غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ} (47)

قوله { ونضع الموازين القسط } المراد من الوضع الإحضار والقسط أي العدل صفة الموازين وإن كان موحداً كقولهم للقوم " إنهم عدل " قاله الفراء . وعن الزجاج أراد ذوات القسط . واللام في { ليوم القيامة } بمعنى الوقت كما يقال " جئت لتاريخ كذا " . وقيل : أراد لأجل الحساب يوم القيامة . وقد مر تحقيق الوزن وما يتعلق به من الأبحاث في أول سورة الأعراف . يروي أن داود عليه السلام سال ربه أن يريه الميزان ، فلما رآه غشي عليه ثم أفاق فقال : يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات ؟ فقال : يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة .

وفي قوله { فلا تظلم نفس شيئاً } بحث بين المعتزلة والأشاعرة وقد مر مراراً { وإن كان } أي الوزن والعمل { مثقال حبة من خردل أتينا بها } أنت ضمير المثقال باعتبار إضافته إلى الحبة . قيل : الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال : حبة من خردل ؟ وأجيب بأن الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار ، والظاهر أنه أراد الحبة من حيث اللغة . وقوله { من خردل } بيان لها لأن الحبة أعم من أن تكون من الخردل أو من الحنطة أو من غيرهما ولكن المبالغة في الأول أكثر ، وذلك أن الخردلة سدس شعيرة وهي نصف سدس ثمن الدينار عند الحساب ونصف سدس سدسه في الشرع ، والحبة ثمن تسع الدينار في عرف حساب فارس والعراق ، فمثقال حبة من خردل يكون على الوجه الأول ثمن تسع خردلة ، وعلى ما قلنا يكون هو الخردل بعينه . والحاصل أن شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع من علم الله وأنه يجازي عليه . رؤي الشبلي في المنام فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال :

حاسبوني فدققوا *** ثم منوا فأعتقوا

قال في التفسير الكبير : زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزءاً من الثواب فهذا الأقل منحبط بالأكثر كما كان . والآية تبطل قوله لأن الله تعالى تمدح بأن اليسير من الطاعة لا يسقط ، ولو كان الأمر كما قاله الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة . قلت : للجبائي أن يقول : الإتيان بالطاعة مشروط عندي بعدم الإحباط كما أن العقاب على المعصية مشروط عندكم بعدم العفو . { وكفى بنا حاسبين } كقوله { وكفى بالله حسيباً } [ النساء : 6 ] .

/خ50