{ قُلْ } بعد أن بينت شأن كلماته عز شأنه { إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } لا أدعي الإحاطة بكلماته جل وعلا { يوحى إِلَىَّ } من تلك الكلمات { أَنَّمَا إلهكم إله واحد } وإنما تميزت عنكم بذلك ، وأن المفتوحة وأن كفت بما في تأويل المصدر القائم مقام فاعل { يُوحِى } والاقتصار على ما ذكر لأنه ملاك الأمر ، والقصر في الموضعين بناء على القول بإفادة إنما بالكسر وإنما بالفتح الحصر من قصر الموصوف على الصفة قصر قلب والمقصور عليه في الأول { أَنَاْ } والمقصور البشرية مثل المخاطبين ، وهو على ما قيل مبني على تنزيلهم لاقتراحهم عليه عليه الصلاة والسلام ما لا يكون من بشر مثلهم منزلة من يعتقد خلافه أو على تنزيلهم منزلة من ذكر لزعمهم أن الرسالة التي يدعيها صلى الله عليه وسلم مبرهنة بالبراهين الساطعة تنافي ذلك ، وقيل إن المقصود بأن يقصر عليه الإيحاء إليه صلى الله عليه وسلم على معنى أنه صلى الله عليه وسلم مقصور على إيحاء ذلك إليه لا يتجاوزه إلى عدم الإيحاء كما يزعمون ، والمقصور الثاني { ألهاكم } أي معبودكم الحق والمقصور عليه الوحدانية المعبر عنها باله واحد أي لا يتجاوز معبودكم بالحق تلك الصفة التي هي الوحدانية أي الوحدة في الألوهية إلى صفة أخرى كالتعدد فيها الذي تعتقدونه أيها المشركون .
وعزم بعضهم أن القصر في الثاني من قصر الصفة على الموصوف قصر أفراد وان المقصور الألوهية مصدر الهكم والمقصور عليه هو الله تعالى المعبر عنه باله واحد ولا يخفي ما فيه من التكلف والعدول عما هو الأليق .
ومما يوضح ما ذكرنا أنه لو قيل إنما الهكم واحد لم يكن إلا من قصر الموصوف على الصفة فزيادة إله للتوطئة للوصف بواحد والإشارة إلى أن المراد الوحدة في الألوهية ر تغير ذلك . وأما جعله من قصر الصفة على الموصوف قصر أفراد على أن الله تعالى هو المقصور عليه والوحدانية هي المقصور فباطل قطعاً لأن قصر الصفة على الموصوف كذلك إنما يخاطب به من يعتقد اشتراك الصفة بين موصوفين كما تقرر في محله وهذا الاعتقاد لا يتصور هنا من عاقل لبداهة استحالة اشتراك موصوفين في الوحدانية أي الوحدة في الألوهية وما يوهم إرادة هذا القصر من كلام الزمخشري في نظير هذه الآية مؤول كما لا يخفي على المنصف ، وجوز أن يكون من قصر التعيين وليس بذاك فتأمل جميع ذلك والله تعالى يتولى هداك { فَمَن كَانَ * يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ } الرجاء طمع حصول ما فيه مسرة في المستقبل ويستعمل بمعنى الخوف وأنشدوا :
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها*** وحالفها في بيت نوب عوامل
ولقاء الرب سبحانه هنا قيل مثل للوصول إلى العاقبة من تلقى ملك الموت والبعث والحساب والجزاء مثلت تلك الحال بحال عبد قدم على سيده بعد عهده طويل وقد اطلع مولاه على ما كان يأتي ويذر فاما أن يلقاه ببشر وترحيب لما رضي من أفعاله أو بضد ذلك لما سخطه منها فالمعني على هذا ، وحمل الرجاء على المعنى الأول من كان يأمل تلك الحال وأن يلقى فيها الكرامة من ربه تعالى والبشرى { فَلْيَعْمَلِ } لتحصيل ذلك والفوز به { عَمَلاً صالحا } وقيل هو كناية عن البعث وما يتبعه والكلام على حذف مضاف أي من كان يؤمل حسن البعث فليعمل الخ ، وقيل لا حذف ، والمراد من توقع البعث فليعمل صالحاً أي أن ذلك العمل مطلوب ممن يتوقع البعث فكيف من يتحققه ، وقيل : اللقاء على حقيقته والكلام على حذف مضاف أيضاً أي من كان يؤمل لقاء ثواب ربه فليعمل الخ ، وقيل المراد منه رؤيته سبحانه أي من كان يؤمل رؤيته تعالى يوم القيامة وهو راض عنه فليعمل الخ ، وجوز أن يكون الرجاء بمعنى الخوف على معنى من خاف سوء لقاء ربه أو خاف لقاء جزائه تعالى فليعمل الخ ، وتفسير الرجال بالطمع أولى ، وكذا كون المرجو الكرامة والبشرى ، وعلى هذا فإدخال الماضي على المستقبل للدلالة على أن اللائق بحال العبد الاستمرار والاستدامة على رجاء الكرامة من ربه فكأنه قيل فمن استمر علم رجاء كرامته تعالى فليعمل عملاً صالحاً في نفسه لائقا بذلك المرجو كما فعله الذين آمنوا وعملوا الصالحات { وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا } إشراكاً جلياً كما فعله الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ولا إشراكاً خفياً كما يفعله أهل الرياء ومن يطلب بعمله دنيا ، واقتصر ابن جبير على تفسير الشرك بالرياء وروي نحوه عن الحسن ، وصح في الحديث تسميته بالشرك الأصغر ، ويؤيد إرادة ذلك تقديم الأمر بالعمل الصالح على هذا النهي فإن وجه حينئذ ظاهر إذ يكون الكلام في قوة قولك من كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً في نفسه ولا يراء بعمله أحداً فيفسده . وكذا ما روي من أن جندب بن زهير قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أعمل العمل لله تعالى فإذا اطلع عليه سرني فقال لي : إن الله تعالى لا يقبل ما شورك فيه فنزلت الآية تصديقاً له صلى الله عليه وسلم ، نعم لا يأبى ذلك أرادة العموم كما لا يخفي ، وقد تظافرت الأخبار أن كل عمل عمل لغرض دنيوي لا يقبل ، فقد أخرج أحمد . ومسلم . وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه تعالى أنه قال : «أنا خير الشركاء فمن عمل عملاً أشرك فيه غيره فانا بريء منه وهو للذي أشرك » .
وأخرج البزار . والبيهقي عن أنس قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله عز وجل يوم القيامة في صحف مختمة فيقول الله تعالى ألفوا هذا واقبلوا هذا فتقول الملائكة يا رب والله ما رأينا منه إلا خيراً فيقول سبحانه إن عمله كان لغير وجهي ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أريد به وجهي » وأخرج أحمد . والنسائي . وابن حبان . والطبراني . والحاكم وصححه عن يحيى بن الوليد بن بعادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من غزا وهو لا ينوي في غزاته إلا عقالا فله ما نوى » وأخرج أبو داود . والنسائي . والطبراني . بسند جيد عن أبي إمامة قال : «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ماله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا شيء له فاعادها ثلاث مرار يقول رسول الله عليه الصلاة والسلام : لا شيء له ثم قال : إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغى به وجهه » إلى غير ذلك من الأخبار .
واستشكل كون السرور بالعمل إشراكاً فيه محبطاً له مع أن الاتيان به ابتداء كان بإخلاص النية كما يدل عليه إني أعمل العمل لله تعالى .
وأجيب بما أشار إليه في الإحياء من أن العمل لا يخلو إذا عمل من أن ينعقد من أوله إلى آخره على الإخلاص من غير شائبة رياء وهو الذهب المصفي أو ينعقد من أوله إلى آخره على الرياء وهو عمل محبط لا نفع فيه أو ينعقد من أول أمره على الإخلاص ثم يطرأ عليه الرياء وحينئذ لا يخلو طروه عليه من أن يكون بعد تمامه أو قبله والأول غير محبط لاسيما إذا لم يتكلف إظهاره إلا أنه إذا ظهرت رغبة وسرور تام بظهوره يخشى عليه لكن الظاهر أنه مثاب عليه والثاني وهو المراد هنا فإن كان باعثاً له على العمل ومؤثراً فيه فسد ما قارنه وأحيطه ثم سرى إلى ما قبله .
/ وأخرج ابن منده . وأبو نعيم في الصحابة . وغيرهما من طريق السدى الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : كان جندب بن زهير إذا صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح له فزاد في ذلك لمقالة الناس وفيه نزل قوله تعالى : { فَمَن كَانَ } الآية ولا شك أن العمل الذي يقارن ذلك محبط .
وذكر بعضهم قد يثاب الرجل على الإعجاب إذا اطلع على عمله ، فقد روى الترمذي . وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : «أن رجلاً قال : يا رسول الله إني أعمل العمل فيطلع عليه فيعجبني فقال عليه الصلاة والسلام لك أجران أجر السر وأجر العلانية »
وهذا محمول على ما إذا كان ظهور عمله لأحد باعثا له على عمل مثله والاقتداء به فيه ونحو ذلك ولم يكن إعجابه بعمله ولا بظهوره بل بما يترتب عليه من الخير ومثله دفع سوء الظن ولذا قيل ينبغي لمن يقتدي به أن يظهر أعماله الحسنة . والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم علم حال كل من هذا الرجل وجندب بن زهير فأجاب كلا على حسب حاله ، وما ألطف جوابه عليه الصلاة والسلام لجندب كما لا يخفي على الفطن .
وأخرج ابن المنذر . وابن أبي حاتم . وابن مردويه . والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : أنزلت الآية في المشركين الذين عبدوا مع الله تعالى إلهاً غيره وليست في المؤمنين وهو ظاهر في أنه حمل الشرك على الجلي ، وأنت تعلم أنه لا يظهر حينئذ وجه تقديم الأمر بالعمل الصالح على النهي عن الشرك المذكور إلا بتكلف فلعل العموم أولى وإن كان الشرك أكثر شيوعاً في الشرك الجلي .
ويدخل في العموم قراءة القرآن للموتى بالأجرة فلا ثواب فيها للميت ولا للقارئ أصلاً وقد عمت البلوي بذلك والناس عنه غافلون وإذا نبهوا لا يتنبهون فانا لله تعالى وإنا إليه راجعون ؛ وقد بالغ في العموم من جعل الاستعانة في الطاعات كالوضوء شركاً منهياً عنه فقد قال الراغب في المحاضرات : إن علي بن موسى الرضا رضي الله تعالى عنهما كان عند المأمون فلما حضر وقت الصلاة رأى الخدم يأتونه بالماء والطست فقال الرضا رضى الله تعالى عنه : لو توليت هذا بنفسك فإن الله تعالى يقول : { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالحا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا } ولعل المراد بالنهي هذا مطلق طلب الترك ليعم الحرام والكروه ، والظاهر أن الفاء للتفريع على قصر الوحدانية عليه تعالى ، ووجه ذلك على أن كون الإله الحق واحداً يقتضي أن يكون في غاية العظمة والكمال واقتضاء ذلك عمل الطامع في كرامته عملاً صالحاً وعدم الإشراك بعبادته مما لا شبهة فيه كذا قيل ، وقيل الأمر بالعمل الصالح فتفرع على كونه تعالى الها والنهي عن الشرك متفرع على كون الاله واحداً ، وجعل هذا وجهاً لتقديم الأمر على النهي على ما روي عن ابن عباس وهو كما ترى ، وقيل : التفريع على مجموع ما تقدم فليفهم ، ووضع الظاهر موضع الضمير في الموضعين مع التعرض لعنوان الربوبية لزيادة التقرير وللإشعار بعلية العنوان للأمر والنهي ووجوب الامتثال فعلاً وتركاً .
وقرأ أبو عمرو في رواية الجعفي { وَلاَ تُشْرِكُواْ } بالتاء الفوقية على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ويكون قوله تعالى : { بِرَبّهِ } التفاتا أيضاً من الخطاب إلى الغيبة ، هذا وعن معاوية بن أبي سفيان أن هذه الآية { فَمَن كَانَ } الخ آخر آية نزلت وفيه كلام والحق خلافه والله تعالى أعلم .
( هذا ومن باب الإشارة ) :وقوله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ } [ الكهف : 110 ] ) إشارة إلى جهة مشاركته صلى الله عليه وسلم للناس وجهة امتيازه ولولا تلك المشاركة ما حصلت الإفاضة ولولا ذلك الامتياز ما حصلت الاستفاضة . وقد أشار مولانا جلال الدين القونوي قدس سره إلى ذلك بقوله :
كفت بيغمبركه أصحابي نجوم*** ره روانرا شمع وشيطان رارجوم
هركسي راكر نظر بواداي زدور*** كو كرفتي زافتاب جرح نور
كي ستاره حاجتي جوادي ذليل*** كي بدى برنوز خورشيدا ودليل
ماه ميكويدبابر وخاك في*** من بشر من مثلكم يوحى إلى
جون شماتاريك بودم درنهاد*** وحى خورشيددم جنين نورى بداد
ظلمتي دارم به نسبت باشموس*** نور دارم بهر ظلمات نفوس
زان ضعيفم تاتوبابي أورى*** كه ني مردى افتاب انوري
هذا ونسأل الله تعالى بحرمة نبيه المكرم المعظم صلى الله عليه وسلم أن يوفقنا لما يرضيه ويوفقنا على أسرار كتابه الكريم ومعانيه .
{ 110 ْ } { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ْ }
أي : { قُلْ ْ } يا محمد للكفار وغيرهم : { إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ْ } أي : لست بإله ، ولا لي شركة في الملك ، ولا علم بالغيب ، ولا عندي خزائن الله ، { إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ْ } عبد من عبيد ربي ، { يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ْ } أي : فضلت عليكم بالوحي ، الذي يوحيه الله إلي ، الذي أجله الإخبار لكم : أنما إلهكم إله واحد ، أي : لا شريك له ، ولا أحد يستحق من العبادة مثقال ذرة غيره ، وأدعوكم إلى العمل الذي يقربكم منه ، وينيلكم ثوابه ، ويدفع عنكم عقابه . ولهذا قال : { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ْ } وهو الموافق لشرع الله ، من واجب ومستحب ، { وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ْ } أي : لا يرائي بعمله بل يعمله خالصا لوجه الله تعالى ، فهذا الذي جمع بين الإخلاص والمتابعة ، هو الذي ينال ما يرجو ويطلب ، وأما من عدا ذلك ، فإنه خاسر في دنياه وأخراه ، وقد فاته القرب من مولاه ، ونيل رضاه .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ مِنْ بَنِي آدَمَ لَا عِلْمَ لِي إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ يُوحِي إِلَيَّ أَنَّ مَعْبُودَكُمُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، مَعْبُودٌ وَاحِدٌ لَا ثَانِيَ لَهُ، وَلَا شَرِيكَ {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ} يَقُولُ: فَمَنْ يَخَافُ رَبَّهُ يَوْمَ لِقَائِهِ، وَيُرَاقِبُهُ عَلَى مَعَاصِيهِ، وَيَرْجُو ثَوَابَهُ عَلَى طَاعَتِهِ {فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} يَقُولُ: فَلْيُخْلِصْ لَهُ الْعِبَادَةَ، وَلْيُفْرِدْ لَهُ الرُّبُوبِيَّةَ... وَقَوْلُهُ: {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} يَقُولُ: وَلَا يَجْعَلْ لَهُ شَرِيكًا فِي عِبَادَتِهِ إِيَّاهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ جَاعِلًا لَهُ شَرِيكًا بِعِبَادَتِهِ إِذَا رَاءَى بِعَمَلِهِ الَّذِي ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُرِيدٌ بِهِ غَيْرَهُ...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{قُلْ إِنَّمَا أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّما إِلَهُكُم إِلهٌ واحدٌ} أَمَرَه أن يُخبرَهم أنه بَشَرٌ مِثْلُهم. ثم يكون لذلك الأمرِ وإخبارِه إيّاهم أنه بَشَرٌ مِثلُهم وُجوهٌ من المعنى:
أحدهما: أنّهم كانوا يَسألونه آياتٍ خارجةً عن وَسْعِ البَشَرِ وطَوْقِهم، فأَمَره أن يُخبرهم أنه بشرٌ مِثلُهم لا يَقْدِرُ على ما يَسألونه من الآيات التي تَخْرُج عن وسْع البشرِ وطوْقِهم. وليس لأحدٍ التحكّمُ على الله والتخيُّرُ عليه في شيءٍ. إنما ذلك إلى الله؛ إن شاء أَنْزَلَ، وإن شاء لم يُنْزِل، وأنا لا أَمْلِكُ شيئا مِن ذلك.
والثاني: ذَكَرَ هذا لِيَعْرِفوا أنه إذا جاء من الآيات التي لا يَحتمِل وُسْعُ البشرِ أنْ يَأْتُوا بمِثْلِها، أنه إنما أتى بذلك من عند الله لا من ذات نفسِه... وأنه رسولٌ على ما يقول. والثالث: أمَرَه أن يقول لهم هذا: إنه بَشَرٌ مِثْلُهم لئلا يَحْمِلَهم فَرْطُ حُبِّهم إيّاه اتِّخاذَه إلهاً ربّاً على ما اتَّخَذ قومُ عيسى عيسى إلهاً رَبّاً لِفَرْطِ حُبِّهم إياه...
{فمَنْ كان يَرْجُو لِقاءَ رَبِّه} فإن كانت الآيةُ في مُشرِكي العربِ فهم يُنكِرون البعثَ، ولا يَرْجونَه. لكنّه يكون ذَكَرَ لِقاءَ ربِّه لهم لأنهم عَرَفوا في أنفُسِهم قديمَ إحسانِ اللهِ إليهم ونِعَمِه عليهم. فأُمِروا أن يَعْمَلوا العملَ الصّالحَ ليَسْتديمُوا بذلك الإحسانَ الذي كان مِن الله إليهم، فيَحْمِلَهم العملُ على التوحيد بالله والإقْرارِ بالبعث. وإن كانت الآيةُ في المؤمنين فيكون تأويلُه {فمَن كان يَرْجُو لِقاءَ ربِّه... فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً} لِيُثابَ عليه؛ إذ الثوابُ إنما يكون للعمل الصالح دونَ غيرِه. وفيه ما ذَكَرْنا أن المقصود مِن العِلمِ العملُ الصّالحُ، والعِلمُ مما ليس له نهايةٌ، فالأمْرُ بِطَلَبِ ما لا نهايةَ له ليس لِنفسِه، ولكنْ للعمل به، والله أعلم...
{ولا يُشْرِكْ بِعِبادةِ ربِّه أَحداً} يَحتمِل حقيقةَ الإشراكِ في العبادة والأُلوهيّةِ على ما أَشْرَكَ أولئك: أَشْرَكوا الأصنامَ والأوثانَ التي عَبَدوها في عبادتِه وألوهيّتِه...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أَخْبِرْ أَنَّكَ لهم من حيث الصورةُ والجنسيّةُ مُشاكِلٌ، والفَرْقُ بينكَ وبينَهم تخصيصُ اللهِ -سبحانه- إيّاكَ بالرسالة... ويقال: قُل اختصاصي بما لي مِن الاِصْطِفاءِ، وإنْ كُنّا -أنا وأنتم- في الصورة أَكْفَاءً...
قولُه جَلَّ ذِكْرُه: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَّبِهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}. حَمْلُ الرجاءِ في هذه الآية على خَوْفِ العُقوبةِ ورجاءِ المَثُوبَةِ حَسَنٌ، ولكنَّ تَرْكَ هذا على ظاهرِه أَوْلَى؛ فالمؤمنون قاطبةً يَرْجُونَ لقاءَ الله. والعارفُ بالله -سبحانه- يرجو لقاءَ الله والنظرَ إليه. والعملُ الصالحُ الذي بوجوده يَصِلُ إلى لقائه هو... أَنْ يُخْلِصَ في عمله.
{وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَاَدةِ رَبِّهِ}: أي لا يُلاحِظُ عَمَلَه، ولا يَسْتَكْثِرُ طاعتَه، ويَتَبَرَّأُ مِن حَوْلِه وقُوَّتِه...
جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :
675- إن الإنسان عند الشركة أبدا في خطر، فإنه لا يدري أي الأمرين أغلب على قصده فربما يكون عليه وبالا، ولذلك قال تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحد}...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ} فمن كان يؤمل حسن لقاء ربه، وأن يلقاه لقاء رضا وقبول... أو: فمن كان يخاف سوء لقائه. والمراد بالنهي عن الإشراك بالعبادة: أن لا يرائي بعمله، وأن لا يبتغي به إلاّ وجه ربه خالصاً لا يخلط به غيره...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{إنما أنا بشر} ينتهي علمي إلى حيث {يوحى إلي} ومهم ما يوحى إلي، أنما إلهكم إله واحد، وكان كفرهم بعبادة الأصنام فلذلك خصص هذا الفصل مما أوحي إليه، ثم أخذ في الموعظة، والوصاة البينة الرشد، و {يرجو} على بابها، وقالت فرقة: {يرجو} بمعنى يخاف، وقد تقدم القول في هذا المقصد، فمن كان يؤمن بلقاء ربه وكل موقن بلقاء ربه، فلا محالة أنه بحالتي خوف ورجاء، فلو عبر بالخوف لكان المعنى تاماً على جهة التخويف والتحذير، وإذا عبر بالرجاء فعلى جهة الإطماع وبسط النفوس إلى إحسان الله تعالى، أي {فمن كان يرجو} النعيم المؤبد من ربه {فليعمل} وباقي الآية بين في الشرك بالله تعالى...
ثم قال: {فمن كان يرجو لقاء ربه} والرجاء هو ظن المنافع الواصلة إليه والخوف ظن المضار الواصلة إليه...
ثم قال: {فليعمل عملا صالحا} أي من حصل له رجاء لقاء الله فليشتغل بالعمل الصالح... ولما كان العمل الصالح قد يؤتى به لله وقد يؤتى به للرياء والسمعة لا جرم اعتُبِر فيه قيدان: أن يؤتى به لله، وأن يكون مبرأ عن جهات الشرك، فقال: {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كانوا ربما قالوا: ما لك لا تحدثنا من هذه الكلمات بكل ما نسألك عنه حيثما سألناك؟ وكانوا قد استنكروا كون النبي بشراً، وجوزوا كون الإله حجراً، وغيوا إيمانهم به بأمور سألوه في الإتيان بها كما تقدم بعد أول مسائلهم، وهي الروح آخر سبحان، وكان قد ثبت بإجابتهم عن المسائل على هذا الوجه أنه رسول، أمره سبحانه أن يجيبهم عن ذلك كله بما يرد عليهم غلطهم، ويفضح شبههم، إرشاداً لهم إلى أهم ما يعنيهم من الحرف الذي النزاع كله دائر عليه وهو التوحيد فقال: {قل إنما أنا} أي في الاستمداد بالقدرة على إيجاد المعدوم والإخبار بالمغيب {بشر مثلكم} أي لا أمر لي ولا قدرة إلا على ما يقدرني عليه ربي، ولا استبعاد لرسالتي من الله فإن ذلك سنته فيمن قبلي {يوحى إليّ} أي من الله الذي خصني بالرسالة كما أوحى إلى الرسل قبلي ما لا غنى لأحد عن علمه واعتقاده {أنما إلهكم} وأشار إلى أن إلهيته بالإطلاق لا بالنظر إلى جعل جاعل ولا غير ذلك فقال: {إله واحد} أي لا ينقسم بمجانسة ولا غيرها، قادر على ما يريد، لا منازع له، لم يؤخر جواب ما سألتموني عنه من عجز ولا جهل ولا هوان بي عليه -هذا هو الذي يعني كلَ أحد علمه، وأما ما سألتم عنه من أمر الروح والقصتين تعنتاً فأمر لو جهلتموه ما ضركم جهله، وإن اتبعتموني علمتموه الآن وما دل عليه من أمر الساعة إيماناً بالغيب علم اليقين، وعلمتموه بعد الموت بالمشاهدة عين اليقين، وبالمباشرة حق اليقين، وإن لم تتبعوني لم ينفعكم علمه {فمن} أي فتسبب عن وحدته المستلزمة لقدرته أنه من {كان يرجوا} أي يؤمن بمجازاته له على أعماله في الآخرة برؤيته وغيرها، وإنما قال: {لقاء ربه} تنبيهاً على أنه هو المحسن إلى كل أحد بالتفرد بخلقه ورزقه، لا شريك له في شيء من ذلك على قياس ما نعلمه من أنه لا مالك إلا وهو قاهر لمملوكه على لقائه، مصرف له في أوامره في صباحه ومسائه. ولما كان الجزاء من جنس العمل، كان الواجب على العبد الإخلاص في عمله، كما كان عمل ربه في تربيته بالإيجاد وما بعده، فقال: {فليعمل} وأكده للإعلام بأنه لا بد مع التصديق من الإقرار فقال: {عملاً} أي ولو كان قليلاً {صالحاً} وهو ما يأمره به من أصول الدين وفروعه من التوحيد وغيره من أعمال القلب والبدن والمال ليسلم من عذابه {ولا يشرك} أي وليكن ذلك العمل مبنياً على الأساس وهو أن لا يشرك ولو بالرياء {بعبادة ربه أحداً} فإذا عمل ذلك فاز فحاز علوم الدنيا والآخرة، وقد انطبق آخر السورة على أولها بوصف كلمات الله ثم ما يوحى إليه، وكل منهما أعم من الكتاب بالأقومية للدعاء إلى الحال الأسلم، في الطريق الأقوم، وهو التوحيد عن الشريك الأعم من الولد وغيره، والإحسان في العمل، مع البشارة لمن آمن، والنذارة لمن أعرض عن الآيات والذكر، فبان بذلك أن لله تعالى- بوحدانيته وتمام علمه وشمول قدرته صفات -الكمال، فصح أنه المستحق لجميع الحمد...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وفي ظل هذا المشهد الذي يتضاءل فيه علم الإنسان ينطلق الإيقاع الثالث والأخير في السورة، فيرسم أعلى أفق للبشرية -وهو أفق الرسالة الكاملة الشاملة. فإذا هو قريب محدود بالقياس إلى الأفق الأعلى الذي تتقاصر دونه الأبصار، وتنحسر دونه الأنظار:
(قل: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد. فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)..
إنه أفق الألوهية الأسمى.. فأين هنا آفاق النبوة، وهي- على كل حال -آفاق بشريته؟
(قل: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي...).. بشر يتلقى من ذلك الأفق الأسمى. بشر يستمد من ذلك المعين الذي لا ينضب. بشر لا يتجاوز الهدى الذي يتلقاه من مولاه. بشر يتعلم فيعلم فيعلم.. فمن كان يتطلع إلى القرب من ذلك الجوار الأسنى، فلينتفع بما يتعلم من الرسول الذي يتلقى، وليأخذ بالوسيلة التي لا وسيلة سواها:
(فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)..
هذا هو جواز المرور إلى ذلك اللقاء الأثير.
وهكذا تختم السورة- التي بدأت بذكر الوحي والتوحيد -بتلك الإيقاعات المتدرجة في العمق والشمول، حتى تصل إلى نهايتها فيكون هذا الإيقاع الشامل العميق، الذي ترتكز عليه سائر الأنغام في لحن العقيدة الكبير..
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
اِستِئنافٌ ثانٍ، انتَقَل به مِن التّنْويه بسَعَةِ عِلمِ اللهِ تعالى وأنه لا يُعْجِزُه أنِ يُوحِيَ إلى رسوله بعِلمِ كلِّ ما يُسأل عن الإخبار به، إلى إعلامهم بأن الرسول لم يُبْعَثْ للإخبار عن الحوادث الماضية والقرونِ الخالية، ولا أنّ مِن مُقتَضَى الرسالةِ أن يُحِيط علمُ الرّسولِ بالأشياء فيَتَصدَّى للإجابة عن أسئلةٍ تُلقَى إليه، ولكنه بَشَرٌ عِلمُه كعِلم البشرِ أوحَى اللهُ إليه بما شاء إبلاغَه عِبادَه مِن التوْحيد والشريعةِ... أهمُّ ما يوحى إليه وما بُعِثَ لأجْلِه... توحيدُ الله والسَّعْيُ لِما فيه السَّلامةُ عند لقاء الله تعالى. وهذا مِن رَدّ العَجُزِ على الصَّدْرِ مِن قولِه في أوّل السورةِ {لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ} إلى قولِه {إِنْ يَقُولُونَ إِلّا كَذِباً} [الكهف: 2 5]...
وتفريعُ {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ} هو مِن جُمْلةِ المُوحَى به إليه، أي يُوحَى إليّ بوحدانية الإلهِ وبإثبات البعثِ وبالأعمال الصّالحةِ. فجاء النَّظْمُ بطريقةٍ بديعةٍ في إفادة الأصولِ الثلاثةِ، إذ جُعل التوحيدُ أصلاً لها وفُرِّعَ عليه الأصلان الآخَران، وأُكِّد الإخبارُ بالوحدانية بالنّهي عن الإشراك بعبادة الله تعالى، وحَصَلَ مع ذلك رَدُّ العَجُزِ على الصَّدْرِ وهو أسلوبٌ بَديعٌ...
أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن للشنقيطي 1393 هـ :
ويُفْهَم مِن مَفهوم مُخالَفةِ الآيةِ الكريمةِ: أنّ الذي يُشرِك أحداً بعبادة ربِّه، ولا يَعْمَلُ صالحاً أنه لا يَرجو لِقاءَ ربِّه، والذي لا يرجو لقاءَ ربِّه لا خيرَ له عند الله يومَ القيامةِ...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وإنّ الناسَ في تَلقّي هذه الرّسالةِ من عند الله تعالى قسمان:
القسمُ الأول: يؤمِن بالغيب، ولا يَأْسِرُه الحِسُّ وتَسْتغْرِقُه المادّةُ.
والقسمَ الثاني: استَغْرَقَتْه المادّةُ، حتى لا يؤمِن إلا بما هو مادّيٌّ حِسِّيٌّ، والأول هو الذي يرجو لقاءَ ربِّه وهو الذي ينادي بفعل الخيرِ، والإيمانِ بالحقّ، ولذا قال تعالى: {فَمَنْ كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ولا يُشْرِكْ بِعِبادةِ ربِّه أَحَداً}...
{فَمَنْ كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ}، أي يَسْتَيْقِنُ بلِقاء ربِّه، وعَبَّر بالرّجاء بدلَ اليقينِ، لأنه يفيد اليقينَ مع تمنِّي اللقاءِ والرغبةِ فيه وطَلَبِه بالعمل...
وقال: {فمَنْ كان يَرْجُو لِقاءَ رَبِّه}...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
وكما نَوَّهَتْ سورةُ الكهفِ في مَطْلَعِها بالمؤمنين الذين يَعْمَلون الصّالحاتِ وزَفَّتْ إليهم البُشْرَى فقال تعالى: {ويُبَشِّرَ المُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً} [الآية: 2]، أَكَّدَتْ في خِتامِها بصورةٍ قاطعةٍ أهمِّيَّةَ الإيمانِ بالله والعملِ الصّالحِ، مُبَيِّنةً أن ذلك هو الوسيلةُ الوحيدةُ إلى الله، لِمَن ابْتَغَى قَبولَه ورِضاه {فَمَنْ كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ولا يُشْرِكْ بِعِبادةِ ربِّه أَحَداً}...
{قل} أي: يا محمد، وهذا كلام جديد {قل إنما أنا بشر مثلكم} يعني: خذوني أسوة، فأنا لست ملكاً إنما أنا بشر مثلكم، وحملت نفسي على المنهج الذي أطالبكم به، فأنا لا آمركم بشيء وأنا عنه بنجوى. بل بالعكس كان صلى الله عليه وسلم أقل الناس حظاً من متع الحياة وزينتها. فكان في المؤمنين به الأغنياء الذين يتمتعون بأطايب الطعام ويرتدون أغلى الثياب في حين كان صلى الله عليه وسلم يمر عليه الشهر والشهران دون أن يوقد في بيته نار لطعام، وكان يرتدي المرقع من الثياب، كما أن أولاده لا يرثونه، كما يرث باقي الناس، ولا تحل لهم الزكاة كغيرهم، فحرموا من حق تمتع به الآخرون. لذلك كان صلى الله عليه وسلم أدنى الأسوات أي: أقل الموجودين في متع الحياة وزخرفها، وهذا يلفتنا إلى أن الرسالة لم تجر لمحمد نفعاً دنيوياً، ولم تميزه عن غيره في زهرة الدنيا الفانية، إنما ميزته في القيم والفضائل... والآية هنا لا تميزه صلى الله عليه وسلم عن البشر إلا في أنه: {يوحى إلي} فما زاد محمد عن البشر إلا أنه يوحى إليه. ثم يقول تعالى: {أنما إلهكم إله واحد} أنما: أداة قصر {إلهكم إله واحد} أي: لا إله غيره، وهذه قمة المسائل، فلا تلتفتوا إلى إله غيره، ومن أعظم نعم الله على الإنسان أن يكون له إله واحد، وقد ضرب لنا الحق سبحانه مثلاً ليوضح لنا هذه المسألة فقال تعالى: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلاً.. "29 "} (سورة الزمر) فلا يستوي عبد مملوك لعدة أسياد يتجاذبونه؛ لأنهم متشاكسون مختلفون يحار فيما بينهم، إن أرضى هذا سخط ذاك. هل يستوي وعبد مملوك لسيد واحد؟ إذن: فمما يحمد الله عليه أنه إله واحد. {فمن كان يرجو لقاء ربه.. "110 "} (سورة الكهف). الناس يعملون الخير لغايات رسمها الله لهم في الجزاء، ومن هذه الغايات الجنة ونعيمها، لكن هذه الآية توضح لنا غاية أسمى من الجنة ونعيمها، هي لقاء الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم، فقوله تعالى: {يرجو لقاء ربه} تصرف النظر عن النعمة إلى المنعم تبارك وتعالى. فمن أراد لقاء ربه لا مجرد جزائه في الآخرة: {فليعمل عملاً صالحاً} فهذه هي الوسيلة إلى لقاء الله؛ لأن العمل الصالح دليل على أنك احترمت أمر الآخر بالعمل، ووثقت من حكمته ومن حبه لك فارتاحت نفسك في ظل طاعته، فإذا بك إذا أويت إلى فراشك تستعرض شريط أعمالك، فلا تجد إلا خيراً تسعد به نفسك، وينشرح له صدرك، ولا تتوجس شراً من أحد، ولا تخاف عاقبة أمر لا تحمد عقباه، فمن الذي أنعم عليك بكل هذه النعم ووفقك لها؟ ثم: {ولا يشرك بعبادة ربه أحداً} وسبق أن قلنا: إن الجنة (أحد)، فلا تشرك بعبادة الله شيئاً، ولو كان هذا الشيء هو الجنة، فعليك أن تسمو بغاياتك، لا إلى الجنة بل إلى لقاء ربها وخالقها والمنعم بها عليك...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
... وتَبقَى الرِّسالةُ تؤكِّد على مبدأ البشرية في شخصيّة الرسولِ، فإن اتِّصالَه بالله وصِلَتَه بالسماء، لا يُعطيه أيّةَ خصوصيّةٍ من خصوصيّات الأُلوهيّةِ، لِيكون في ذاته سِرُّ الألوهة، بل يظل في موقع الإنسان الذي يَتلقَّى الوحيَ من خلال ما يَملِكه من روحِيّة الرسالة في ذاته، ومن آفاقها الفكرية في عقله، ومن أخلاقيتها الساميةِ الرفيعة في أخلاقه... وتلك هي خصوصيّةُ الرسالةِ، فهي لا تعبِّر عن أسرارٍ عميقةٍ غامضةٍ في شخصية الرسول، بل تعبر عن التناسُب بين شخصيته وشخصيةِ الرِّسالة، ليكون التجسيدَ الحيَّ لكل مضمونِها الفكري والعملي والروحي، ولتكون هي التعبير الحي عن كل صفاته وآفاقه وتطلعاته.. لتظهر الصورة في هذه الوحدة بين الرسالة والرسول، الأمر الذي يجعل اتباع الرسول حركةً واقعيةً في الاتصال بالله واللقاءِ برِضوانه، ما يجعل مِن العلاقة به علاقةً برسالته، لا لوناً من ألوان الاستغراق في شخصيته والارتباطِ بذاته، لأن الله لا يريد للناس أن يَلتقوا بالرسول من خلال ذاته، بل من خلال أنّه يُمَثِّل الرمزَ الحيَّ للرسالة، ليبحثوا في ذاته عن عناصر الرسالة في فكره وروحِه وجِهادِه المُتحرِّكِ في أكثرَ من اتجاهٍ، وهذا ما أرادت الآية التالية أن توحي به.
{فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ} ليحصل على محبته ورضاه، {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً} من موقع التفاصيل الدقيقة للوحي في تخطيطه لحياة الإنسان في أقواله وأفعاله... وليؤمن بالله الواحد في حركة العقيدة والعبادة، {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا}، فهذا هو طريق الخلاص، وسبيل القرب إلى الله، والحصول على جنته في يوم اللقاء الكبير بالله سبحانه في اليوم الآخر. {قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
ولأنَّ قضية النبوة قد اقترنت مع أشكال مِن الغلو والمبالغة على طول التأريخ، لذا فإِنَّ الآية تقول: (قل إِنّما أنا بشرٌ مِثلكم يوحى إِليّ). وهذا التعبير القرآني نسف جميع الامتيازات المقرونة بالشرك التي تُخرج الأنبياء مِن صفة البشرية إلى صفة الألوهية...
ثمّ تشير الآية إلى قضية التوحيد مِن بين جميع القضايا الأُخرى في والوحي الالهي حيث تقول: (إِنما إِلهكم إِله واحد). أمّا لماذا تمت الإِشارة إلى هذه القضية؟ فذلك لأنَّ التوحيد هو خلاصة جميع المعتقدات، وغاية كل البرامج الفردية والاجتماعية التي تجلب السعادة للإِنسان. وفي مكان آخر، أشرنا إلى أنَّ التوحيد ليسَ أصلا مِن أصول الدين وحسب، وإِنّما هو خلاصة لجميع أصول وفروع الإِسلام. لو أردنا على سبيل المثال أن نشبِّه التعليمات الإِسلامية مِن الأصول والفروع على أنّها قطع مِن الجواهر، عندها نستطيع أن نقول: إِنَّ التوحيد هو السلك والخيط الذي يربط جميع هذه القطع إلى بعضها البعض ليتشكَّل مِن المجموع قلادة جميلة وثمينة...
وفي آخر جملة ثمّة توضيح للعمل الصالح في جملة قصيرة، هي قوله تعالى: (ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً). بعبارة أُخرى: لا يكون العمل صالحاً ما لم تتجلى فيه حقيقة الإِخلاص...
وقد أشرنا سابقاً إلى أنَّ العمل الصالح لهُ مفهوم واسع للغاية، وهو يشمل أي برنامج مفيد وبنّاء، فردي واجتماعي، وفي أي قضية مِن قضايا الحياة...