{ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى ءادَمَ } كأنه لما مدح سبحانه القرآن ، وحرض على استعمال التؤدة والرفق في أخذه وعهد على العزيمة بأمره وترك النسيان فيه ضرب حديث آدم مثلاً للنسيان وترك العزيمة .
وذكر ابن عطية أن في ذلك مزيد تحذير للنبي صلى الله عليه وسلم عن العجلة وعدم التؤدة لئلا يقع فيما لا ينبغي كما وقع آدم عليه السلام ، فالكلام متعلق بقوله تعالى : { وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان } [ طه : 114 ] الخ ، وقال الزمخشري : هو عطف على { صَرَفْنَا } [ طه : 113 ] عطف القصة على القصة ، والتخالف فيه إنشاء وخبرية لا يضر مع أن المقصود بالعطف جواب القسم . وحاصل المعنى عليه صرفنا الوعيد وكررناه لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً لكنهم لم يلتفتوا لذلك ونسوه كما لم يلتفت أبوهم إلى الوعيد ونسي العهد إليه . والفائدة في ذلك الإشارة إلى أن مخالفتهم شنشنة أخزمية وأن أساس أمرهم ذلك وعرقهم راسخ فيه ، وحكى نحو هذا عن الطبري .
وتعقبه ابن عطية بأنه ضعيف لما فيه من الغضاضة من مقام آدم عليه السلام حيث جعلت قصته مثلاً للجاحدين لآيات الله تعالى وهو عليه السلام إنما وقع منه ما وقع بتأويل انتهى ، والإنصاف يقضي بحسنه فلا تلتفت إلى ما قيل : إن فيه نظراً ، وقال أبو مسلم : إنه عطف على قوله تعالى : { كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَبَقَ } [ طه : 99 ] وليس بذاك ، نعم فيه مع ما تقدم إنجاز الموعود في تلك الآية ، واستظهر ابن عطية فيه أحد أمرين التعلق بِ { لا تعجل } [ طه : 114 ] وكونه ابتداءً كلام لا تعلق له بما قبله ، وهذا الأخير وإن قدمه في كلامه ناشئ من ضيق العطن كما لا يخفى ، والعهد الوصية يقال عهد إليه الملك ووغر إليه وعزم عليه وتقدم إليه إذا أمره ووصاه ، والمعهود محذوف يدل عليه ما بعده ، واللام واقعة في جواب قسم محذوف أي وأقسم بالله لقد أمرناه ووصيناه { مِن قَبْلُ } أي من قبل هذا الزمان ، وقيل : أي من قبل وجود هؤلاء المخالفين .
وعن الحسن أي من قبل إنزال القرآن ، وقيل : أي من قبل أن يأكل من الشجرة { فَنَسِىَ } العهد ولم يهتم به ولم يشتغل بحفظه حتى غفل عنه ، والعتاب جاء من ترك الاهتمام ، ومثله عليه السلام يعاتب على مثل ذلك ، وعن ابن عباس والحسن أن المراد فترك ما وصى به من الاحتراس عن الشجرة وأكل ثمرتها فالنسيان مجاز عن الترك والفاء للتعقيب وهو عرفي ، وقيل : فصيحة أي لم يهتم به فنسي والمفعول محذوف وهو ما أشرنا إليه ، وقيل : المنسي الوعيد بخروج الجنة إن أكل ، وقيل قوله تعالى : { إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ } [ طه : 117 ] وقيل : الاستدلال على أن النهي عن الجنس دون الشخص ، والظاهر ما أشرنا إليه .
وقرأ اليماني . والأعمش { فَنَسِىَ } بضم النون وتشديد السين أي نساه الشيطان { وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } تصميم رأي وثبات قدم في الأمور ، وهذا جار على القولين في النسيان ، نعم قيل : إنه أنسب بالثاني وأوفق بسياق الآية على ما ذكرنا أولاً . وروى جماعة عن ابن عباس وقتادة أن المعنى لم نجد له صبراً عن أكل الشجرة ، وعن ابن زيد وجماعة أن المعنى لم نجد له عزماً على الذنب فإنه عليه السلام أخطأ ولم يتعمد وهو قول من قال : إن النسيان على حقيقته ؛ وجاء عن ابن عباس ما يقتضيه ، فقد أخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عنه قال : قال لي عمر رضي الله تعالى عنه إن صاحبكم هذا يعني علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه إن ولى زهد ولكني أخشى عجب نفسه أن يذهب به قلت : يا أمير المؤمنين إن صاحبنا من قد علمت والله ما نقول : إنه غير ولا بدل ولا أسخط رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام صحبته فقال ولا في بنت أبي جهل وهو يريد أن يخطبها على فاطمة قلت : قال الله تعالى في معصية آدم عليه السلام { وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } فصاحبنا لم يعزم على إسخاط رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الخواطر التي لا يقدر أحد دفعها عن نفسه وربما كانت من الفقيه في دين الله تعالى العالم بأمر الله سبحانه فإذا نبه عليها رجع وأناب فقال : يا ابن عباس من ظن أنه يرد بحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها فقد ظن عجزاً ، لكن لا يخفى عليك أن هذا التفسير غير متبادر ولا كثير المناسبة للمقام . وحاصل لم نجد الخ عليه أنه نسي فيتكرر مع ما قبله .
ثم إن { لَمْ نَجِدْ } إن كان من الوجود العلمي ، فله عزماً مفعولاه قدم الثاني على الأول لكونه ظرفاً وإن كان من الوجود المقابل للعدم كما اختاره بعضهم فله متعلق به قدم على مفعوله لما مر غير مرة أو بمحذوف وقع حالاً من مفعوله المنكر ، والمعنى على هذا ولم نصادف له عزماً .
{ 115 } { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا }
أي : ولقد وصينا آدم وأمرناه ، وعهدنا إليه عهدا ليقوم به ، فالتزمه ، وأذعن له وانقاد ، وعزم على القيام به ، ومع ذلك نسي ما أمر به ، وانتقضت عزيمته المحكمة ، فجرى عليه ما جرى ، فصار عبرة لذريته ، وصارت طبائعهم مثل طبيعته ، نسي آدم فنسيت ذريته ، وخطئ فخطئوا ، ولم يثبت على العزم المؤكد ، وهم كذلك ، وبادر بالتوبة من خطيئته ، وأقر بها واعترف ، فغفرت له ، ومن يشابه أباه فما ظلم .
قوله تعالى :{ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل } يعني : أمرناه وأوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة { من قبل } أي من هؤلاء الذين نقضوا عهدك وتركوا الإيمان بي ، وهم الذين ذكرهم الله في قوله تعالى : { لعلهم يتقون } { فنسي } فترك الأمر والمعنى أنهم نقضوا العهد ، فإن آدم أيضاً عهدنا إليه فنسي { ولم نجد له عزماً } قال الحسن : لم نجد له صبراً عما نهى الله عنه . وقال عطية العوفي : حفظاً لما أمر به . وقال ابن قتيبة : رأياً معزوماً حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له . والعزم في اللغة : هو توطين النفس على الفعل . قال أبو أمامة الباهلي : لو وزن حلم آدم بحلم جميع ولده لرجح حلمه ، وقد قال الله : { ولم نجد له عزماً } فإن قيل : أتقولون إن آدم كان ناسياً لأمر الله حين أكل من الشجرة ؟ قيل : يجوز أن يكون نسي أمره ، ولم يكن النسيان في ذلك الوقت مرفوعاً عن الإنسان ، بل كان مؤاخذاً به ، وإنما رفع عنا . وقيل : نسى عقوبة الله وظن أنه نهاه تنزيهاً .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.