{ أَفَحَسِبَ الذين كَفَرُواْ } أي كفروا بي كما يعرب عنه قوله تعالى : { عِبَادِي } والحسبان بمعنى الظن ، وقد قرأ عبد الله { أفظن } والهمزة للإنكار والتوبيخ على معنى إنكار الواقع واستقباحه . والفاء للعطف على مقدر يفصح عنه الصلة على توجيه الإنكار والتوبيخ وإلى المعطوفين جميعاً على ما اختاره شيخ الإسلام . والمعنى أكفروا بي مع جلالة شأني فحسبوا { كَفَرُواْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي } من الملائكة وعيسى ونحوهم عليهم السلام من المقربين كما تشعر به الإضافة إن الأكثر أن تكون في مثل هذا اللفظ لتشريف المضاف . واقتصر قتادة في المراد من ذلك على الملائكة ؛ والظاهر إرادة ما يعمهم وغيرهم ممن ذكرنا واختاره أبو حيان وغيره ، وروي عن ابن عباس أن المراد منه الشياطين وفيه بعد ولعل الرواية لا تصح . وعن مقاتل أن المراد الأصنام وهو كما ترى ، وجوز بعض المحققين أن يراد ما يعم المذكورين والأصنام وسائر المعبودات الباطلة من الكواكب وغيرها تغليباً . ولعل المقام يقتضي أن لا تكون الإضافة فيه للتشريف أي أفظنوا أن يتخذوا عبادي الذي هم تحت ملكي وسلطاني { مِن دُونِى } أي مجاوزين لي { أَوْلِيَاء } أي معبودين أو أنصاراً لهم من بأسي . وما في حيز صلة أن قيل ساد مسد مفعولي حسب أي أفحسبوا أنهم يتخذونهم أولياء . وكان مصب الإنكار أنهم يتخذونهم كذلك إلا أنه أقحم الحسبان للمبالغة ، وقيل : المراد ما ذكر على معنى أن ذلك ليس من الاتخاذ في شيء لما أنه إنما يكون من الجانبين والمتخذون بمعزل عن ولايتهم لقولهم سبحانك أنت ولينا من دونهم ، وقيل : أن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول أول لحسب والمفعول الثاني محذوف أي أفحسبوا اتخاذهم نافعهم أو سبباً لرفع العذاب عنهم أو نحو ذلك . وهو مبني على تجويز حذف أحد المفعولين في باب علم وهو مذهب بعض النحاة ، وتعقب بأن فيه تسليماً لنفس الاتخاذ واعتداداً به في الجملة والأولى ما خلا عن ذلك .
هذا وفي «الكشف » أن التحقيق أن قوله تعالى : { فحسب } معطوف على { كانت وكانوا } [ الكهف : 101 ] دلالة على أن الحسبان ناشئ عن التعامي والتصام وأدخل عليه همزة الإنكار ذماً على ذم وقطعاً له عن المعطوف عليهما لفظاً لا معنى للإيذان بالاستقلال المؤكد للذم كأنه قيل لا يزيلون ما بهم من مرضى الغشاوة والصمم ويزيدون عليهما الحسبان المترتب عليهما . وقوله تعالى : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ } من وضع الظاهر مقام المضمر زيادة للذم انتهى . وفي إرشاد العقل السليم بعد نقل ما ذكر إلى قوله كأنه قيل الخ أنه يأبى ذلك ترك الإضمار والتعرض لوصف آخر غير التعامي والتصام على أنهما أخرجا مخرج الأحوال الجبلية لهم ولم يذكرا من حيث أنهما من أفعالهم الاختيارية الحادثة كحسبانهم ليحسن تفريعه عليهما .
وأيضاً فإنه دين قديم لهم لا يمكن جعله ناشئاً عن تصامهم عن كلام الله عز وجل . وتخصيص الإنكار بحسبانهم المتأخر عن ذلك تعسف لا يخفي انتهى ، ولا يخلو عن بحث فتأمل .
وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . وزيد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم . والشافعي عليه الرحمة . ويحيى بن يعمر . ومجاهد . وعكرمة . وقتادة . ونعيم بن ميسرة . والضحاك . وابن أبي ليلى . وابن محيصن . وأبو حيوة . ومسعود بن صالح . وابن كثير . ويعقوب بخلاف عنهما { أَفَحَسِبَ } بإسكان السين وضم الباء مضافاً إلى الذين وخرج ذلك على أن حسب مبتدأ وهو بمعنى محسب أي كافي { وَأَنْ * يَتَّخِذُواْ } خبره أي أفكافيهم اتخاذهم عبادي من دوني أولياء . وفيه دلالة على غاية الذم لأنه جعل ذلك مجموع عدتهم يوم الحساب وما يكتفون به عن سائر العقائد والفضائل التي لا بد منها للفائز في ذلك اليوم . وجعل الزمخشري المصدر المتحصل من أن والفعل فاعلاً لحسب لأنه اعتمد على الهمزة واسم الفاعل إذا اعتمد ساوى الفعل في العمل ، واعترض عليه أبو حيان بأن حسب مؤول باسم الفاعل وما ذكر مخصوص بالوصف الصريح . ثم أشار إلى جوابه بأن سيبويه أجاز في مررت برجل خير منه أبوه وبرجل سواء عليه الخير والشر وبرجل أب له صاحبه وبرجل إنما رجل هو وبرجل حسبك من رجل الرفع بالصفات المؤولة ، وذكر أنهم أجازوا في مررت برجل أبي عشرة أبوه ارتفاع أبوه بأبي عشرة لأنه في معنى والد عشرة وحينئذٍ فلا كلام فيما ذكر الزمخشري { إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ } أي هيأناها وهو ظاهر في أنها مخلوقة اليوم { للكافرين } المعهودين عدل عن الإضمار ذماً لهم وإشعاراً بأن ذلك الاعتداد بسبب كفرهم المتضمن لحسبانهم الباطل { نُزُلاً } أي شيئاً يتمتعون به عند ورودهم وهو ما يقام به للنزيل أي الضيف مما حضر من الطعام واختار هذا جماعة من المفسرين . وفي ذلك على ما قيل تخطئة لهم في حسبانهم وتهكم به حيث كان اتخاذهم إياهم أولياء من قبيل اعتاد العتاد وإعداد الزاد ليوم المعاد فكأنه قيل أنا أعتدنا لهم مكان ما أعدوا لأنفسهم من العدة والذخر جهنم عدة ، وفي إيراد النزل إيماءً إلى أن لهم وراء جهنم من العذاب ما هي أنموذج له ، ولا يأبى ذلك قوله تعالى : { جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ } [ الكهف : 106 ] لأن المراد هناك أنها جزاؤهم بما فيها فافهم ، وقال الزجاج : النزل موضع النزول ، وروي ذلك عن ابن عباس ، وقيل : هو جمع نازل ونصبه على الحال .
وقرأ أبو حيوة . وأبو عمرو بخلاف عنه { نُزُلاً } بسكون الزاي .
{ 102 ْ } { أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا ْ }
وهذا برهان وبيان ، لبطلان دعوى المشركين الكافرين ، الذين اتخذوا بعض الأنبياء والأولياء ، شركاء لله يعبدونهم ، ويزعمون أنهم يكونون لهم أولياء ، ينجونهم من عذاب الله ، وينيلونهم ثوابه ، وهم قد كفروا بالله وبرسله .
يقول الله لهم على وجه الاستفهام والإنكار المتقرر بطلانه في العقول : { أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ ْ } أي : لا يكون ذلك ولا يوالي ولي الله معاديا لله أبدا ، فإن الأولياء موافقون لله في محبته ورضاه ، وسخطه وبغضه ، فيكون على هذا المعنى مشابها لقوله تعالى { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ ْ }
فمن زعم أنه يتخذ ولي الله وليا له ، وهو معاد لله ، فهو كاذب ، ويحتمل -وهو الظاهر- أن المعنى : أفحسب الكفار بالله ، المنابذون لرسله ، أن يتخذوا من دون الله أولياء ينصرونهم ، وينفعونهم من دون الله ، ويدفعون عنهم الأذى ؟ هذا حسبان باطل ، وظن فاسد ، فإن جميع المخلوقين ، ليس بيدهم من النفع والضر ، شيء ، ويكون هذا ، كقوله تعالى : { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ْ } { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ ْ } ونحو ذلك من الآيات التي يذكر الله فيها ، أن المتخذ من دونه وليا ينصره ويواليه ، ضال خائب الرجاء ، غير نائل لبعض مقصوده .
{ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا ْ } أي ضيافة وقرى ، فبئس النزل نزلهم ، وبئست جهنم ، ضيافتهم .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{أفحسب الذين كفروا}، من أهل مكة،
{أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء}، يعني: بالآلهة بأن ذلك نافعهم، وأنها تشفع لهم، ثم أخبر بمنزلتهم في الآخرة، فقال سبحانه: {إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا}، يعني: منزلا.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول عزّ ذكره: أفظن الذين كفروا بالله من عبدة الملائكة والمسيح، أن يتخذوا عبادي الذين عبدوهم من دون الله أولياء، يقول كلا بل هم لهم أعداء... وقوله:"إنّا أعْتَدْنا جَهَنّمَ للْكافِرِينَ نُزُلاً" يقول: أعددنا لمن كفر بالله جهنم منزلاً.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء} يحتمل وجوها:..
والثاني: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي} المخلصين {دوني أولياء} ويتولوهم؛ أي لا يقدرون على أن يتخذوا أولياء من دوني، وقد كانوا يدعون المؤمنين إلى دينهم والتولي لهم، وهو ما قال: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} {إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} (النحل: 99 و100).
والثالث: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي} أن ما عبدوا، واتخذوا من دوني أولياء أني أمرتهم بذلك، وأذنت لهم حين قالوا: {والله أمرنا بها} (الأعراف: 28) ونحوه. كلا إنه ما أمرهم بذلك وما أذن لهم في ذلك...
{إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا} قال بعضهم: {نزلا} هو النزول، وهو كالنزل. وقال بعضهم: هو المنزل والأنزال، أي يأكلون فيها النار، فيكون مأكلهم ومشربهم من النار. قال القتبي: النزل ما يقدم للضيف ولأهل العسكر...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أي توهموا أنه ينفعهم ما فعلوه حسب ظنهم، واعتقدوا في أصنامهم استحقاقَ التعظيم، وكانوا يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيَقْرِبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3]، {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} [الكهف:104] وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وقال جمهور المفسرين يريد كل من عبد من دون الله كالملائكة وعزير وعيسى، فيدخل في {الذين كفروا} بعض العرب واليهود والنصارى،...
{أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ}... وهو استفهامٌ على سبيل التَّوْبِيخ...
"فَحَسِبَ "على لفظ الماضي... فيه... حذفٌ والمعنى: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا اتِّخاذَ عِبادي أولياءَ نافعاً...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
وإنما قال: {الَّذِينَ كَفَرُوا} دلالةً على الوصف الذي أَوْجَبَ لهم ذلك {أَنْ يَتَّخِذوا} أي ولو بَذلوا الجهد {عِبادي} من الأحياء كالملائكة وعزير والمسيح، والأموات كالأصنام. ولَمّا كان كلُّ شيءٍ دونَه سبحانَه، وكان لا يَستغرِق شيءٌ من الأشياء جميعَ ما دون رُتْبتِه من المراتب، أَثْبَتَ الجارَّ فقال: {مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ} أي مُبتدِئينَ اتِّخاذَهم مِن دونِ إِذْنِي... ولما كان معنى الاستفهام الإنكاري: ليس الأمر كذلك، بل أَصْلَدَ زَنْدُهم، وخابَ جَدُّهم، وغابَ سَعْدُهم، حَسُنَ جِدّاً قولُه مُؤكِّداً لأجْل إنكارِهم: {إِنّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ} التي تَقَدَّمَ أَنّا عَرَضْناها لهم {لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً} نُقَدِّمُها لهم أَوَّلَ قُدومِهم كما يُعَجَّلُ للضَّيْفِ، فلا يَقْدِرُ أحدٌ على مَنْعِها عنهم...
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
والمعنى أكفروا بي مع جلالة شأني فحسِبوا {أَن يَتَّخِذُواْ عبادي مِن دوني} من الملائكة وعيسى وعُزيرٍ عليهم السلام وهم تحت سلطاني وملكوتي {أَوْلِيَاء} معبودين ينصُرونهم من بأسي، وما قيل إنها للعطف على ما قبلها من قوله تعالى: {كَانَتْ} الخ {وَكَانُواْ} الخ دَلالةً على أن الحُسبانَ ناشئ من التعامي والتصامِّ وأُدخل عليها همزةُ الإنكار ذماً على ذم وقطعاً له عن المعطوف عليهما لفظاً لا معنى للإيذان بالاستقلال المؤكّدِ للذم يأباه تركُ الإضمار والتعرضُ لوصف آخرَ غيرِ التعامي والتصامِّ على أنهما أُخرجا مُخرَجَ الأحوال الجِبِلّية لهم، ولم يذكروا من حيث إنهما من أفعالهم الاختيارية الحادثة كحُسبانهم ليحسُن تفريعُه عليهما، وأيضاً فإنه دينٌ قديمٌ لا يمكن جعلُه ناشئاً عن تصامّهم عن كلام الله عز وجل، وتخصيصُ الإنكار بحُسبانهم المتأخرِ عن ذلك تعسّفٌ لا يخفى، وما في حيز صلةِ أن سادٌّ مسدَّ مفعولَيْ حسِب كما في قوله تعالى: {وَحَسِبُواْ أَن لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي أفحسبوا أنهم يتخذونهم أولياءَ على معنى أن ذلك ليس من الاتخاذ في شيء لِما أنه إنما يكون من الجانبين، وهم عليهم الصلاة والسلام منزَّهون عن وَلايتهم بالمرة لقولهم: {سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ} وقيل: مفعولُه الثاني محذوفٌ أي أفحسبوا اتخاذَهم نافعاً لهم.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ويا له من نزل مهيأ للاستقبال، لا يحتاج إلى جهد ولا انتظار. فهو حاضر ينتظر النزلاء الكفار!
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
أعقب وصف حرمانهم الانتفاع بدلائل المشاهدات على وحدانية الله وإعراضهم عن سماع الآيات بتفريع الإنكار لاتخاذهم أولياء من دون الله يزعمونها نافعة لهم تنصرهم تفريعَ الإنكار على صلة الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري، لأن حسبانهم ذلك نشأ عن كون أعينهم في غطاء وكونهم لا يستطيعون سمعاً، أي حسبوا حسباناً باطلاً فلم يغن عنهم ما حسبوه شيئاً، ولأجله كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعاً.
وتقدم حرف الاستفهام على فاء العطف لأن للاستفهام صدر الكلام وهو كثير في أمثاله. والخلاف شهير بين علماء العربية في أن الاستفهام مقدم من تأخير، أو أن العطف إنما هو على ما بعد الاستفهام بعد حذف المستفهم عنه لدلالة المعطوف عليه. فيقدر هنا: أأمِنوا عذابي فحسبوا أن يتخذوا إلخ... وأول القولين أولى. وقد تقدمت نظائره منها قوله تعالى: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم} في سورة البقرة (75).
والاستفهام إنكاري، والإنكار عليهم فيما يحسبونه يقتضي أن ما ظنوه باطل، ونظيره قوله {أحسب الناس أن يتركوا} [العنكبوت: 2].
و {أن يتخذوا} سادٌّ مسدّ مفعولي {حسب} لأنه يشتمل على ما يدل على المفعولين فهو ينحل إلى مفعولين. والتقدير: أحسبَ الذين كفروا عبادي متخِذين أولياء لهم من دوني.
والإنكار متسلط على معمول المفعول الثاني وهو {أولياء} المعمول ل {يتخذوا} بقرينة ما دل عليه فعل {حسب} من أن هنالك محسوباً باطلاً، وهو كونهم أولياء باعتبار ما تقتضيه حقيقة الولاية من الحماية والنصر.
و {عبادي} صادق على الملائكة والجنّ والشياطين ومن عبدوهم من الأخيار مثل عيسى عليه السلام، ويصدق على الأصنام بطريق التغليب.
و {من دوني} متعلّق ب {أولياء} إما بجعل {دوني} اسماً بمعنى حول، أي من حول عذابي، وتأويل {أولياء} بمعنى أنصاراً، أي حائلين دون عذابي ومانعيهم منه، وإما بجعل {دوني} بمعنى غيري، أي أحسبوا أنهم يستغنون بولايتهم.
وصيغ فعل الاتخاذ بصيغة المضارع للدلالة على تجدده منهم وأنهم غير مقلعين عنه...
وإظهار الذين كفروا دون أن يقال: أفحسبوا، بإعادة الضمير إلى الكافرين في الآية قبلها، لقصد استقلال الجملة بدلالتها، وزيادةً في إظهار التوبيخ لها.
وجملة {إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلاً} مقررة لإنكار انتفاعهم بأوليائهم فأكد بأن جهنم أُعدت لهم نزلاً فلا محيص لهم عنها ولذلك أكد بحرف (إنّ).
و {أعتدنا:} أعددنا، أبدل الدال الأولى تاء لقرب الحرفين، والإعداد: التهيئة، وقد تقدم آنفاً عند قوله تعالى: {إنا أعتدنا للظالمين ناراً} [الكهف: 29]}. وجَعل المسند إليه ضميرَ الجلالة لإدخال الروع في ضمائر المشركين.
والنُزُل بضمتين: ما يُعدّ للنزيل والضيف من القِرى. وإطلاق اسم النزل على العذاب استعارة علاقتها التهكم...
التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :
عبارة الآيات واضحة، وهي كما هو المتبادر تتمة أو استمرار للحملة التي بدئت من آخر الفصل السابق وجعلت قصة ذي القرنين وسيلة لها. وفيها تنديد وتسفيه وإنذار للكافرين المشركين وبيان لمصيرهم الأخروي واستطراد إلى بيان مصير المؤمنين الذين يعملون الصالحات مقابلة لمصير الكافرين جريا على الأسلوب القرآني. وفيها بنوع خاص تقرير لأثر الإيمان والكفر في أعمال الناس مما تكرر تقريره في المناسبات السابقة وفيه توضيح أكثر. فالكافر المشرك المكذب بالآخرة لا يصدر في أعماله الحسنة عن وازع إيماني ووجداني، وهي بالإضافة إلى حبوطها عند الله بسبب كفر صاحبها وشركه معرضة للتقلب والانقباض والتبدل عند أي طارئ وهاجس وسبب دنيوي، بعكس المؤمن بالله واليوم الآخر فإنه يضل ثابتا مستمرا عليها؛ لأنه يرجوا بها رضوان الله ووجهه والتقرب إليه وثوابه الأخروي. وفي هذا ما فيه من تدعيم للدعوة النبوية وتلقين مستمر المدى. ويلفت النظر إلى قوة الأسلوب الذي عبر به عن هذا المعنى في الآيات [103] وما بعدها. فهم يظنون أنهم يحسنون صنعا بما يعملون مع أنهم الأخسرون أعمالا؛ لأنهم كفروا بآيات ربهم ولقائه واتخذوا آياته ورسله هزوا. وقوة التدعيم للدعوى النبوية في هذا الأسلوب بالنسبة لظرف الدعوة أيضا ظاهرة...