبة من خردل "أتَيْنَا بِهَا" يقول: جئنا بها فأحضرناها إياه... قال ابن زيد، في قوله: "وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها" قال: كتبناها وأحصيناها له وعليه... عن مجاهد، في قوله: "وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها" قال: جازينا بها...
وقوله: "وكَفَى بِنا حاسِبِينَ" يقول: وحسب من شهد ذلك الموقف بنا حاسبين، لأنه لا أحد أعلم بأعمالهم وما سلف في الدّنا من صالح أو سيئ منا.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها} أي أتينا بجزائها، أو {أتينا بها} أي بعينها، لا يفوته شيء، ولا يغيب عنه. وليس المراد من ذكر مثقال حبة ومثقال ذرة الذرة والحبة، ولكن ذكر على التمثيل، أن لا يفوت عنه شيء، ولا يغيب، ذلك المقدار من الخير والشر غير فائت عنه ولا منسي، ولكن محفوظ محاسب.
{وكفى بنا حاسبين} لا تشغله كثرة الحساب وازدحامه، ليس كمن يحاسب آخر في الشاهد؛ إنه إذا كثر الحساب عليه وازدحم، شغله ذلك عن حفظ الحساب، والله أعلم...
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير 456 هـ :
الموازين حق توزن فيها أعمال العباد، نؤمن لها ولا ندري كيف هي...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
"وكفى بنا حاسبين" أي وكفى المطيع أو العاصي بمجازاة الله وحسبه ذلك. وفي ذلك غاية التهديد، لأنه إذا كان الذي يتولى الحساب لا يخفى عليه قليل ولا كثير، كان أعظم.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
توزن الأعمالُ بميزان الإخلاص فما ليس فيه إخلاصٌ لا يُقْبَل، وتوزن الأحوالُ بميزان الصدق فما يكون فيه الإعجابُ لا يُقْبَل.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
وصفت {الموازين} بالقسط وهو العدل، مبالغة، كأنها في أنفسها قسط...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{الموازين} وإنما جمعها وهو ميزان واحد من حيث لكل أحد وزن يخصه.. وقوله تعالى: {ليوم القيامة} أي لحساب يوم القيامة أو لحكم يوم القيامة فهو بتقدير حذف مضاف والجمهور على أن الميزان في يوم القيامة بعمود وكفتين توزن به الأعمال؛ ليبين المحسوس المعروف عندهم، والخفة والثقل متعلقة بأجسام، ويقرنها الله تعالى يومئذ بالأعمال، فإما أن تكون صحف الأعمال أو مثالات تخلق أو ما شاء الله تعالى...
ثم بين سبحانه وتعالى أن جميع ما ينزل بهم في الآخرة لا يكون إلا عدلا، فهم وإن ظلموا أنفسهم في الدنيا فلن يظلموا في الآخرة، وهذا معنى قوله سبحانه وتعالى: {ونضع الموازين القسط} وصفها الله تعالى بذلك؛ لأن الميزان قد يكون مستقيما وقد يكون بخلافه، فبين أن تلك الموازين تجري على حد العدل والقسط، وأكد ذلك بقوله: {فلا تظلم نفس شيئا}...
الدليل على وجود الموازين الحقيقية أن حمل هذا اللفظ على مجرد العدل مجاز، وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة غير جائز، لا سيما وقد جاءت الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة في هذا الباب...
المسألة الرابعة: إنما جمع الموازين لكثرة من توزن أعمالهم وهو جمع تفخيم، ويجوز أن يرجع إلى الموزونات...
أما قوله تعالى: {وكفى بنا حاسبين} فالغرض منه التحذير، فإن المحاسب إذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن يشتبه عليه شيء، وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء، حقيق بالعاقل أن يكون في أشد الخوف منه.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما بيّن ما افتتحت السورة من اقتراب الساعة بالقدرة عليه واقتضاء الحكمة له، وأن كل أحد ميت لا يستطيع شيئاً من الدفع عن نفسه فضلاً عن غيره، وختمت الآيات بإقرار الظالم بظلمه، وكانت عادة كثير من الناس الجور عند القدرة، بين أنه سبحانه بخلاف ذلك فذكر بعض ما يفعل في حساب الساعة من العدل فقال عاطفاً على قوله {بل تأتيهم بغتة}: {ونضع} فأبرزه في مظهر العظمة إشارة إلى هوانه عنده وإن كان لكثرة الخلائق وأعمال كل منهم متعذراً عندنا {الموازين} المتعددة لتعدد الموزونات أو أنواعها. ولما كانت الموازين آلة العدل، وصفها به مبالغة فقال {القسط} أي العدل المميز للأقسام على السوية.
ولما كان يوم الجزاء علة في وضع المقادير، عبر باللام ليشمل -مع ما يوضع فيه- ما وضع الآن لأجل الدينونة فيه فقال: {ليوم القيامة} الذي أنتم عنه -لإعراضكم عن الذكر- غافلون. ولما جرت العادة بأن الملك قد يكون عادلاً فظلم بعض أتباعه، بين أن عظمته في إحاطة علمه وقدرته تأبى ذلك، فبنى الفعل للمجهول فقال: {فلا} أي فتسبب عن هذا الوضع أنه لا {تظلم} أي من ظالم ما {نفس شيئاً} من عملها {وإن كان} أي العمل {مثقال حبة} هذا على قراءة الجماعة بالنصب.
والتقدير على قراءة نافع بالرفع: وإن وقع أو وجد {من خردل} أو أحقر منه، وإنما مثل به لأنه غاية عندنا في القلة، وزاد في تحقيره بضمير التأنيث لإضافته إلى المؤنث فقال: {أتينا بها} بما لنا من العظمة في العلم والقدرة وجميع صفات الكمال فحاسبناه عليها، والميزان الحقيقي. ووزن الأعمال على صفة يصح وزنها معها بقدرة من لا يعجزه شيء.
ولما كان حساب الخلائق كلهم على ما صدر منهم أمراً باهراً للعقل، حقره عند عظمته فقال: {وكفى بنا} أي بما لنا من العظمة {حاسبين} أي لا يكون في الحساب أحد مثلنا، ففيه توعد من جهة أن معناه أنه لا يروج عليه شيء من خداع ولا يقبل غلطاً، ولا يضل ولا ينسى، إلى غير ذلك من كل ما يلزم منه نوع لبس أو شوب نقص، ووعد من جهة أنه لا يطلع على كل حسن فقيد وإن دق وخفي.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ويختم الشوط بالإيقاع الأخير من مشاهد يوم الحساب: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا. وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها. وكفى بنا حاسبين).. والحبة من خردل تصور أصغر ما تراه العيون وأخفه في الميزان، وهي لا تترك يوم الحساب ولا تضيع. والميزان الدقيق يشيل بها أو يميل! فلتنظر نفس ما قدمت لغد، وليصغ قلب إلى النذير. وليبادر الغافلون المعرضون المستهزئون قبل أن يحق النذير في الدنيا أو في الآخرة. فإنهم إن نجوا من عذاب الدنيا فهناك عذاب الآخرة الذي تعد موازينه، فلا تظلم نفس شيئا، ولا يهمل مثقال حبة من خردل. وهكذا ترتبط موازين الآخرة الدقيقة، بنواميس الكون الدقيقة، بسنن الدعوات، وطبائع الحياة والناس. وتلتقي كلها متناسقة موحدة في يد الإرادة الواحدة مما يشهد لقضية التوحيد وهي محور السورة الأصيل.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والوضع حقيقته: حط الشيء ونَصْبه في مكان، وهو ضد الرفع. ويطلق على صنع الشيء وتعيينه للعمل به وهو في ذلك مجاز...
ويظهر لي أن التزام صيغة جمع الموازين في الآيات الثلاث التي ذكر فيها الميزان يرجح أن المراد بالوزن فيها معناه المجازي وأن بيانه بقوله {القسط} في هذه الآية يزيد ذلك ترجيحاً...
والمثقال: ما يماثل شيئاً في الثقل، أي الوزن، فمِثقال الحبة: مقدارها...
والخردل: حبوب دقيقة كحَبّ السمسم هي بزور شجر يسمى عند العرب الخَردل...
وشجرته ذات ساق دقيقة ينتهي ارتفاعها إلى نحو متر...
وجملة {وكفى بنا حاسبين} عطف على جملة {وإن كان مثقال حبة من خردل}... ومعنى كفاهم نحن حاسبين أنهم لا يتطلعون إلى حاسب آخر يعدل مثلَنا. وهذا تأمين للناس من أن يجازى أحد منهم بما لا يستحقه. وفي ذلك تحذير من العذاب وترغيب في الثواب.
وحبة الخردل تدل في صغرها على الحجم، وكلمة مثقال تدل على الوزن، فجمع فيها الحجم والوزن.