روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} (12)

{ وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسرائيل } كلام مستأنف مشتمل على بيان بعض ما صدر من بني إسرائيل مسوق لتقرير المؤمنين على ذكر نعمة الله تعالى ومراعاة حق الميثاق ، وتحذيرهم من نقضه ، أو لتقرير ما ذكر من الهم بالبطش ، وتحقيقه بناءاً على أنه كان صادراً من أسلافهم ببيان أن الغدر والخيانة فيهم شنشنة أخزمية ، وإظهار الاسم الجليل هنا لتربية المهابة وتفخيم الميثاق وتهويل الخطب في نقضه مع ما فيه من رعاية حق الاستئناف المستدعي للانقطاع عما قبله ، والالتفات في قوله تعالى : { وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثنى عَشَرَ نَقِيباً } للجري على سنن الكبرياء ، وتقديم المفعول الغير الصريح على الصريح لما مر غير مرة من الاهتمام والتشويق ، و النقيب قيل : فعيل بمعنى فاعل مشتقاً من النقب بمعنى التفتيش ، ومنه { فَنَقَّبُواْ فِى البلاد } [ ق : 36 ] وسمي بذلك لتفتيشه عن أحوال القوم وأسرارهم ، وقيل : بمعنى مفعول كأن القوم اختاروه على علم منهم ، وتفتيش على أحوالهم . قال الزجاج : وأصله من النقب وهو الثقب الواسع والطريق في الجبل ، ويقال : فلان حسن النقيبة أي جميل الخليقة ، ونقاب : للعالم بالأشياء الذكي القلب الكثير البحث عن الأمور ، وهذا الباب كله معناه التأثير في الشيء الذي له عمق ، ومن ذلك نقبت الحائط أي بلغت في النقب آخره .

روي أن بني إسرائيل لما فرغوا من أمر فرعون أمرهم الله تعالى بالمسير إلى أريحاء أرض الشام وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون ، وقال سبحانه لهم : إني كتبتها لكم داراً وقراراً فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها فإني ناصركم ، وأمر جل شأنه موسى عليه السلام أن يأخذ من كل سبط كفيلاً عليهم بالوفاء فيما أمروا به فأخذ عليهم الميثاق ، واختار منهم النقباء وسار بهم فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون الأخبار ونهاهم أن يحدثوا قومهم فرأوا أجراماً عظاماً وبأساً شديداً فهابوا ، فرجعوا وحدثوا قومهم إلا كالب بن يوقنا من سبط يهوذا ويوشع بن نون من سبط إفرائيم بن يوسف عليه السلام ، وعند ذلك قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام : { فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون } [ المائدة : 24 ] .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد أن النقباء لما دخلوا على الجبارين وجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منهم ، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمس أنفس بينهم في خشبة ، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمس أنفس أو أربع ، وذكر البغوي أنه لقيهم رجل من أولئك يقال له عوج بن عنق ، وكان طوله ثلاثة آلاف وثلثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعاً وثلث ذراع وكان يحتجز بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله ، ويروى أن الماء طبق ما على الأرض من جبل وما جاوز ركبتي عوج ، وعاش ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله تعالى على يد موسى عليه السلام ، وذلك أنه جاء وقور صخرة من الجبل على قدر عسكر موسى عليه السلام وكان فرسخاً في فرسخ وحملها ليطبقها عليهم فبعث الله تعالى الهدهد فقور الصخرة بمنقاره فوقعت في عنقه فصرعته فأقبل موسى عليه السلام وهو مصروع فقتله .

وكانت أمه عنق إحدى بنات آدم عليه السلام ، وكان مجلسها جريباً من الأرض ، فلما لقوا عوجاً وعلى رأسه حزمة حطب أخذهم جميعاً وجعلهم في حزمته ، وانطلق بهم إلى امرأته وقال : انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا وطرحهم بين يديها ، وقال : ألا أطحنهم برجلي ؟ فقالت امرأته : لا بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل انتهى .

وأقول : قد شاع أمر عوج عند العامة ونقلوا فيه حكايات شنيعة ، وفي «فتاوى العلامة ابن حجر » قال الحافظ العماد بن كثير : قصة عوج وجميع ما يحكون عنه هذيان لا أصل له ، وهو من مختلقات أهل الكتاب ، ولم يكن قط على عهد نوح عليه السلام ولم يسلم من الكفار أحد ، وقال ابن القيم : من الأمور التي يعرف بها كون الحديث موضوعاً أن يكون مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه كحديث عوج الطويل وليس العجب من جرأة من وضع هذا الحديث وكذب على الله تعالى إنما العجب ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم من التفسير وغيره ولا يبين أمره ، ثم قال : ولا ريب في أن هذا وأمثاله من وضع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء والسخرية بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم انتهى .

وأورد ابن المنذر عن ابن عمر من قصته شيئاً عجيباً ، وتعقبه بعض المصنفين بأن هذا مما يستحي الشخص من نسبته إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، ومشى صاحب «القاموس » على أن أخباره موضوعة ، وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن حبان في كتاب «العظمة » فيه آثاراً قال الحفاظ في أطولها المشتمل على غرائب من أحواله : إنه باطل كذب ، وقال الحافظ السيوطي : والأقرب في خبر عوج أنه من بقية عاد ، وأنه كان له طول في الجملة مائة ذراع أو شبه ذلك ، وأن موسى عليه الصلاة والسلام قتله بعصاه ، وهذا هو القدر الذي يحتمل قبوله انتهى ، ونعم ما قال ، فإن بقاءه في الطوفان مع كفره الظاهر إذ لم ينقل إيمانه ، ودعوة نوح عليه السلام التي عمت الأرض مما لا يكاد يقبله المنصف ، وكذا بقاؤه بعد الطوفان مع قوله تعالى : { وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ الباقين } [ الصافات : 77 ] مما لا يسوغه العارف ، وشيه الحوت بعين الشمس ، مما لا يكاد يعقل على ما ذكره الحكماء فقد ذكر الخلخالي أنهم ذهبوا إلى أن الشمس ليست حارة وإلا لكان قلل الجبال أحر من الوهاد لقرب القلل إلى الشمس وبعد الوهاد عنها بل الحرارة تحدث من وصول شعاع الشمس إلى وجه الأرض وانعكاسه عنه ولذلك يرى الوهاد أحر لتراكم الأشعة المنعكسة فيها فما وصل إليه الشعاع من وجه الأرض يصير حاراً وإلا فلا ، وذكر نحو ذلك شارح «حكمة العين » ، ولا يرد على هذا أن بعض الناس روى أن كذا ملائكة ترمي الشمس بالثلج إذا طلعت ، ولولا ذلك لأحرقت أهل الأرض لأن ذلك مما لم يثبت عند الحفاظ ، وهو إلى الوضع أقرب منه إلى الصحة ، ثم كان القائل بوجود عوج هذا من الناس لا يقول بالطبقة الزمهرية التي هي الطبقة الثالثة من طبقات العناصر السبع ، ولا بما فوقها وإلا فكيف يكون الاحتجاز بالسحاب وهو كالرعد والبرق ، والصاعقة إنما ينشأ من تلك الطبقة الباردة التي لا يصل إليها أثر شعاع الشمس بالانعكاس من وجه الأرض ، وقد ذكروا أيضاً أن فوقها طبقتين : الأولى : ما يمتزج مع النار وهي التي يتلاشى فيها الأدخنة المرتفعة عن السفل ، ويتكون فيها الكواكب ذوات الأذناب والنيازك ، والثانية : ما يقرب من الخلوص إذ لا يصل إليه حرارة ما فوقه ولا برودة ما تحته من الأرض والماء ، وهي التي يحدث فيها الشهب ، فإذا احتجز هذا الرجل بالسحاب وصل رأسه على زعمهم إلى إحدى تينك الطبقتين ، فكيف يكون حاله مع ذلك البرد والحر ؟ا ولا أظن بشراً كيف كان يقوى على ذلك ، على أن أصل الاحتجاز مما لا يمكن بناءاً على كلام الحكماء إذ قد علمت أن منشأ السحب الطبقة الزمهريرية .

وفي كتاب «نزهة القلوب » نقلاً عن الحكيم أبي نصر أن غاية ارتفاعها اثني عشر فرسخاً وستمائة ذراع ، وعن المتقدمين أنها ثمانية عشر فرسخاً ، والفرسخ ثلاثة أميال ، والميل ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع انتهى . واختلفوا أيضاً في غاية انحطاطها ، ولم يذكر أحد منهم أنها تنحط إلى ما يتصور معه احتجاز الرجل الذي ذكروا من طوله ما ذكروا بالسحاب ، اللهم إلا أن يراد به سحاب لم يبلغ هذا الارتفاع ومع هذا كله قد أخطأوا في قولهم : ابن عنق ، وإنما هو ابن عوق كنوح كما نص على ذلك في «القاموس » ، وهو أيضاً اسم والده لا والدته كما ذكر هناك أيضاً فليحفظ . وأخرج ابن حميد وابن جرير عن أبي العالية أنه قال في الآية : أخذ الله تعالى ميثاق بني إسرائيل أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره ؛ وبعث منهم اثني عشر كفيلاً كفلوا عليهم بالوفاء لله تعالى بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به ونهاهم عنه ، واختاره الجبائي ، والنقباء حينئذٍ يجوز أن يكونوا رسلاً ، وأن يكونوا قادة كما قال البلخي واختار أبو مسلم أنهم بعثوا أنبياء ليقيموا الدين ويعلموا الأسباط التوراة ويأمروهم بما فرضه الله تعالى عليهم ، وأخرج الطيبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا وزراء وصاروا أنبياء بعد ذلك .

{ وَقَالَ الله } أي للنقباء عند الربيع ، ورجحه السمين للقرب ، وعند أكثر المفسرين لبني إسرائيل ورجحه أبو حيان إذ هم المحتاجون إلى ما ذكر من الترغيب والترهيب كما ينبىء عنه الإلتفات مع ما فيه من تربية المهابة وتأكيد ما يتضمنه الكلام من الوعد { إِنّى مَعَكُمْ } أسمع كلامكم وأرى أعمالكم وأعلم ضمائركم فأجازيكم بذلك ، وقيل : معكم بالنصرة ، وقيل : بالعلم ، والتعميم أولى .

{ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَءاتَيْتُمْ الزكواة وَءامَنتُمْ بِرُسُلِى } أي بجميعهم ، واللام موطئة للقسم المحذوف ، وتأخير الإيمان عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع كونهما من الفروع المترتبة عليه لما أنهم كما قال غير واحد كانوا معترفين بوجوبهما حسبما يراد منهم مع ارتكابهم تكذيب بعض الرسل عليهم الصلاة والسلام ، ولمراعاة المقارنة بينه وبين قوله تعالى : { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } ، وقال بعضهم : إن جملة { وَلَقَدْ أَخَذَ } إلى آخره كناية إيمائية عن المجاهدة ، ونصرة دين الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام والإنفاق في سبيله كأنه قيل : لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وجاهدتم في سبيل الله يدل عليه قوله تعالى : { وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم فَتَنْقَلِبُوا خاسرين } [ المائدة : 21 ] فإن المعنى لا ترتدوا على أدباركم في دينكم لمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم عليه الصلاة والسلام ، وإنما وقع الاهتمام بشأن هذه القرينة دون الأولين ، وأبرزت في معرض الكناية لأن القوم كانوا يتقاعدون عن القتال ويقولون لموسى عليه السلام إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون انتهى ، ولا يخلو عن نظر . وقيل : إنما قدم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لأنها الظاهر من أحوالهم الدالة على إيمانهم ، و التعزير أصل معناه المنع والذب ، وقيل : التقوية من العزر ، وهو والأزر من واد واحد ، ولا يخفى أن في التقوية منعاً لمن قويته عن غيره فهما متقاربان ، ثم تجوز فيه عن النصرة لما فيها من ذلك وعن التأديب ، وهو في الشرع ما كان دون الحدّ لأنه رادع ومانع عن ارتكاب القبيح ، ولذا سمي في الحديث نصرة ، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم : " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ، فقال رجل : يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً أفرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره ؟ا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تحجزه أو تمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره " ، وقال الراغب : «التعزير النصرة مع التعظيم » ، وبالنصرة فقط فسره الحسن . ومجاهد ، وبالتعظيم فقط فسره ابن زيد . وأبو عبيدة ، وقرىء عزرتموهم بالتخفيف .

{ وَأَقْرَضْتُمُ الله } أي بالإنفاق في سبيل الخير ، وقيل : بالتصدق بالصدقات المندوبة وأياً مّا كان فهو استعارة لأنه سبحانه لما وعد بجزائه والثواب عليه شبه بالقرض الذي يقضى بمثله ، وفي كلام العرب قديماً الصالحات قروض { قَرْضًا حَسَنًا } وهو ما كان عن طيب نفس على ما قال الأخفش ، وقيل : ما لا يتبعه منّ ولا أذى ، وقيل : ما كان من حلال . وذكر غير واحد أن قرضاً يحتمل المصدر والمفعول به .

{ لاكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سيئاتكم } دال على جواب الشرط المحذوف وسادّ مسدّه معنى ، وليس هو الجواب له خلافاً لأبي البقاء بل هو جواب للقسم ، فقد تقرر أنه إذا اجتمع شرط وقسم أجيب السابق منهما إلا أن يتقدمه ذو خبر ، وجوز أن يكون هذا جواباً لما تضمنه قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسراءيل } من القسم ، وقيل : إن جوابه { لَئِنْ أَقَمْتُمُ } فلا تكون اللام موطئة ، أو تكون ذات وجهين وهو غريب وجملة القسم المشروط وجوابه مفسرة لذلك الميثاق المتقدم . { ولأدخلنكم جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } عطف على ما قبله داخل معه في حكمه متأخر عنه في الحصول ضرورة تقدم التخلية على التحلية .

{ فَمَن كَفَرَ } أي برسلي أو بشيء مما عدد في حيز الشرط ، والفاء لترتيب بيان حكم من كفر على بيان حكم من آمن تقوية للترغيب بالترهيب { بَعْدَ ذَلِكَ } الشرط المؤكد المعلق به الوعد العظيم أعني لأكفرن ، وقيل : بعد الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم أعني أني معكم بناءاً على حمل المعية على المعية بالنصرة والإعانة ، أو التوفيق للخير فإن الشرط معلق به من حيث المعنى نحو أنا معتن بشأنك إن خدمتني رفعت محلك ، وقيل : المراد بعد ما شرطت هذا الشرط ووعدت هذا الوعد وأنعمت هذا الإنعام ، وقوله تعالى : { مّنكُمْ } متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل كفر ، ولعل تغيير السبك حيث لم يقل وإن كفرتم عطفاً على الشرطية السابقة كما قال شيخ الإسلام لإخراج كفر الكل عن حيز الاحتمال وإسقاط من كفر عن رتبة الخطاب ، ثم ليس المراد بالكفر إحداثه بعد الإيمان ، بل ما يعم الاستمرار عليه أيضاً كأنه قيل : فمن اتصف بالكفر بعد ذلك إلا أنه قصد بإيراد ما يدل على الحدوث بيان ترقيهم في مراتب الكفر فإن الاتصاف بشيء بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه ، وإن كان استمراراً عليه لكن بحسب العنوان فعل جديد وصنع حادث . { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل } أي وسط الطريق وحاقه ضلالاً لا شبهة فيه ولا عذر معه بخلاف من كفر قبل ذلك إذ ربما يمكن أن يكون له شبهة ويتوهم عذر .

( هذا ومن باب الإشارة ) : { وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بني إسرائيل وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً } وهم في الأنفس الحواس الخمس الظاهرة ، والخمس الباطنة والقوة العاقلة النظرية والقوة العملية ، وذكر غير واحد من ساداتنا الصوفية أن النقباء أحد أنواع : الأولياء : نفعنا الله تعالى ببركاتهم ، ففي «الفتوحات » : ومنهم النقباء وهم إثنا عشر نقيباً في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون على عدد بروج الفلك الإثنى عشر برجاً ، كل نقيب عالم بخاصية كل برج ، وبما أودع الله تعالى في مقامه من الأسرار والتأثيرات ، وما يعطى للنزلاء فيه من الكواكب السيارة والثوابت ، فإن للثوابت حركات وقطعاً في البروج لا يشعر به في الحس لأنه لا يظهر ذلك إلا في آلاف من السنين ، وأعمار الرصد تقصر عن مشاهدة ذلك ؛ واعلم أن الله تعالى قد جعل بأيدي هؤلاء النقباء علوم الشرائع المنزلة ، ولهم استخراج خبايا النفوس وغوائلها ومعرفة مكرها وخداعها ، وإبليس مكشوف عندهم يعرفون منه ما لا يعرفه من نفسه وهم من العلم بحيث إذا رأى أحدهم أثر وطأة شخص في الأرض علم أنها وطأة سعيد أو شقي مثل العلماء بالآثار والقيافة ، وبالديار المصرية منهم كثير يخرجون الأثر في الصخور ، وإذا رأوا شخصاً يقولون : هذا الشخص هو صاحب ذلك الأثر وليسوا بأولياء ، فما ظنك بما يعطيه الله تعالى لهؤلاء النقباء من علوم الآثار ؟ انتهى .

وقد عد الشيخ قدس سره فيها أنواعاً كثيرة ، والسلفيون ينكرون أكثر تلك الأسماء ، ففي بعض «فتاوي ابن تيمية » ، وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي بمكة والأوتاد الأربعة والأقطاب السبعة ، والأبدال الأربعين والنجباء الثلثمائة ، فهي ليست موجودة في كتاب الله تعالى ولا هي مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل إلا لفظ الأبدال ، فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن فيهم يعني أهل الشام الأبدال أربعين رجلاً كلما مات رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلاً " ولا توجد أيضاً في كلام السلف انتهى ، وأنا أقول :

وما أنا إلا من غزية إن غوت *** غويت وإن ترشد غزية أرشد

{ وَقَالَ الله } تعالى { إِنّى مَعَكُمْ } بالتوفيق والإعانة { لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة } وتحليتم بالعبادات البدنية { وَلَقَدْ أَخَذَ } وتخليتم عن الصفات الذميمة من البخل والشح فزهدتم وآثرتم { وَلَقَدْ أَخَذَ } جميعهم من العقل والإلهامات والأفكار الصائبة والخواطر الصادقة من الروح والقلب وإمداد الملكوت { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } أي وعظتموهم بأن سلطتموهم على شياطين الوهم وقويتموهم ومنعتموهم من الوساوس وإلقاء الوهميات والخيالات والخواطر النفسانية { وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً } بأن تبرأتم من الحول والقوة والعلم والقدرة ، وأسندتم كل ذلك إليه عز شأنه ، بل ومن الأفعال والصفات جميعها ، بل ومن الذات بالمحو والفناء وإسلامها إلى باريها جل وعلا { لاكَفّرَنَّ عَنْكُمْ } التي هي الحجب والموانع لكم { سيئاتكم وَلاَدْخِلَنَّكُمْ جنات } مما عندي { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } وهي أنهار علوم التوكل والرضاء والتسليم والتوحيد ، وتجليات الأفعال والصفات والذات { فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك } العهد وبعث النقباء منكم

{ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل } [ المائدة : 12 ] وهلك مع الهالكين

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} (12)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وهذه الآية أنزلت إعلاما من الله جلّ ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، أخلاقَ الذين هموا ببسط أيديهم إليهم من اليهود... وأن الذي هموا به من الغدر ونقض العهد الذي بينهم وبينه من صفاتهم وصفات أوائلهم وأخلاقهم وأخلاق أسلافهم قديما، واحتجاجا لنبيه صلى الله عليه وسلم على اليهود باطلاعه إياه على ما كان علمه عندهم دون العرب من خفيّ أمورهم ومكنون علومهم، وتوبيخا لليهود في تماديهم في الغيّ، وإصرارهم على الكفر مع علمهم بخطأ ما هم عليهم مقيمون. يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا تستعظموا أمر الذين هموا ببسط أيديهم إليهم من هؤلاء اليهود بما هموا به لكم، ولا أمر الغدر الذي حاولوه وأرادوه بكم، فإن ذلك من أخلاق أوائلهم وأسلافهم، لا يعدُون أن يكونوا على منهاج أوّلهم وطريق سلفهم. ثم ابتدأ الخبر عزّ ذكره عن بعض غدراتهم وخياناتهم وجراءتهم على ربهم ونقضهم ميثاقهم الذي واثقهم عليه بارئهم، مع نعمه التي خصهم بها، وكراماته التي طوّقهم شكرها، فقال: ولقد أخذ الله ميثاق سلف من همّ ببسط يده إليكم من يهود بني إسرائيل يا معشر المؤمنين بالوفاء له بعهوده وطاعته فيما أمرهم ونهاهم. عن أبي العالية في قوله:"وَلَقَدْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ" قال: أخذ الله مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره.

"وَبَعَثْنا مِنْهُمْ اثْنَى عَشَرَ نَقِيبا": وبعثنا منهم اثني عشر كفيلاً، كفلوا عليهم بالوفاء لله بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به، وفيما نهاهم عنه. والنقيب في كلام العرب، كالعريف على القوم، غير أنه فوق العريف... وكان بعض أهل العلم بالعربية يقول: هو الأمين الضامن على القوم. فأما أهل التأويل فإنهم قد اختلفوا بينهم في تأويله، فقال بعضهم: هو الشاهد على قومه.

وقال آخرون: النقيب: الأمين.

وإنما كان الله أمر موسى نبيه صلى الله عليه وسلم ببعثه النقباء الاثني عشر من قومه بني إسرائيل إلى أرض الجبابرة بالشام ليتجسسوا لموسى أخبارهم إذ أراد هلاكهم، وأن يورّث أرضهم وديارهم موسى وقومه، وأن يجعلها مساكن لبني إسرائيل بعد ما أنجاهم من فرعون وقومه، وأخرجهم من أرض مصر، فبعث موسى الذين أمره الله ببعثهم إليها من النقباء...

"وَقالَ اللّهُ إنّي مَعَكُمْ لَئِنْ أقَمْتُمُ الصّلاةَ وآتَيْتُمُ الزّكاةَ وآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزّرْتمُوهُمْ وأقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضا حَسَنَا":

يقول الله تعالى ذكره: وَقالَ اللّهُ لبني إسرائيل إنّي مَعَكُمْ يقول: إني ناصركم على عدوّكم وعدوي الذين أمرتكم بقتالهم إن قاتلتموهم ووفيتم بعهدي وميثاقي الذي أخذته عليكم. وفي الكلام محذوف استُغني بما ظهر من الكلام عما حذف منه، وذلك أن معنى الكلام: وقال الله لهم: إني معكم، فترك ذكر «لهم»، استغناء بقوله: "وَلَقَدْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ "إذ كان متقدم الخبر عن قوم مسمّين بأعيانهم كان معلوما أن سياق ما في الكلام من الخبر عنهم، إذ لم يكن الكلام مصروفا عنهم إلى غيرهم. ثم ابتدأ ربنا جلّ ثناؤه القسم، فقال: قسم لَئِنْ أقَمْتُمْ معشر بني إسرائيل الصّلاةَ وآتَيْتُمُ الزّكاةَ: أي أعطيتموها من أمرتكم بإعطائها، "وآمَنْتُمْ بِرُسُلِي": وصدّقتم بما أتاكم به رسلي من شرائع ديني. وكان الربيع بن أنس يقول: هذا خطاب من الله للنقباء الاثني عشر.

وليس الذي قاله الربيع في ذلك ببعيد من الصواب، غير أن من قضاء الله في جميع خلقه أنه ناصرٌ من أطاعه، وولي من اتبع أمره وتجنب معصيته وجافي ذنوبه. فإذ كان ذلك كذلك، وكان من طاعته: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان بالرسل، وسائر ما ندب القوم إليه كان معلوما أن تكفير السيئات بذلك وإدخال الجنات به لم يخصص به النقباء دون سائر بني إسرائيل غيرهم، فكان ذلك بأن يكون ندبا للقوم جميعا وحضّا لهم على ما حضهم عليه، أحقّ وأولى من أن يكون ندبا لبعض وحضّا لخاصّ دون عام.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "وَعَزّرْتُمُوهُمْ"؛

فقال بعضهُم: تأويل ذلك: "ونصرتموهم".

وقال آخرون: هو الطاعة والنصرة. واختلف أهل العربية في تأويله، فذكر عن يونس الحِرمرِي أنه كان يقول: تأويل ذلك: أثنيتم عليهم.

وكان أبو عبيدة يقول: معنى ذلك نصرتموهم وأعنتموهم ووقرتموهم وعظمتموهم وأيدتموهم.

وكان الفرّاء يقول: العزر: الردّ، عزرته: رددته إذا رأيته يظلم، فقلت: اتق الله أو نهيته، فذلك العزر.

وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: نصرتموهم، وذلك أن الله جلّ ثناؤه قال في سورة الفتح: "إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدا وَمُبَشّرا وَنَذِيرا لِتُؤْمِنُوا باللّهِ وَرَسُولِهِ وتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ". فالتوقير: هو التعظيم. وإذا كان ذلك كذلك، كان القول في ذلك إنما هو بعض ما ذكرنا من الأقوال التي حكيناها عمن حكينا عنه. وإذا فسد أن يكون معناه التعظيم، وكان النصر قد يكون باليد واللسان؛ فأما باليد فالذبّ بها عنه بالسيف وغيره، وأما باللسان فحسن الثناء، والذبّ عن العرض، صحّ أنه النصر إذ كان النصر يحوي معنى كلّ قائل قال فيه قولاً مما حكينا عنه.

"وأقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضا حَسَنا": وأنفقتم في سبيل الله، وذلك في جهاد عدوّه وعدوّكم، "قَرْضا حَسَنا": وأنفقتم ما أنفقتم في سبيله، فأصبتم الحقّ في إنفاقكم ما أنفقتم في ذلك، ولم تتعدّوا فيه حدود الله وما ندبكم إليه وحثكم عليه إلى غيره.

"لأُكَفّرَنّ عَنْكُمْ سَيّئاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهَارُ": يعني جلّ ثناؤه بذلك بني إسرائيل، يقول لهم جلّ ثناؤه: لئن أقمتم الصلاة أيها القوم الذين أعطوني ميثاقهم بالوفاء بطاعتي، واتباع أمري، وآتيتم الزكاة، وفعلتم سائر ما وعدتكم عليه جنتي "لأُكَفّرَنّ عَنْكُمْ سَيّئَاتَكُمْ": لأغطين بعفوي عنكم وصفحي عن عقوبتكم، على سالف إجرامكم التي أجرمتموها فيما بين وبينكم على ذنوبكم التي سلفت منكم من عبادة العجل وغيرها من موبقات ذنوبكم، "ولأدْخِلَنّكُمْ" مع تغطيتي على ذلك منكم بفضلي يوم القيامة "جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُ"، فالجنات: البساتين.

وإنما قلت: معنى قوله: لأُكَفّرَنّ: لأغطينّ، لأن الكفر معناه الجحود والتغطية والستر.

"فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلّ سَوَاءَ السّبِيلِ": فمن جحد منكم يا معشر بني إسرائيل شيئا مما أمرته به، فتركه، أو ركب ما نهيته عنه فعمله بعد أخذي الميثاق عليه بالوفاء لي بطاعتي واجتناب معصيتي، "فَقَدْ ضَلّ سَوَاءَ السّبِيلِ": فقد أخطأ قصد الطريق الواضح، وزلّ عن منهج السبيل القاصد. والضلال: الركوب على غير هدى. وقوله: "سَوَاءَ" يعني به: وسط السبيل.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

ثم اختلف في النقيب؛ قال بعضهم: النقيب هو الملك، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وقال أبو عوسجة: النقيب هو المنظور إليه والمصدور عن رأيه، وهو من وجوه القوم، وجمعه النقباء مثل العرفاء. وقال أبو عبيد: النقيب: الأمير والضامن على القوم... وقال القتبي: الكفيل على القوم...

وما ذكر من الوعيد في الآية التي هي على إثر هذه على كل من نقض ذلك العهد النقيب وغير النقيب. ثم قوله تعالى: {لئن أقمتم الصلاة وءاتيتم الزكاة} يحتمل وجهين: يحتمل أنه أراد بالصلاة الخضوع والثناء له وبالزكاة تزكية النفس وطهارتها، وذلك في الفعل؛ على كل أحد القيام به في كل وقت. ويحتمل أن يكون أراد بالصلاة المعروفة المعهودة والزكاة المعروفة. ففيه دليل وجوب الصلاة والزكاة على الأمم السالفة. وقوله تعالى: {وءامنتم برسلي} يحتمل أن تؤمنوا برسلي جميعا، ولا تفرقوا بينهم: أن تكفروا ببعض، وتؤمنوا ببعض كقولهم: {نؤمن ببعض ونكفر ببعض} [النساء: 150] {وعزرتموهم} قال القتبي وأبو عوسجة، قالا: وعظمتموهم، والتعزير: التعظيم...

[وقوله تعالى]: {وأقرضتم الله قرض حسنا} [أي صادقا من كل أنفسكم [ابتغيتم به] وجه الله. وقال بعضهم: {وأقرضتم الله قرضا حسنا} أي محتسبا؛ طيبة به أنفسكم. ويحتمل قوله تعالى: {وأقرضتم الله قرضا حسنا} أي جعلتم عند الله أنفسكم أيادي ومحاسن؛ تستوجبون بذلك الثواب الجزيل.

أحكام القرآن للجصاص 370 هـ :

قد اختُلف في المراد بالنقيب ههنا، فقال الحسن:"الضمين". وقال الربيع بن أنس: "الأمين". وقال قتادة: "الشهيد على قومه". وقيل إن أصل النقيب مأخوذ من النّقْبِ وهو الثقب الواسع، فقيل نقيب القوم لأنه ينقب على أحوالهم وعن مكنون ضمائرهم وأسرارهم، فسُمّي رئيس العرفاء نقيباً لهذا المعنى. وأما قول الحسن إنه الضمين، فإنما أراد به أنه الضمين لتعرُّف أحوالهم وأمورهم وصلاحهم وفسادهم واستقامتهم وعدولهم ليرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الأنصار اثني عشر نقيباً على هذا المعنى. وقول الربيع بن أنس إنه الأمين، وقول قتادة إنه الشهيد، يقارب ما قال الحسن أيضاً؛ لأنه أمينٌ عليهم وشهيدٌ بما يعملون به ويجري عليهم أمورهم. وإنما نَقَّبَ النبي صلى الله عليه وسلم النقباء لشيئين: أحدهما لمراعاة أحوالهم وأمورهم وإعلامها النبي صلى الله عليه وسلم ليَدَّبَّرَ فيهم بما يرى. والثاني: أنهم إذا علموا أن عليهم نقيباً كانوا أقرب إلى الاستقامة، إذ علموا أن أخبارهم تنتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن كل واحد منهم يحتشم مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم فيما يَنُوبُهُ ويَعْرِضُ له من الحوائج قبله، فيقوم عنه النقيب فيه. وليس يجوز أن يكون النقيب ضامناً عنهم الوفاء بالعهد والميثاق؛ لأن ذلك معنى لا يصح ضمانه ولا يمكن الضمين فعله ولا القيام به، فعلمنا أنه على المعنى الأولى. وفي هذه الآية دلالةٌ على قبول خبر الواحد؛ لأن نقيب كلّ قوم إنما نُصِبَ ليعرِّفَ أحوالَهُمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أو الإمامَ، فلولا أن خبره مقبولٌ لما كان لنصبه وجه. فإن قيل: إنما يدل ذلك على قبول خبر الاثني عشر دون الواحد. قيل له: إن الاثني عشر لم يكونوا نقباء على جميع بني إسرائيل بجملتهم، وإنما كان كل واحد منهم نقيباً على قومه خاصة دون الآخرين.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضلّ سواء السبيل. قلت: أجل، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم، لأنّ الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وتمادى.

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

...فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِيمَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ الْمَرْءُ وَيَحْتَاجُ إلَى اطِّلَاعِهِ من حَاجَاتِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، فَيُرَكِّبُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ، وَيَرْبِطُ بِهِ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ.

وَقَدْ جَاءَ أَيْضًا مِثْلُهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَدْ رُوِيَ (أَنَّ وَفْدَ هَوَازِنَ لَمَّا جَاءُوا تَائِبِينَ إلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- النَّاسَ، وَسَأَلَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا نَصِيبَهُمْ لَهُمْ من السَّبْيِ فَقَالُوا قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ)..

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

المسألة الأولى: اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوها: الأول: أنه تعالى خاطب المؤمنين فيما تقدم فقال {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم الله وأطعنا} ثم ذكر الآن أنه أخذ الميثاق من بني إسرائيل لكنهم نقضوه وتركوا الوفاء به، فلا تكونوا أيها المؤمنون مثل أولئك اليهود في هذا الخلق الذميم لئلا تصيروا مثلهم فيما نزل بهم من اللعن والذلة والمسكنة، والثاني: أنه لما ذكر قوله {اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} وقد ذكرنا في بعض الروايات أن هذه الآية نزلت في اليهود، وأنهم أرادوا إيقاع الشر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ذكر الله تعالى ذلك أتبعه بذكر فضائحهم وبيان أنهم أبدا كانوا مواظبين على نقض العهود والمواثيق، الثالث: أن الغرض من الآيات المتقدمة ترغيب المكلفين في قبول التكاليف وترك التمرد والعصيان، فذكر تعالى أنه كلف من كان قبل المسلمين كما كلفهم ليعلموا أن عادة الله في التكليف والإلزام غير مخصوصة بهم، بل هي عادة جارية له مع جميع عباده...

وفي الآية سؤالات:

السؤال الأول: لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدم عليها؟ والجواب: أن اليهود كانوا مقرين بأنه لابد في حصول النجاة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل، فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لابد من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود، وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل...

والسؤال الثالث: قوله {وأقرضتم الله قرضا حسنا} دخل تحت إيتاء الزكاة، فما الفائدة في الإعادة؟ والجواب: المراد بإيتاء الزكاة الواجبات. وبهذا الإقراض الصدقات المندوبة، وخصها بالذكر تنبيها على شرفها وعلو مرتبتها. قال الفراء: ولو قال: وأقرضتم الله إقراضا حسنا لكان صوابا أيضا إلا أنه قد يقام الاسم مقام المصدر، ومثله قوله {فتقبلها ربها بقبول حسن} ولم يقل يتقبل، وقوله {وأنبتها نباتا حسنا} ولم يقل إنباتا.

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

{وقال الله إني معكم} أي بالنصر والحياطة. وفي هذه المعية دلالة على عظم الاعتناء والنصرة، وتحليل ما شرطه عليهم مما يأتي بعد، وضمير الخطاب هو لبني إسرائيل جميعاً.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

إن وجه الاتصال والمناسبة بين هذه الآيات وما قبلها يعلم مما تقدم من أخذ الله الميثاق على هذه الأمة، وهذا من المقاصد التي لا تختلف باختلاف الأزمنة فكان عاما في جميع الأمم التي بعث الله فيها الرسل، كما قلناه في تفسير تلك الآية. فلما ذكرنا الله تعالى بميثاقه الذي واثقنا به، على السمع والطاعة لخاتم رسله، ذكر لنا أخذه مثل هذا الميثاق على أقرب الأمم إلينا وطنا وتاريخا وهم اليهود والنصارى، وما كان من نقضهم ميثاقه، ومن عقابه لهم على ذلك في الدنيا، وما ينتظرون من عقاب الآخرة وهو أشد وأبقى – لنعتبر بحالهم، ونتقي حذو مثالهم، وليبين لنا علة كفرهم بنبينا وتصديهم لإيذائه وعداوة أمته، وليقيم بذلك الحجة عليهم فيما تراه بعد هذه الآيات. فهذا مبدأ سياق طويل في محاجة أهل الكتاب وبيان أنواع كفرهم وضلالهم.

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ} يقسم عز وجل أنه قد أخذ العهد الموثق على بني إسرائيل ليعملن بالتوراة التي شرعها لهم، لإفادة تأكيد هذا الأمر وتحقيقه والاهتمام بما رتب عليه، لأن الرسول قد علمه بالوحي الإلهي وإن لم يطلع على توراتهم ولا على شيء من تاريخيهم.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

في نهاية الدرس الماضي، ذكر الله المسلمين بميثاقهم الذي واثقهم به؛ وذكرهم نعمته التي أنعم بها عليهم في هذا الميثاق. ذلك كي يؤدوا من جانبهم ما استحفظوا عليه؛ ويتقوا أن ينقضوا ميثاقهم معه.

فالآن يستغرق هذا الدرس كل كذلك يتضمن دعوتهم من جديد إلى الهدى.. الهدى الذي جاءتهم به الرسالة الأخيرة؛ وجاءهم به الرسول الأخير. ودحض ما قد يدعونه من حجة في أنه طال عليهم الأمد، ومرت بهم فترة طويلة منذ آخر أنبيائهم، فنسوا ولبس عليهم الأمر.. فها هو ذا قد جاءهم بشير ونذير. فسقطت الحجة، وقام الدليل. ومن خلال هذه الدعوة، تتبين وحدة دين الله -في أساسه- ووحده ميثاق الله مع جميع عباده: أن يؤمنوا به، ويوحدوه، ويؤمنوا برسله دون تفريق بينهم، وينصروهم، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وينفقوا في سبيل الله من رزق الله.. فهو الميثاق الذي يقرر العقيدة الصحيحة، ويقرر العبادة الصحيحة، ويقرر أسس النظام الاجتماعي الصحيح...

(إني معكم).. وهو وعد عظيم. فمن كان الله معه، فلا شيء إذن ضده. ومهما يكن ضده من شيء فهو هباء لا وجود -في الحقيقة- له ولا أثر. ومن كان الله معه فلن يضل طريقه، فإن معية الله -سبحانه- تهديه كما أنها تكفيه. ومن كان الله معه فلن يقلق ولن يشقى، فإن قربه من الله يطمئنه ويسعده.. وعلى الجملة فمن كان الله معه فقد ضمن، وقد وصل، وما له زيادة يستزيدها على هذا المقام الكريم. ولكن الله -سبحانه- لم يجعل معيته لهم جزافا ولا محاباة؛ ولا كرامة شخصية منقطعة عن أسبابها وشروطها عنده.. إنما هو عقد.. فيه شرط وجزاء. شرطه: إقامة الصلاة.. لا مجرد أداء الصلاة.. إقامتها على أصولها التي تجعل منها صلة حقيقية بين العبد والرب؛ وعنصرا تهذيبيا وتربويا وفق المنهج الرباني القويم؛ وناهيا عن الفحشاء والمنكر حياء من الوقوف بين يدي الله بحصيلة من الفحشاء والمنكر! وإيتاء الزكاة.. اعترافا بنعمة الله في الرزق؛ وملكيته ابتداء للمال؛ وطاعة له في التصرف في هذا المال وفق شرطه -وهو المالك والناس في المال وكلاء- وتحقيقا للتكافل الاجتماعي الذي على أساسه تقوم حياة المجتمع المؤمن؛ وإقامة لأسس الحياة الاقتصادية على المنهج الذي يكفل ألا يكون المال دولة بين الأغنياء، وألا يكون تكدس المال في أيد قليلة سببا في الكساد العام بعجز الكثرة عن الشراء والاستهلاك مما ينتهي إلى وقف دولاب الإنتاج أو تبطئته؛ كما يفضي إلى الترف في جانب والشظف في جانب، وإلى الفساد والاختلال في المجتمع بشتى ألوانه.. كل هذا الشر الذي تحول دونه الزكاة؛ ويحول دونه منهج الله في توزيع المال؛ وفي دورة الاقتصاد.. والإيمان برسل الله.. كلهم دون تفرقة بينهم. فكلهم جاء من عند الله؛ وكلهم جاء بدين الله. وعدم الإيمان بواحد منهم كفر بهم جميعا، وكفر بالله الذي بعث بهم جميعا.. وليس هو مجرد الإيمان السلبي، إنما هو العمل الإيجابي في نصرة هؤلاء الرسل، وشد أزرهم فيما ندبهم الله له، وفيما وقفوا حياتهم كلها لأدائه.. فالإيمان بدين الله من مقتضاه أن ينهض لينصر ما آمن به، وليقيمه في الأرض، وليحققه في حياة الناس. فدين الله ليس مجرد تصور اعتقادي، ولا مجرد شعائر تعبدية. إنما هو منهج واقعي للحياة. ونظام محدد يصرف شئون هذه الحياة. والمنهج والنظام في حاجة إلى نصرة، وتعزيز، وإلى جهد وجهاد لتحقيقه ولحمايته بعد تحقيقه.. وإلا فما وفي المؤمن بالميثاق. وبعد الزكاة إنفاق عام.. يقول عنه الله -سبحانه- إنه قرض لله.. والله هو المالك، وهو الواهب.. ولكنه -فضلا منه ومنة- يسمي ما ينفقه الموهوب له -متى أنفقه لله- قرضا لله.. ذلك كان الشرط. فأما الجزاء فكان: تكفير السيئات.. والإنسان الذي لا يني يخطى ء، ولا يني يندفع إلى السيئة مهما جاء بالحسنة.. تكفير السيئات بالنسبة إليه جزاء ضخم ورحمة من الله واسعة، وتدارك لضعفة وعجزه وتقصيره.. وجنة تجري من تحتها الأنهار.. وهي فضل خالص من الله، لا يبلغه الإنسان بعمله، إنما يبلغه بفضل من الله، حين يبذل الجهد، فيما يملك وفيما يطيق.. وكان هنالك شرطا جزائي في الميثاق: (فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل).. فلا هدى له بعد ذلك، ولا أوبة له من الضلال. بعد إذ تبين له الهدى، وتحدد معه العقد، ووضح له الطريق، وتأكد له الجزاء.. ذلك كان ميثاق الله مع نقباء بني إسرائيل.. عمن وراءهم. وقد ارتضوه جميعا؛ فصار ميثاقا مع كل فرد فيهم، وميثاقا مع الأمة المؤلفة منهم.. فماذا كان من بني إسرائيل!

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

والالتزام الذي أوجبه ميثاق الله تعالى عليه يتصل بتهذيب النفوس، والتعاون الاجتماعي والجهاد والإيمان وقد ذكره سبحانه وتعالى في خمسة أركان: أولها: ما قاله سبحانه في صدر العهد: {لئن أقمتم الصلاة} فالصلاة هي الركن الأول من الميثاق الرباني الإلهي وابتدئ بذكرها لأنها طهارة النفوس، وتزكية القلوب وبها تربية الضمير الذي يكون جماعة مؤتلفة وإقامتها تنهى عن الفحشاء والمنكر وتربي في النفس روح الخير، والإحساس بعظمة الله تعالى، ولا يمكن أن يكون الوفاء بالميثاق الإلهي من غير إقامة الصلاة فإنها ركن كل دين وروح التدين الصحيح وقوامه، وعبر بإقامتها دون أدائها، فقد قال: {لئن أقمتم الصلاة} لأن الصلاة التي تأتي بثمراتها هي الصلاة الكاملة التي يأتي بها صاحبها مقومة غير ملتوية يتجه فيها بالبنية إلى الله تعالى، ويخلص فيها لا التي تكون رئاء الناس أو تؤدى على وجه العادة لا على وجه العبادة...

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

الربع الأخير من الحزب الحادي عشر في المصحف الكريم تعرض الآيات الكريمة في هذا الربع الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل، وما تجرؤوا عليه من نقض لذلك الميثاق، وما نالهم من عذاب، نتيجة نقضه وخيانته {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا، وقال الله إني معكم}، ومن الفوائد في هذا الربع الإشارة إلى (النقباء) الذين هم بمنزلة النواب والمندوبين عن غيرهم، يتحدثون باسمهم بمختلف المناسبات، وينوبون عنهم في النظر إلى مختلف المشاكل {وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} فقد وجه موسى عليه السلام النقباء الاثني عشر إلى الأرض المقدسة، ليختبروا حال من بها، ويعلموه بما اطلعوا عليه فيها حتى ينظروا معه في الغزو إليها. وهكذا لما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار ليلة العقبة، وعددهم في تلك الليلة سبعون رجلا، كان فيهم اثنا عشر نقيبا بعدد نقباء موسى، ثلاثة من الأوس وتسعة من الخزرج، وهؤلاء هم الذين تولوا المعاقدة والمبايعة عن قومهم للنبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، وقد جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم نقباء على من كان معهم، وعلى من يأتي بعدهم... وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه (نقيب الأنصار) بالنسبة لنقبائهم ولمن تحتهم جميعا. وكلمة (نقيب) تطلق في اللغة على الأمين والكفيل، وإنما قيل له (نقيب) لأنه يعرف دخيلة أمر القوم ومناقبهم، والمناقب تطلق على الخلق الجميلة وعلى الأخلاق الحسنة. وكما عرف الإسلام (النقباء) فقد عرف (العرفاء)، جمع عريف، وهو الذي يعرف ما عند الشخص الذي كلف به، ليعرف به من جعله عريفا، فقد روي أن وفد هوازن لما جاؤوا تائبين إلى النبي صلى الله عليه وسلم كلم رسول الله الناس، وسألهم أن يتركوا لهم نصيبهم من السبي، فقال الناس: (قد طيبنا ذلك يا رسول الله – أي وافقنا عليه- لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم). فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا، وبنى قراره صلى الله عليه وسلم على ما بلغه (العرفاء) إليه نيابة عمن يمثلونهم من الناس. وهذه السابقة التاريخية تصح أن تكون سندا لكل نظام تمثيلي يراد إنشاؤه في العالم الإسلامي، تحقيقا للشورى العامة التي أمر بها الإسلام، وطبقها الرسول صلى الله عليه وسلم.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

ويجعل الحق سبحانه وتعالى من قصص الرسل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تثبيتا للإيمان وتربية للأسوة وإنماء لها، حتى لا يضيق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم بما يفعله اليهود أو المشركون فإن كان قد حدث معك يا محمد شيء من هذا الإنكار والإيلام فقد حدث الكثير من تلك الأحداث مع الرسل من قبلك، فيقول سبحانه: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12)}.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

ومن هنا كان الالتزام بالميثاق يجسّد الثبات والقوّة، والائتمار بأوامر الله، وذلك عبر المحافظة على إقامة الصلاة، الّتي تُمثّل انفتاح الإنسان على الله للتعبير بها عن عبوديته المطلقة له، وإيتاء الزكاة، الَّذي يُعبِّر عن القيام بمسؤولية العطاء من أجل الحصول على القرب من الله، والإيمان بالرسل كخطّ للانتماء الَّذي يحكم الفكر والشعور والعمل، ونصرتهم وتعظيمهم كموقفٍ معبّر عن صدق الإيمان، والإنفاق في سبيل الله من دون مقابل، كقرض يقرضه الإنسان لربّه، وتلك هي القضايا الحيويّة الّتي تحكم علاقة الإنسان بربّه وعلاقته بالنّاس والحياة، ما يُمثِّل قاعدة الانطلاق في مسيرته مع الكون.