الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ} (47)

قوله تعالى : " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا " الموازين جمع ميزان . فقيل : إنه يدل بظاهره على أن لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله ، فتوضع الحسنات في وكفة ، والسيئات في كفة . وقيل : يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد ، يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله ، كما قال :

ملكٌ تقومُ الحادثاتُ لعدله *** فلكلِّ حادثةٍ لها مِيزَانُ

ويمكن أن يكون ميزانا واحدا عبر عنه بلفظ الجمع . وخرج اللالكائي الحافظ أبو القاسم في سننه عن أنس يرفعه : ( إن ملكا موكلا بالميزان فيؤتي بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان ، فإن رجح نادى الملك بصوت يسمع الخلائق : سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا وإن خف نادي الملك شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا ) . وخرج عن حذيفة رضي الله عنه قال : ( صاحب الميزان يوم القيامة جبريل عليه السلام ) وقيل : للميزان كفتان وخيوط ولسان والشاهين ، فالجمع يرجع إليها . وقال مجاهد وقتادة والضحاك : ذكر الميزان مثل وليس ثم ميزان وإنما هو العدل . والذي وردت به الأخبار وعليه السواد الأعظم القول الأول . وقد مضى في " الأعراف " {[11274]} بيان هذا ، وفي " الكهف " {[11275]} أيضا . وقد ذكرناه في كتاب " التذكرة " مستوفى والحمد لله . و " القسط " العدل أي ليس فيها بخس ولا ظلم كما يكون في وزن الدنيا . و " القسط " صفة الموازين ووحد لأنه مصدر ، يقال : ميزان قسط ، وميزانان قسط ، وموازين قسط . مثل رجال عدل ورضا . وقرأت فرقة " القصط " بالصاد . " ليوم القيامة " أي لأهل يوم القيامة . وقيل : المعنى في يوم القيامة . " فلا تظلم نفس شيئا " أي لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسيء . " وإن كان مثقال حبة من خردل " قرأ نافع وشيبة وأبو جعفر " مثقال حبة " بالرفع هنا ، وفي " لقمان " {[11276]} على معنى إن وقع أو حضر ، فتكون كان تامة ولا تحتاج إلى خبر الباقون " مثقال " بالنصب على معنى وإن كان العمل أو ذلك الشيء مثقال . ومثقال الشيء ميزانه من مثله . " أتينا بها " مقصورة الألف قراءة الجمهور أي أحضرناها وجئنا بها للمجازاة عليها ولها . يجاء بها أي بالحجة ولو قال به أي بالمثقال لجاز . وقيل : مثقال الحبة ليس شيئا غير الحبة فلهذا قال : " أتينا بها " . وقرأ مجاهد وعكرمة " آتينا " بالمد على معنى جازينا بها . يقال آتى يؤاتي مؤاتاة . " وكفى بنا حاسبين " أي محاسبين على ما قدموه من خير وشر . وقيل : " حاسبين " إذ لا أحد أسرع حسابا منا . والحساب العد . روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها : أن رجلا قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم ؟ قال : ( يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك ، وإن كان عقابك فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل ) قال : فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أما تقرأ كتاب الله تعالى : " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا " ) فقال الرجل : والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئا خيرا من مفارقتهم ، أشهدك أنهم أحرار كلهم . قال حديث غريب .


[11274]:راجع جـ 7 ص 165.
[11275]:راجع جـ 10 ص 418.
[11276]:راجع جـ 14 ص 66 فما بعد.