{ الذين يُنفِقُونَ } في محل الجرّ على أنه نعت للمتقين مادح لهم ، وقيل : مخصص أو بدل أو بيان أو في محل نصب على إضمار الفعل أو رفع على إضمار هم ومفعول { يُنفِقُونَ } محذوف ليتناول كل ما يصلح للإنفاق المحمود أو متروك بالكلية كما في قولهم : فلان يعطي ( ويمنع ) . { فِى السَّرَّاء والضراء } أي في اليسر والعسر قاله ابن عباس ؛ وقيل : في حال السرور والاغتمام ، وقيل : في الحياة وبعد الموت بأن يوصي ، وقيل : فيما يسر كالنفقة على الولد والقريب وفيما يضر كالنفقة على الأعداء ، وقيل : في ضيافة الغني والإهداء إليه وفيما ينفقه على أهل الضر ويتصدق به عليهم ، وأصل السراء الحالة التي تسر والضراء الحالة التي تضر ، والمتبادر ما قاله الحبر ، والمراد إما ظاهرهما أو التعميم كما عهد في أمثاله أي أنهم لا يخلون في حال مّا بإنفاق ما قدروا عليه من كثير أو قليل وقد روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها تصدقت بحبة عنب ، وعن بعض السلف أنه تصدق ببصلة ، وفي الخبر «اتقوا النار ولو بشق تمرة ، وردوا السائل ولو بظلف محرق » ؛
{ والكاظمين الغيظ } أصل الكظم شدّ رأس القربة عند امتلائها ، ويقال : فلان كظيم أي ممتلىء حزناً ، والغيظ هيجان الطبع عند رؤية ما ينكر ، والفرق بينه وبين الغضب على ما قيل : إن الغضب يتبعه إرادة الانتقام البتة ، ولا كذلك الغيظ ، وقيل : الغضب ما يظهر على الجوارح والبشرة من غير اختيار والغيظ ليس كذلك ، وقيل : هما متلازمان ، إلا أن الغضب يصح إسناده إلى الله تعالى والغيظ لا يصح فيه ذلك . والمراد والمتجرعين للغيظ الممسكين عليه عند امتلاء نفوسهم منه فلا ينقمون ممن يدخل الضرر عليهم ولا يبدون له ما يكره بل يصبرون على ذلك مع قدرتهم على الانفاذ والانتقام وهذا هو الممدوح ، فقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن أبي هريرة مرفوعاً «من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله تعالى قلبه أمناً وإيماناً » وأخرج أحمد عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله تعالى على رؤوس الخلائق حتى يخيره الله تعالى من أي الحور شاء » وفي الأول : جزاء من جنس العمل ، وفي الثاني : ما هو من توابعه ، وهذا الوصف معطوف على ما قبله ، والعدول إلى صيغة الفاعل هنا للدلالة على الاستمرار ، وأما الانفاق فحيث كان أمراً متجدداً عبر عنه بما يفيد التجدد والحدوث .
{ والعافين عَنِ الناس } أي المتجاوزين عن عقوبة من استحقوا مؤاخذته إذا لم يكن في ذلك إخلال بالدين ، وقيل : عن المملوكين إذا أساءوا ، والعموم أولى .
أخرج ابن جريرعن الحسن " أن الله تعالى يقول يوم القيامة : ليقم من كان له على الله تعالى أجر فلا يقوم إلا إنسان عفا " ، وأخرج الطبراني عن أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من حرمه ويصل من قطعه " / وأخرج الديلمي في «مسند الفردوس » عن أنس بن مالك في الآية : «إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصم الله تعالى وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت2 .
والاستثناء منقطع ، إن كانت القلة على ظاهرها ومتصل إن كانت بمعنى العدم ، وكون بعض الخصائص كثيراً في الأمم السابقة لا يقتضي تفضيلهم على هذه الأمة من كل الوجوه ، ومن ظن ذلك تكلف في توجيه الحديث بأن المراد أن الكاظمين الغيظ في أمتي قليل إلا بعصمة الله تعالى لغلبة الغيظ عليهم ، وقد كانوا كثيراً من الأمم السالفة لقلة حميتهم ولذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينهم قليلاً ولما تمرنت هذه الأمة في الغضب لله تعالى والتزموا الاجتناب عن المداهنة صار إنفاذ الغيظ عادتهم ، فلا يكظمون إذا ابتلوا إلا بعصمة الله تعالى ، فالقليل في الخبر هم الذين يكظمون لقلة الحمية وهم الكثيرون في الأمم السالفة فلا اختصاص لهم بمزية ليتوهم تفضيلهم على هذه الأمة ولو من بعض الوجوه ، ولا يخفى أن هذا التوجيه مما تأباه الإشارة والعبارة ، وأحسن منه بل لا نسبة أن الكثرة نظراً إلى مجموع الأمم لا بالنسبة إلى كل أمة أمة ولا يضر قلة وجود الموصوفين بتلك الصفة فينا بالنظر إلى مجموع الخلائق من لدن آدم عليه السلام إلى أن بعث نبينا صلى الله عليه وسلم لأن هذه الأمة بأسرها قليلة بالنظر إلى مجموع الأمم فضلاً عن خيارها فتدبر ، وفي ذكر هذين الوصفين كما قال بعض المحققين : إشعار بكمال حسن موقع عفوه عليه الصلاة والسلام عن الرماة وترك مؤاخذتهم بما فعلوا من مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم وندب له عليه الصلاة والسلام إلى ترك ما عزم عليه من مجازاة المشركين بما فعلوا بحمزة رضي الله تعالى عنه حتى قال حين رآه قد مثل به «لأمثلن بسبعين مكانك » ولعل التعبير هنا بصيغة الفاعل أيضاً دون الفعل ، لأن العفو أشبه بالكظم منه بالانفاق .
{ والله يُحِبُّ المحسنين } تذييل لمضمون ما قبله وأل إما للجنس والمذكورون داخلون فيه دخولاً أولياً ، وإما للعهد عبر عنهم بالمحسنين على ما قيل : إيذاناً بأن النعوت المعدودة من باب الإحسان الذي هو الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ويمكن أن يقال : الإحسان هنا بمعنى الإنعام على الغير على وجه عار عن وجوه القبح ، وعبر عنهم بذلك للإشارة إلى أنهم في جميع تلك النعوت محسنون إلى الغير لا في الانفاق فقط .
ومما يؤيد كون الإحسان هنا بمعنى الإنعام ما أخرجه البيهقي أن جارية لعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة فسقط الابريق من يدها فشجه ، فرفع رأسه إليها فقالت : إن الله تعالى يقول : { والكاظمين الغيظ } فقال لها : قد كظمت غيظي قالت : { والعافين عَنِ الناس } قال : قد عفا الله تعالى عنك قالت : { والله يُحِبُّ المحسنين } قال : اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى ، ورجح بعضهم العهد على الجنس بأنه أدخل في المدح وأنسب بذكره قبل .
منه ( هذا ومن باب الإشارة ) :{ والكاظمين الغيظ } الذي يعرض للإنسان بحسب الطبيعة البشرية وكظمهم له قد يكون بالشدّ عليه بوكاء التسليم والرضا وذلك بالنظر لمن هو في مقام جنة الصفات ، وأما من دونهم فكظمهم دون هذا الكظم ، وسبب الكظم أنهم يرون الجناية عليهم فعل الله تعالى وليس للخلق مدخل فيها { والعافين عَنِ الناس } إما لأنهم في مقام توحيد الأفعال ، أو لأنهم في مقام توحيد الصفات
{ والله يُحِبُّ المحسنين } [ آل عمران : 134 ] حسب مراتبهم في الإحسان
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم نعتهم، فقال: {الذين ينفقون في السراء والضراء}، يعني في اليسر والعسر، وفي الرخاء والشدة، {والكاظمين الغيظ}، وهو الرجل يغضب في أمر، فإذا فعله وقع في معصية، فيكظم الغيظ ويغفر، فذلك قوله: {والعافين عن الناس}، ومن يفعل هذا فقد أحسن، فذلك قوله: {والله يحب المحسنين}...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {الّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السّرّاء وَالضّرّاءِ} أُعدت الجنة التي عرضها السموات والأرض للمتقين، وهم المنفقون أموالهم في سبيل الله، إما في صرفه على محتاج، وإما في تقوية مضعف على النهوض للجهاد في سبيل الله. وأما قوله: {فِي السّرّاء} فإنه يعني: في حال السرور بكثرة المال، ورخاء العيش، والسرّاء: مصدر من قولهم سرّني هذا الأمر مسرّة وسرورا. والضراء: مصدر من قولهم: قد ضرّ فلان فهو يضرّ إذا أصابه الضرّ، وذلك إذا أصابه الضيق والجهد في عيشه... فأخبر جلّ ثناؤه أن الجنة التي وصف صفتها لمن اتّقاه وأنفق ماله في حال الرخاء والسعة وفي حال الضيق والشدة في سبيله. وقوله: {وَالكَاظِمِينَ الغَيُظَ} يعني: والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، يقال منه: كظم فلان غيظه: إذا تجرّعه فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرة على إمضائه باستمكانها ممن غاظها وانتصارها ممن ظلمها. وأصل ذلك من كظم القربة، يقال منه: كظمتُ القربة: إذا ملأتها ماء، وفلان كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئا غمّا وحزنا، ومنه قول الله عزّ وجلّ، {وابْيَضّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} يعني ممتلئ من الحزن، ومنه قيل لمجاري المياه الكظائم لامتلائها بالماء، ومن قيل: أخذت بكظمه يعني بمجاري نفسه. والغيظ: مصدر من قول القائل: غاظني فلان فهو يغيظني غيظا، وذلك إذا أحفظه وأغضبه.
وأما قوله: {وَالعَافِينَ عَنِ النّاسِ} فإنه يعني: والصافحين عن الناس عقوبة ذنوبهم إليهم، وهم على الانتقام منهم قادرون، فتاركوها لهم.
وأما قوله {واللّهُ يُحِبّ المُحْسِنِينَ} فإنه يعني: فإن الله يحبّ من عمل بهذه الأمور التي وصف أنه أعدّ للعاملين بها الجنة التي عرضها السموات والأرض. والعاملون بها هم المحسنون، وإحسانهم هو عملهم بها...
عن ابن عباس، قوله: {وَالكَاظِمِينَ الغَيظَ}... إلى الآية: {واللّهُ يُحِبّ المُحْسِنِينَ}، فالكاظمين الغيظ كقوله: {وإذَا مَا غَضِبُوا هُمُ يَغْفِرُونَ} يغضبون في الأمر لو وقعوا به كان حراما فيغفرون ويعفون، يلتمسون بذلك وجه الله {وَالعَافِينَ عَنِ النّاسِ} كقوله: {وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسّعَةِ}... إلى: {ألاَ تُحِبّونَ أن يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ} يقول: لا تقسموا على أن لا تعطوهم من النفقة شيئا واعفوا واصفحوا.
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
أي الجامعين الغيظ عند امتلاء أنفسهم منه، والكافين غضبهم عن إمضائه يردّون غيظهم وحزنهم إلى أجوافهم ويصبرون فلا يظهرون...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
ذكر الله صفاتهم التي تعلو بها درجاتهم منها: أنهم يتقون عذاب الله بفعل طاعته، والانتهاء عن معصيته. وأنهم ينفقون في السراء والضراء، وقد بينا فيما تقدم معنى الإنفاق. وقيل في معنى السراء والضراء قولان: أحدهما -قال ابن عباس في اليسر والعسر، فكأنه قال في السراء بكثرة المال، والضراء بقلته. الثاني- في حال السرور، وحال الاغتمام. أي لا يقطعهم شيء من ذلك عن إنفاقه في وجوه البر، فيدخل فيه اليسر والعسر. وإنما خصا بالذكر في التأويل الأول، لأن السرور بالمال يدعو إلى الظن به. كما يدعو ضيقه إلى التمسك به خوف الفقر، لإنفاقه. وقوله تعالى:"والكاظمين الغيظ" أي المتجر عين له، فلا ينتقمون ممن يدخل عليهم الضرر بل يصبرون على ذلك، ويتجرعونه... والفرق بين الغيظ، والغضب أن الغضب: ضد الرضا، وهو إرادة العقاب المستحق بالمعاصي ولعنه. وليس كذلك الغيظ، لأنه: هيجان الطبع بكره ما يكون من المعاصي، ولذلك يقال غضب الله على الكفار، ولا يقال اغتاظ منهم...
وقوله "والله يحب المحسنين "معناه يريد إثابتهم وتنعيمهم. والمحسن، يحتمل أمرين: أحدهما -من هو منعم على غيره على وجه عار من وجوه القبح. ويحتمل أن يكون مشتقا من الأفعال الحسنة التي منها الإحسان إلى الغير، وغير ذلك من وجوه الطاعات والقربات.
جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :
{والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس}. 213- لم يقل والفاقدين الغيظ، فرد الغضب... إلى حد الاعتدال، بحيث لا يقهر العقل ولا يغلبه، بل يكون العقل هو الضابط له والغالب عليه. [نفسه: 3/62].
- وهذا لأن العادة لا تنتهي إلى أن يجرح الإنسان فلا يتألم، بل ينتهي إلى أن يصبر عليه ويحتمل، وكما أن التألم بالجرح مقتضى طبع البدن، فالتألم بأسباب الغضب طبع القلب، ولا يمكن قلعه، ولكن ضبطه وكظمه والعمل بخلاف مقتضاه، فإنه يقتضي التشفي والانتقام والمكافأة، وترك العمل بمقتضاه ممكن...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{في السَّرَّاء والضراء} في حال الرخاء واليسر وحال الضيقة والعسر، لا يخلون بأن ينفقوا في كلتا الحالتين ما قدروا عليه من كثير أو قليل، كما حكي عن بعض السلف: أنه ربما تصدّق ببصلة، وعن عائشة رضي الله عنها أنها تصدّقت بحبة عنب أو في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرّة، لا تمنعهم حال فرح وسرور، ولا حال محنة وبلاء، من المعروف، وسواء عليهم كان الواحد منهم في عرس أو في حبس، فإنه لا يدع الإحسان. وافتتح بذكر الإنفاق لأنه أشق شيء على النفس وأدله على الإخلاص، ولأنه كان في ذلك الوقت أعظم الأعمال للحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين...
{والله يُحِبُّ المحسنين} يجوز أن تكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون. وأن تكون للعهد فتكون إشارة إلى هؤلاء {والذين} عطف على المتقين. أي أعدت للمتقين وللتائبين...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
ظاهر هذه الآية أنها مدح بفعل المندوب إليه... والعفو عن الناس من أجل ضروب فعل الخير، وهذا حيث يجوز للإنسان ألا يعفو، وحيث يتجه حقه...
قوله تعالى: {والعافين عن الناس} قال القفال رحمه الله: يحتمل أن يكون هذا راجعا إلى ما ذم من فعل المشركين في أكل الربا، فنهي المؤمنون عن ذلك وندبوا إلى العفو عن المعسرين. قال تعالى: عقيب قصة الربا والتداين {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم} ويحتمل أن يكون كما قال في الدية: {فمن عفى له من أخيه شيء} إلى قوله: {وأن تصدقوا خير لكم} ويحتمل أن يكون هذا بسبب غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مثلوا بحمزة وقال: «لأمثلن بهم» فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والكف عن فعل ما ذكر أنه يفعله من المثلة، فكان تركه فعل ذلك عفوا، قال تعالى: في هذه القصة {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين}...
أما قوله تعالى: {والله يحب المحسنين}... اعلم أن الإحسان إلى الغير إما أن يكون بإيصال النفع إليه أو بدفع الضرر عنه. أما إيصال النفع إليه فهو المراد بقوله: {الذين ينفقون في السراء والضراء} ويدخل فيه إنفاق العلم، وذلك بأن يشتغل بتعليم الجاهلين وهداية الضالين، ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات والعبادات وأما دفع الضرر عن الغير فهو إما في الدنيا وهو أن لا يشتغل بمقابلة تلك الإساءة بإساءة أخرى، وهو المراد بكظم الغيظ، وإما في الآخرة وهو أن يبرئ ذمته عن التبعات والمطالبات في الآخرة، وهو المراد بقوله تعالى: {والعافين عن الناس} فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير، ولما كانت هذه الأمور الثلاثة مشتركة في كونها إحسانا إلى الغير ذكر ثوابها فقال: {والله يحب المحسنين} فإن محبة الله للعبد أعم درجات الثواب.
جهود القرافي في التفسير 684 هـ :
282- إذا غضبت من شيء من أمر الدنيا فاذكر ثواب الله تعالى على كظم الغيظ...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{الذين ينفقون} أي مما آتاهم الله، وهو تعريض بمن أقبل على الغنيمة {في السراء والضراء} أي في مرضاة الله في حال الشدة والرخاء. ولما ذكر أشق ما يترك ويبذل أتبعه أشق ما يحبس فقال: {والكاظمين} أي الحابسين {الغيظ} عن أن ينفذوه بعد أن امتلأوا منه. ولما كان الكاظم غيظه عن أن يتجاوز في العقوبة قد لا يعفو حثه على العفو بقوله: {والعافين} وعمم في الحكم بقوله: {عن الناس} أي ظلمهم لهم ولو كانوا قد قتلوا منهم أو جرحوهم. ولما كان التقدير: فإن الله يحبهم لإحسانهم عطف عليه تنويهاً بدرجة الإحسان قوله: {والله} أي الذي له صفات الكمال {يحب المحسنين} أي يكرمهم بأنواع الإكرام على سبيل التجديد والاستمرار...
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
{الذين يُنفِقُونَ} في محل الجر على أنه نعتٌ للمتقين مادحٌ لهم أو بدلٌ منه أو بيانٌ أو في حيز النصبِ أو الرفعِ على المدح، ومفعولُ ينفقون محذوفٌ ليتناولَ كلَّ ما يصلُح للإنفاق أو متروكٌ بالكلية كما في قولك: يُعطي ويمنَع {فِي السَّرَّاء والضراء} في حالتي الرخاءِ والشدة واليُسر والعُسر، أو في الأحوال كلِّها إذ الإنسانُ لا يخلو عن مَسَرة أو مضَرَّة أي لا يخلُون في حالٍ بإنفاق ما قدَروا عليه من قليل أو كثير. {والكاظمين الغيظ}، عطفٌ على الموصول، والعدولُ إلى صيغة الفاعلِ للدِلالة على الاستمرار، وأما الإنفاقُ فحيث كان أمراً متجدداً عبّر عنه بما يفيد الحدثَ وهو التجدد... {والله يُحِبُّ المحسنين}: اللامُ إما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً وإما للعهد، عبّر عنهم بالمحسنين إيذاناً بأن النعوتَ المعدودةَ من باب الإحسانِ الذي هو الإتيانُ بالأعمال على الوجه اللائقِ الذي هو حُسنُها الوصفيُّ المستلزِمُ لحُسنها الذاتي، وقد فسره عليه السلام بقوله: «أن تعبدَ الله كأنكَ تَرَاهُ فإنْ لم تكُنْ تراهُ فإنَّهُ يَرَاكَ» والجملةُ تذييلٌ يقرِّر مضمونَ ما قبلها.
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :
الإحسان هنا بمعنى الإنعام على الغير على وجه عار عن وجوه القبح، وعبر عنهم بذلك للإشارة إلى أنهم في جميع تلك النعوت محسنون إلى الغير لا في الانفاق فقط...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
بدأ وصف المتقين بالإنفاق لوجهين: أحدهما: مقابلته بالربا الذي نهى عنه في الآية السابقة فإن الربا هو استغلال الغني حاجة المعوز وأكل ماله بلا مقابل والصدقة إعانة له وإطعامه ما لا يستحقه فهي ضد الربا. ولم يرد في القرآن ذكر الربا إلا وقبح ومدحت معه الزكاة والصدقة كما قال: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} [الروم: 39] وفي سورة البقرة: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} [البقرة: 276]. ثانيهما: أن الإنفاق في السراء والضراء أدل على التقوى وأشق على النفوس وأنفع للبشر من سائر الصفات والأعمال. قال الأستاذ الإمام ما مثاله: إن المال عزيز على النفس لأنه الآلة لجلب المنافع والملذات، ورفع المضار والمؤلمات، وبذله في طريق الخير والمنافع العامة التي ترضي الله تعالى يشق على النفس، أما في السراء فلما يحدثه السرور والغنى من الأشر والبطر والطغيان وشدة الطمع وبعد الأمل، وأما في الضراء فلأن الإنسان يرى نفسه فيها جديرا بأن يأخذ ومعذورا إن لم يعط وإن لم يكن معذورا بالفعل، إذ مهما كان فقيرا لا يعدم وقتا يجد فيه فضلا ينفقه في سبيل الله ولو قليلا. وداعية البذل في النفس هي التي تنبه الإنسان إلى هذا العفو الذي يجده أحيانا ليبذله. فإن لم تكن الداعية موجودة في أصل الفطرة فأمر الدين الذي وضعه الله لتعديل الفطرة المائلة وتصحيح مزاج المعتلة يوجدها ويكون نعم المنبه لها وقد فسر بعضهم الضراء بما يخرج الفقراء من هذه الصفة من صفات المتقين وليس بسديد. يقول من لا علم عنده: إن تكليف الفقير والمسكين البذل في سبيل الله لا معنى له ولا عناء فيه. وربما يقول أكثر من هذا – يعني أنه ينتقد ذلك من الدين. والعلم الصحيح يفيدنا أنه يجب أن تكون نفس الفقير كريمة في ذاتها وأن يتعود صاحبها الإحسان بقدر الطاقة وبذلك ترتفع نفسه وتطهر من الخسة وهي الرذيلة التي تعرض للفقراء فتجرهم إلى رذائل كثيرة، ثم إن النظر يهدينا إلى أن القليل من الكثير كثير...
{والكاظمين الغيظ}... قال الأستاذ الإمام: الغيظ ألم يعرض للنفس إذا هضم حق من حقوقها المادية كالمال أو المعنوية كالشرف، فيزعجها إلى التشفي والانتقام. ومن أجاب داعي الغيظ إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال ولا يكتفي بالحق بل يتجاوزه إلى البغي، لذلك كان من التقوى كظمه... والغيظ وإن كان معنى له أثر في الجسم يترتب عليه عمل ظاهر فإنه يثور بنفس الإنسان حتى يحمله على ما لا يجوز من قول أن فعل فلذلك سمي حبسه وإخفاء أثره كظما...
{والعافين عن الناس} العفو عن الناس هو التجافي عن ذنب المذنب منهم وترك مؤاخذته مع القدرة عليها وتلك مرتبة في ضبط النفس والحكم عليها وكرم المعاملة قل من يتبوأها. فالعفو مرتبة فوق مرتبة كظم الغيظ إذ ربما يكظم المرء غيظه على حقد وضغينة.
وهناك مرتبة أعلى منهما وهي ما أفاده قوله عز وجل: {والله يحب المحسنين} فالإحسان وصف من أوصاف المتقين ولم يعطفه على ما سبقه من الصفات بل صاغه بهذه الصيغة تميزا له بكونه محبوبا عند الله تعالى- لا لمزيد مدح من ذكر من المتقين المتصفين بالصفات السابقة ولا مجرد مدح المحسنين الذي يدخل في عمومه أولئك المتقون كما قيل – فالذي يظهر لي هو ما أشرت إليه من أنه وصف رابع للمتقين...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ثم يأخذ في بيان صفات المتقين: (الذين ينفقون في السراء والضراء).. فهم ثابتون على البذل، ماضون على النهج، لا تغيرهم السراء ولا تغيرهم الضراء. السراء لا تبطرهم فتلهيهم. والضراء لا تضجرهم فتنسيهم. إنما هو الشعور بالواجب في كل حال؛ والتحرر من الشح والحرص؛ ومراقبة الله وتقواه.. وما يدفع النفس الشحيحة بطبعها، المحبة للمال بفطرتها.. ما يدفع النفس إلى الإنفاق في كل حال، إلا دافع أقوى من شهوة المال، وربقة الحرص، وثقلة الشح.. دافع التقوى. ذلك الشعور اللطيف العميق، الذي تشف به الروح وتخلص، وتنطلق من القيود والأغلال.. ولعل للتنويه بهذه الصفة مناسبة خاصة كذلك في جو هذه المعركة. فنحن نرى الحديث عن الإنفاق يتكرر فيها، كما نرى التنديد بالممتنعين والمانعين للبذل -كما سيأتي في السياق القرآني- مكررا كذلك. مما يشير إلى ملابسات خاصة في جو الغزوة، وموقف بعض الفئات من الدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله. (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس).. كذلك تعمل التقوى في هذا الحقل، بنفس البواعث ونفس المؤثرات. فالغيظ انفعال بشري، تصاحبه أو تلاحقه فورة في الدم؛ فهو إحدى دفعات التكوين البشري، وإحدى ضروراته. وما يغلبه الإنسان إلا بتلك الشفافية اللطيفة المنبعثة من إشراق التقوى؛ وإلا بتلك القوة الروحية المنبثقة من التطلع إلى أفق أعلى وأوسع من آفاق الذات والضرورات. وكظم الغيظ هو المرحلة الأولى. وهي وحدها لا تكفي. فقد يكظم الإنسان غيظه ليحقد ويضطغن؛ فيتحول الغيظ الفائر إلى إحنة غائرة؛ ويتحول الغضب الظاهر إلى حقد دفين.. وإن الغيظ والغضب لأنظف وأطهر من الحقد والضغن.. لذلك يستمر النص ليقرر النهاية الطليقة لذلك الغيظ الكظيم في نفوس المتقين.. إنها العفو والسماحة والانطلاق.. إن الغيظ وقر على النفس حين تكظمه؛ وشواظ يلفح القلب؛ ودخان يغشى الضمير.. فأما حين تصفح النفس ويعفو القلب، فهو الانطلاق من ذلك الوقر، والرفرفة في آفاق النور، والبرد في القلب، والسلام في الضمير. (والله يحب المحسنين).. والذين يجودون بالمال في السراء والضراء محسنون. والذين يجودون بالعفو والسماحة بعد الغيظ والكظم محسنون.. والله "يحب "المحسنين.. والحب هنا هو التعبير الودود الحاني المشرق المنير، الذي يتناسق مع ذلك الجو اللطيف الوضيء الكريم.. ومن حب الله للإحسان وللمحسنين، ينطلق حب الإحسان في قلوب أحبائه. وتنبثق الرغبة الدافعة في هذه القلوب.. فليس هو مجرد التعبير الموحي، ولكنها الحقيقة كذلك وراء التعبير! والجماعة التي يحبها الله، وتحب الله.. والتي تشيع فيها السماحة واليسر والطلاقة من الإحن والأضغان.. هي جماعة متضامة، وجماعة متآخية، وجماعة قوية. ومن ثم علاقة هذا التوجيه بالمعركة في الميدان والمعركة في الحياة على السواء في هذا السياق!
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
الصفة الأولى: الإنفاق في السَّراء والضّراء. والإنفاق تقدّم غير مرّة وهو الصدقة وإعطاء المال والسلاح والعُدة في سبيل الله. والسرّاء فَعْلاء، اسم لمصدر سرّه سَرّاَ وسُروراً. والضّراء كذلك من ضَرّه، أي في حالي الاتّصاف بالفرح والحزن، وكأنّ الجمعَ بينهما هنا لأنّ السرّاء فيها ملهاة عن الفكرة في شأن غيرهم، والضرّاء فيها ملهاة وقلّة مَوجدة. فملازمة الإنفاق في هذين الحالين تَدلّ على أنّ محبَّة نفع الغير بالمال، الَّذي هو عزيز على النَّفس، قد صارت لهم خلقاً لا يحجبهم عنه حاجب ولا ينشأ ذلك إلاّ عن نفس طاهرة. الصفة الثَّانية: الكاظمين الغيظ. وكظم الغيظ إمساكه وإخفاؤه حتَّى لا يظهر عليه، وهو مأخوذ من كظم القربة إذا ملأها وأمسك فمها، قال المبرّد: فهو تمثيل للإمساك مع الامتلاء، ولا شكّ أن أقوى القوى تأثيراً على النَّفس القوّة الغاضبة فتشتهي إظهار آثار الغضب، فإذا استطاع إمساكَ مظاهرها، مع الامتلاء منها، دلّ ذلك على عزيمة راسخة في النَّفس، وقهرِ الإرادةِ للشهوة، وهذا من أكبر قوى الأخلاق الفاضلة. الصفّة الثالثة: العفو عن النَّاس فيما أساؤوا به إليهم. وهي تكملة لصفة كظم الغيظ بمنزلة الاحتراس لأنّ كظم الغيظ قد تعترضه ندامة فيستعدي على من غاظه بالحقّ، فلمَّا وصفوا بالعفو عمّن أساء إليهم دلّ ذلك على أنّ كظم الغيظ وصف متأصّل فيهم، مستمرّ معهم. وإذا اجتمعت هذه الصفّات في نفسٍ سهل ما دونها لديها. وبجماعها يجتمع كمال الإحسان ولذلك ذيل الله تعالى ذكرها بقوله: {والله يحب المحسنين} لأنه دال على تقدير أنهم بهذه الصفات محسنون والله يحبّ المحسنين...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
[الذين ينفقون في السَّرَّاء والضَّرَّاء] الإنفاق على النَّاس في حالتي الشدّة والرخاء، ما يعني أنَّ هذا الإنفاق ليس حالةً طارئةً في ذات التّقي، يختص بأريحية الإنسان في حالات الرخاء، بل هو حالةٌ أصيلةٌ تحرّك الإنسان نحو العطاء حتّى في أشدّ حالات الضيق والضرّ. [والكاظمين الغيظ] الذي يعبّر عن الإرادة القويّة التي يواجه بها الإنسان حالات الانفعال التي تدفعه إلى الاندفاع في تفجير الغيظ الذي تمتلئ به نفسه تجاه الآخرين، فلا يسمح لها بأن تجرّه إلى ذلك مما لا تحمد عقباه، بل يُحاول أن يحبس غيظه في صدره. [والعافين عن النَّاس] الذي يمثِّل الروح المتسامحة الطيبة التي لا تنطلق من عقدةٍ نفسية داخليّة عندما تكظم غيظها، بل تعمل على التخلّص من كلّ أجواء الغيظ بتفريغ النفس من كلّ الحالات السلبيّة التي تثيره وتعقّده، وذلك بأن يتلمس أسباب العفو في دراسته للنقص الذي رُكّب في الإنسان أو للظروف الداخلية أو الخارجية التي دفعته نحو الخطأ، أو بغير ذلك مما يوحي بالأسباب التخفيفيّة الباعثة على العفو عنه، واعتبار كأنَّ الخطأ لم يكن في كلّ سلبياته الذاتية، وهذا ما يجعل من الأمر بالصبر وكظم الغيظ وسيلة للتهدئة والتبريد الداخلي، من أجل دفع الإنسان إلى التفكير الهادئ المتّزن الذي لا يتعامل مع العنف، بل يتعامل مع الرفق واللين، ولا يندفع في اتجاه تعقيد المشاكل، بل يعمل على حلّها مهما أمكن، ذلك هو السبيل الذي يجعل من العفو حالة واعية واقعية بدلاً من أن تكون حالة مزاجية طارئة لا ترتكز على أساسٍ من وعي وفكرٍ وإيمان. [واللّه يُحبُّ المحسنين] قد تكون هذه صفةً رابعة توحي بأنَّ العفو وحده لا يكفي في إزالة النتائج السلبيّة إزاء الحالة النفسية التي أوجدها الغيظ، فلا بُدَّ من الإحسان لتتحوّل السلبيّات إلى إيجابيات..
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
لما صرّح في الآية السابقة بأن الجنة أُعدت للمتقين، تعرضت الآية التالية لذكر مواصفات المتقين فذكرت خمساً من صفاتهم الإنسانية السامية هي:
إنّهم ينفقون أموالهم في جميع الأحوال، في الشدّة والرخاء، في السرّاء والضرّاء (الذين ينفقون في السرّاء والضرّاء).
وهم بهذا العمل يثبتون روح التعاطف مع الآخرين، وحب الخير الذي تغلغل
في نفوسهم، ولهذا فهم يقدمون على هذا العمل الصالح والخطوة الإنسانية في جميع الظروف والأحوال.
ولاشكّ أن الإنفاق في حال الرخاء فقط لا يدلّ على التغلغل الكامل للصفات الإنسانية في أعماق الروح وإنما يدلّ على ذلك إذا أقدم الإنسان على الإنفاق والبذل في مختلف الظروف وفي جميع الأحوال، فإن ذلك ممّا يدلّ على تجذر تلك الصفة في النفوس.
يمكن أن يقال: وكيف يمكن للإنسان أن ينفق عندما يكون فقيراً؟
أولاً: لأن الفقراء يمكنهم إنفاق ما يستطيعون عليه، فليس للإنفاق حدّ معين لا في القلة ولا في الكثرة.
وثانياً: لأن الإنفاق لا ينحصر في بذل المال والثروة فحسب، إذ للإنسان أن ينفق من كلّ ما وهبه الله، ثروة كان أو علماً أو جاهاً أو غير ذلك من المواهب الإلهية الأخرى.
وبهذا يريد الله سبحانه أن يركز روح التضحية والعطاء، والبذل والسخاء حتّى في نفوس الفقراء والمقلين حتّى يبقوا بذلك في منأى عن الرذائل الأخلاقية التي تنشأ من «البخل».
إن الذين يستصغرون الإنفاقات القليلة في سبيل الله ويحتقرونها إنما يذهبون هذا المذهب، لأنهم حسبوا لكلّ واحد منها حساباً مستقلاً وخاصاً، ولو أنهم ضموا هذه الإنفاقات الجزئية بعضها إلى بعض، ودرسوها مجتمعة لتغيرت نظرتهم هذه.
فلو أن كلّ واحد من أهل قطر من الأقطار فقراء وأغنياء قدم مبلغاً صغيراً لمساعدة الآخرين من عباد الله، ولتقدم الأهداف والمشاريع الإجتماعية، لاستطاعوا أن يقوموا بأعمال ضخمة وكبيرة، مضافاً إلى ما يجنونه من هذا العمل من آثار معنوية لا ترتبط بحجم الإنفاق، وتعود إلى المنفق في كلّ حال.
والملفت للنظر هو أن أول صفة ذكرت للمتقين هنا هو «الإنفاق» لأن هذه الآيات تذكر في الحقيقة ما يقابل الصفات التي ذكرت للمرابين والمستغلّين في الآيات السابقة. هذا مضافاً إلى أن غض النظر عن المال والثروة في السرّاء والضراء من أبرز علائم التقوى.
أنهم قادرون على السيطرة على غضبهم: (والكاظمين الغيظ).
ولفظة «الكظم» تعني في اللغة شد رأس القربة عند ملئها، فيقول كظمت القربة إذا ملأتها ماء ثمّ شددت رأسها، وقد استعملت كناية عمن يمتلىء غضباً ولكنه لا ينتقم.
وأما لفظة «الغيظ» فتكون بمعنى شدة الغضب والتوتر والهيجان الروحي الشديد الحاصل للإنسان عندما يرى ما يكره.
وحالات الغيظ والغضب من أخطر الحالات التي تعتري الإنسان، ولو تركت وشأنها دون كبح لتحولت إلى نوع من الجنون الذي يفقد الإنسان معه السيطرة على أعصابه وتصرفاته وردود فعله.
ولهذا فإن أكثر ما يقترفه الإنسان من جرائم وأخطاء وأخطرها على حياته هي التي تحصل في هذه الحالة، ولهذا تجعل الآية «كظم الغيظ» و «كبح جماح الغضب» الصفة البارزة الثانية من صفات المتقين.
قال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) «من كظم غيظاً وهو قادر على إنفاذه ملأه الله أمناً وإيماناً». وهذا الحديث يفيد أن كظم الغيظ له أثر كبير في تكامل الإنسان معنوياً، وفي تقوية روح الإيمان لديه.
أنهم يصفحون عمن ظلمهم (والعافين عن الناس).
إن كظم الغيظ أمر حسن جداً، إلاّ أنه غير كاف لوحده، إذ من الممكن أن
لا يقلع ذلك جذور العداء من قلب المرء، فلابدّ للتخلص من هذه الجذور والرواسب أن يقرن «كظم الغيظ» بخطوة أخرى وهي «العفو والصفح» ولهذا أردفت صفة «الكظم للغيظ» التي هي بدورها من أنبل الصفات بمسألة العفو.
ثمّ إنّ المراد هو العفو والصفح عن من يستحقون العفو، لا الأعداء المجرمون الذين يحملهم العفو والصفح على مزيد من الإجرام، وينتهي بهم إلى الجرأة أكثر.
أنهم محسنون: (والله يحب المحسنين).
وهنا إشارة إلى مرحلة أعلى من «العفو والصفح» وبهذا يرتقي المتقون من درجة إلى أعلى في سلّم التكامل المعنوي.
وهذه السلسلة التكاملية هي أن لا يكتفي الإنسان تجاه الإساءة إليه بكظم الغيظ بل يعفو ويصفح عن المسيء ليغسل بذلك آثار العداء عن قلبه، بل يعمد إلى القضاء على جذور العداء في فؤاد خصمه المسيء إليه أيضاً، وذلك بالإحسان إليه، وبذلك يكسب وده وحبه، ويمنع من تكرار الإساءة إليه في مستقبل الزمان.
وخلاصة القول أن القرآن يأمر المسلم بأن يكظم غيظه أولاً ثمّ يطهر قلبه بالعفو عنه، ثمّ يطهر فؤاد خصمه من كلّ رواسب الضغينة وبقايا العداء بالإحسان إليه.
إنه تدرج عظيم من صفة إنسانية خيّرة إلى صفة إنسانية أعلى هي قمة الخلق وذروة الكمال المعنوي...