قوله تعالى : { والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } من تتمة ما نزل حين قال المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم : «بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله تعالى منا » الخ على ما أشرنا إليه فيما تقدم ، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حال بني إسرائيل فنزلت هذه الآية ولم يذكر صدر الآية . وفي رواية الكلبي «أن رجلين : أنصارياً وثقفياً آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما فكانا لا يفترقان ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه وخرج معه الثقفي وخلف الأنصاري في أهله وحاجته فكان يتعاهد أهل الثقفي فأقبل ذات يوم فأبصر امرأة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها فوقعت في نفسه فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها فذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر كفها ثم ندم واستحيا فأدبر راجعاً فقالت : سبحان الله تعالى خنت أمانتك وعصيت ربك ولم تصل إلى حاجتك قال : وندم على صنيعه فخرج يسيح في الجبال ويتوب إلى الله تعالى من ذنبه حتى وافى الثقفي فأخبرته أهله بفعله فخرج يطلبه حتى دل عليه فوافقه ساجداً وهو يقول : رب ذنبي ذنبي قد خنت أخي فقال له : قم يا فلان فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله عن ذنبك لعل الله تعالى أن يجعل لك فرجاً وتوبة فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة وكان ذات يوم عند صلاة العصر نزل جبريل عليه السلام بتوبته فتلا { والذين إِذَا فَعَلُواْ } إلى قوله سبحانه وتعالى : { وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } [ آل عمران : 136 ] فقال عمر رضي الله تعالى عنه : يا رسول الله ألهذا الرجل خاصة أم للناس عامة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : بل للناس عامة2 .
وفي رواية عطاء عن ابن عباس أن تيهان التمار ، أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له فنزلت هذه الآية . وأنت تعلم أنه لا مانع من تعدد سبب النزول وأياً مّا كان فبإطلاق اللفظ ينتظم ما فعله الرماة انتظاماً أولياً ، وأخرج الترمذي عن عطاف بن خالد أنه قال : بلغني أنها لما نزلت ، صاح إبليس بجنوده وحثا على رأسه التراب ودعا بالويل والثبور حتى جاءته جنوده من كل بر وبحر فقالوا : ما لك يا سيدنا قال : آية نزلت في كتاب الله لا يضر بعدها أحداً من بني آدم ذنب قالوا : وما هي ؟ فأخبرهم قالوا : نفتح لهم باب الأهواء فلا يتوبون ولا يستغفرون ولا يرون إلا أنهم على الحق فرضي منهم بذلك ، والموصول إما مفصول عما قبله على أنه مبتدأ ، وقيل : إنه معطوف على ما قبله من صفات المتقين ، وقوله سبحانه :
{ والله يُحِبُّ المحسنين } [ آل عمران : 134 ] اعتراض بينهما مشير إلى ما بينهما من التفاوت فإن درجة الأولين من التقوى أعلى وحظهم أوفى ، أو على ( نفس ) المتقين فيكون التفاوت أظهر وأكثر ، والفاحشة الكبائر ، وظلم النفس الصغائر قاله القاضي عبد الجبار الهمداني ، وقيل : الفاحشة المعصية الفعلية ، وظلم النفس المعصية القولية ، وقيل : الفاحشة ما يتعدى ، ومنه إفشاء الذنب لأنه سبب اجتراء الناس عليه ووقوعهم فيه وظلم النفس ما ليس كذلك ، وقيل : الفاحشة كل ما يشتد قبحه من المعاصي والذنوب وتقال لكل خصلة قبيحة من الأقوال والأفعال ، وكثيراً ما ترد بمعنى الزنا ، وأصل الفحش مجاوزة الحدّ في السوء ومنه قول طرفة :
عقيلة مال الفاحش المتشدد *** يعني الذي جاوز الحد في البخل فلعل المراد منها هنا المعصية البالغة في القبح ، والظلم الذنب مطلقاً وذكره بعدها ، من ذكر العام بعد الخاص ، و { أَوْ } على الوجوه للتنويع ولا يرد أنه على بعض الوجوه الترديد بين الخاص والعام وقد توقف في قبوله لأنهم قالوا : إن هذا ترديد بين فرقتين من يستغفر للفاحشة ومن يستغفر لأي ذنب صدر عنه وكم بينهما .
وجواب { إِذَا } قوله تعالى شأنه : { ذَكَرُواْ الله } أي تذكروا حقه العظيم ووعيده ، أو ذكروا العرض عليه ، أو سؤاله عن الذنب يوم القيامة أو نهيه أو غفرانه وقيل : ذكروا جماله فاستحيوا وجلاله فهابوا ، وقيل : ذكروا ذاته المقدسة عن جميع القبائح وأحبوا التقرب إليه بالمناسبة له بالتطهير من الذمائم ، وعلى كل تقدير ليس المراد مجرد ذكر اسمه عز اسمه { فاستغفروا } أي طلبوا المغفرة منه تعالى . { لِذُنُوبِهِمْ } كيفما كانت ومفعول { فاستغفروا } محذوف لفهم المعنى أي استغفروه ، وليس المراد مجرد طلب المغفرة بل مع التوبة وإلا فطلب المغفرة مع الإصرار ، كالإستهزاء بالرب جل شأنه ، ومن هنا قالت رابعة العدوية : استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار .
{ وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله } اعتراض بين المعطوفين أو بين الحال وذيها ، والتركيب على ما أفاده بعض المحققين يدل على أمور من جهة الله تعالى وأمور من جهة العبد . أما الأول : فعلى وجوه : أحدها ، دلالة اسم الذات بحسب ما يقتضيه المقام من معنى الغفران الواسع وإيراد التركيب على صيغة الإنشاء دون الإخبار ؛ بأن لم يقل وما يغفر الذنوب إلا الله ، تقرير لذلك المعنى وتأكيد له كأنه قيل : هل تعرفون أحداً يقدر على غفر الذنوب كلها صغيرها وكبيرها سالفها وغابرها غير من وسعت رحمته كل شيء ؟ وثانيها : تقديمه عن مكانه وإزالته عن مقرّه لأنه اعتراض بين المبتدأ وهو الذين والخبر الآتي ، ثم بين المعطوف والمعطوف عليه أو الحال وصاحبه للدلالة على شدة الاهتمام به والتنبيه على أنه كلما وجد الاستغفار لم يتخلف الغفران ، وثالثها : الاتيان بالجمع المحلى باللام إعلاماً بأن التائب إذا تقدم بالاستغفار يتلقى بغفران ذنوبه كلها فيصير كمن لا ذنب له ، ورابعها : دلالة النفي بالحصر والإثبات على أنه لا مفزع للمذنبين إلا كرمه وفضله ، وذلك أن من وسعت رحمته كل شيء لا يشاركه أحد في نشرها كرماً وفضلاً ، وخامسها : إسناد غفران الذنوب إلى نفسه سبحانه وإثباته لذاته المقدس بعد وجود الاستغفار وتنصل عبيده ، يدل على تحقق ذلك قطعاً إما بحسب الوعد كما نقول ، أو بحسب العدل كما يزعمه المعتزلة .
وأما الثاني : ففيه وجوه أيضاً : الأول : إن في إبداء سعة الرحمة واستعجال المغفرة بشارة عظيمة وتطييباً للنفوس ، والثاني : أن العبد إذا نظر إلى هذه العناية الشديدة والاهتمام العظيم في شأن التوبة يتحرك نشاطه ويهتز عطفه فلا يتقاعد عنها ، والثالث : أن في ضمن معنى الاستغراق قلع اليأس والقنوط ولهذا علل سبحانه النهي في قوله تعالى : { لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله } بقوله جل شأنه : { إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً } [ الزمر : 53 ] والرابع : أنه أطلقت الذنوب وعمت بعد ذكر الفاحشة وظلم النفس وترك مقتضى الظاهر ليدل به على عدم المبالاة في الغفران فإن الذنوب وإن كبرت فعفو الله تعالى أكبر ، والخامس : أن الاسم الجامع في التركيب كما دل على سعة الغفران بحسب المقام يدل أيضاً مع إرادة الحصر على أنه تعالى وحده معه مصححات المغفرة من كونه عزيزاً ليس فوقه أحد فيرد عليه حكمه وكونه حكيماً يغفر لمن تقتضي حكمته غفرانه . وقد التزم بعضهم كون أل في { الذنوب } للجنس لتفيد الآية امتناع صدور مغفرة فرد منها من غيره تعالى ، وهذا على ظنه لا تفيده الآية على تقدير إرادة كل الذنوب وحينئد يزداد أمر المبالغة ، وأما جعل الجملة حالية بتقدير قائلين ذلك فتعسف يذهب بكثير من هذه الوجوه اللطيفة كما لا يخفي ، و { مِنْ } مبتدأ و { يَغْفِرُ } خبره والاسم الجليل بدل من المستكن في { يَغْفِرُ } أو فاعل له .
{ وَلَمْ يُصِرُّواْ مَا فَعَلُواْ } عطف على { فاستغفروا } أو حال من فاعله أي لم يقيموا أو غير مقيمين على الذي فعلوه من الذنوب فاحشة كانت أو ظلماً أو على فعلهم ، وأصل الإصرار الشد من الصر ، وقيل : الثبات على الشيء ، ومنه قول الحطيئة يصف الخيل :
عوابس بالشعث الكماة إذا ابتغوا *** غلالتها بالمحصدات ( أصرت )
ويستعمل شرعاً بمعنى الإقامة على القبيح غير استغفار ورجوع بالتوبة ، والظاهر أنه لا يصح إرادة هذا المعنى هنا لئلا يتكرر ما في المفهوم مع ما في المنطوق ، فلعله فيه بمعنى الإقامة ، وإذا حمل الاستغفار على مجرد طلب المغفرة فقط ، كان هذا مشيراً للتوبة التي هي ملاك الأمر إلا أنه قدم الاستغفار لأنه دال عليها في الظاهر ، وإذا حمل على الحال الذي ينضم إليه التوبة كان هذا تصريحاً ببعض ما أريد منه إشارة إلى الاعتناء به كما قالوا في ذكر الخاص بعد العام ، أخرج البيهقي عن ابن عباس موقوفاً
" كل ذنب أصر عليه العبد كبير وليس بكبير ما تاب منه العبد " وأخرج أحمد والبخاري في «الأدب المفرد » عن ابن عمر مرفوعاً " ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم ويل لأقماع القول ويل للمصرين "
{ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قيل : الجملة حال من ضمير استغفروا وفيه بعد لفظي ، والمشهور أنها حال من ضمير أصروا ومفعول { يَعْلَمُونَ } محذوف أي يعلمون قبح فعلهم ، وقد ذكر أن الحال بعد الفعل المنفي وكذا جميع القيود قد يكون راجعاً إلى النفي قيداً له دون المنفي مثل ، ما جئتك مشتغلاً بأمورك بمعنى تركت المجيء مشتغلاً بذلك ، وقد يكون راجعاً إلى ما دخله النفي مثل ما جئتك راكباً ، ولهذا معنيان : أحدهما : و هو الأكثر أن يكون النفي راجعاً إلى القيد فقط ، ويثبت أصل الفعل فيكون المعنى جئت غير راكب ، وثانيهما : أن يقصد نفي الفعل والقيد معاً بمعنى انتفاء كل من الأمرين فالمعنى في المثال ، لا مجيء ولا ركوب ، وقد يكون النفي متوجهاً للفعل فقط من غير اعتبار لنفي القيد وإثباته . قيل : وهذه الآية لا يصح فيها أن يكون { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قيداً للنفي لعدم الفائدة ؛ لأن ترك الإصرار موجب للأجر والجزاء سواء كان مع العلم بالقبح أو مع الجهل بل مع الجهل أولى ولايصح أيضاً فيها أن يتوجه النفي إلى القيد فقط مع إثبات أصل الفعل ؛ إذ ليس المعنى على إثبات الإصرار ونفي العلم ، وكذا لا يصح توجهه إلى الفعل والقيد معاً إذ ليس المعنى على نفي العلم ، والظاهر أن المناسب فيها توجهه إلى الفعل فقط من غير اعتبار لنفي القيد وإثباته ، والمراد لم يصروا عالمين بمعنى أن عدم الإصرار متحقق ألبتة . ولك أن تقول : لم لا يجوز أن يكون الحال هنا قيداً للنفي ويكون المعنى تركوا الإصرار على الذنب لعلمهم بأن الذنب قبيح فإن الحال قد يجيء في معرض التعليل . وحديث إن ترك الاصرار موجب للأجر والجزاء سواء كان مع العلم بالقبح أو مع الجهل فلا دخل لمضمون الحال في إيجاب الأجر ، مجاب عنه بأنه ليس المقصود من ذكر الحال تقييد الإصرار بها لإيجاب الأجر حتى يرد عليه ما ذكر بل المراد مدحهم بأن تركهم الإصرار على الذنب لأجل أن فيهم ما هو زاجر عنه وهو علمهم بقبح الذنب فيكون مدحاً لهم بأن من صفاتهم التحرز عن القبائح ، وادعى بعض المتأخرين تعين كون الحال قيداً للمنفي وأن النفي راجع إلى القيد ، والمعنى لم يكن لهم الإصرار مع العلم بقبح الجزاء لأن المصر مع عدم العلم بالقبح لا يحرم الجزاء وغير المصر لكسالة أو لعدم ميل الطبع لا يبلغه لأن الجزاء على الكف لا على العدم وإلا لكان لكل أحد أجزية لا تتناهى لعدم فعل قبائح لا تتناهى لم تخطر بباله ، ولا يخفى ما في قوله : «وغير المصر » الخ ، وقوله : «لأن الجزاء » الخ من النظر ، وكأن من جعله حالا من ضمير استغفروا أراد الفرار من هذه الدغدغة ، وأنا أقول : إن الحال قيد للنفي ومتعلق العلم وليس هو القبح بل إنه يغفر لمن استغفر ويتوب على من تاب ، وهو المروي عن مجاهد كما أخرجه جماعة عنه ، وحكي عن الضحاك أيضاً والمعنى أنهم تركوا الإقامة على الذنب عالمين بأن الله تعالى يقبل التوبة من عباده ويغفر لهم ، وهو إيذان بأنهم لا ييأسون من روح الله سبحانه ولا يرد على هذا دعوى عدم الفائدة كما أورد أولا إذ من المعلوم الذي لا شبهة أولاً فيه أن ترك الإصرار إنما يوجب الأجر إذا لم يكن معه يأس فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ، ولعل مدحهم بأنهم يعلمون ذلك أولى من مدحهم بأنهم يعلمون قبح الفعل ، وربما يقال : إن الجملة سيقت معترضة لذلك كما سيقت كذلك جملة { وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله } لما سيقت له ، وأما جعلها معطوفة على جملة لم يصروا ورب شيء يصح تبعاً ولا يصح استقلالاً فليس بالذي تميل النفس إليه .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة } أي كبيرة من الكبائر وهي رؤية أفعالهم المحرمة عليهم تحريم رؤية الأجنبيات بشهوة { أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } بنقصهم حقوقها والتثبط عن تكميلها { ذَكَرُواْ الله } أي تذكروا عظمته وعلموا أنه لا فاعل في الحقيقة سواه { فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ } أي طلبوا ستر أفعالهم عنهم بالتبري عن الحول والقوة إلا بالله { وَمَن يَغْفِرُ الذنوب } وهي رؤية الأفعال أو النظر إلى سائر الأغيار { إِلاَّ الله } وهو الملك العظيم الذي لا يتعاظمه شيء { وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ } في غفلتهم ونقصوا حق نفوسهم { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [ آل عمران : 135 ] حقيقة الأمر وأن لا فعل لغيره .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يعني بقوله جلّ ثناؤه: {وَالّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً}: أن الجنة التي وصف صفتها أعدت للمتقين، المنفقين في السرّاء والضرّاء، والذين إذا فعلوا فاحشة وجميع هذه النعوت من صفة المتقين الذين قال تعالى ذكره: {وَجَنّةٍ عَرْضُها السّمَوَاتُ والأرْضُ أُعِدّتْ للْمُتَقِينَ}... وأما الفاحشة فهي صفة لمتروك، ومعنى الكلام: والذين إذا فعلوا فعلة فاحشة. ومعنى الفاحشة: الفعلة القبيحة الخارجة عما أذن الله عزّ وجلّ فيه. وأصل الفحش القبح والخروج عن الحدّ والمقدار في كل شيء، ومنه قيل للطويل المفرط الطول: إنه لفاحش الطول، يراد به: قبيح الطول، خارج عن المقدار المستحسن ومنه قيل للكلام القبيح غير القصد: كلام فاحش، وقيل للمتكلم به: أفحش في كلامه: إذا نطق بفحش. وقيل: إن الفاحشة في هذا الموضع معنّي بها الزنا... وقوله: {أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ} يعني به: فعلوا بأنفسهم غير الذي كان ينبغي لهم أن يفعلوا بها. والذي فعلوا من ذلك ركوبهم من معصية الله ما أوجبوا لها به عقوبته...
وقوله: {ذَكَرُوا اللّهَ} يعني بذلك ذكروا وعيد الله على ما أتوا من معصيتهم إياه. {فاسْتَغْفِرُوا لِذُنُوبِهِمْ} يقول: فسألوا ربهم أن يستر عليهم ذنوبهم بصفحه لهم عن العقوبة عليها. {وَمَنْ يَغْفِرُ الذّنُوبَ إلاّ اللّهُ} يقول: وهل يغفر الذنوب: أي يعفو عن راكبها فيسترها عليه إلا الله؟ {وَلَمْ يُصِرّوا على ما فَعَلُوا} يقول: ولم يقيموا على ذنوبهم التي أتوها، ومعصيتهم التي ركبوها {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} يقول: لم يقيموا على ذنوبهم عامدين للمقام عليها، وهم يعلمون أن الله قد تقدّم بالنهي عنها، وأوعد عليها العقوبة، من ركبها. وذكر أن هذه الآية أنزلت خصوصا بتخفيفها ويسرها أُمّتَنا مما كانت بنو إسرائيل ممتحنة به من عظيم البلاء في ذنوبها...
وأما قوله: {وَلَمْ يُصِرّوا على ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويل الإصرار ومعنى الكلمة؛
فقال بعضهم: معنى ذلك: لم يثبتوا على ما أتوا من الذنوب، ولم يقيموا عليه، ولكنهم تابوا واستغفروا، كما وصفهم الله به...
وقال آخرون: معنى ذلك: لم يواقعوا الذنب إذا هموا به...
وقال آخرون: معنى الإصرار: السكوت على الذنب، وترك الاستغفار...
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا قول من قال: الإصرار الإقامة على الذنب عامدا، أو ترك التوبة منه. ولا معنى لقول من قال: الإصرار على الذنب: هو مواقعته، لأن الله عزّ وجلّ مدح بترك الإصرار على الذنب مواقع الذنب، فقال: {وَالّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذّنُوبَ إلاّ اللّهُ ولَمْ يُصِرّوا على ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ¹ ولو كان المواقع الذنب مصرا بمواقعته إياه، لم يكن للاستغفار وجه مفهوم، لأن الاستغفار من الذنب إنما هو التوبة منه والندم، ولا يعرف للاستغفار من ذنب لم يواقعه صاحبه وجه. وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أصَرّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وإنْ عادَ فِي اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرّةً»...
واختلف أهل التأويل في تأويل قولهم: {وَهْمْ يَعْلَمُونَ}؛
فقال بعضهم: معناه: وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا...
وقال آخرون: معنى ذلك: وهم يعلمون أن الذين أتوا معصية الله...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
أخبر انهم {إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم}، وقد ذكرنا في ما تقدم لأي معنى ظلموا أنفسهم حين لم يسلموا أنفسهم خالصين، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه فإذا لم يسلموا وضعوا أنفسهم في غير موضعها لذلك صاروا ظلمة أنفسهم، {ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} أي: طلبوا لذنوبهم مغفرة وأقروا أنه لا يغفر الذنوب إلا الله {ولم يصروا على} ذنوبهم والإصرار هو الدوام عليه...
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُم} أما الفاحشة ها هنا ففيها قولان: أحدهما: الكبائر من المعاصي. والثاني: الربا وهو قول جابر والسدي. {أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُم} قيل المراد به الصغائر من المعاصي. {ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم} فيه قولان: أحدهما: أنهم ذكروه بقلوبهم فلم ينسوه، ليعينهم ذكره على التوبة والاستغفار. والثاني: ذكروا الله قولاً بأن قالوا: اللهم اغفر لنا ذنوبنا.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
قوله: (ومن يغفر الذنوب إلا الله) الرفع محمول على المعنى. وتقديره: وهل يغفر الذنوب إلا الله، أو هل رئي أحد يغفر الذنوب إلا الله. فإن قيل: كيف قال:"ومن يغفر الذنوب إلا الله" وقد يغفر بعضنا لبعض إساءته إليه؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما -أنه أراد بذلك غفران الكبائر العظام، لأن الإساءة من بعضنا لبعض صغيرة بالإضافة إلى ما يستحق من جهتة. والثاني- أنه لا يغفر الذنب الذي يستحق عليه العقاب إلا الله تعالى...
وقوله: "وهم يعلمون "ههنا يحتمل أمرين: أحدهما -وهم يعلمون الخطيئة ذاكرين لها غير ساهين، ولا ناسين.
تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :
قوله: (ولم يصروا) أي: ولم يقيموا، ولم يمضوا (على ما فعلوا وهم يعلمون) أن الله لا يتعاظمه العفو عن الذنب...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{ذَكَرُواْ الله}: تذكروا عقابه أو وعيده أو نهيه، أو حقه العظيم وجلاله الموجب للخشية والحياء منه، {فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ}: فتابوا عنها لقبحها نادمين عازمين، {وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله}: وصف لذاته بسعة الرحمة وقرب المغفرة وإنّ التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له، وأنه لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه، وأنّ عدله يوجب المغفرة للتائب، لأن العبد إذا جاء في الاعتذار والتنصل بأقصى ما يقدر عليه وجب العفو والتجاوز وفيه تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها وردع عن اليأس والقنوط وأن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم. والمعنى: أنه وحده معه مصححات المغفرة وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، {وَلَمْ يُصِرُّواْ}: ولم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين... {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} حال من فعل الإصرار وحرف النفي منصب عليهما معاً. والمعنى: وليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها وبالوعيد عليها، لأنه قد يعذر من لا يعلم قبح القبيح. وفي هذه الآيات بيان قاطع أنّ الذين آمنوا على ثلاث طبقات: متقون وتائبون ومصروُّن. وأن الجنة للمتقين والتائبين منهم، دون المصرّين. ومن خالف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{استغفروا} معناه: طلبوا الغفران، واللام معناها: لأجل «ذنوبهم»، ثم اعترض أثناء الكلام قوله تعالى: {ومن يغفر الذنوب إلا الله}، اعتراضاً مرققا للنفس، داعياً إلى الله، مرجياً في عفوه، إذا رجع إليه...
اعلم أن وجه النظم من وجهين: الأول: أنه تعالى لما وصف الجنة بأنها معدة للمتقين بين أن المتقين قسمان: أحدهما: الذين أقبلوا على الطاعات والعبادات، وهم الذين وصفهم الله بالإنفاق في السراء والضراء، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس. وثانيهما: الذين أذنبوا ثم تابوا وهو المراد بقوله: {والذين إذا فعلوا فاحشة} وبين تعالى أن هذه الفرقة كالفرقة الأولى في كونها متقية، وذلك لأن المذنب إذا تاب عن الذنب صار حاله كحال من لم يذنب قط في استحقاق المنزلة والكرامة عند الله. والوجه الثاني: أنه تعالى ندب في الآية الأولى إلى الإحسان إلى الغير، وندب في هذه الآية إلى الإحسان إلى النفس، فان المذنب العاصي إذا تاب كانت تلك التوبة إحسانا منه إلى نفسه... أما قوله: {ذكروا الله}... نظير [ها]... قوله: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}... [و] المراد بهذا الذكر ذكر الله بالثناء والتعظيم والإجلال، وذلك لأن من أراد أن يسأل الله مسألة، فالواجب أن يقدم على تلك المسألة الثناء على الله، فهنا لما كان المراد الاستغفار من الذنوب قدموا عليه الثناء على الله تعالى، ثم اشتغلوا بالاستغفار عن الذنوب... ثم قال: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} والمقصود منه أن لا يطلب العبد المغفرة إلا منه، وذلك لأنه تعالى هو القادر على عقاب العبد في الدنيا والآخرة، فكان هو القادر على إزالة ذلك العقاب عنه، فصح أنه لا يجوز طلب الاستغفار إلا منه...
وقوله: {وهم يعلمون}... [يحتمل] أن يكون المراد منه العقل والتمييز والتمكين من الاحتراز من الفواحش فيجري مجرى قوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث».
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما أخبر أنها للمحسنين إلى الغير ومن قاربهم أخبر أنها لمن دونهم في الرتبة من التائبين المحسنين إلى أنفسهم استجلاباً لمن رجع عن أحد من المنافقين ولغيرهم من العاصين فقال: {والذين إذا فعلوا} أي باشروا عن علم أو جهل فعله {فاحشة} أي من السيئات الكبار {أو ظلموا أنفسهم} أي بأي نوع كان من الذنوب، لتصير الفاحشة موعوداً بغفرانها بالخصوص و بالعموم {ذكروا الله} أي بما له من كمال العظمة فاستحيوه وخافوه {فاستغفروا} الله، أي فطلبوا المغفرة بالتوبة بشرطها {لذنوبهم} أي فإنه يغفر لهم لأنه غفار لمن تاب. ولما كان هذا مفهوماً لأنه تعالى يغفر كل ذنب أتبعه تحقيق ذلك ونفي القدرة عليه عن غيره، لأن المخلوق لا يمضي غفرانه لذنب إلا إذا كان مما شرع الله غفرانه، فكان لا غافر في الحقيقة إلا الله قال مرغباً في الإقبال عليه بالاعتراض بين المتعاطفين: {ومن يغفر الذنوب} أي يمحو آثارها حتى لا تذكر ولا يجازى عليها {إلا الله} أي الملك الأعلى. ولما كان سبحانه وتعالى قد تفضل برفع القلم عن الغافل قال: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} أي إنهم على ذنب...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
لا يصر المؤمن المتقي من أهل الدرجة الدنيا على ذنبه وهو يعلم أن الله تعالى نهى عنه وتوعد عليه ولا يصر كذلك بالأولى صاحب الدرجة العليا، من أهل الإيمان والتقوى، وهو يعلم أن الذنوب فسوق عن نظام الفطرة السليمة، واعتداء على قانون الشريعة القويمة، وبعد عن مقام النظام العام الذي يعرج عليه البشر إلى قرب ذي الجلال والإكرام. ومثال ذلك من يخضع لقوانين الحكام الوضعية خوفا من العقوبة، ومن يخضع لها احتراما للنظام، وما أبعد الفرق بين الفريقين...
فالآية هادية إلى أن المتقين الذين أعد الله لهم الجنة لا يصرون على ذنب يرتكبونه صغيرا كان أو كبيرا لأن ذكره عز وجل يمنع المؤمن بطبيعته أن يقيم على الذنب. وقد بينا في مواضع كثيرة من التفسير أن الإيمان والعمل بمقتضاه متلازمان. وقد قالوا إن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة. وهذا أقل ما يقال فيها. ورب كبيرة أصابها المؤمن بجهالة وبادر إلى التوبة منها فكانت دائما مذكرة له بضعفه البشري وسلطان الغضب أو الشهوة عليه ووجوب مقاومة هذا السلطان طلبا للكمال بالقرب من الرحمن، خير من صغيرة يقترفها المرء مستهينا بها فيصر عليها فتأنس نفسه بالمعصية، وتزول منها هيبة الشريعة، فيتجرأ بعد ذلك على الكبائر فيكون من الهالكين...
تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :
والفحشاء: الفعلة الشنيعة القبح التي يتعدى أثرها إلى غيرك...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
يا لسماحة هذا الدين! إن الله -سبحانه- لا يدعو الناس إلى السماحة فيما بينهم حتى يطلعهم على جانب من سماحته -سبحانه وتعالى- معهم. ليتذوقوا ويتعلموا ويقتبسوا: إن المتقين في أعلى مراتب المؤمنين.. ولكن سماحة هذا الدين ورحمته بالبشر تسلك في عداد المتقين (الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم) والفاحشة أبشع الذنوب وأكبرها. ولكن سماحة هذا الدين لا تطرد من يهوون إليها، من رحمة الله. ولا تجعلهم في ذيل القافلة.. قافلة المؤمنين.. إنما ترتفع بهم إلى أعلى مرتبة.. مرتبة "المتقين".. على شرط واحد. شرط يكشف عن طبيعة هذا الدين ووجهته.. أن يذكروا الله فيستغفروا لذنوبهم، وألا يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أنه الخطيئة، وألا يتبجحوا بالمعصية في غير تحرج ولا حياء.. وبعبارة أخرى أن يكونوا في إطار العبودية لله، والاستسلام له في النهاية. فيظلوا في كنف الله وفي محيط عفوه ورحمته وفضله. إن هذا الدين ليدرك ضعف هذا المخلوق البشري الذي تهبط به ثقلة الجسد أحيانا إلى درك الفاحشة، وتهيج به فورة اللحم والدم فينزو نزوة الحيوان في حمى الشهوة، وتدفعه نزواته وشهواته وأطماعه ورغباته إلى المخالفة عن أمر الله في حمى الاندفاع. يدرك ضعفه هذا فلا يقسو عليه، ولا يبادر إلى طرده من رحمة الله حين يظلم نفسه. حين يرتكب الفاحشة.. المعصية الكبيرة.. وحسبه أن شعلة الإيمان ما تزال في روحه لم تنطفئ، وأن نداوة الإيمان ما تزال في قلبه لم تجف، وأن صلته بالله ما تزال حية لم تذبل، وأنه يعرف أنه عبد يخطئ وأن له ربا يغفر.. وإذن فما يزال هذا المخلوق الضعيف الخاطئ المذنب بخير.. إنه سائر في الدرب لم ينقطع به الطريق، ممسك بالعروة لم ينقطع به الحبل، فليعثر ما شاء له ضعفه أن يعثر. فهو واصل في النهاية ما دامت الشعلة معه، والحبل في يده. ما دام يذكر الله ولا ينساه، ويستغفره ويقر بالعبودية له ولا يتبجح بمعصيته. إنه لا يغلق في وجه هذا المخلوق الضعيف الضال باب التوبة، ولا يلقيه منبوذا حائرا في التيه! ولا يدعه مطرودا خائفا من المآب.. إنه يطمعه في المغفرة، ويدله على الطريق، ويأخذ بيده المرتعشة، ويسند خطوته المتعثرة، وينير له الطريق، ليفيء إلى الحمى الآمن، ويثوب إلى الكنف الأمين. شيء واحد يتطلبه: ألا يجف قلبه، وتظلم روحه، فينسى الله.. وما دام يذكر الله. ما دام في روحه ذلك المشعل الهادي. ما دام في ضميره ذلك الهاتف الحادي. ما دام في قلبه ذلك الندى البليل.. فسيطلع النور في روحه من جديد، وسيؤوب إلى الحمى الآمن من جديد، وستنبت البذرة الهامدة من جديد. إن طفلك الذي يخطىء ويعرف أن السوط -لا سواه- في الدار.. سيروح آبقا شاردا لا يثوب إلى الدار أبدا. فأما إذا كان يعلم أن إلى جانب السوط يدا حانية، تربت على ضعفه حين يعتذر من الذنب، وتقبل عذره حين يستغفر من الخطيئة.. فإنه سيعود! وهكذا يأخذ الإسلام هذا المخلوق البشري الضعيف في لحظات ضعفه.. فإنه يعلم أن فيه بجانب الضعف قوة، وبجانب الثقلة رفرفة، وبجانب النزوة الحيوانية أشواقا ربانية.. فهو يعطف عليه في لحظة الضعف ليأخذ بيده إلى مراقي الصعود، ويربت عليه في لحظة العثرة ليحلق به إلى الأفق من جديد. ما دام يذكر الله ولا ينساه، ولا يصر على الخطيئة وهو يعلم أنها الخطيئة!... والإسلام لا يدعو -بهذا- إلى الترخص، ولا يمجد العاثر الهابط، ولا يهتف له بجمال المستنقع! كما تهتف "الواقعية "! إنما هو يقيل عثرة الضعف، ليستجيش في النفس الإنسانية الرجاء، كما يستجيش فيها الحياء! فالمغفرة من الله -ومن يغفر الذنوب إلا الله؟- تخجل ولا تطمع، وتثير الاستغفار ولا تثير الاستهتار. فأما الذين يستهترون ويصرون، فهم هنالك خارج الأسوار، موصدة في وجوههم الأسوار! وهكذا يجمع الإسلام بين الهتاف للبشرية إلى الآفاق العلى، والرحمة بهذه البشرية التي يعلم طاقتها. ويفتح أمامها باب الرجاء أبدا، ويأخذ بيدها إلى أقصى طاقتها.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والذكر في قوله: {ذكروا الله} ذكر القلب وهو ذِكر ما يجب لله على عبده، وما أوصاه به، وهو الَّذي يتفرّع عنه طلب المغفرة؛ وأمّا ذكر اللّسان فلا يترتّب عليه ذلك. ومعنى ذكر الله هنا ذكر أمره ونهيه ووعده ووعيده... والاستغفار: طلب الغَفْر أي الستر للذنوب، وهو مجاز في عدم المؤاخذة على الذنب، ولذلك صار يعدّي إلى الذنب باللام الدالة على التَّعليل كما هنا، وقوله تعالى: {واستغفر لذنبك} [غافر: 55]. ولمَّا كان طلب الصفح عن المؤاخذة بالذنب لا يصدر إلا عن ندامة، ونية إقلاع عن الذنب، وعدم العودة إليه، كان الاستغفار في لسان الشارع بمعنى التوبة، إذ كيف يطلب العفو عن الذنب من هو مستمرّ عليه، أو عازم على معاودته، ولو طلب ذلك في تلك الحالة لكان أكثر إساءة من الذنب، فلذلك عدّ الاستغفار هنا رتبة من مراتب التَّقوى. وليس الاستغفار مجرّد قول (أستغفر الله) باللّسان والقائلُ ملتبس بالذنوب...
وقوله: {ولم يصروا} إتمام لركْني التَّوبة لأنّ قوله: {فاستغفروا لذنوبهم} يشير إلى الندم، وقوله: {ولم يصروا} تصريح بنفي الإصرار، وهذان ركنا التَّوبة...
وقد انتظم من قوله: {ذكروا الله فاستغفروا} وقوله: {ولم يصروا} وقوله: {وهم يعلمون} الأركان الثلاثة الَّتي ينتظم منها معنى التَّوبة في كلام أبي حامد الغزالي في كتاب التَّوبة من « إحياء علوم الدّين» إذ قال: « وهي عِلْم، وحال، وفعل. فالعلم هو معرفة ضرّ الذنوب، وكونها حجاباً بين العبد وبين ربِّه، فإذا علم ذلك بيقين ثار من هذه المعرفة تألّم للقلب بسبب فوات ما يحبّه من القرب من ربِّه، ورضاه عنه، وذلك الألم يسمّى ندماً، فإذا غلب هذا الألم على القلب انبعثت منه في القلب حالة تسمّى إرادة وقصداً إلى فعل له تعلّق بالحال والماضي والمستقبل، فتعلّقه بالحال هو ترك الذنب (الإقلاع)، وتعلّقه بالمستقبل هو العزم على ترك الذنب في المستقبل (نفي الإصرار)، وتعلّقه بالماضي بتلافي ما فات». فقوله تعالى: {ذكروا الله} إشارة إلى انفعال القلب. وقوله: {ولم يصروا} إشارة إلى الفعل وهو الإقلاع ونفي العزم على العودة. وقوله: {وهم يعلمون} إشارة إلى العلم المثير للانفعال النفساني. وقد رتّبت هاته الأركان في الآية بحسب شدّة تعلّقها بالمقصود: لأنّ ذكر الله يحصل بعد الذنب، فيبعث على التَّوبة، ولذلك رتّب الاستغفار عليه بالفاء، وأمَّا العلم بأنَّه ذنب، فهو حاصل من قبل حصول المعصية، ولولا حصوله لما كانت الفعلة معصية. فلذلك جيء به بعد الذكر ونفي الإصرار، على أنّ جملة الحال لا تدلّ على ترتيب حصول مضمونها بعد حصول مضمون ما جيء به قبلَها في الأخبار والصّفات. ثُمّ إن كان الإصرار، وهو الاستمرار على الذنب، كما فُسِّر به كان نفيه بمعنى الإقلاع لأجل خَشية الله تعالى، فلم يدلّ على أنَّه عازم على عدم العود إليه، ولكنَّه بحسب الظاهر لا يرجع إلى ذنب ندِمَ على فعله، وإن أريد بالإصرار اعتقاد العود إلى الذنب فنفيه هو التَّوبة الخالصة، وهو يستلزم حصول الإقلاع معه إذ التلبّس بالذنب لا يجتمع مع العزم على عدم العود إليه، فإنَّه متلبّس به من الآن.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
...المعنى: من يرتكب فاحشة ويظلم نفسه، ويتذكر الله عند ارتكابها فيعود إلى ربه يكون من المتقين؛ وإلى هذا نميل، والتعبير بصيغة الشرط {إذا فعلوا فاحشة او ظلموا انفسهم ذكروا الله} يفيد اقتران الجواب بالشرط، أي ان ذكر الله يكون عند الارتكاب ولا يكون بينهما تراخ يجعل الشر يفرخ في النفس، فالتوبة إلى الله تكون فور الارتكاب لا تراخي بينهما ولا يستمر في المعصية حتى تحيط به خطيئته، وهذا ما صرح الله تعالى به في قوله: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما17} [النساء]...
وجاء الحق هنا ب "ذكروا الله "كتنبيه لنا إلى أن من يفعل الفاحشة أو يظلم نفسه هو من نسي الله، فلحظة فعل الفاحشة أو ظلم النفس لا يكون الله على بال الإنسان الفاعل للفاحشة أو على بال من ظلم نفسه، والذي يُجرِّئ الإنسان على المعصية ليحقق لنفسه شهوة، أنَّه لم ير الله ولم ير جزاءه وعقابه في الآخرة ماثلا أمامه، ولو تصور هذا لا متنع عن الفاحشة. وكذلك الذي يهمل في الطاعة أيضاً، لم يذكر الله وعطاءه للمتقين. ولو ذكر الله وعطاءه للمتقين لما تكاسل عن طاعة الله. ولذلك يقول الحق: {ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} فمن يستغفر لذنبه فقد ذكر الله...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
إنهم لا يصرون على ذنب: (والذين إذا فعلوا فاحشة، أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم).
و«الفاحشة» مشتقة أصلاً من الفحش، وهو كلّ ما اشتد قبحه من الذنوب، ولا يختص بالزنا خاصة، لأن الفحش في الأصل يعني «تجاوز الحدّ» الذي يشمل كلّ ذنب.
هذا وفي الآية أعلاه إشارة إلى إحدى صفات المتقين، فالمتقون مضافاً إلى الاتصاف بما ذكر من الصفات الإيجابية، إذا اقترفوا ذنباً، (ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلاّ الله، ولم يصروا على ما فعلوا).
يستفاد من هذه الآية أن الإنسان لا يذنب مادام يتذكر الله، فهو إنما يذنب إذا نسي الله تماماً واعترته الغفلة، ولكن لا يلبث هذا النسيان وهذه الغفلة لدى المتقين حتّى تزول عنهم سريعاً ويذكرون الله، فيتداركون ما فات منهم، ويصلحون ما أفسدوه.
إن المتقين يحسون إحساساً عميقاً بأنه لا ملجأ لهم إلاّ الله، فلابدّ أن يطلبوا منه المغفرة لذنوبهم دون سواه (ومن يغفر الذنوب إلاّ الله).
وينبغي أن نعلم أن القرآن ذكر مضافاً إلى «الفاحشة» «ظلم النفس» (أو ظلموا أنفسهم) ويمكن أن يكون الفرق بين هذين هو أن الفاحشة إشارة إلى الذنوب الكبيرة، و «ظلم النفس» إشارة إلى الذنوب الصغيرة.
ثمّ إنه سبحانه تأكيداً لهذه الصفة قال: (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون).