{ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ } أي رقيب ومهيمن { على كُلّ نَفْسٍ } كائنة ما كانت { بِمَا كَسَبَتْ } فعلت من خير أو شر لا يخفى عليه شيء من ذلك ولا يفوته ما يستحقه كل من الجزاء وهو الله تعالى شأنه ، وما حكاه القرطبي عن الضحاك من أن المراد بذلك الملائكة الموكلون ببني آدم فمما لا يكاد يعرج عليه هنا ، و { مِنْ } مبتدأ والخبر محذوف أي كمن ليس كذلك ، ونظيره قوله تعالى : { أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام فَهُوَ على نُورٍ مّن رَّبّهِ } [ الزمر : 22 ] وحسن حذفه المقابلة ، وقد جاء مثبتاً كثيراً كقوله تعالى : { أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } [ النحل : 17 ] وقوله سبحانه : { أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ الحق كَمَنْ هُوَ أعمى } [ الرعد : 19 ] إلى غير ذلك ، والهمزة للاستفهام الإنكاري ، وإدخال الفاء قيل : لتوجيه الإنكار إلى توهم المماثلة غب ما علم مما فعل سبحانه بالمستهزئين من الإملاء والأخذ ومن كون الأمر كله له سبحانه وكون هداية الناس جميعاً منوطة بمشيئته جل وعلا ومن تواتر القوارع على الكفرة حتى يأتي وعده تعالى كأنه قيل : الأمر كذلك فمن هذا شأنه كما ليس في عداد الأشياء حتى يشركوه به فالإنكار متوجه إلى ترتب المعطوف أعني توهم المماثلة على المعطوف عليه القدر أعني كون الأمر كما ذكر( {[471]} ) لا إلى المعطوفين جميعاً( {[472]} ) وفي «الكشف » أنه ضمن هذا التعقيب الترقي في الإنكار يعني لا عجب من إنكارهم لآياتك الباهرة مع ظهورها إنما العجب كل العجب جعلهم القادر على إنزالها المجازي لهم على إعراضهم عن تدبر معانيها وأمثالها بقوارع تترى واحدة غب أخرى يشاهدونها رأى عين تترامى بهم إلى دار البوار وأهوالها كمن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فضلاً عمن اتخذه رباً يرجو منه دفعاً أو جلباً . وزعم بعضهم أن الفاء للتعقيب الذكري أي بعد ما ذكر أقول هذا الأمر وليس بذاك { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء } جملة مستأنفة وفيها دلالة على الخبر المحذوف ، وجوز أن تكون معطوفة على { كَسَبَتْ } على تقدير أن تكون { مَا } مصدرية لا موصولة والعائد محذوف ، ولا يلزم اجتماع الأمرين حتى يخص كل نفس بالمشركين ، وأبعد من قال : إنها عطف على { *استهزىء } [ الرعد : 32 ] وجوز أن تكون حالية على معنى أفمن هذه صفاته كمن ليس كذلك ؟ وقد جعلوا له شركاء لا شريكاً واحداً ، وقال صاحب حل العقد : المعنى على الحالية أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت موجود والحال أنهم جعلوا له شركاء ، وهذا نظير قولك : أجواد يعطي الناس ويغنيهم موجود ويحرم مثلي . ومنهم من أجاز العطف على جملة { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } كمن ليس كذلك لأن الاستفهام الإنكاري بمعنى النفي فهي خبرية معنى ، وقدر آخرون الخبر لم يوحدوه وجعل العطف عليه أي أفمن هذا شأنه لم يوحدوه وجعلوا له شركاء وظاهر كلامهم اختصاص العطف على الخبر بهذا التقدير دون تقدير كمن ليس كذلك ، قال البدر الدماميني : ولم يظهر وجه الاختصاص ، ووجه ذلك الفاضل الشمني بأن حصول المناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه التي هي شرط قبول العطف بالواو إنما هو على التقدير الأخير دون التقدير الأول .
ويدل على الاشتراط قول أهل المعاني : زيد يكتب ويشعر مقبول دون يعطي ويشعر . وتعقبه الشهاب بأنه من قلة التدبر فإن مرادهم أنه على التقدير الأول يكون الاستفهام إنكارياً بمعنى لم يكن نفياً للتشابه على طريق الإنكار فلو عطف جعلهم شركاء عليه يقتضي أنه لم يكن وليس بصحيح ، وعلى التقدير الأخير الاستفهام توبيخي والإنكار فيه بمعنى لم كان وعدم التوحيد وجعل الشركاء واقع موبخ عليه منكر فيظهر العطف على الخبر ، وأما ما ذكر من حديث التناسب فغفلة لأن المناسبة بين تشبيه الله سبحانه بغيره والشرك تامة ؛ وعلى الوجه الأخير عدم التوحيد عين الإشراك فليس محلاً للعطف عند أهل المعاني على ما ذكره فهو محتاج إلى توجيه آخر .
واختار بعض المحققين التقدير الأول ، وفي ذلك الحذف تعظيم للقالة وتحقير لمن زن بتلك الحالة ، وفي العدول عن صريح الاسم في { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ } تفخيم فخيم بواسطة الإبهام المضمر في إيراده موصولا مع تحقيق أن القيام كائن وهم محققون ، وفي وضع الاسم الجليل موضع الراجع إلى { مِنْ } تنصيص على وحدانيته تعالى ذاتاً واسماً وتنبيه على اختصاصه باستحقاق العبادة مع ما فيه من البيان بعد الإبهام ، ولعل توجيه الوضع المذكور مما لا يختص به تقدير دون تقدير وخصه بعضهم فيما يحتاج عليه إلى ضمير { قُلْ سَمُّوهُمْ } تبكيت إثر تبكيت أي سموهم من هم وماذا أسماؤهم ؟ وفي البحر أن المعنى أنهم ليسوا ممن يذكر ويسمى إنما يذكر ويسمى من ينفع ويضر ، وهذا مثل أن يذكر لك أن شخصاً يوقر ويعظم وهو عندك لا يستحق ذلك فتقول لذاكره : سمه حتى أبين لك زيفه وإنه بمعزل عن استحقاق ذلك ، وقريب منه ما قيل : إن ذلك إنما يقال في الشيء المستحقر الذي يبلغ في الحقارة إلى أن لا يذكر ولا يوضع له اسم فيقال سمه على معنى أنه أخس من أن يذكر ويسمى ولكن إن شئت أن تضع له اسماً فافعل فكأنه قيل : سموهم بالآلهة على التهديد ، والمعنى سواء سميتموهم بذلك أم لم تسموهم به فانهم في الحقارة بحيث لا يستحقون أن يلتفت إليهم عاقل ، وقيل : إن التهديد هنا نظير التهديد لمن نهى عن شرب الخمر ثم قيل له : سم الخمر بعد هذا وهو خلاف الظاهر ، وقيل : المعنى اذكروا صفتهم وانظروا هل فيها ما يستحقون به العبادة ويستأهلون الشركة { أَمْ } أي بل أتخبرون الله تعالى { تُنَبّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ في الارض } أي بشركاء مستحقين للعبادة ر يعلمهم سبحانه وتعالى ، والمراد نفيها بنفي لازمها على طريق الكناية لأنه سبحانه إذا كان لا يعلمها وهو الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فهي لا حقيقة لها أصلاً ، وتخصيص الأرض بالذكر لأن المشركين إنما زعموا أنه سبحانه له شركاء فيها ، والضمير المستقر في { يَعْلَمْ } على هذا التفسير لله تعالى والعائد على { مَا } محذوف كما أشرنا إلى ذلك .
وجوز أن يكون العائد ضمير { يَعْلَمْ } والمعنى اتنبؤن الله تعالى بشركة الأصنام التي لا تتصف بعلم البتة ، وذكر نفي العلم في الأرض لأن الأرض مقر الأصنام فإذا انتفى علمها في المقر التي هي فيه فانتفاؤه في السموات العلى أحرى ، وقرأ الحسن { *أتنبئونه } بالتخفيف من الانباء { الأرض أَم بظاهر مّنَ القول } أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير معنى متحقق في نفس الأمر كتسمية الزنجي كافوراً كقوله تعالى : { ذلك قَوْلُهُم بأفواههم } [ التوبة : 30 ] وروي عن الضحاك . وقتادة أن الظاهر من القول الباطل منه ، وأنشدوا من ذلك قوله :
أعيرتنا البانها ولحومها *** وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر
ويطلق الظاهر على الزائل كما في قوله :
وعيرها الواشون أني أحبها *** وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
ومن أراد ذلك هنا فقد تكلف ، وعن الجبائي أن المراد من ظاهر من القول ظاهر كتاب أنزل الله تعالى وسمي به الأصنام آلهة حقه ، وحاصل الآية نفي الدليل العقلي والدليل السمعي على حقية عبادتها واتخاذها آلهة ، وجوز أن تكون { أَمْ } متصلة والانقطاع هو الظاهر ، ولا يخفى ما في الآية من الاحتجاج والأساليب العجيبة ما ينادي بلسان طلق ذلق أنه ليس من كلام البشر كما نص على ذلك الزمخشري ، وبين ذلك صاحب الكشف بأنه لما كان قوله تعالى : { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ } كافياً في هدم قاعدة الإشراك للتفرع السابق والتحقق بالوصف اللاحق مع ما ضمن من زيادات النكت وكان إبطالاً من طرف الحق وذيل بإبطاله من طرف النقيض على معنى وليتهم إذ اشركوا بمن لا يجوز أن يشرك به اشركوا من يتوهم فيه ادنى توهم وروعى فيه أنه لا أسماء للشركاء فضلاً عن المسمى على الكناية الإيمائية ثم بولغ فيه بأنه لا يستأهل السؤال عن حالها بظهور فسادها وسلك فيه مسلك الكناية التلويحية من نفي العلم بنفي المعلوم ثم منه بعدم الاستئهال ، والهمزة المضمنة فيها تدل على التوبيخ وتقرير أنهم يريدون أن ينبئوا عالم السر والخفيات بما لا يعلمه وهذا محال على محال ، وفي جعله اتخاذهم شركاء ومجادلتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتة سرية بل نكت سرية ثم أضرب عن ذلك .
وقيل : قد بين الشمس لذي عينين وما تلك التسمية إلا بظاهر من القول من غير أن يكون تحته طائل وما هو إلا مجرد صوت فارغ حق لمن تأمل فيه حق التأمل أن يعترف بأنه كلام مصون عن التعمل ، صادر عن خالق القوى والقدر ، تتضاءل عن بلوغ طرف من أسراره افهام البشر .
وقد ذيل الزمخشري كلامه بقوله فتبارك الله أحسن الخالقين ، وهي كما في الانتصاف كلمة حق أريد بها باطل يدندن بها من هو عن حلية الانصاف عاطل هذا { بَلْ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } اضراب عن الاحتجاج عليهم ، ووضع الموصول موضع المضمر ذماً لهم وتسجيلاً عليهم بالكفر كأنه قيل : دع هذا فانه لا فائدة فيه لأنهم زين لهم { مَكْرِهِمْ } كيدهم للاستلام بشركهم أو تمويههم الأباطيل فتكلفوا إيقاعها في الخيال من غير حقيقة ثم بعد ذلك ظنوها شيئاً لتماديهم في الضلال ، وعلى هذا المراد مكرهم بأنفسهم وعلى الأول مكرهم بغيرهم ، وإضافة مكر إلى ضميرهم من إضافة المصدر إلى الفاعل ، وجوز على الثاني أن يكون مضافاً إلى المفعول وفيه بعد .
وقرأ مجاهد { بَلْ زُيّنَ } على البناء للفاعل و { مَكْرِهِمْ } بالنصب { وَصُدُّواْ عَنِ السبيل } أي سبيل الحق فتعريفه للعهد أو ما عداه كأنه غير سبيل ، وفاعل الصد اما مكرهم ونحو أو الله تعالى بختمه على قلوبهم أو الشيطان باغوائه لهم ، والاحتمالان الأخيران جاريان في فاعل التزيين ، وقرأ ابن كثير . ونافع . وأبو عمرو . وابن عامر { وَصُدُّواْ } على البناء للفاعل وهو كالأول من صده صداً فالمفعول محذوف أي صدوا الناس عن الإيمان ، ويجوز أن يكون من صد صدواً فلا مفعول . وقرأ ابن وثاب { وَصُدُّواْ } بكسر الصاد ، وقال بعضهم : إنه قرأ كذلك في المؤمن والكسر هنا لابن يعمر ، والفعل على ذلك مجهول نقلت فيه حركة العين إلى الفاء إجراء له مجرى الأجوف . وقرأ ابن أبي اسحق { وَصُدَّ } بالتنوين عطفاً على مكرهم { وَمَن يُضْلِلِ الله } أي يخلق فيه الضلال لسوء استعداده { فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } يوفقه للهدى ويوصله إلى ما فيه نجاته .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } [ الرعد : 33 ] أي بحسب كسبها ومقتضاه أي كما تقتضي مكسوباتها من الصفات والأحوال التي تعرض لاستعدادها يفيض عليها من الجزاء
{ 33 - 34 } { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ }
يقول تعالى : { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } بالجزاء العاجل والآجل ، بالعدل والقسط ، وهو الله تبارك وتعالى كمن ليس كذلك ؟
ولهذا قال : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ } وهو الله الأحد الفرد الصمد ، الذي لا شريك له ولا ند ولا نظير ، { قُلْ } لهم إن كانوا صادقين : { سَمُّوهُمْ } لتعلم حالهم { أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ } فإنه إذا كان عالم الغيب والشهادة وهو لا يعلم له شريكا ، علم بذلك بطلان دعوى الشريك له ، وأنكم بمنزلة الذي يُعَلِّمُ الله أن له شريكا وهو لا يعلمه ، وهذا أبطل ما يكون ؛ ولهذا قال : { أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ } أي : غاية ما يمكن من دعوى الشريك له تعالى أنه بظاهر أقوالكم .
وأما في الحقيقة ، فلا إله إلا الله ، وليس أحد من الخلق يستحق شيئا من العبادة ، ولكن { زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ } الذي مكروه وهو كفرهم وشركهم ، وتكذيبهم لآيات الله { وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ } أي : عن الطريق المستقيمة الموصلة إلى الله وإلى دار كرامته ، { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } لأنه ليس لأحد من الأمر شيء .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت} من خير وشر، يقول: الله قائم على كل بر وفاجر، على الله رزقهم وطعامهم، {وجعلوا لله شركاء}، يعني وصنعوا لله شبها، وهو أحق أن يعبد من غيره، {قل} لهم يا محمد: {سموهم}، يقول: ما أسماء هؤلاء الشركاء، وأين مستقرهم، يعني الملائكة؛ لأنهم عبدوهم، ويقال: الأوثان، ولو سموهم لكذبوا. ثم قال: {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض} بأن معه شريكا، {أم بظاهر من القول}، يقول: بل بأمر باطل كذب... ثم قال: {بل}، يعني: لكن، {زين للذين كفروا} من أهل مكة {مكرهم}، يعني: قول الشرك، {وصدوا عن السبيل}، يعني: وصدوا الناس عن السبيل، يعني دين الله الإسلام، {ومن يضلل الله}، يقول: ومن يضله الله، {فما له من هاد} إلى دينه...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: أفالربّ الذي هو دائم لا يبيد ولا يهلك قائم بحفظ أرزاق جميع الخلق، متضمن لها، عالم بهم وبما يكسبونه من الأعمال، رقيت عليهم، لا يعزُب عنه شيء أينما كانوا، كمن هو هالك بائد لا يسمع ولا يبصر ولا يفهم شيئا، ولا يَدْفع عن نفسه ولا عمن يعبده ضرّا، ولا يجلب إليهم نفعا؟ كلاهما سواء. وحُذِف الجواب في ذلك فلم يَقُل، وقد قيل:"أفَمَنْ هُوَ قائمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ" ككذا وكذا، اكتفاء بعلم السامع بما ذُكِر عما تُرِك ذكره. وذلك أنه لمّا قال جلّ ثناؤه: "وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاءَ "عُلم أن معنى الكلام كشركائهم التي اتخذوها آلهة... وقوله: "وَجَعَلَوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمّوهُمْ أمْ تُنَبّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأرْضِ أمْ بظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ" يقول تعالى ذكره: أنا القائم بأرزاق هؤلاء المشركين، والمدبر أمورهم، والحافظ عليهم أعمالهم، وجعلوا لي شركاء من خلقي يعبدونها دوني، قل لهم يا محمد: سَمّوا هؤلاء الذين أشركتموهم في عبادة الله، فإنهم إن قالوا آلهة فقد كذبوا، لأنه لا إله إلا الواحد القهّار لا شريك له. "أمْ تُنَبّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأرْضِ" يقول: أتخبرونه بأن في الأرض إلها، ولا إله غيره في الأرض ولا في السماء...
"أمْ تُنَبّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ" مسموع، وهو في الحقيقة باطل لا صحة له.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. غير أنهم قالوا: أم بظاهر، معناه: أم بباطل، فأتوا بالمعنى تدلّ عليه الكلمة دون البيان عن حقيقة تأويلها... وقوله: "بَلْ زُيّنَ للّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ" يقول تعالى ذكره: ما لله من شريك في السموات ولا في الأرض، ولكن زُين للمشركين الذي يدعون من دونه إلها مكرُهم، وذلك افتراؤهم وكذبهم على الله...
وأما قوله: "وَصَدّوا عَنِ السّبِيلِ" فإن القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأته عامّة قرّاء الكوفيين: "وَصُدّوا عَنِ السّبِيلِ" (بضمّ الصاد)، بمعنى: وصدّهم الله عن سبيله لكفرهم به، ثم جعلت الصاد مضمومة، إذ لم يسمّ فاعله. وأما عامّة قرّاء الحجاز والبصرة، فقرأوه بفتح الصاد، على معنى أن المشركين هم الذين صَدّوا الناس عن سبيل الله.
والصواب من القول في ذلك عندي أن يُقال: إنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكلّ واحدة منهما أئمة من القرّاء، متقاربتا المعنى وذلك أن المشركين بالله كانوا مصدودين عن الإيمان به، وهم مع ذلك كانوا يَصُدّون غيرهم، كما وصفهم الله به بقوله: "إنّ الّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ لِيَصُدّوا عَنْ سَبِيلِ اللّهِ".
وقوله: "وَمَنْ يُضْلِل اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هادٍ" يقول تعالى ذكره: ومن أضله الله عن إصابة الحقّ والهدى بخذلانه إياه، فما له أحد يَهْديه لإصابتهما لأن ذلك لا يُنال إلاّ بتوفيق الله ومعونته، وذلك بيد الله وإليه دون كلّ أحد سواه.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
(أفمن هو قائم) أي حافظ وعالم (على كل نفس بما كسبت) بالرزق لهم والدفع عنهم كمن هو أعمى عن ذلك من ذلك؟ ليسا بسواء...
(أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) يحتمل (قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) في ما قدر لها، وقواها، أو في الجزاء؛ يجزي على ما تكسب (وجعلوا لله شركاء) في العبادة وفي تسميتهم آلهة... يبين سفههم في جعلهم هذه الأصنام والأوثان شركاء الله في العبادة وتسميتهم آلهة مع علمهم أنهم لا يقدرون، ولا يملكون شيئا من ذلك...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
... "قل سموهم "أي سموهم بما يستحقون من الأسماء التي هي صفات، ثم انظروا هل تدل صفاتهم على أنه يجوز أن يعبدوا أم لا؟...
"ومن يضلل الله فماله من هاد" قيل في معناه قولان: أحدهما -من حكم الله عليه بأنه ضال على وجه الذم، فإنه لا ينفعه هداية أحد. والآخر- أن من يضله الله عن طريق الجنة إلى النار، فلا هاد يهديه إليها...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
{وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِئُّونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ في الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القَوْلِ}. قُل لهم أروني أي تأثير منهم، وأي نفع لكم فيهم، وأي ضرر لكم منهم... {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضِلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}. أي قد تبين لكم أن ذلك من كيد الشيطان، وزين للذين كفروا مكرهم، وصاروا مصدودين عن الحق، مسدودة عليهم الطُّرُقُ، فإنَّ مَنْ أَضَلَّه حُكْمُه -سبحانه- لا يهديه أحدٌ قطعاً...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ} احتجاج عليهم في إشراكهم بالله، يعني أفا الله الذي هو قائم رقيب {على كُلّ نَفْسٍ} صالحة أو طالحة {بِمَا كَسَبَتْ} يعلم خيره وشره، ويعدّ لكل جزاءه، كمن ليس كذلك. ويجوز أن يقدّر ما يقع خبراً للمبتدأ ويعطف عليه "وجعلوا"، وتمثيله: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه {وَجَعَلُواْ} له وهو الله الذي يستحق العبادة وحده {شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ} أي جعلتم له شركاء فسموهم له من هم ونبئوه بأسمائهم، ثم قال: {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ}... ومعناه: بل أتنبئونه بشركاء لا يعلمهم في الأرض وهو العالم بما في السموات والأرض، فإذا لم يعلمهم علم أنهم ليسوا بشيء يتعلق به العلم، والمراد نفي أن يكون له شركاء. ونحو: {قُلْ أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السموات وَلاَ فِي الأرض} [يونس: 18]، {أَم بظاهر مّنَ القول} بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن يكون لذلك حقيقة، {ذلك قَوْلُهُم بأفواههم} [التوبة: 30]، {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا} [يوسف: 40] وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها مناد على نفسه بلسان طلق ذلق: أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
... «الأنفس» من مخلوقاته وهو قائم على الكل أي محيط به لتقرب الموعظة من حس السامع. ثم خص من أحوال الأنفس حال كسبها ليتفكر الإنسان عند نظر الآية في أعماله وكسبه...
المعنى: أنه تعالى قادر على كل الممكنات عالم بجميع المعلومات من الجزئيات والكليات وإذا كان كذلك كان عالما بجميع أحوال النفوس، وقادرا على تحصيل مطالبها من تحصيل المنافع ودفع المضار ومن إيصال الثواب إليها على كل الطاعات، وإيصال العقاب إليها على كل المعاصي. وهذا هو المراد من قوله: {قائم على كل نفس بما كسبت} وما ذاك إلا الحق سبحانه ونظيره قوله تعالى: {قائما بالقسط}...
واعلم أنه تعالى لما قرر هذه الحجة زاد في الحجاج فقال: {قل سموهم} وإنما يقال ذلك في الأمر المستحقر الذي بلغ في الحقارة إلى أن لا يذكر ولا يوضع له اسم، فعند ذلك يقال: سمه إن شئت. يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له اسما فافعل، فكأنه تعالى قال: سموهم بالآلهة على سبيل التهديد، والمعنى: سواء سميتموهم بهذا الاسم أو لم تسموهم به، فإنها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها، ثم زاد في الحجاج فقال: {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض} والمراد: أتقدرون على أن تخبروه وتعلموه بأمر تعلمونه وهو لا يعلمه، وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها، وإن لم يكن شريك البتة، لأنهم ادعوا أن له شركاء في الأرض لا في غيرها {أم بظاهر من القول} يعني تموهون بإظهار قول لا حقيقة له، وهو كقوله تعالى: {ذلك قولهم بأفواههم} ثم إنه تعالى بين بعد هذا الحجاج سوء طريقتهم فقال على وجه التحقير لما هم عليه: {بل زين للذين كفروا مكرهم}...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما تقرر -بما مضى من قدرته تعالى على الثواب والعقاب وخفضه الأرضين ورفعه السماوات ونصبه الدلالات بباهر الآيات البينات- أن ليس لأحد غيره أمر ما، وتحرر أن كل أحد في قبضته، تسبب عن ذلك أن يقال: {أفمن هو قائم} ولما كان القيام دالاً على الاستعلاء أوضحه بقوله: {على كل نفس} أي صالحة وغيرها {بما كسبت} -يفعل بها ما يشاء من الإملاء والأخذ وغيرهما- كمن ليس كذلك، مثل شركائهم التي ليس لها قيام على شيء أصلاً...
{أم بظاهر من القول} أي بحجة إقناعية تقال بالفم، وكل ما لا يعلمه فليس بشيء... ولما كان التقدير: ليس لهم على شيء من ذلك برهان قاطع ولا قول ظاهر، بنى عليه قوله: {بل زين} أي وقع التزيين بأمر من لا يرد أمره على يد من كان {للذين كفروا} أي لهم، وعبر بذلك تنبيهاً على الوصف الذي دلاهم إلى اعتقاد الباطل، وهو ستر ما أدى إليه برهان العقل المؤيد بدليل النقل {مكرهم} أي أمرهم الذي أرادوا به ما يراد بالمكر من إظهار شيء وإبطان غيره، وذلك أنهم أظهروا أن شركاءهم آلهة حقاً، وهم يعلمون بطلان ذلك، وليس بهم في الباطن إلا تقليد الآباء، وأظهروا أنهم يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى ولتشفع لهم، وهم لا يعتقدون بعثا ولا نشورا، فصار كل ذلك من فعلهم فعل الماكر، أو أنهم غيروا في وجه الحق بما ختلوا به الضعفاء وتمادى بهم الحال حتى اعتقدوه حقاً...
ولما ذكر تزيين مكرهم، أتبعه الدلالة عليه فقال: {وصدوا} أي فلزموا ما زين لهم، أو فمكروا به حتى ضلوا في أنفسهم وصدوا غيرهم {عن السبيل} الذي لا يقال لغيره سبيل وهو المستقيم، فإن غيره جور وتيه وحيرة فهو عدم، بل العدم أحسن منه، فلم يسلكوا السبيل ولا تركوا غيرهم يسلكه، فضلوا وأضلوا، وليس ذلك بعجب فإن الله أضلهم {ومن يضلل الله} أي الذي له الأمر كله بإرادة ضلالة {فما له من هاد}...
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
{أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ} أي رقيبٌ مهيمنٌ {على كُلّ نَفْسٍ} كائنة من كانت {بِمَا كَسَبَتْ} من خير أو شر لا يخفى عليه شيء من ذلك بل يجازي كلاًّ بعمله وهو الله تعالى والخبرُ محذوفٌ أي كمن ليس كذلك إنكاراً لذلك، وإدخالُ الفاء لتوجيه الإنكارِ إلى توهم المماثلة غبَّ ما عُلم مما فعل تعالى بالمستهزئين من الإملاء المديدِ والأخذ الشديد ومن كون الأمرِ كله لله تعالى وكونِ هداية الناس جميعاً منوطةً بمشيئته تعالى ومن تواتر القوارعِ على الكفرة إلى أن يأتيَ وعدُ الله...
وقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء} جملةٌ مستقلة جيء بها للدلالة على الخبر أو حالية، أي أفمن هذه صفاتُه كما ليس كذلك وقد جعلوا له شركاءَ لا شريكاً واحداً، أو معطوفةٌ على الخبر إن قدّر ما يصلح لذلك أي أفمن هذا شأنُه لم يوحّدوه وجعلوا له شركاءَ؟ ووضعُ المظهرِ موضعَ المضمر للتنصيص على وحدانيته ذاتاً واسماً وللتنبيه على اختصاصه باستحقاق العبادةِ مع ما فيه من البيان بعد الإبهام بإيراده موصولاً للدلالة على التفخيم،... {بَلْ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} وضع الموصولُ موضع المضمر ذماً لهم وتسجيلاً عليهم بالكفر {مَكْرِهِمْ} تمويهُهم الأباطيلَ أو كيدهم للإسلام بشركهم... {وَمَن يُضْلِلِ الله} أي يخلق فيه الظلالَ بسوء اختياره أو يخذلْه {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} يوفقه للهدى...
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :
في العدول عن صريح الاسم في {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ} تفخيم فخيم بواسطة الإبهام المضمر في إيراده موصولا مع تحقيق أن القيام كائن وهم محققون، وفي وضع الاسم الجليل موضع الراجع إلى {مِنْ} تنصيص على وحدانيته تعالى ذاتاً واسماً وتنبيه على اختصاصه باستحقاق العبادة مع ما فيه من البيان بعد الإبهام... {قُلْ سَمُّوهُمْ} تبكيت إثر تبكيت أي سموهم من هم وماذا أسماؤهم؟... المعنى أنهم ليسوا ممن يذكر ويسمى إنما يذكر ويسمى من ينفع ويضر...
محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :
{بل زين للذين كفروا مكرهم} إضراب عن الاحتجاج عليهم كأنه قيل: دع ذكر ما كنا فيه من الدلائل على فساد قولهم. لأنه زين لهم كفرهم ومكرهم، فلا ينتفعون بهذه الدلائل...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت).. فلتتصور كل نفس أن عليها حارسا قائما عليها مشرفا مراقبا يحاسبها بما كسبت. ومن؟ إنه الله! فأية نفس لا ترتعد لهذه الصورة وهي في ذاتها حق، إنما يجسمها التعبير للإدراك البشري الذي يتأثر بالحسيات أكثر مما يتأثر بالتجريديات. أفذلك كذلك؟ ثم يجعلون لله شركاء؟! هنا يبدو تصرفهم مستنكرا مستغربا في ظل هذا المشهد الشاخص المرهوب. (وجعلوا لله شركاء).. الله القائم على كل نفس بما كسبت، لا تفلت منه ولا تروغ...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
الفاء تفريع على جملة {قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت} [الرعد: 30] المجابِ به حكاية كفرهم المضمن في جملة {وهم يكفرون بالرحمن} [الرعد: 30]، فالتفريع في المعنى على مجموع الأمرين: كفرهم بالله، وإيمان النبي بالله. ويجوز أن تكون تفريعاً على جملة {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال} [الرعد: 31]، فيكون ترقياً في إنكار سؤالهم إتيان معجزة غير القرآن، أي إن تعجب من إنكارهم آيات القرآن فإن أعجب منه جعلهم القائم على كل نفس بما كسبت مماثلاً لمن جعلوهم لله شركاء... والعدول عن اسم الجلالة إلى الموصول في قوله: {أفمن هو قائم} لأن في الصلة دليلاً على انتفاء المساواة، وتخطئة لأهل الشرك في تشريك آلهتهم لله تعالى في الإلهية، ونداء على غباوتهم إذ هم معترفون بأن الله هو الخالق. والمقدر باعتقادهم ذلك هو أصل إقامة الدليل عليهم بإقرارهم ولما في هذه الصلة من التعريض لما سيأتي قريباً. والقائم على الشيء: الرقيب، فيشمل الحفظ والإبقاء والإمداد، ولتضمنه معنى الرقيب عدي بحرف {على} المفيد للاستعلاء المجازي. وأصله من القيام وهو الملازمة كقوله: {إلا ما دمت عليه قائماً} [سورة آل عمران: 75]. ويجيء من معنى القائم أنه العليم بحال كل شيء لأن تمام القيومية يتوقف على إحاطة العلم. فمعنى {قائم على كل نفس} مُتولّيها ومدبّرها في جميع شؤونها في الخلق والأجل والرزق، والعالم بأحوالها وأعمالها، فكان إطلاق وصف {قائم} هنا من إطلاق المشترك على معنييه. والمشركون لا ينازعون في انفراد الله بهذا القيام ولكنهم لا يراعون ذلك في عبادتهم غيره، فمن أجل ذلك لزمتهم الحجة ولمراعاة هذا المعنى تعلق قائم بقوله: {على كل نفس} ليعم القيام سائر شؤونها...
وإظهار اسم الجلالة إظهار في مقام الإتيان بضمير {من هو قائم}. وفائدة هذا الإظهار التعبير عن المسمى باسمه العَلَم الذي هو الأصل إذ كان قد وقع الإيفاء بحق العدول عنه إلى الموصول في الجملة السابقة فتهيأ المقام للاسم العَلَم، وليكون تصريحاً بأنه المراد من الموصول السابق زيادة في التصريح بالحجة. وجملة {قل سموهم} استئناف أعيد معها الأمر بالقول لاسترعاء الأفهام لوَعي ما سيذكر. وهذه كلمة جامعة، أعني جملة {سموهم}، وقد تضمنت رداً عليهم. فالمعنى: سموهم شركاء فليس لهم حظ إلا التسمية، أي دون مسمى الشريك، فالأمر مستعمل في معنى الإباحة كناية عن قلة المبالاة بادعائهم أنهم شركاء... ثم أضرب عن ذلك بجملة {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض} وهي {أم} المنقطعة. ودَلت {أم} على أن ما بعدها في معنى الاستفهام، وهو إنكاري توبيخي، أي ما كان لكم أن تفتروا على الله فتضعوا له شركاء لم ينبئكم لوجودهم، فقوله: {بما لا يعلم في الأرض} كناية عن غير الموجود لأن ما لا يعلمه الله لا وجود له إذ لو كان موجوداً لم يَخْفَ على علم العلام بكل شيء. وتقييد ذلك ب {الأرض} لزيادة تجهيلهم لأنه لو كان يخفى عن علمه شيء لخفي عنه ما لا يرى ولما خفيت عنه موجودات عظيمة بزعمكم...
وأم} الثانية متصلة هي معادلة همزة الاستفهام المقدرة في {أم تنبئونه}. وإعادة الباء للتأكيد بعد {أم} العاطفة. والتقدير: بل أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض بل أتنبئونه بظاهر من القول. وليس الظاهر هنا مشتقاً من الظهور بمعنى الوضوح بل هو مشتق من الظُور بمعنى الزوال كناية عن البطلان، أي بمجرد قبول لا ثبات له وليس بحق... وقوله: {بل زين للذين كفروا مكرهم} إضراب عن الاحتجاج عليهم بإبطال إلهية أصنامهم إلى كشف السبب، وهو أن أيمة المشركين زيّنوا للذين كفروا مكرهم بهم إذ وضعوا لهم عبادتَها. والمكر: إخفاء وسائل الضر... وقد تضمن هذا الاحتجاح أساليب وخصوصيات:
أحدها: توبيخهم على قياسهم أصنامهم على الله في إثبات الإلهية لها قياساً فاسداً لانتفاء الجهة الجامعة فكيف يسوي من هو قائم على كل نفس بمن ليسوا في شيء من ذلك.
ثانيها: تبهيلهم في جعلهم أسماءَ لا مسمياتٍ لها آلهةً.
ثالثها: إبطال كون أصنامهم آلهة بأن الله لا يعلمها آلهة، وهو كناية عن انتفاء إلهيتها.
رابعها: أن ادعاءهم آلِهة مجرد كلام لا انطباق له مع الواقع، وهو قوله: {أم بظاهر من القول}.
خامسها: أن ذلك تمويه باطل روجه فيهم دعاة الكفر، وهو معنى تسميته مكراً في قوله: {بل زين للذين كفروا مكرهم}.
سادسها: أنهم يصدون الناس عن سبيل الهدى...
{قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهرٍ من القول} (سورة الرعد).
وهنا يأمر الحق سبحانه رسوله أن يقول للكافرين بالله: قولوا أسماء من تعبدونهم من غير الله؛ وهي أحجار، والأحجار لا أسماء لها؛ وهم قد سموا الأصنام بأسماء كاللاّت والعزي وهبل؛ وهي أسماء لم تضف لتلك الأصنام شيئاً، فهي لا تقدر على شيء؛ ولو سموها لنسبت لعمرو بن لحي، الذي أوجدهم؛ وهم سموها.
والإله الحق لا يسميه أحد، بل يسمي هو نفسه، ولكن بما أن المسألة كذب في كذب، لذلك يسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أسماء تلك الآلهة. ويقول لهم: هل تنبئون أنتم الله خالق كل الكون بما لا يعلم في كونه الذي أوجده من عدم؟.
سبحانه يعلم كل ما خلق؛ وأنتم لا تعبدون إلا أصناماً ينطبق عليها أنها من ظاهر القول؛ أي: قول لا معنى له؛ لأنهم أطلقوا أسماء على أشياء لا باطن لها ولا قدرة تستطيعها، وهم اكتفوا بالظاهر والمسمى غير موجود...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ} هذا التعبير كناية عن عدم وجود ما لا يعلمه الله محيط بكل شيء، فلو كان له وجود لعلمه، {أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ} مما لا يثبت أمام النقد، ولا يرتكز على حقيقة، كما في الكثير من الأقوال التي لا تعبّر عن أيّة مسؤولية عن قضايا العقيدة والحياة. إنه التساؤل الذي يواجه هؤلاء، حول ما اعتقدوه، وما عبدوه، ولا يملكون له جواباً، {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ} وما دبّروه للرسول وللرسالة من مكائد وأضاليل، وما أثاروه حولهما من شكوكٍ وشبهات، {وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ} القويم الذي أراد الله للناس أن يسيروا عليه، وذلك من خلال ما سوَّل لهم الشيطان وأولياؤه من أوهام، وزينه لهم من مواقف، وحرّكهم نحوه من مشاريع وأعمال. وهكذا تركهم الله لضلالهم، وأوكلهم إلى أنفسهم، بعدما بيّن لهم الحق وأضاء لهم السبيل، فتركوه وراء ظهورهم، وانطلقوا إلى عالم الظلمات، يتخبّطون فيها... {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} لأن للهداية وسائلها التي دل الله الإنسان عليها، فمن أخذ بها عن إرادة واختيار فقد أخذ بأسباب الهدى، ومن تركها عن تمرّدٍ وعناد فقد وقع في هاوية الضلال، ويتركه الله لنفسه، فيضلّ عن الهدى، ولا يجد من دون الله هادياً ولا نصيراً...