{ يا بَنِى } الخ رجوع إلى القصة بذكر بقية ما أريد حكايته من وصايا لقمان أثر تقرير ما في مطلعه من النهي عن الشرك وتأكيده بالاعتراض { أَنَّهَا } أي الخصلة من الإساءة والإحسان لفهمها من السياق . وقيل : وهو كما ترى أنها أي التي سألت عنها ، فقد روى أن لقمان سأله ابنه أرأيت الحبة تقع في مغاص البحر أيعلمها الله تعالى فقال يا بني إنها أي التي سألت عنها { إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ } أي إن تكن مثلاً في الصغر كحبة الخردل والمقال ما يقدر به غيره لتساوي ثقلهما وهو في العرف معلوم .
وقرأ نافع . والأعرج . وأبو جعفر { مِثْقَالَ } بالرفع على أن الضمير للقصة و { تَكُ } مضارع كان التامة والتأنيث لإضافة الفاعل إلى المؤنث كما في قول الأعشى :
وتشرق بالقول الذي قد أذعته *** كما شرقت صدر القناة من الدم
أو لتأويله بالزنة أو الحسنة والسيئة { فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى السموات أَوْ في الارض } أي فتكن مع كونها في أقصى غايات الصغر والقماءة في أخفى مكان وأحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلي ، وقيل : في أخفى مكان وأحرزه كجوف الصخرة أو أعلاه كمحدب السماوات أو أسفله كمقعر الأرض ، ولا يخفى أنه لا دلالة في النظم على تخصيص المحدب والمقعر ولعل المقام يقتضيه إذ المقصود المبالغة .
وفي قوله تعالى : { فِي السموات } لا يأبى ذلك لأنها ذكرت بحسب المكانية أو للمشاكلة أو هي بمعنى علي ، وعبر بها للدلالة على التمكن ومع هذا الظاهر ما تقدم ، وفي «البحر » أنه بدأ بما يتعقله السامع أولاً وهو كينونة الشيء في صخرة وهو ما صلب من الحجر وعسر الإخراج منه ثم أتبعه بالعالم العلوي وهو أغرب للسامع ثم أتبعه بما يكون مقر الأشياء للشاهد وهو الأرض ، وقيل : إن خفاء الشيء وصعوبة نيله بطرق بغاية صغره ويبعده عن الرائي وبكونه في ظلمة وباحتجابه فمثقال حبة من خردل إشارة إلى غاية الصغر ، و { فِى صَخْرَةٍ } إشارة إلى الحجاب و { فِي السموات } إشارة إلى البعد و { فِى الارض } إشارة إلى الظلمة فإن جوف الأرض أشد الأماكن ظلمة وأياً ما كان فليس المراد بصخرة صخرة معينة ، وعن ابن عباس . والسدي أن هذه الصخرة هي التي عليها الأرض ، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن الأرض على نون والنون على بحر والبحر على صخرة خضراء خضرة الماء منها والصخرة على قرن ثور وذلك الثور على الثرى ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله تعالى .
وفسر بعضهم الصخرة بهذه الصخرة ، وقيل : هي صخرة في الريح ، قال ابن عطية : وكل ذلك ضعيف لا يثبت سنده وإنما معنى الكلام المبالغة والانتهاء في التفهيم أي إن قدرته عز وجل تنال ما يكون في تضاعيف صخرة وما يكون في السماء وما يكون في
الأرض اه ، والأقوى عندي وضع هذه الأخبار ونحوها فليست الأرض إلا في حجر الماء وليس الماء إلا في جوف الهواء وينتهي الأمر إلى عرش الرحمن جل وعلا والكل في كف قدرة الله عز وجل .
وقرأ عبد الرحيم الجزري { فَتَكُنْ } بكسر الكاف وشد النون وفتحها ، وقرأ محمد بن أبي فجة البعلبكي { فَتَكُنْ } بضم التاء وفتح الكاف والنون مشددة ، وقرأ قتادة { فَتَكُنْ } بفتح التاء وكسر الكاف وسكون النون ورويت هذه القراءة عن الجزري أيضاً ، والفعل في جميع ما ذكر من وكن الطائر إذا استقر في وكنته أي عشه ففي الكلام استعارة أو مجاز مرسل كما في المشفر ، والضمير للمحدث عنه فيما سبق ، وجوز أن يكون للابن والمعنى إن تختف أو تخف وقت الحساب يحضرك الله تعالى ، ولا يخفى أنه غير ملائم للجواب أعني قوله تعالى : { يَأْتِ بِهَا الله } أي يحضرها فيحاسب عليها ، وهذا إما على ظاهره أو المراد يجعلها كالحاضر المشاهد لذكرها والاعتراف بها { إِنَّ الله لَطِيفٌ } يصل علمه تعالى إلى كل خفي { خَبير } عالم بكنهه .
وعن قتادة لطيف باستخراجها خبير بمستقرها ، وقيل : ذو لطف بعباده فيلطف بالإتيان بها بأحد الخصمين خبير عالم بخفايا الأشياء وهو كما ترى ، والجملة علة مصححة للإتيان بها ، أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن رباح اللخمي أنه لما وعظ لقمان ابنه وقال : { يا بني إِنَّهَا إِن تَكُ } الآية أخذ حبة من خردل فأتى بها إلى اليرموك وهو واد في الشام فألقاها في عرضه ثم مكث ما شاء الله تعالى ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته والله تعالى أعلم ، وبعد ما أمره بالتوحيد الذي هو أول ما يجب على المكلف في ضمن النهي عن الشرك ونبهه على كمال علمه تعالى وقدرته عز وجل أمره بالصلاة التي هي أكمل العبادات تكميلاً من حيث العمل بعد تكميله من حيث الاعتقاد فقال مستميلاً له :
يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 17 )
{ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ } التي هي أصغر الأشياء وأحقرها ، { فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ } أي في وسطها { أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ } في أي جهة من جهاتهما { يَأْتِ بِهَا اللَّهُ } لسعة علمه ، وتمام خبرته وكمال قدرته ، ولهذا قال : { إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } أي : لطف في علمه وخبرته ، حتى اطلع على البواطن والأسرار ، وخفايا القفار والبحار .
والمقصود من هذا ، الحث على مراقبة اللّه ، والعمل بطاعته ، مهما أمكن ، والترهيب من عمل القبيح ، قَلَّ أو كَثُرَ .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة} وزن ذرة {من خردل فتكن في صخرة} التي في الأرض...
{أو} تكن الحبة {في السماوات} السبع {أو في الأرض يأت بها الله} بتلك الحبة.
{إن الله لطيف} باستخراجها {خبير} بمكانها...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
اختلف أهل العربية في معنى الهاء والألف اللتين في قوله "إنّها"؛ فقال بعض نحويي البصرة: ذلك كناية عن المعصية والخطيئة. ومعنى الكلام عنده: يا بنيّ إن المعصية إن تك مثقال حبة من خردل، أو إن الخطيئة. وقال بعض نحويي الكوفة: وهذه الهاء عماد. وقال: أنّث تك، لأنه يراد بها الحبة، فذهب بالتأنيث إليها... وقال صاحب هذه المقالة: يجوز نصب المثقال ورفعه قال: فمن رفع رفعه بتك، واحتملت النكرة أن لا يكون لها فعل في كان وليس وأخواتها، ومن نصب جعل في تكن اسما مضمرا مجهولاً مثل الهاء التي في قوله "إنّها إنْ تَكُ" قال: ومثله قوله: "فإنّها لا تَعْمَى الأَبْصَارُ" قال: ولو كان إن يك مثقال حبة كان صوابا، وجاز فيه الوجهان. وأما صاحب المقالة الأولى، فإن نصب مثقال في قوله، على أنه خبر، وتمام كان، وقال: رفع بعضهم فجعلها كان التي لا تحتاج إلى خبر.
وأولى القولين بالصواب عندي، القول الثاني: لأن الله تعالى ذكره لم يعد عباده أن يوفيهم جزاء سيئاتهم دون جزاء حسناتهم، فيقال: إن المعصية إن تك مثقال حبة من خردل يأت الله بها، بل وعد كلا العاملين أن يوفيه جزاء أعمالهما. فإذا كان ذلك كذلك، كانت الهاء في قوله إنّها بأن تكون عمادا أشبه منها بأن تكون كناية عن الخطيئة والمعصية. وأما النصب في المثقال، فعلى أن في «تك» مجهولاً، والرفع فيه على أن الخبر مضمر، كأنه قيل: إن تك في موضع مثقال حبة، لأن النكرات تضمر أخبارها، ثم يترجم عن المكان الذي فيه مثقال الحبة.
وعنى بقوله: "مِثْقالَ حَبّةٍ": زنة حبة. فتأويل الكلام إذن: إن الأمر إن تك زنة حبة من خردل من خير أو شرّ عملته، فتكن في صخرة، أو في السموات، أو في الأرض، يأت بها الله يوم القيامة، حتى يوفيك جزاءه...
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: "فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ"؛ ...
وقال آخرون: عنى بها الجبال، قالوا: ومعنى الكلام: فتكن في جبل... وقوله: "يَأْتِ بِها اللّهُ" كان بعضهم يوجه معناه إلى يعلمه الله، ولا أعرف يأتي به بمعنى يعلمه، إلاّ أن يكون قائل ذلك أراد أن لقمان، إنما وصف الله بذلك، لأن الله يعلم أماكنه، لا يخفى عليه مكان شيء منه فيكون وجها... وقوله: "إنّ اللّهَ لَطيفٌ خَبِيرٌ" يقول: إن الله لطيف باستخراج الحبة من موضعها حيث كانت خبير بموضعها.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
لا يحتمل أن يكون هذا الكلام والقول من لقمان، كان لابنه ابتداء من غير سؤال، لكن لا يعلم ما كان السؤال وعما كان؟
فأما إن كان السؤال عن علمه، فأخبره بما ذكر من حبة مستترة مكنونة في أخفى الأمكنة عن الخلق في ما لا يطلع أحد منهم، ولا يبلغه علم الخلائق {يأت بها الله} أي يعلمها الله. فإن كان على هذا ذكر فيلزمهم أن يكونوا أبدا مراقبين أعمالهم وأحوالهم في جميع حالاتهم وأوقاتهم وجميع أمورهم لما لا يخفى عليه شيء.
وأما إن كان السؤال عن قدرة الله وسلطانه، فأخبر أن الله تعالى قادر على استخراج تلك الحبة التي استترت، واحتجبت عن الخلق بالحجب التي ذكر ما تعجز الخلائق عن استخراج مثلها من مثل تلك الحجب والأمكنة، فيخافون قدرة الله، ويهابون سلطانه في الانتقام منهم في مخالفة أمره ونهيه.
[وأما إن كان السؤال عن الرزق، فيخبر بهذا: أن الشيء، وإن كان في مكان لا يبلغه وسع البشر وحيلتهم في استخراج ذلك منه والوصول إليه بحال، فالله سبحانه بلطفه يرزق الخلق بأشياء خارجة عن وسعهم وحيلهم ما لا يقع لهم الطمع في ذلك ليكونوا أبدا في حال مطمئنين في الرزق، لا يؤلمهم عجزهم ولا تعذر حيلهم عن ذلك، ولا يعلقون قلوبهم في الرزق بالأسباب التي بها يكتسبون. ولذلك قال: {ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 3].
فأي شيء كان، ففي ذلك دلالة وحدانية الله ودلالة علمه وتدبيره ودلالة قدرته وسلطانه ودلالة الثقة به والتوكل عليه في الرزق والتفويض في الأمر في كل ما خرج عن وسع الخلق.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
إذا كانت ذرة أو أقل من ذلك وسبقت بها القسمةُ فلا محالةَ تصل إلى المقسوم له بغير مرية..
{إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}: عالم بدقائق الأمور وخفاياها...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
قرئ {مِثْقَالَ حَبَّةٍ} بالنصب والرفع، فمن نصب كان الضمير للهنة من الإساءة أو الإحسان، أي: إن كانت مثلاً في الصغر والقماءة كحبة الخردل، فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلي {يَأْتِ بِهَا الله} يوم القيامة فيحاسب بها عاملها {إِنَّ الله لَطِيفٌ} يتوصل علمه إلى كل خفي {خَبِيرٌ} عالم بكنهه. وعن قتادة: لطيف باستخراجها، خبير بمستقرّها. ومن قرأ بالرفع: كان ضمير القصة، وإنما أنث المثقال لإضافته إلى الحبة...
{إنها إن تك مثقال حبة} إشارة إلى الصغر وقوله: {فتكن في صخرة} إشارة إلى الحجاب وقوله: {أو في السماوات} إشارة إلى البعد فإنها أبعد الأبعاد وقوله: {أو في الأرض} إشارة إلى الظلمات فإن جوف الأرض أظلم الأماكن.
{يأت بها الله} أبلغ من قول القائل يعلمها الله لأن من يظهر له الشيء ولا يقدر على إظهاره لغيره يكون حاله في العلم دون حال من يظهر له الشيء ويظهره لغيره فقوله: {يأت بها الله} أي يظهرها الله للأشهاد.
{إن الله لطيف} أي نافذ القدرة {خبير} أي عالم ببواطن الأمور...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما فرغ من تأكيد ما قاله لقمان عليه السلام في الشكر والشرك فعلم ما أوتي من الحكمة، وختمه بعد الوصية بطاعة الوالد بذكر دقيق الأعمال وجليلها، وأنها في علم الله سواء، حسن جداً الرجوع إلى تمام بيان حكمته، فقال بادئاً بما يناسب ذلك من دقيق العلم ومحيطه المكمل لمقام التوحيد، وعبر بمثقال الحبة لأنه أقل ما يخطر غالباً بالبال، وهي من أعظم حاث على التوحيد الذي مضى تأسيسه:
{يا بني} متحبباً مستعطفاً، مصغراً له بالنسبة إلى حمل شيء من غضب الله تعالى مستضعفاً.
{إنها} أي العمل، وأنث لأنه في مقام التقليل والتحقير، والتأنيث أولى بذلك، ولأنه يؤول بالطاعة والمعصية والحسنة والسيئة.
{إن تك} وأسقط النون لغرض الإيجاز في الإيصاء بما ينيل المفاز، والدلالة على أقل الكون وأصغره.
{مثقال} أي وزن، ثم حقرها بقوله: {حبة} وزاد في ذلك بقوله: {من خردل} هذا على قراءة الجمهور بالنصب، ورفع المدنيان على معنى أن الشأن والقصة العظيمة أن توجد في وقت من الأوقات هنة هي أصغر شيء وأحقره -بما أشار إليه التأنيث.
ولما كان قد عرف أن السياق لماذا أثبت النون في قوله مسبباً عن صغرها: {فتكن} إشارة إلى ثباتها في مكانها، وليزداد تشوف النفس إلى محط الفائدة ويذهب الوهم كل مذهب لما علم من أن المقصد عظيم بحذف النون وإثبات هذه، وعسرّها بعد أن حقرها بقوله معبراً عن أعظم الخفاء وأتم الإحراز: {في صخرة} أي أيّ صخرة كانت ولو أنها أشد الصخور وأقواها وأصغرها وأخفاها. ولما أخفى وضيق، أظهر ووسع، ورفع وخفض، ليكون أعظم لضياعها لحقارتها فقال: {أو في السماوات} أي في أيّ مكان كان منها على سعة أرجائها وتباعد أنحائها، وأعاد "أو "نصاً على إرادة كل منهما على حدته، والجار تأكيداً للمعنى فقال: {أو في الأرض} أي كذلك، وهذا كما ترى لا ينفي أن تكون الصخرة فيهما أو في إحداهما، وعبر له بالاسم الأعظم لعلو المقام فقال: {يأتِ بها الله} بعظم جلاله، وباهر كبريائه وكماله، بعينها لا يخفى عليه ولا يذهب شيء منها، فيحاسب عليها، ثم علل ذلك من علمه وقدرته بقوله مؤكداً إشارة إلى أن إنكار ذلك لما له من باهر العظمة من دأب النفوس إن لم يصحبها التوفيق.
{إنّ الله} فأعاد الاسم الأعظم تنبيهاً على استحضار العظمة وتعميماً للحكم {لطيف} أي عظيم المتّ بالوجوه الخفية الدقيقة الغامضة في بلوغه إلى أي أمر أراده حتى بضد الطريق الموصل فيما يظهر للخلق...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وبعد هذا الاستطراد المعترض في سياق وصية لقمان لابنه، تجيء الفقرة التالية في الوصية، لتقرر قضية الآخرة وما فيها من حساب دقيق وجزاء عادل. ولكن هذه الحقيقة لا تعرض هكذا مجردة، إنما تعرض في المجال الكوني الفسيح، وفي صورة مؤثرة يرتعش لها الوجدان، وهو يطالع علم الله الشامل الهائل الدقيق اللطيف: (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل، فتكن في صخرة، أو في السماوات، أو في الأرض، يأت بها الله. إن الله لطيف خبير).. وما يبلغ تعبير مجرد عن دقة علم الله وشموله، وعن قدرة الله سبحانه، وعن دقة الحساب وعدالة الميزان ما يبلغه هذا التعبير المصور. وهذا فضل طريقة القرآن المعجزة الجميلة الأداء، العميقة الإيقاع.. حبة من خردل. صغيرة ضائعة لا وزن لها ولا قيمة. (فتكن في صخرة).. صلبة محشورة فيها لا تظهر ولا يتوصل إليها. (أو في السماوات).. في ذلك الكيان الهائل الشاسع الذي يبدو فيه النجم الكبير ذو الجرم العظيم نقطة سابحة أو ذرة تائهة. (أو في الأرض) ضائعة في ثراها وحصاها لا تبين. (يأت بها الله).. فعلمه يلاحقها، وقدرته لا تفلتها. (إن الله لطيف خبير).. تعقيب يناسب المشهد الخفي اللطيف. ويظل الخيال يلاحق تلك الحبة من الخردل في مكامنها تلك العميقة الوسيعة؛ ويتملى علم الله الذي يتابعها. حتى يخشع القلب وينيب، إلى اللطيف الخبير بخفايا الغيوب. وتستقر من وراء ذلك تلك الحقيقة التي يريد القرآن إقرارها في القلب. بهذا الأسلوب العجيب...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
تكرير النداء لتجديد نشاط السامع لوعي الكلام...
والمثقال بكسر الميم: ما يقدر به الثقل ولذلك صيغ على زنة اسم الآلة.
والحبة: واحدة الحَبّ وهو بذر النبات من سنابل أو قطنية بحيث تكون تلك الواحدة زريعة لنوعها من النبات،...
والخردل: نبت له جذر وساق قائمة متفرعة أسطوانية أوراقها كبيرة يُخرج أزهاراً صغيرة صُفْراً سنبلية تتحول إلى قرون دقيقة مربعة الزوايا تخرج بزوراً دقيقة تسمى الخردل أيضاً...
والإتيان كناية عن التمكن منها، وهو أيضاً كناية رمْزيَّة عن العلم بها لأن الإتيان بأدق الأجسام من أقصى الأمكنة وأعمقها وأصلبها لا يكون إلا عن علم بكونها في ذلك المكان وعلم بوسائل استخراجها منه...
وجملة {إن الله لطيف خبير} يجوز أن تكون من كلام لقمان فهي كالمقصد من المقدمة أو كالنتيجة من الدليل،...
واللطيف: مَن يعلم دقائق الأشياء ويسلك في إيصالها إلى من تصلح به مسلك الرفق، فهو وصف مؤذن بالعلم والقُدرة الكاملين، أي يعلم ويقدر وينفذ قدرته...
"يَأْتِ بِهَا اللَّهُ".. استصحب حيثيات الإتيان بها بوصفين لله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ"... وجمع بين هاتين الصفتين؛ لأنك قد تكون خبيرا بالشيء عالما بمكانه، لكنك لا تستطيع الوصول إليه، كأن يكون في مكان ضيق لا تنفذ إليه يدك، وعندها تستعين بآلة دقيقة كالملقاط مثلا، فالخبرة موجودة، لكن ينقصك اللطف في الدخول. والحق سبحانه وتعالى لطيف، فمهما صغرت الأشياء ودقت يصل إليها، فهو إذن عليم خبير بكل شيء مهما صغر، قادر على الإتيان به مهما دقّ؛ لأنه لطيف لا يمنعه مانع، فصفة اللطف هذه للتغلغل في الأشياء. ونحن نعلم أن الشيء كلما دقّ ولطف كان أعنف
"إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ": لا يعوزه علم بالمكان، ولا سهولة ويسر في الوصول إلى الأشياء. كانت هذه بعض وصايا لقمان ومواعظه لولده، ولم يأمره حتى الآن بشيء من التكاليف، إنما حرص أن ينبهه: أنك قد آمنت بالله وبلغك منهجه واستمعت إليه، فأطع ذلك المنهج في افعل ولا تفعل، لكن قبل أن تباشر منهج ربك في سلوكك اعلم أنك تتعامل مع إله قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يغيب عنه شيء، فادخل على المنهج بهذا الاعتقاد. وإياك أن تتغلب عليك شبهة أنك لا ترى الله، فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك، واعلم أن عملك محسوب عليك، وإن كان في صخرة صماء ضيقة، أو في سماء، أو في أرض شاسعة...