{ يا أيها الرسول } إلى الثقلين كافة وهو نداء تشريف لأن الرسالة منة الله تعالى العظمى وكرامته الكبرى ، وفي هذا العنوان إيذان أيضاً بما يوجب الإتيان بما أمر به صلى الله عليه وسلم من تبليغ ما أوحي إليه . { بَلَغَ } أي أوصل الخلق { مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ } أي «جميع ما أنزل كائناً ما كان { مِن رَبّكَ } أي مالك أمرك ومبلغك إلى كمالك اللائق بك ، وفيه عدة ضمنية بحفظه عليه الصلاة والسلام وكلاءته أي بلغه غير مراقب في ذلك أحداً ولا خائف أن ينالك مكروه أبداً وَإن لَّمْ تَفْعَلْ أي ما أمرت به من تبليغ الجميع . / { فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } أي فما أديت شيئاً من رسالته لما أن بعضها ليس أولى بالأداء من بعض ، فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعاً كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها وكونها كذلك في حكم شيء واحد ، والشيء الواحد لا يكون مبلغاً غير مبلغ ، مؤمناً به غير مؤمن به » ، ولأن كتمان بعضها يضيع ما أدى منها كترك بعض أركان الصلاة فإن غرض الدعوة ينتقض به ، واعترض القول بنفي أولوية بعضها من بعض بالأداء بأن الأولوية ثابتة باعتبار الوجوب قطعاً وظناً وجلاءاً وخفاءاً أصلاً وفرعاً ، وأجاب في «الكشف » بأنه نفي الأولوية نظراً إلى أصل الوجوب ، وأيضاً إن ذلك راجع إلى المبلغ ، والكلام في التبليغ وهو غير مختلف الوجوب لأنه شيء واحد نظراً إلى ذاته ، ثم كتمان البعض يدل على أنه لم ينظر إلى أنه مأمور بالتبليغ بل إلى ما في المبلغ من المصلحة ، فكأنه لم يمتثل هذا الأمر أصلاً فلم يبلغ ، وإن أعلم الناس لم ينفعه لأنه مخبر إذ ذاك لا مبلغ ، ونوقش في التعليل الثاني بأن الصلاة اعتبرها الشارع أمراً واحداً بخلاف التبليغ ، وهي مناقشة غير واردة لأنه تعالى ألزمه عليه الصلاة والسلام تبليغ الجميع ، فقد جعلها كالصلاة بلا ريب .
ومما ذكرنا في تفسير الشرطية يعلم أن لا اتحاد بين الشرط والجزاء ، ومن ادّعاه بناءاً على أن المآل «إن لم تبلغ الرسالة لم تبلغ الرسالة جعله نظير :
أنا أبو النجم وشعري شعري *** حيث جعل فيه الخبر عين المبتدأ بلا مزيد في اللفظ ، وأراد وشعري شعري المشهور بلاغته والمستفيض فصاحته ، ولكنه أخبر بالسكوت عن هذه الصفات التي بها تحصل الفائدة أنها من لوازم شعره في أفهام الناس السامعين لاشتهاره بها ، وأنه غني عن ذكرها لشهرتها وذياعها ، وكذلك كما قال ابن المنير أريد في الآية لأن عدم تبليغ الرسالة أمر معلوم عند الناس مستقر في الأفهام أنه عظيم شنيع ينقم على مرتكبه ، ألا ترى أن عدم نشر العلم من العالم أمر فظيع فكيف كتمان الرسالة من الرسول ؟ا فاستغنى عن ذكر الزيادات التي يتفاوت بها الشرط والجزاء للصوقها بالجزاء في الأفهام ، وأن كل من سمع عدم تبليغ الرسالة فهم ما وراءه من الوعيد والتهديد ، وحسن هذا الأسلوب في الكتاب العزيز بذكر الشرط عاماً حيث قال سبحانه : { وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ } ولم يقل : وإن لم تبلغ الرسالة فما بلغت الرسالة ليتغايرا لفظاً وإن اتحدا معنى ، وهذا أحسن رونقاً وأظهر طلاوة من تكرار اللفظ الواحد في الشرط والجزاء ، وهذه الذروة انحط عنها أبو النجم بذكر المبتدأ بلفظ الخبر ، وحق له أن تتضاءل فصاحته عند فصاحة المعجز ، فلا معاب عليه في ذلك ، وقيل : إن المراد فإن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله ، فوضع السبب موضع المسبب ، ويعضده ما أخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده » من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، وأخرجه أبو الشيخ وابن حبان في تفسيره من مرسل الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" بعثني الله تعالى بالرسالة فضقت بها ذرعاً ، فأوحى الله تعالى إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت " وقيل : إن المراد إن تركت تبليغ ما أنزل إليك حكم عليك بأنك لم تبلغ أصلاً ، وقيل وليته ما قيل المراد بما أنزل القرآن ، وبما في الجواب بقية المعجزات ، وقيل : غير ذلك واستدل بالآية على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكتم شيئاً من الوحي ، ونسب إلى الشيعة أنهم يزعمون أنه عليه الصلاة والسلام كتم البعض تقية . وعن بعض الصوفية أن المراد تبليغ ما يتعلق به مصالح العباد من الأحكام ، وقصد بإنزاله اطلاعهم عليه ، وأمّا ما خص به من الغيب ولم يتعلق به مصالح أمته فله بل عليه كتمانه ، وروى السلمي عن جعفر رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى : { فأوحى إلى عَبْدِهِ مَا أوحى } [ النجم : 10 ] قال : أوحى بلا واسطة فيما بينه وبينه سراً إلى قلبه ، ولا يعلم به أحد سواه إلا في العقبى حين يعطيه الشفاعة لأمته ، وقال الواسطي ألقى إلى عبده ما ألقى ولم يظهر ما الذي أوحى لأنه خصه سبحانه به صلى الله عليه وسلم ، وما كان مخصوصاً به عليه الصلاة والسلام كان مستوراً ، وما بعثه الله تعالى به إلى الخلق كان ظاهراً ، قال الطيبي : وإلى هذا ينظر معنى ما روينا في «صحيح البخاري » عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين : فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع مني هذا البلعوم أراد عنقه وأصل معناه مجرى الطعام ، وبذلك فسره البخاري ، ويسمون ذلك علم الأسرار الإلهية وعلم الحقيقة ، وإلى ذلك أشار رئيس العارفين علي زين العابدين حيث قال :
إني لأكتم من علمي جواهره *** كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا
وقد تقدم في هذا أبو حسن *** إلى الحسين ، وأوصى قبله الحسنا
فرب جوهر علم لو أبرح به *** لقيل لي : أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي *** يرون أقبح ما يأتونه حسناً
ومن ذلك علم وحدة الوجود ، وقد نصوا على أنه طور ما وراء طور العقل ، وقالوا : إنه مما تعلمه الروح بدون واسطة العقل ، ومن هنا قالوا بالعلم الباطن على معنى أنه باطن بالنسبة إلى أرباب الأفكار ، وذوي العقول المنغمسين في أوحال العوائق والعلائق لا المتجردين العارجين إلى حضائر القدس ورياض الأنوار .
وقد ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني روح الله تعالى روحه في كتابه «الدرر المنثورة في بيان زبد العلوم المشهورة » ما نصه : وأما زبدة علم التصوف الذي وضع القوم فيه رسائلهم فهو نتيجة العمل بالكتاب والسنة ، فمن عمل بما علم تكلم كما تكلموا وصار جميع ما قالوه بعض ما عنده ، لأنه كلما ترقى العبد في باب الأدب مع الله تعالى دق كلامه على الأفهام حتى قال بعضهم لشيخه : إن كلام أخي فلان يدق على فهمي ، فقال : لأن ذلك قميصين وله قميص واحد فهو أعلى مرتبة منك ، وهذا هو الذي دعا الفقهاء ونحوهم من أهل الحجاب إلى تسمية علم الصوفية بعلم الباطن ، وليس ذلك بباطن إذ الباطن إنما هو علم الله تعالى ، وأما جميع ما علمه الخلق على اختلاف طبقاتهم فهو من علم الظاهر لأنه ظهر للخلق ، فاعلم ذلك انتهى .
وقد فهم بعضهم كون المراد تبليغ الأحكام وما يتعلق بها من المصالح دون ما يشمل علم الأسرار من قوله سبحانه : { مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ } دون ما تعرفنا به إليك ، وذكر أن علم الأسرار لم يكن منزلاً بالوحي بل بطريق الإلهام والمكاشفة ، وقيل : يفهم ذلك من لفظ الرسالة ، فإن الرسالة ما يرسل إلى الغير ، وقد أطال بعض الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم الكلام في هذا المقام ، والتحقيق عندي أن جميع ما عند النبي صلى الله عليه وسلم من الأسرار الإلهية وغيرها من الأحكام الشرعية قد اشتمل عليه القرآن المنزل فقد قال سبحانه : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } [ النحل : 89 ] وقال تعالى : { مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء } [ الأنعام : 38 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الترمذي وغيره : " ستكون فتن ، قيل : وما المخرج منها ؟ قال : كتاب الله تعالى فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما فيكم " ، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : أنزل في هذا القرآن كل علم وبين لنا فيه كل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن ، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه : جميع ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن ، ويؤيد ذلك ما رواه الطبراني في «الأوسط » من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«إني لا أحل إلا ما أحل الله تعالى في كتابه ولا أحرم إلا ما حرم الله تعالى في كتابه » ، وقال المرسي : جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علماً حقيقة إلا المتكلم به ، ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا ما استأثر به سبحانه ، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأعلامهم مثل الخلفاء الأربعة ومثل ابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، حتى قال : لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى ، ثم ورث عنهم التابعون بإحسان ، ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم وتضاءل أهل العلم وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه ، فنوّعوا علومه ، وقامت كل طائفة بفن من فنونه .
وقال بعضهم : ما من شيء إلا يمكن استخراجه من القرآن لمن فهمه الله تعالى حتى أن البعض استنبط عمر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين سنة من قوله سبحانه في سورة المنافقين ( 11 ) { وَلَن يُؤَخّرَ الله نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا } فإنها رأس ثلاث وستين سورة ، وعقبها بالتغابن ليظهر التغابن في فقده بنفس ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا مما لا يكاد ينتطح فيه كبشان ، فإذا ثبت أن جميع ذلك في القرآن كان تبليغ القرآن تبليغاً له ، غاية ما في الباب أن التوقيف على تفصيل ذلك سراً سراً وحكماً حكماً لم يثبت بصريح العبارة لكل أحد ، وكم من سر وحكم نبهت عليهما الإشارة ولم تبينهما العبارة ، ومن زعم أن هناك أسراراً خارجة عن كتاب الله تعالى تلقاها الصوفية من ربهم بأي وجه كان ، فقد أعظم الفرية وجاء بالضلال ابن السبهلل بلا مرية .
وقول بعضهم : أخذتم علمكم ميتاً عن ميت ونحن أخذناه عن الحي الذي لا يموت ، لا يدل على ذلك الزعم لجواز أن يكون ذلك الأخذ من القرآن بواسطة فهم قدسي أعطاه الله تعالى لذلك الآخذ ، ويؤيد هذا ما صح عن أبي جحيفة ، قال : قلت لعلي كرم الله تعالى وجهه : هل عندكم كتاب خصكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا إلا كتاب الله تعالى أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة وكانت متعلقة بقبضة سيفه قال : قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر .
«ويفهم منه كما قال القسطلاني جواز استخراج العالم من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولاً عن المفسرين إذا وافق أصول الشريعة » ، وما عند الصوفية على ما أقول كله من هذا القبيل إلا أن بعض كلماتهم مخالف ظاهرها لما جاءت به الشريعة الغراء ، لكنها مبنية على اصطلاحات فيما بينهم إذا علم المراد منها يرتفع الغبار ، وكونهم ملامين على تلك الاصطلاحات لقول علي كرم الله تعالى وجهه كما في «صحيح البخاري » " حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم " أو غير ملامين لوجود داع لهم إلى ذلك على ما يقتضيه حسن الظن بهم بحث آخر لسنا بصدده .
وقريب من خبر أبي جحيفة ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عنترة قال كنت عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فجاءه رجل فقال : إن ناساً يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئاً لم يبده رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس فقال : ألم تعلم أن الله تعالى قال : { يَعْمَلُونَ ياأيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } ؟ والله ما ورّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء في بيضاء ، وحمل وعاء أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي لم يبثه على علم الأسرار غير متعين لجواز أن يكون المراد منه إخبار الفتن وأشراط الساعة وما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من فساد الدين على أيدي أغيلمة من سفهاء قريش ، وقد كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول : لو شئت أن أسميهم بأسمائهم لفعلت ، أو المراد الأحاديث التي فيها تعيين أسماء أمراء الجور وأحوالهم وذمهم ، وقد كان رضي الله تعالى عنه يكني عن بعض ذلك ولا يصرح خوفاً على نفسه منهم بقوله : «أعوذ بالله سبحانه من رأس الستين وإمارة الصبيان » ، يشير إلى خلافة يزيد الطريد لعنه الله تعالى على رغم أنف أوليائه لأنها كانت سنة ستين من الهجرة ، واستجاب الله تعالى دعاء أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فمات قبلها بسنة ، وأيضاً قال القسطلاني : لو كان كذلك لما وسع أبي هريرة كتمانه مع ما أخرج عنه البخاري أنه قال : إن الناس يقولون : أكثر أبو هريرة الحديث ، ولولا آيتان في كتاب الله تعالى ما حدثت حديثاً ثم يتلو { إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى } إلى قوله تعالى : { الرحيم } [ البقرة : 159 ، 160 ] إلى آخر ما قال ، فإن ما تلاه دال على ذم كتمان العلم لا سيما العلم الذي يسمونه علم الأسرار ؛ فإن الكثير منهم يدعي أنه لب ثمرة العلم ، وأيضاً إن أبا هريرة نفى بث ذلك الوعاء على العموم من غير تخصيص ، فكيف يستدل به لذلك ، وأبو هريرة لم يكشف مستوره فيما أعلم ؟ فمن أين علم أن الذي علمه هو هذا ؟ا ومن ادعى فعليه البيان ، ودونه قطع الأعناق .
فالاستدلال بالخبر لطريق القوم فيه ما فيه ، ومثله ما روي عن زين العابدين رضي الله تعالى عنه ، نعم للقوم متمسك غير هذا مبين في موضعه لكن لا يسلم لأحد كائناً من كان أن ما هم عليه مما خلا عنه كتاب الله تعالى الجليل ، أو أنه أمر وراء الشريعة ، ومن برهن على ذلك بزعمه فقد ضل ضلالاً بعيداً ، فقد قال الشعراني قدس سره في «الأجوبة المرضية عن الفقهاء والصوفية » : سمعت سيدي علياً المرصفي يقول : لا يكمل الرجل في مقام المعرفة والعلم حتى يرى الحقيقة مؤيدة للشريعة ، وأن التصوف ليس بأمر زائد على السنة المحمدية ، وإنما هو عينها . وسمعت سيدي علياً الخواص يقول مراراً : من ظن أن الحقيقة تخالف الشريعة أو عكسه فقد جهل لأنه ليس عند المحققين شريعة تخالف حقيقة أبداً حتى قالوا : شريعة بلا حقيقة عاطلة وحقيقة بلا شريعة باطلة ، خلاف ما عليه القاصرون من الفقهاء والفقراء ، وقد يستند من زعم المخالفة بين الحقيقة والشريعة إلى قصة الخضر مع موسى عليهما السلام ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك على وجه لا يستطيع المخالف معه على فتح شفة .
ومما نقلنا عن القسطلاني في خبر أبي جحيفة يعلم الجواب عما قيل في الاعتراض على الصوفية : من أن ما عندهم إن كان موافقاً للكتاب والسنة فهما بين أيدينا ، وإن كان مخالفاً لهما فهو ردّ عليهم ، وما بعد الحق إلا الضلال ، والجواب باختيار الشق الأول وكون الكتاب والسنة بين أيدينا لا يستدعي عدم إمكان استنباط شيء منهما بعد ، ولا يقتضي انحصار ما فيهما فيما علمه العلماء قبل ، فيجوز أن يعطي الله تعالى لبعض خواص عباده فهماً يدرك به منهما ما لم يقف عليه أحد من المفسرين والفقهاء المجتهدين في الدين ، وكم ترك الأول للآخر ، وحيث سلم للأئمة الأربعة مثلاً اجتهادهم واستنباطهم من الآيات والأحاديث مع مخالفة بعضهم بعضاً ، فما المانع من أن يسلم للقوم ما فتح لهم من معاني كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإن خالف ما عليه بعض الأئمة ، لكن لم يخالف ما انعقد عليه الإجماع الصريح من الأمة المعصومة ، وأرى التفرقة بين الفريقين مع ثبوت علم كل في القبول والرد تحكماً بحتاً كما لا يخفى على المنصف .
وزعمت الشيعة أن المراد : بِ { مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ } خلافة علي كرم الله تعالى وجهه ، فقد رووا بأسانيدهم عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن الله تعالى أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستخلف علياً كرم الله تعالى وجهه ، فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه فأنزل الله تعالى هذه الآية تشجيعاً له عليه الصلاة والسلام بما أمره بأدائه .
/ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : نزلت هذه الآية في علي كرم الله تعالى وجهه حيث أمر سبحانه أن يخبر الناس بولايته فتخوّف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا حابى ابن عمه وأن يطعنوا في ذلك عليه ، فأوحى الله تعالى إليه هذه الآية فقام بولايته يوم غدير خم ، وأخذ بيده فقال عليه الصلاة والسلام : من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وأخرج الجلال السيوطي في «الدر المنثور » عن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر راوين عن أبي سعيد الخدري قال : نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم في علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه ، وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم { يَعْمَلُونَ ياأيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } إن علياً ولي المؤمنين { وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } وخبر الغدير عمدة أدلتهم على خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه ، وقد زادوا فيه إتماماً لغرضهم زيادات منكرة ، ووضعوا في خلاله كلمات مزورة ونظموا في ذلك الأشعار وطعنوا على الصحابة رضي الله تعالى عنهم بزعمهم أنهم خالفوا نص النبي المختار صلى الله عليه وسلم ، فقال إسماعيل بن محمد الحميري عامله الله تعالى بعدله من قصيدة طويلة :
عجبت من قوم أتوا أحمدا *** بخطة ليس لها موضع
قالوا له : لو شئت أعلمتنا *** إلى من الغاية والمفزع إذا توفيت وفارقتنا
وفيهم في الملك من يطمع ؟ *** فقال : لو أعلمتكم مفزعا
كنتم عسيتم فيه أن تصنعوا *** كصنع أهل العجل إذ فارقوا
هرون فالترك له أورع *** ثم أتته بعده عزمة
من ربه ليس لها مدفع أبلغ وإلا لم تكن مبلغا *** والله منهم عاصم يمنع
فعندها قام النبي الذي *** كان بما يأمره يصدع
يخطب مأموراً وفي كفه *** كف علي نورها يلمع رافعها ، أكرم بكف الذي
يرفع ، والكف التي ترفع *** من كنت مولاه فهذا له
مولى فلم يرضوا ولم يقنعوا *** وظل قوم غاظهم قوله
كأنما آنافهم تجدع *** حتى إذا واروه في لحده
وانصرفوا عن دفنه ضيعوا *** ما قال بالأمس وأوصى به
واشتروا الضر بما ينفع وقطعوا أرحامهم بعده *** فسوف يجزون بما قطعوا
وأزمعوا مكراً بمولاهم *** تباً لما كانوا به أزمعوا
لا هم عليه يردوا حوضه *** غداً ، ولا هو لهم يشفع
إلى آخر ما قال لا غفر الله تعالى له عثرته ولا أقال ، وأنت تعلم أن أخبار الغدير التي فيها الأمر بالاستخلاف غير صحيحة عند أهل السنة ولا مسلمة لديهم أصلاً ، ولنبين ما وقع هناك أتم تبيين ولنوضح الغث منه والسمين ، ثم نعود على استدلال الشيعة بالإبطال ومن الله سبحانه الاستمداد وعليه الاتكال ، فنقول :
«إن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في مكان بين مكة والمدينة عند مرجعه من حجة الوداع قريب من الجحفة يقال له : غدير خم ، فبين فيها فضل علي كرم الله تعالى وجهه وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن بسبب ما كان صدر منه ( إليهم ) من المعدلة التي ظنها بعضهم جوراً وتضييقاً وبخلاً ، والحق مع علي كرم الله تعالى وجهه في ذلك ، وكانت يوم الأحد ثامن عشر ذي الحجة تحت شجرة هناك *** فروى محمد بن إسحق عن يحيى بن عبد الله عن يزيد بن طلحة قال : لما أقبل علي كرم الله تعالى وجهه من اليمن ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تعجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف على جنده الذين معه رجلاً من أصحابه ، فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل حلة من البز الذي كان مع علي كرم الله تعالى وجهه ، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم فإذا عليهم الحلل ، قال : ويلك ما هذا ؟ قال : كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس ، قال : ويلك انتزع قبل أن ننتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فانتزع الحلل من الناس فردها في البز ( قال ) ( 1 ) وأظهر الجيش شكواه لما صنع لهم .
وأخرج عن زينب بنت كعب وكانت عند أبي سعيد الخدري عن أبي سعيد قال : اشتكى الناس علياً كرم الله تعالى وجهه ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيباً فسمعته يقول : أيها الناس لا تشكوا علياً فوالله إنه لأخشن في ذات الله تعالى أو في سبيل الله تعالى ، ورواه الإمام أحمد ، وروى أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن بريدة الأسلمي قال : غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة ، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت علياً كرم الله تعالى وجهه ( فتنقصته ) ( 1 ) ، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تغير ، فقال ( يا ) ( 1 ) بريدة : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قلت : بلى يا رسول الله قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، وكذا رواه النسائي بإسناد جيد قوي رجاله كلهم ثقات ، وروي بإسناد آخر تفرد به ، وقال الذهبي : إنه صحيح عن زيد بن أرقم قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فغممن ، ثم قال :
" كأني قد دعيت فأجبت إني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله تعالى وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، الله تعالى مولاي وأنا ولي كل مؤمن ، ثم أخذ بيد علي كرم الله تعالى وجهه فقال : من كنت مولاه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " ، فما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه وسمعه بأذنيه .
وروى ابن جرير عن علي بن زيد وأبي هارون العبيدي وموسى بن عثمان عن البراء قال : «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فلما أتينا على غدير خم كشح لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرتين ونودي في الناس الصلاة جامعة ، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً كرم الله تعالى وجهه وأخذ بيده وأقامه عن يمينه ، فقال : ألست أولى بكل امرىء من نفسه ؟ قالوا : بلى ، قال : فإن هذا مولى من أنا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، فلقيه عمر بن الخطاب فقال رضي الله تعالى عنه : هنيئاً لك أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة وهذا ضعيف فقد نصوا أن علي بن زيد وأبا هارون وموسى ضعفاء لا يعتمد على روايتهم » ، وفي السند أيضاً أبو إسحق وهو شيعي مردود الرواية .
وروى ضمرة بإسناده عن أبي هريرة قال : لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يد علي كرم الله تعالى وجهه قال : من كنت مولاه ، فأنزل الله تعالى { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } [ المائدة : 3 ] ثم قال أبو هريرة : وهو يوم غدير خم ، ومن صام يوم ثماني عشرة من ذي الحجة كتب الله تعالى له صيام ستين شهراً ، وهو حديث منكر جداً ، ونص في «البداية والنهاية » على أنه موضوع «وقد اعتنى بحديث الغدير أبو جعفر بن جرير الطبري فجمع فيه مجلدين أورد فيهما سائر طرقه وألفاظه ، وساق الغث والسمين والصحيح والسقيم على ما جرت به عادة كثير من المحدثين ، فإنهم يوردون ما وقع لهم في الباب من غير تمييز بين صحيح وضعيف ، وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة » ، والمعول عليه فيها ما أشرنا إليه ، ونحوه مما ليس فيه خبر الاستخلاف كما يزعمه الشيعة ، وعن الذهبي أن «من كنت مولاه فعلي مولاه » متواتر يتيقن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ، وأما اللهم وال من والاه ، فزيادة قوية الإسناد ، وأما صيام ثماني عشرة ذي الحجة فليس بصحيح ولا والله نزلت تلك الآية إلا يوم عرفة قبل غدير خم بأيام .
والشيخان لم يرويا خبر الغدير في «صحيحيهما » لعدم وجدانهما له على شرطهما ، وزعمت الشيعة أن ذلك لقصور وعصبية فيهما وحاشاهما من ذلك ، ووجه استدلال الشيعة بخبر من كنت مولاه فعلي مولاه أن المولى بمعنى الأولى بالتصرف ، وأولوية التصرف عين الإمامة ، ولا يخفى أن أول الغلط في هذا الاستدلال جعلهم المولى بمعنى الأولى ، وقد أنكر ذلك أهل العربية قاطبة بل قالوا : لم يجىء مفعل بمعنى أفعل أصلاً ، ولم يجوز ذلك إلا أبو زيد اللغوي متمسكاً بقول أبي عبيدة في تفسير قوله تعالى : { هِىَ مولاكم } [ الحديد : 15 ] أي أولى بكم . وردّ بأنه يلزم عليه صحة فلان مولى من فلان كما يصح فلان أولى من فلان ، واللازم باطل إجماعاً فالملزوم مثله ، وتفسير أبي عبيدة بيان لحاصل المعنى ، يعني النار مقركم ومصيركم والموضع اللائق بكم ، وليس نصاً في أن لفظ المولى ثمة بمعنى الأولى ، والثاني أنا لو سلمنا أن المولى بمعنى الأولى لا يلزم أن يكون صلته بالتصرف ، بل يحتمل أن يكون المراد أولى بالمحبة وأولى بالتعظيم ونحو ذلك ، وكم قد جاء الأولى في كلام لا يصح معه تقدير التصرف كقوله تعالى : { إِنَّ أَوْلَى الناس بإبراهيم لَلَّذِينَ اتبعوه وهذا النبى والذين ءامَنُواْ } [ آل عمران : 68 ] على أن لنا قرينتين على أن المراد من الولاية من لفظ المولى أو الأَوْلَى : المحبة ، إحداهما ما رويناه عن محمد بن إسحق في شكوى الذين كانوا مع الأمير كرم الله تعالى وجهه في اليمن كبريدة الأسلمي وخالد بن الوليد وغيرهما ولم يمنع صلى الله عليه وسلم الشاكين بخصوصهم مبالغة في طلب موالاته وتلطفاً في الدعوة إليها كما هو الغالب في شأنه صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك ، وللتلطف المذكور افتتح الخطبة صلى الله عليه وسلم بقوله : " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ، وثانيهما قوله عليه الصلاة والسلام على ما في بعض الروايات : " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " ، فإنه لو كان المراد من المولى المتصرف في الأمور أو الأولى بالتصرف لقال عليه الصلاة والسلام : اللهم وال من كان في تصرفه وعاد من لم يكن كذلك ، فحيث ذكر صلى الله عليه وسلم المحبة والعداوة فقد نبه على أن المقصود إيجاب محبته كرم الله تعالى وجهه والتحذير عن عداوته وبغضه لا التصرف وعدمه ، ولو كان المراد الخلافة لصرح صلى الله عليه وسلم بها . ويدل لذلك ما رواه أبو نعيم عن الحسن المثنى بن الحسن السبط رضي الله تعالى عنهما أنهم سألوه عن هذا الخبر ، هل هو نص على خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه ؟ فقال : لو كان النبي صلى الله عليه وسلم أراد خلافته لقال : أيها الناس هذا ولي أمري والقائم عليكم بعدي فاسمعوا وأطيعوا ، ثم قال الحسن : أقسم بالله سبحانه أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ( لو آثرا ) علياً لأجل هذا الأمر ولم يقدم علي كرم الله تعالى وجهه عليه لكان أعظم الناس خطأ ، وأيضاً ربما يستدل على أن المراد بالولاية المحبة بأنه لم يقع التقييد بلفظ بعدي ، والظاهر حينئذ اجتماع الولايتين في زمان واحد ، ولا يتصور الاجتماع على تقدير أن يكون المراد أولوية التصرف بخلاف ما إذا كان المراد المحبة .
وتمسك الشيعة في إثبات أن المراد بالمولى الأولى بالتصرف باللفظ الواقع في صدر الخبر على إحدى الروايات ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ونحن نقول : المراد من هذا أيضاً الأولى بالمحبة يعني ألست أولى : بالمؤمنين من أنفسهم بالمحبة ، بل قد يقال : الأولى ههنا مشتق من الولاية بمعنى المحبة ، والمعنى ألست أحب إلى المؤمنين من أنفسهم ؟ ليحصل تلاؤم أجزاء الكلام ويحسن الانتظام ، ويكون حاصل المعنى هكذا : يا معشر المؤمنين إنكم تحبوني أكثر من أنفسكم ، فمن يحبني يحب علياً اللهم أحب من أحبه وعاد من عاداه ، ويرشد إلى أنه ليس المراد بالأولى في تلك الجملة الأولى بالتصرف أنها مأخوذة من قوله تعالى : { النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأزواجه أمهاتهم * وَأُوْلُواْ الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله } [ الأحزاب : 6 ] وهو مسوق لنفي نسب الأدعياء ممن يتبنونهم ، وبيانه أن زيد بن حارثة لا ينبغي أن يقال : إنه ابن محمد صلى الله عليه وسلم لأن نسبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى جميع المؤمنين كالأب الشفيق بل أزيد ، وأزواجه عليه والسلام أمهاتهم ، والأقرباء في النسب أحق وأولى من غيرهم ، وإن كانت الشفقة والتعظيم للأجانب أزيد لكن مدار النسب على القرابة وهي مفقودة في الأدعياء لا على الشفقة والتعظيم ، وهذا ما في كتاب الله تعالى أي في حكمه ، ولا دخل لمعنى الأولى بالتصرف في المقصود أصلاً ، فالمراد فيما نحن فيه هو المعنى الذي أريد في المأخوذ منه ، ولو فرضنا كون الأولى في صدر الخبر بمعنى الأولى بالتصرف فيحتمل أن يكون ذلك لتنبيه المخاطبين بذلك الخطاب ليتوجهوا إلى سماع كلامه صلى الله عليه وسلم كمال التوجه ويلتفتوا إليه غاية الإلتفات ، فيقرر ما فيه من الإرشاد أتم تقرر ، وذلك كما يقول الرجل لأبنائه في مقام الوعظ والنصيحة : ألست أباكم ؟ وإذا اعترفوا بذلك يأمرهم بما قصده منهم ليقبلوا بحكم الأبوة والنبوة ويعملوا على طبقهما ، فقوله عليه الصلاة والسلام في هذا المقام : «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ » مثل «ألست رسول الله صلى الله عليه وسلم تعالى إليكم ؟ » «أو ألست نبيكم » ، ولا يمكن إجراء مثل ذلك فيما بعده تحصيلاً للمناسبة ، ومن الشيعة من أورد دليلاً على نفي معنى المحبة ، وهو أن محبة الأمير كرم الله تعالى وجهه أمر ثابت في ضمن آية
{ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } [ التوبة : 71 ] فلو أفاد هذا الحديث ذلك المعنى أيضاً كان لغواً ولا يخفى فساده ، ومنشؤه أن المستدل لم يفهم أن إيجاب محبة أحد في ضمن العموم شيء ، وإيجاب محبته بالخصوص شيء آخر ، والفرق بينهما مثل الشمس ظاهر ، ومما يزيد ذلك ظهوراً أنه لو آمن شخص بجميع أنبياء الله تعالى ، ورسله عليهم الصلاة والسلام ، ولم يتعرض لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بخصوصه بالذكر لم يكن إيمانه معتبراً ، وأيضاً لو فرضنا اتحاد مضمون الآية والخبر لا يلزم اللغو ، بل غاية ما يلزم التقرير والتأكيد ، وذلك وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد كان عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يؤكد مضامين القرآن ويقررها ، بل القرآن نفسه قد تكررت فيه المضامين لذلك ، ولم يقل أحد إن ذلك من اللغو والعياذ بالله تعالى وأيضاً التنصيص على إمامة الأمير كرم الله تعالى وجهه تكرر مراراً عند الشيعة ، فيلزم على تقدير صحة ذلك القول اللغوي ، ويجل كلام الشارع عنه ، ثم إن ما أشار إليه الحميري في قصيدته التي أسرف فيها من أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم بهذه الهيئة الاجتماعية جاءوا النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه تعيين الإمام بعده مما لم يذكره المؤرخون وأهل السير من الفريقين فيما أعلم ، بل هو محض زور وبهتان نعوذ بالله تعالى منه .
ومن وقف على تلك القصيدة الشنيعة بأسرها وما يرويه الشيعة فيها ، وكان له أدنى خبرة رأى العجب العجاب وتحقق أن قعاقع القوم كصرير باب أو كطنين ذباب ، ثم إن الأخبار الواردة من طريق أهل السنة الدالة على أن هذه الآية نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه على تقدير صحتها وكونها بمرتبة يستدل بها ليس فيها أكثر من الدلالة على فضله كرم الله تعالى وجهه وأنه ولي المؤمنين بالمعنى الذي قررناه ، ونحن لا ننكر ذلك وملعون من ينكره ، وكذا ما أخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ليس فيه أكثر من ذلك ، والتنصيص عليه كرم الله تعالى وجهه بالذكر لما قدمنا ، وقال بعض أصحابنا على سبيل التنزيل : إن الآية على خبر ابن مسعود وكذا خبر الغدير على الرواية المشهورة على تقدير دلالتهما على أن المراد الأولى بالتصرف لا بد أن يقيدا بما يدل على ذلك في المآل ، وحينئذ فمرحباً بالوفاق لأن أهل السنة قائلون بذلك حين إمامته ، ووجهه تخصيص الأمير كرم الله تعالى وجهه حينئذ بالذكر ما علمه عليه الصلاة والسلام بالوحي من وقوع الفساد والبغي في زمن خلافته ، وإنكار بعض الناس لإمامته الحقة ، وكون ذلك بعد الوفاة من غير فصل مما لا دليل عليه ، والخبر المصدر بكأني قد دعيت فأجبت ليس نصاً في المقصود كما لا يخفى ، ومما يبعد دعوى الشيعة من أن الآية نزلت في خصوص خلافة علي كرم الله تعالى وجهه ، وأن الموصول فيها خاص .
قوله تعالى : { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } فإن الناس فيه وإن كان عاماً إلا أن المراد بهم الكفار ، ويهديك إليه { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم * الكافرين } فإنه في موضع التعليل لعصمته عليه الصلاة والسلام ، وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر أي لأن الله تعالى لا يهديهم إلى أمنيتهم فيك ، ومتى كان المراد بهم الكفار بعد إرادة الخلافة ، بل لو قيل : لم تصح لم يبعد لأن التخوف الذي تزعمه الشيعة منه صلى الله عليه وسلم وحاشاه في تبليغ أمر الخلافة إنما هو من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، حيث إن فيهم معاذ الله تعالى من يطمع فيها لنفسه ، ومتى رأى حرمانه منها لم يبعد منه قصد الإضرار برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتزام القول والعياذ بالله عز وجل بكفر من عرضوا بنسبة الطمع في الخلافة إليه مما يلزمه محاذير كلية أهونها تفسيق الأمر كرم الله تعالى وجهه وهو هو ، أو نسبة الجبن إليه وهو أسد الله تعالى الغالب أو الحكم عليه بالتقية وهو الذي لا تأخذه في الله تعالى لومة لائم ولا يخشى إلا الله سبحانه أو نسبة فعل الرسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل الأمر الإلهي إلى العبث والكل كما ترى ، لا يقال : إن عندنا أمرين يدلان على أن المراد بالموصول الخلافة ، أحدهما : أنه صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بأبلغ عبارة بتبليغ الأحكام الشرعية التي يؤمر بها حيث قال سبحانه مخاطباً له عليه الصلاة والسلام : { فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين } [ الحجر : 94 ] فلو لم يكن المراد هنا فرد هو أهم الأفراد وأعظمها شأناً وليس ذلك إلا الخلافة إذ بها ينتظم أمر الدين والدنيا لخلا الكلام عن الفائدة ، وثانيهما : أن ابن إسحق ذكر في «سيرته » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع خطبته التي بين فيها ما بين ، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ، ثم قال : " أيها الناس اسمعوا قولي فإن لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً ، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا ، وإنكم ستلقون ربكم فيسألنكم عن أعمالكم ، وقد بلغت ، ثم أوصى صلى الله عليه وسلم بالنساء ، ثم قال عليه الصلاة والسلام : فاعقلوا قولي فإني قد بلغت ، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم إلى أن قال : بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم اللهم هل بلغت ؟ قال ابن إسحق : فذكر لي أن الناس قالوا : اللهم نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم اشهد "
انتهى . فإن هذه الرواية ظاهرة في أن الخطبة كانت يوم عرفة يوم الحج الأكبر كما في رواية يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ويوم الغدير كان اليوم الثامن عشر من ذي الحجة بعد أن فرغ صلى الله عليه وسلم من شأن المناسك وتوجه إلى المدينة المنورة ، وحينئذ يكون المأمور بتبليغه أمراً آخر غير ما بلغه صلى الله عليه وسلم قبل ، وشهد الناس على تبليغه ، وأشهد الله تعالى على ذلك ، وليس هذا إلا الخلافة الكبرى والإمامة العظمى ، فكأنه سبحانه يقول : يا أيها الرسول بلغ كون علي كرم الله تعالى وجهه خليفتك وقائماً مقامك بعدك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته وإن قال لك الناس حين قلت : اللهم هل بلغت ؟ اللهم نعم ، لأنا نقول : إن الشرطية في الأمر الأول بعد غمض العين عما فيه ممنوعة لجواز أن يراد بالموصول في الآيتين الأحكام الشرعية المتعلقة بمصالح العباد في معاشهم ومعادهم ، ولا يلزم الخلو عن الفائدة إذ كم آية تكررت في القرآن ، وأمر ونهى ذكر مراراً للتأكيد والتقرير ، على أن بعضهم ذكر أن فائدة الأمر هنا إزالة توهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك أو يترك تبليغ شيء من الوحي تقية ، ويرد على الأمر الثاني أمران : الأول : أن كون يوم الغدير بعد يوم عرفة مسلم ، لكن لا نسلم أن الآية نزلت فيه ليكون المأمور بتبليغه أمراً آخر ، بل الذي يقتضيه ظاهر الخطبة وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيها اللهم هل بلغت أن الآية نزلت قبل يومي الغدير وعرفة ، وما ورد في غير ما أثر من أن سورة المائدة نزلت بين مكة . والمدينة في حجة الوداع لا يصلح دليلاً للبعدية ولا للقبلية إذ ليس فيه ذكر الإياب ولا الذهاب ، وظاهر حاله صلى الله عليه وسلم في تلك الحجة من إراءة المناسك ووضع الربا ودماء الجاهلية وغير ذلك مما يطول ذكره ، وقد ذكره أهل السير يرشد إلى أن النزول كان في الذهاب ، والثاني : أنا لو سلمنا كون النزول يوم الغدير ، فلا نسلم أن المأمور بتبليغه أمر آخر ، وغاية ما يلزم حينئذ لزوم التكرار ، وقد علمت فائدته وكثرة وقوعه ، سلمنا أن المأمور بتبليغه أمر آخر لكنا لا نسلم أنه ليس إلا الخلافة ، وكم قد بلغ صلى الله عليه وسلم بعد ذلك غير ذلك من الآيات المنزلة عليه عليه الصلاة والسلام ، والذي يفهم من بعض الروايات أن هذه الآية قبل حجة الوداع ، فقد أخرج ابن مردويه والضياء في «مختاره » عن ابن عباس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي آية أنزلت من السماء أشد عليك ؟ فقال :
" كنت بمنى أيام موسم واجتمع مشركو العرب وأفناء الناس في الموسم فأنزل علي جبريل عليه السلام فقال : { يَعْمَلُونَ ياأيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } الآية ، قال : فقمت عند العقبة فناديت : يا أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالات ربي ولكم الجنة ، أيها الناس قولوا : لا إله إلا الله وأنا رسول الله إليكم تفلحوا وتنجحوا ولكم الجنة ، قال عليه الصلاة والسلام : فما بقي رجل ولا امرأة ولا أمة ولا صبي إلا يرمون علي بالتراب والحجارة ، ويقولون : كذاب صابىء ، فعرض على عارض فقال : يا محمد إن كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك ، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه " قال الأعمش : فبذلك تفتخر بنو العباس ، ويقولون فيهم نزلت { إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء } [ القصص : 56 ] هوى النبي صلى الله عليه وسلم أبا طالب ، وشاء الله تعالى عباس بن عبد المطلب ، وأصرح من هذا ما أخرجه أبو الشيخ وأبو نعيم في «الدلائل » وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس وكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه ، فقال : يا عم إن الله عز وجل قد عصمني " فإن أبا طالب مات قبل الهجرة ، وحجة الوداع بعدها بكثير ، والظاهر اتصال الآية ، وعن بعضهم أن الآية نزلت ليلاً بناءاً على ما أخرج عبد بن حميد والترمذي والبيهقي وغيرهم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } فأخرج رأسه من القبة فقال : " أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله تعالى " ولا يخفى أنه ليس بنص في المقصود ، والذي أميل إليه جمعاً بين الأخبار أن هذه الآية ما تكرر نزوله ، والله تعالى أعلم ، والمراد بالعصمة من الناس حفظ روحه عليه الصلاة والسلام من القتل والإهلاك ، فلا يرد أنه صلى الله عليه وسلم شج وجهه الشريف وكسرت رباعيته يوم أحد ، ومنهم من ذهب إلى العموم وادعى أن الآية إنما نزلت بعد أحد ، واستشكل الأمران بأن اليهود سموه عليه الصلاة والسلام حتى قال :
«لا زالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري » وأجيب بأنه سبحانه وتعالى ضمن له العصمة من القتل ونحوه بسبب تبليغ الوحي ، وأما ما فعل به صلى الله عليه وسلم وبالأنبياء عليهم الصلاة والسلام فللذب عن الأموال والبلاد والأنفس ، ولا يخفى بعده .
وقال الراغب : عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حفظهم بما خصوا به من صفاء الجوهر ، ثم بما أولاهم من الأخلاق والفضائل ، ثم بالنصرة وتثبيت أقدامهم ، ثم بإنزال السكينة عليهم وبحفظ قلوبهم وبالتوفيق ، وقيل : المراد بالعصمة الحفظ من صدور الذنب ، والمعنى : بلغ والله تعالى يمنحك الحفظ من صدور الذنب من بين الناس أي يعصمك بسبب ذلك دونهم ، ولا يخفى أن هذا توجيه لم يصدر إلا ممن لم يعصمه الله تعالى من الخطأ ، ومثله ما نقل عن علي بن عيسى في قوله سبحانه : { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين } حيث قال لا يهديهم بالمعونة والتوفيق والألطاف إلى الكفر بل إنما يهديهم إلى الإيمان ، وزعم أن الذين دعاه إلى هذا التفسير أن الله تعالى هدى الكفار إلى الإيمان بأن دلهم عليه ورغبهم فيه وحذرهم من خلافه ، وأنت قد علمت المراد بالآية على أن في كلامه ما لا يخفى من النظر ، وقال الجبائي : المراد لا يهديهم إلى الجنة والثواب ، وفيه غفلة عن كون الجملة في موضع التعليل ، وزعم بعضهم أن المراد إن عليك البلاغ لا الهداية ، فمن قضيت عليه بالكفر والوفاة عليه لا يهتدي أبداً وهو كما ترى فليفهم جميع ما ذكرناه في هذه الآية وليحفظ فإني لا أظن أنك تجده في كتاب . وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم رسالاته على الجمع .
( هذا ومن باب الإشارة : في بعض ما تقدم من الآيات ) { ياأيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } ذهب كثير من ساداتنا الصوفية إلى أن هذا أمر منه عز شأنه أن يبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم ما أنزل إليه ما يتعلق بأحكام العبودية ولم يأمره جل جلاله بأن يعرف الناس أسرار ما بينه وبينه فإن ذرة من أسراره سبحانه لا تتحملها السموات والأرض ، وهذه الأسرار هي المشار إليها بقوله تعالى : { فأوحى إلى عَبْدِهِ مَا أوحى } [ النجم : 10 ] . ولهذا قال سبحانه { أَنزَلْنَا إِلَيْكَ } ولم يقل ما خصصناك به أو ما تعرفنا به إليك . وقال بعضهم وهو المنصور : إن الموصول عام ويندرج فيه الوحي والإلهامات والمنامات والمشاهدات وسائر المواهب ، والرسول صلى الله عليه وسلم مأمور بتبليغ كل ذلك إلا أن مراتب التبليغ مختلفة حسب اختلاف الاستعدادات فتبليغ بالعبارة وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالهمة وتبليغ بالجذبة إلى غير ذلك فسبحان من أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } [ المائدة : 67 ] بما أودع فيك من أسرار الألوهية فلا يقدرون أن يوصلوا إليك ما يقطعك عن الله تعالى ، وقريب من ذلك ماقيل : يعصمك منهم أن يكون لك بهم اشتغال ، وقيل : يعصمك من أن ترى لنفسك فيهم شيئاً بل ترى الكل منه سبحانه وبه
{ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ْ }
هذا أمر من الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأعظم الأوامر وأجلها ، وهو التبليغ لما أنزل الله إليه ، ويدخل في هذا كل أمر تلقته الأمة عنه صلى الله عليه وسلم من العقائد والأعمال والأقوال ، والأحكام الشرعية والمطالب الإلهية . فبلغ صلى الله عليه وسلم أكمل تبليغ ، ودعا وأنذر ، وبشر ويسر ، وعلم الجهال الأميين حتى صاروا من العلماء الربانيين ، وبلغ بقوله وفعله وكتبه ورسله . فلم يبق خير إلا دل أمته عليه ، ولا شر إلا حذرها عنه ، وشهد له بالتبليغ أفاضل الأمة من الصحابة ، فمن بعدهم من أئمة الدين ورجال المسلمين .
{ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ ْ } أي : لم تبلغ ما أنزل إليك من ربك { فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ْ } أي : فما امتثلت أمره .
{ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ْ } هذه حماية وعصمة من الله لرسوله من الناس ، وأنه ينبغي أن يكون حرصك على التعليم والتبليغ ، ولا يثنيك عنه خوف من المخلوقين فإن نواصيهم بيد الله وقد تكفل بعصمتك ، فأنت إنما عليك البلاغ المبين ، فمن اهتدى فلنفسه ، وأما الكافرون الذين لا قصد لهم إلا اتباع أهوائهم فإن الله لا يهديهم ولا يوفقهم للخير ، بسبب كفرهم .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
هذا أمر من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى من أهل الكتابين الذين قصّ الله تعالى قصصهم في هذه السورة وذكر فيها معايبهم وخبث أديانهم واجتراءهم على ربهم وتوثبهم على أنبيائهم وتبديلهم كتابه وتحريفهم إياه ورداءة مطاعمهم ومآكلهم وسائر المشركين غيرهم، ما أنزل عليه فيهم من معايبهم والإزراء عليهم والتقصير بهم والتهجين لهم، وما أمرهم به ونهاهم عنه، وأن لا يشعر نفسه حذرا منهم أن يصيبه في نفسه مكروه، ما قام فيهم بأمر الله، ولا جزعا من كثرة عددهم وقلة عدد من معه، وأن لا يتقي أحدا في ذات الله، فإن الله تعالى كافيه كلّ أحد من خلقه، ودافعٌ عنه مكروه كل من يتقى مكروهه. وأعلمه تعالى ذكره أنه إن قصر عن إبلاغ شيء مما أنزل إليه إليهم، فهو في تركه تبليغ ذلك وإن قلّ ما لم يبلغ منه، فهو في عظيم ما ركب بذلك من الذنب بمنزلته لو لم يبلغ من تنزيله شيئا.
عن ابن عباس، قوله:"يا أيّها الرّسُولُ بَلّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبّكَ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رسالَتَهُ" يعني: إن كتمت آية مما أنزل عليك من ربك، لم تبلغ رسالتي.
حدثني يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع، قالا: حدثنا ابن عُلَية، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتقبه ناس من أصحابه، فلما نزلت: وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ خرج فقال: «يا أيّها النّاسُ الْحَقُوا بِمَلاحِقِكُمْ، فإنّ اللّهَ قَدْ عَصَمَنِي مِنَ النّاسِ».
واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية؛ فقال بعضهم: نزلت بسب أعرابيّ كان همّ بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكفاه الله إياه.
حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي وغيره، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة ظليلة، فيقيل تحتها، فأتاه أعرابي، فاخترط سيفه ثم قال: من يمنعك مني؟ قال: «الله». فرعدت يد الأعرابي، وسقط السيف منه. قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله: وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ.
وقال آخرون: بل نزلت لأنه كان يخاف قريشا، فأومن من ذلك.
حدثنا هناد، قال: حدثنا وكيع، عن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق، قال: قالت عائشة: من حدّثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فقد كذب. ثم قرأت: «يا أيّها الرّسُولُ بَلّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ... الآية.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن المغيرة، عن الشعبيّ، قال: قالت عائشة: من قال إن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم فقد كذب وأعظم الفرية على الله، قال الله: يا أيّها الرّسُولُ بَلّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبّكَ... الآية.
"وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ": يمنعك من أن ينالوك بسوء، وأصله من عصام القربة، وهو ما توكأ به من سير وخيط، "إنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ": إن الله لا يوفق للرشد من حاد عن سبيل الحقّ وجار عن قصد السبيل وجحد ما جئته به من عند الله، ولم ينته إلى أمر الله وطاعته فيما فرض عليه وأوجبه.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
وذلك أن أهل الكفر كانوا على طبقات ثلاث: منهم من يقول: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه، وقولهم: {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا} [فصلت: 26]، ومنهم من كان يخوفه، ويمكر به، ليقتلوه كقوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} الآية [الأنفال: 30]، ومنهم من كان يعرض عليه النساء والقصور ليترك ذلك، وألا يدعوهم إلى دينه الذي هو عليه. كانوا على الوجوه التي ذكرنا، فأمر الله عز وجل أن يقوم على تبليغ رسالته، وألا يمنعه ما يخشى من مكرهم وكيدهم على قتله. لأن المرء قد يمتنع عن القيام بما عليه إذا كذب في القوم، ولحقه أذى بذلك. فأمر الله عز وجل نبيه [صلى الله عليه وسلم] بتبليغ ما أنزل إليه، وإن خشي على نفسه الهلاك أو التكذيب في القول والأذى وترك طلب الموالاة. أي لا يمنعك شيء من ذلك من تبليغ ما أنزل إليك. وقوله تعالى: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} أي وإن [لم] تبلغ ما أنزل لما تخشى من الهلاك والمكر بك فكأنك لم تبلغ الرسالة رأسا. لم يعذر نبيه صلى الله عليه وسلم في ترك تبليغ الرسالة وإن خاف على نفسه الهلاك، ليس كمن أكره على الكفر أبيح له أن يتكلم بكلام الكفر بعد أن يكون قلبه مطمئنا بالإيمان إذا خاف الهلاك على نفسه. ولم يبح له ترك تبليغ الرسالة، وإن خشي على نفسه الهلاك. ذلك، والله أعلم، أن تبليغ الرسالة يتعلق باللسان دون القلب، والإيمان تعلقه بالقلب دون اللسان. فإذا أكره على الكفر أبيح له التكلم به بعد أن يكون القلب على حاله مطمئنا بالإيمان. إذا خاف الهلاك على نفسه. ولم يبح له ترك تبليغ الرسالة، وإن خشي على نفسه الهلاك. {والله يعصمك من الناس} دليل إثبات رسالته صلى الله عليه وسلم لأنه عز وجل أخبر أنه عصمه من الناس، فكان ما قال، فدل أنه علم ذلك بالله. وكذلك في قوله تعالى: {من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون} [هود: 55] كأن يقول بين ظهراني الكفرة: كيدوني جميعا، ثم لم يلحقه من كيدهم شيء. دل أنه كان بالله تعالى [معتصما]. وعن عائشة رضي الله عنها [أنها قالت]: كان النبي صلى الله عليه وسلم [يحرسه أصحابه]. فلما نزل قوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} قال: «انصرفوا إلى منازلكم فإن الله عصمني من الناس» [القرطبي: 6/180] فانصرفوا. ويحتمل قوله تعالى: {بلغ ما أنزل إليك من ربك} أي بلغ ما أنزل إليك من الآيات والحجج والبراهين التي جعلها الله أعلاما لرسالتك وآثارا لنبوتك، ليلزمهم الحجة بذلك، والله أعلم.
فيه أمرٌ للنبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ الناس جميعاً ما أرسله به إليهم من كتابه وأحكامه، وأن لا يكتم منه شيئاً خوفاً من أحد ولا مداراةً له، وأخبر أنه إن ترك تبليغ شيء منه فهو كمن لم يبلغ شيئاً.
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي 516 هـ :
قوله تعالى: {والله يعصمك من الناس}، يحفظك ويمنعك من الناس، فإن قيل: أليس قد شج رأسه وكسرت رباعيته، وأوذي بضروب من الأذى؟ قيل: معناه يعصمك من القتل، فلا يصلون إلى قتلك.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} جميع ما أنزل إليك وأي شيء أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحداً، ولا خائف أن ينالك مكروه {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ} وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} وقرئ: «رسالاته»، فلم تبلغ إذاً ما كلفت من أداء الرسالات، ولم تؤدّ منها شيئاً قط، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، وإن لم تؤدّ بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعاً، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها. وكونا كذلك في حكم شيء واحد. والشيء الواحد لا يكون مبلغاً غير مبلغ، مؤمناً به غير مؤمن به.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
قوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} إلى قوله {على القوم الكافرين} هذه الآية أمر من الله رسوله بالتبليغ على الاستيفاء والكمال. لأنه قد كان بلغ، فإنما أمر في هذه الآية بأن لا يتوقف عن شيء مخافة أحد، وذلك أن رسالته صلى الله عليه وسلم تضمنت الطعن على أنواع الكفرة وبيان فساد حالهم فكان يلقى منهم عنتاً وربما خافهم أحياناً قبل نزول هذه الآية، فقال الله له {بلغ ما أنزل إليك من ربك} أي كاملاً متمماً، ثم توعده تعالى بقوله: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته}، أي إنك إن تركت شيئاً فكأنما قد تركت الكل، وصار ما بلغت غير معتدّ به، فقوله تعالى: {وإن لم تفعل} معناه وإن لم تستوف.
زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 597 هـ :
{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}؛ فإن قيل: فأين ضمان العصمة وقد شُج جبينه، وكسرت رباعيته، وبولغ في أذاه؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه عصمه من القتل والأسر وتلف الجملة، فأما عوارض الأذى، فلا تمنع عصمة الجملة. والثاني: أن هذه الآية نزلت بعدما جرى عليه ذلك، لأن "المائدة "من أواخر ما نزل.
المسألة الأولى: قرأ نافع {رسالاته} في هذه الآية وفي الأنعام {حيث يجعل رسالته} على الجمع، وفي الأعراف {برسالاتي} على الواحد، وقرأ حفص عن عاصم على الضد، ففي المائدة والأنعام على الواحد، وفي الأعراف على الجمع، وقرأ ابن كثير في الجميع على الواحد، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم كله على الجمع.
حجة من جمع أن الرسل يبعثون بضروب من الرسالات وأحكام مختلفة في الشريعة، وكل آية أنزلها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم فهي رسالة، فحسن لفظ الجمع، وأما من أفرد فقال: القرآن كله رسالة واحدة، وأيضا فإن لفظ الواحد قد يدل على الكثرة وإن لم يجمع كقوله {وادعوا ثبورا كثيرا} فوقع الاسم الواحد على الجمع، وكذا هاهنا لفظ الرسالة وإن كان واحدا إلا أن المراد هو الجمع.
المسألة الثانية: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}: فإن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته، يعني أنه لا يمكن أن يوصف ترك التبليغ بتهديد أعظم من أنه ترك التبليغ، فكان ذلك تنبيها على غاية التهديد والوعيد والله أعلم.
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} هذا نداء بالصفة الشريفة التي هي أشرف أوصاف الجنس الإنساني، وأمر بتبليغ ما أنزل إليه وهو صلى الله عليه وسلم قد بلغ ما أنزل إليه، فهو أمر بالديمومة.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: من حَدّثَك أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا مما أُنزل عليه فقد كذب، الله يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} الآية. هكذا رواه ههنا مختصرًا، وقد أخرجه في مواضع من صحيحه مطولا. وكذا رواه مسلم في "كتاب الإيمان"، والترمذي والنسائي في "كتاب التفسير "من سننهما من طرق، عن عامر الشعبي، عن مسروق بن الأجدع، عنها رضي الله عنها.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما أتم ذلك سبحانه وعلم منه أن من أريدت سعادته يؤمن ولا بد، ومن أريدت شقاوته لا يؤمن أصلاً، ومن أقام ما أنزل عليه سعد، ومن كفر بشيء منه شقي، وكان ذلك ربما فتر عن الإبلاغ، قرن بقوله تعالى {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} [المائدة: 41] قولَه حاثاً على الإبلاغ لإسعاد من أريد للسعادة، وهم الأمة المقتصدة منهم وإن كانوا قليلاً، وكذا إبلاغ جميع من عداهم: {يا أيها الرسول} أي الذي موضوع أمره البلاغ {بلغ} أي أوصل إلى من أرسلت إليهم {ما أنزل إليك} أي كله {من ربك} أي المحسن إليك بإنزاله غير مراقب أحداً، ولا خائف شيئاً، لتعلم ما لم تكن تعلم، ويهدي على يدك من أراد الله هدايته، فيكون لك مثل أجره.
ولما كان إبلاغ ما يخالف الأهواء من الشدة على النفوس بمكان لا يعلمه إلا ذوو الهمم العالية والأخلاق الزاكية، كان المقام شديد الاقتضاء لتأكيد الحث على الإبلاغ، فدل على ذلك بالاعتراض بين الحال والعامل فيها، بالتعبير بالفعل الدال على داعية هي الردع بأن قال: {وإن لم تفعل} أي وإن لم تبلغ جميع ذلك، أو إن لم تعمل به {فما بلغت رسالته} لأن من المعلوم أن ما تقع على كل جزء مما أنزل، فلو ترك منه حرف واحد صدق نفي البلاغ لما أنزل، ولأن بعضها ليس بأولى بالإبلاغ من بعض، فمن أغفل شيئاً منها فكأنه أغفل الكل، كما أن من لم يؤمن ببعضها لم يؤمن بكلها، لإدلاء كل منها بما يدليه الآخر، فكانت لذلك في حكم شيء واحد، والمعنى: فلنجازينك، ولكنه كنى بالسبب عن المسبب إجلالاً له صلى الله عليه وسلم وإفادة لأن المؤاخذة تقع على الكل، لأنه ينتفي بانتفاء الجزء.
ولما تقدم أنهم يسعرون الحروب، ويسعون في إيقاع أشد الكروب، وكان ذلك -وإن وعد سبحانه بإخماده عند إيقاده- لا يمنع من تجويز أنه لا يخمد إلا بعد قتل ناس وجراح آخرين، وكان كأنه قيل: إذا بلغ ذلك وهو ينقّص أديانهم خيف عليه، قال: {والله} أي بلغ أنت والحال أن الذي أمرك بذلك وهو الملك الأعلى الذي لا كفوء له {يعصمك} أي يمنعك منعاً تاماً {من الناس} أي من أن يقتلوك قبل إتمام البلاغ وظهور الدين، فلا مانع من إبلاغ شيء منها لأحد من الناس كائناً من كان.
ولما آذن ضمان العصمة بالمخالفة المؤذنة بأن فيهم من لا ينفعه البلاغ فهو لا يؤمن، فلا يزال يبغي الغوائل. أقر على هذا الفهم بتعليل عدم الإيمان بقوله: {إن الله} أي الذي لا أمر لغيره {لا يهدي القوم الكافرين} أي المطبوع على قلوبهم في علم الله مطابقة لقوله {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً} [المائدة: 41] ويهدي المؤمنين في علمه المشار إليهم في قوله {ويغفر لمن يشاء} والحاصل أنه تبين من الآية الإرشاد إلى أن لترك البلاغ سببين: أحدهما خوف فوات النفس، والآخر خوف فوات ثمرة الدعاء، فنفي الأول بضمان العصمة، والثاني بختام الآية، أي ليس عليك إلاّ البلاغ، فلا يحزنك من لا يقبل، فليس إعراضه لقصور في إبلاغك ولا حظك، بل لقصور إدراكه وحظه لأن الله حتم بكفره وختم على قلبه لما علم من فساد طبعه، والله لا يهدي مثله، وتلخيصه: بلغ، فمن أجابك ممن أشير إليه -فيما سلف من غير الكثير الذين يزيدهم ما أنزل إليك عمى على عماهم ومن الأمة المقتصدة وغيرهم- فهو حظه في الدنيا والآخرة، ومن أبى فلا يحزنك أمره، لأن الله هو الذي أراد ضلاله. فالتقدير: بلغ، فليس عليك إلاّ البلاغ، وإلى الله الهدى والضلال، إن الله لا يهدي القوم الكافرين ويهدي القوم المؤمنين، أو فإذا بلغت هدى بك ربُّك من أراد إيمانه، ليكتب لك مثل أجرهم، وأضل من شاء كفرانه، ولا يكون عليك شيء من وزرهم، إن الله لا يهدي القوم الكافرين، والمعنى كما تقدم: يعصمك من أن ينالوك بما يمنعك من الإبلاغ حتى يتم دينك ويظهر 187 على الدين كله كما وعدتك...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} تقدم أن نداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلقب الرسول لم يرد إلا في موضعين من هذه السورة، وهذا ثانيهما؛ وكلاهما جاء في سياق الكلام في دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام ومحاجتهم في الدين. وقد اختلف مفسرو السلف وفي وقت نزول هذه الآية، فروى ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس، وأبو الشيخ عن الحسين، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد – ما يدل على أنها نزلت في أوائل الإسلام، وبدء العهد بالتبليغ العام. وكأنها على هذا القول وضعت في آخر [سورة] مدنية للتذكير بأول العهد بالدعوة في آخر العهد بها، وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب.
وروت الشيعة عن الإمام محمد الباقر أن المراد بما أنزل إليه من ربه النص على خلافة علي بعده، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يخاف أن يشق ذلك على بعض أصحابه فشجعه الله تعالى بهذه الآية. وفي رواية عن ابن عباس أن الله أمره أن يخبر الناس بولاية علي فتخوفوا أن يقولوا: حابى ابن عمه، وأن يطعنوا في ذلك عليه. فلما نزلت الآية عليه في غدير خم أخذ بيد علي وقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) ولهم في ذلك روايات وأقوال في التفسير مختلفة.
ومنها: ما ذكره الثعلبي في تفسيره أن هذا القول من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في موالاة علي شاع وطار في البلاد فبلغ الحارث بن النعمان الفهري، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ناقته وكان بالأبطح فنزل وعقل ناقته وقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في ملأ من أصحابه: يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله؛ فقبلنا منك – ثم ذكر سائر أركان الإسلام وقال – ثم لم ترض بهذا حتى مددت بضبعي ابن عمك وفضلته علينا، وقلت (من كنت مولاه فعلي مولاه) فهذا منك أم من الله؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم (والله الذي إله إلا هو، هو أمر الله) فولى الحارث يريد راحلته وهو يقول: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره، وأنزل الله تعالى: {سأل سائل بعذاب واقع للكافرين} [المعارج: 1، 2] الخ وهذه الرواية موضوعة. وسورة المعارج هذه مكية. وما حكاه الله من قول بعض كفار قريش {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} كان تذكيرا بقول قالوه قبل الهجرة، وهذا التذكير في سورة الأنفال وقد نزلت بعد غزوة بدر قبل نزول المائدة ببضع سنين، وظاهر الرواية أن الحارث بن النعمان هذا كان مسلما فارتد، ولم يعرف في الصحابة، والأبطح بمكة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يرجع من غدير خم إلى مكة؛ بل نزل فيه منصرفه من حجة الوداع إلى المدينة.
أما حديث (من كنت مولاه فعلي مولاه) فقد رواه أحمد في المسند من حديث البراء وبريدة، والترمذي والنسائي والضياء في المختار من حديث زيد ابن أرقم، وابن ماجه عن البراء، وحسنه بعضهم وصححه الذهبي بهذا اللفظ، ووثق أيضا سنده من زاد فيه (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) الخ وفي رواية أنه خطب الناس فذكر أصول الدين، ووصى بأهل بيته فقال: إني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما. فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، الله مولاي، وأنا ولي كل مؤمن) ثم أخذ بيد علي ثم قال – الحديث. ورواه غير من ذكر بأسانيد ضعيفة ومنها أن عمر لقيه فقال له: هنيئا لك أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة. وذكروا أن سببه تبرئة علي مما كان قاله فيه بعض من كان معه من اليمن واستمالتهم إليه، وذلك أن عليا كرم الله وجهه كان وجهه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية إلى اليمن، فقاتل من قاتل وأسلم على يديه من أسلم، ثم إنه تعجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدرك معه الحج واستخلف على جنده رجلا من أصحابه فكسا ذلك الرجل كل واحد منهم حلة من البز الذي مع علي. فلما دنا جيشه خرج إليهم فوجد عليهم الحلل فأنكر ذلك وانتزعها منهم، فأظهر الجيش شكواه من ذلك.
وروي أيضا عن بريدة الأسلمي أنه كان مع علي في غزوة اليمن وأنه رأى منه جفوة فشكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض المؤمنين يشكو عليا بغير حق، إذ لم يفعل إلا ما يرضي الحق، خطب الناس في غدير خم، وأظهر رضاه عن علي وولايته له وما ينبغي للمؤمنين من موالاته. وغدير خم مكان بين الحرمين قريب من رابغ على بعد ميلين من الجحفة، قالوا وقد نزله النبي صلى الله عليه وسلم وخطب الناس فيه في اليوم الثامن من ذي الحجة. وقد اتخذته الشيعة عيدا على عهد بني بويه في حدود الاربع مئة.
ويقول أهل السنة إن الحديث لا يدل على ولاية السلطة التي هي الإمامة أو الخلافة، ولم يستعمل هذا اللفظ في القرآن بهذا المعنى. بل المراد بالولاية فيه ولاية النصرة والمودة التي قال الله فيها في كل من المؤمنين والكافرين {بعضهم أولياء بعض} [المائدة:51] معناه من كنت ناصرا ومواليا له فعلي ناصره ومواليه، أو من والاني ونصرني فليوال عليا وينصره. وحاصل معناه أنه يقفو أثر النبي صلى الله عليه وسلم فينصر من ينصر النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى من ينصر النبي أن ينصره. وهذه مزية عظيمة. وقد نصر علي كرم الله وجهه أبا بكر وعمر وعثمان ووالاهم. فالحديث ليس حجة على من والاهم مثله، بل حجة له على من يبغضهم ويتبرأ منهم. وإنما يصح أن يكون حجة على من والى معاوية ونصره، فهو لا يدل على الإمامة بل يدل على نصره إماما ومأموما. ولو دل على الإمامة عند الخطاب لكان إماما مع وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم والشيعة لا تقول بذلك، وللفريقين أقوال في ذلك لا نحب استقصاءها والترجيح بينها، لأنها من الجدل الذي فرق بين المسلمين، وأوقع بينهم العداوة والبغضاء. وما دامت عصبية المذاهب غالبة على الجماهير فلا رجاء في تحريهم الحق في مسائل الخلاف، ولا في تجنبهم ما يترتب على الخلاف من التفرق والعداء. ولو زالت تلك العصبية ونبذها الجمهور لما ضر المسلمين حينئذ ثبوت هذا القول أو ذاك، لأنهم لا ينظرون فيه حينئذ إلا بمرآة الإنصاف والاعتبار، فيحمون المحقين، ويستغفرون للمخطئين {ربنا اغفر لنا وإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} {الحشر:10].
ثم إننا نجزم بأن مسألة الإمامة لو كان فيها نص من القرآن أو الحديث لتواتر واستفاض، ولم يقع فيها ما وقع من الخلاف، ولتصدى علي للقيام بأمر المسلمين يوم وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخطبهم وذكرهم بالنص، وبين لهم ما يحسن بيانه في ذلك الوقت. وكان هو الواجب عليه لو كان يعتقد أنه الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله ورسوله. ولكنه لم يقل ذلك ولا احتج بالآية هو ولا أحد من آل بيته وأنصاره الذي يفضلونه على غيره، يوم السقيفة ولا يوم الشورى بعد عمر، ولا قبل ذلك و بعده في زمنه، وهو هو الذي كان لا تأخذه في الله لومة لائم، ولم يعرف التقية في قول ولا عمل؛ وإنما وجدت هذه المسائل، ووضعت لها روايات واستنبطت الدلائل، بعد تكون الفرق وعصبية المذاهب. والوصية بالخلافة لا مناسبة لها في سياق محاجة أهل الكتاب، فهي مما لا ترضاه بلاغة القرآن. بل لو أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم النص على خلافته من بعده وتبليغ ذلك للناس لقاله في خطبته في حجة الوداع. وهي التي استشهد الناس فيها على تبليغه فشهدوا، وأشهد الله على ذلك. دع سياق الآية وما قبلها وما بعدها، فإنها هي نفسها تقبل أن يكون المراد التبليغ فيها تبليغ الناس إمارة علي، فإن جملة (إن لم تفعل) الشرطية، التي بعد جملة (بلغ) الأمرية، وجملة الأمر بالعصمة، وجملة التذييل التعليلي بنفي هداية الكافرين-لا يناسب شيء منها تبليغ الناس مسألة الإمارة، فتأمل الآية في ذاتها بعين البصيرة لا بعين التقليد.
وأما الحديث فنهتدي به: نوالي عليا المرتضى ونوالي من والاهم، ونعادي من عاداهم، ونعد ذلك كموالاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ونؤمن بأن عترته صلى الله عليه وآله وسلم لا تجمع على مفارقة الكتاب الذي أنزله الله عليه، وأن الكتاب والعترة خليفتا الرسول، فقد صح الحديث بذلك في غير قصة الغدير؛ فإذا أجمعوا على أمر قبلناه واتبعناه. وإذا تنازعوا في أمر رددناه إلى الله والرسول.
وأما المتبادر من الآية فالظاهر أنه الأمر بالتبليغ العام في أول الإسلام، كما رواه أهل التفسير بالمأثور، ولولاه لاحتمل أن يكون المراد به تبليغ أهل الكتاب ما بعده هذه الآية. كأنه قال: بلغ ما أنزل إليك في شأن أهل الكتاب، واذكر لهم ما يكون فصل الخطاب، فإن سألت عن ذلك الجواب: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} [المائدة:68] الخ ما سيأتي. وإذا صح حديث ابن عباس الذي رواه ابن مردويه والضياء لا يبقى للاحتمال مجال. قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي آية من السماء أنزلت أشد عليك؟ فقال: (كنت بمنى أيام موسم واجتمع مشركو العرب وأفناء الناس في الموسم، فنزل علي جبريل فقال: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَه} الآية. – قال – فقمت عند العقبة فقلت: يا أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالات ربي ولكم الجنة؟ أيها الناس قولوا لا إله إلا الله، وأنا رسول الله إليكم، تفلحوا وتنجحوا ولكم الجنة – قال صلى الله عليه وآله وسلم فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلا يرمون علي بالتراب والحجارة ويقولون كذاب صابئ: فعرض علي عارض فقال: يا محمد إن كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك) فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه. وسيأتي لهذا مزيد تأكيد.
قال تعالى: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ} أي وإن لم تفعل ما أمرت به التبليغ العام لما أنزل إليك كله – وهو ما عليه الجمهور – أو الخاص بأهل الكتاب – على ما سبق من الاحتمال – بأن كتمته ولو مؤقتا خوفا من الأذى بالقول أو الفعل أو بهما جميعا، {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَه} أي فحسبك جرما أنك ما بلغت الرسالة ولا قمت بما بعثت لأجله، وهو تبليغ الناس ما أنزل إليهم من ربهم {إن عليك إلا البلاغ} وذهب الجمهور إلى أن معناه: وإن لم تبلغ جميع ما أنزل إليك من ربك بأن كتمت بعضه فكأنك لم تبلغ منه شيئا قط، لأن كتمان البعض ككتمان الجميع. فهو من قبيل قوله تعالى: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة:32] ويقويه قراءة نافع وابن عامر وابن أبي بكر (رسالاته) بالجمع.
فمعنى هذه القراءة إفادة استغراق النفي لكل مسألة من مسائل الوحي الذي كلف الرسول تبليغه، لكن في الحكم لا في الواقع. فكأنه قال: وإن لم تفعل كنت كأنك ما بلغت شيئا ما من مسائل الرسالة لأنها لا تتجرأ. وقد ضعف هذا الوجه الإمام الرازي وإن كان رأي الجمهور، لأنه يقتضي أن ترك تبليغ بعض المسائل ترك لتبليغ كل مسألة بالفعل، وذلك خلاف الواقع؛ أو في الحكم، ولا يصح أن يجعل تارك صلاة واحدة كتارك جميع الصلوات. وإنما المعنى التشبيه من بعض الوجوه. ولا يعارض ما لا يتجزأ في الحكم كالإيمان والكفر بما يتجزأ كالعبادات والمعاصي. وترك التبليغ لو جاز وقوعه كفر. ولهذا المعنى نظير يؤيده وهو حكم الله بأن من كذب بعض الرسل كان كمن كذبهم كلهم، وذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} [النساء:149] بل ورد ما يؤيد الوجه الآخر أيضا، وهو تشبيه قاتل النفس الواحدة بقاتل الناس جميعا، وتقدمت الآية في ذلك. وأما معنى قراءة الآخرين (رسالته) بالإفراد فهو نفي القيام بمنصب الرسالة.
وقد جاء في القرآن ذكر تبليغ الرسالات بالجمع في قوله تعالى من سورة الأحزاب بعد قصة زيد وزينب {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه و يخشون أحد إلا الله} [الأحزاب: 39] هكذا فقرأ الجماعة كلهم (رسالات) بالجمع، وإنما قرئ بالإفراد في الشواذ. وجاء في مواضع أخرى من سورة الأعراف وغيرها. والاستشهاد بآية الأحزاب أنسب في هذا المقام، لأن ما نزل في قصة زيد وزينب هو أشد ما نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم متعلقا بشخصه الكريم، وهو قوله تعالى: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه: أمسك عليك زوجك واتق الله. وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} [الأحزاب: 37] حتى روي عن عائشة وأنس (رض) أنهما قالا: لو كتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن شيئا لكتم هذه الآية.
فإن قيل: إن الله تعالى قد عصم الرسل عليهم السلام من كتمان شيء كما أمرهم بتبليغه، ولولا ذلك لبطلت حكمة الرسالة بعدم ثقة الناس بالتبليغ، فما حكمة التصريح مع هذا بالأمر بالتبليغ، وتأكيده بجعل كتمان بعضه ككتمان كله؟ قلت: حكمته بالنسبة إلى الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إعلام الله تعالى إياه بأن التبليغ حتم لا تخيير فيه، و لا يجوز كتمانه ولو مؤقتا بتأخير شيء منه عن وقته على سبيل الاجتهاد. إذ كان يجوز لولا هذا النص أن يكون من اجتهاد الرسول تأخير بعض الوحي إلى أن يقوى استعداد الناس لقبوله، ولا يحملهم سماعه على رده، وإيذاء الرسول لأجله، -وحكمته بالنسبة إلى الناس أن يعرفوا هذه الحقيقة بالنص، فلا يعذروا إذا اختلفوا فيها اختلاف الرأي والفهم...
والحق الذي لا مرية فيه أن الرسول بلغ جميع ما أنزل الله إليه من القرآن وبينه، ولم يخص أحدا بشيء من علم الدين...
{وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} روى أهل التفسير بالمأثور والترمذي وأبو الشيخ والحاكم وأبو نعيم والبيهقي والطبراني عن بضعة رجال من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحرس في مكة قبل نزول هذه الآية فلما نزلت ترك الحرس، وكان أبو طالب أول الناس اهتماما بحراسته، وحرسه العباس أيضا، ومما روي في ذلك عن جابر وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحرس وكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت الآية فقال (يا عم! إن الله قد عصمني لا حاجة لي إلى من تبعث) ومعنى (يعصمك من الناس) يمنعك من فتكهم، مأخوذ من عصام القربة، وهو ما توكأ به – أي ما يربط به فمها – من سير جلد أو خيط. والمراد بالناس الكفار الذين يتضمن تبليغ الوحي بيان كفرهم وضلالهم، وفساد عقائدهم وأعمالهم، والنعي عليهم وعلى سلفهم، فإن ذلك يغيظهم ويحملهم على الإيذاء، لذلك كان المشركون يتصدون لإيذائه صلى الله عليه وآله وسلم بالقول والفعل. وائتمروا به بعد موت أبي طالب وقرروا قتله في دار الندوة، ولكن الله تعالى عصمه منهم. وكذلك فعل اليهود بعد الهجرة. ولذلك قيل: إن هذه الآية نزلت مرتين، فإن لم تكن نزلت مرتين فقد وضعت في سياق تبليغ أهل الكتاب لتدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان عرضة لإيذائهم، وإن الله تعالى هو الذي عصمه من كيدهم، وللتذكير بما كان من إيذاء مشركي قومه من قبلهم.
أما قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} فهو تذييل تعليلي للعصمة، أي أنه تعالى لا يهدي أولئك الناس الذين هم بصدد إيذائك على التبليغ – وهم القوم الكافرون – إلى ما يهمون به من ذلك، بل يكونون خائبين وتتم كلمات الله تعالى حتى يكمل بها الدين.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
يمضي هذا الدرس في بيان حال أهل الكتاب -من اليهود والنصارى- وكشف الانحراف فيما يعتقدون، وكشف السوء فيما يصنعون؛ في تاريخهم كله -وبخاصة اليهود- كما يمضي في تقرير نوع العلاقة بنيهم وب إنه الأمر الجازم الحاسم للرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه كاملا، وألا يجعل لأي اعتبار من الاعتبارات حسابا وهو يصدع بكلمة الحق.. هذا، وإلا فما بلغ وما أدى وما قام بواجب الرسالة.. والله يتولى حمايته وعصمته من الناس، ومن كان الله له عاصما فماذا يملك له العباد المهازيل!
إن كلمة الحق في العقيدة لا ينبغي أن تجمجم! إنها يجب أن تبلغ كاملة فاصلة؛ وليقل من شاء من المعارضين لها كيف شاء؛ وليفعل من شاء من أعدائها ما يفعل؛ فإن كلمة الحق في العقيدة لا تملق الأهواء؛ ولا تراعي مواقع الرغبات؛ إنما تراعي أن تصدع حتى تصل إلى القلوب في قوة وفي نفاذ..
وكلمة الحق في العقيدة حين تصدع تصل إلى مكامن القلوب التي يكمن فيها الاستعداد للهدى.. وحين تجمجم لا تلين لها القلوب التي لا استعداد فيها للإيمان؛ وهي القلوب التي قد يطمع صاحب الدعوة في أن تستجيب له لو داهنها في بعض الحقيقة!
(إن الله لا يهدي القوم الكافرين)..
وإذن فلتكن كلمة الحق حاسمة فاصلة كاملة شاملة.. والهدى والضلال إنما مناطهما استعداد القلوب وتفتحها، لا المداهنة ولا الملاطفة على حساب كلمة الحق أو في كلمة الحق!
إن القوة والحسم في إلقاء كلمة الحق في العقيدة، لا يعني الخشونة والفظاظة؛ فقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة -وليس هنالك تعارض ولا اختلاف بين التوجيهات القرآنية المتعددة- والحكمة والموعظة الحسنة لا تجافيان الحسم والفصل في بيان كلمة الحق. فالوسيلة والطريقة إلى التبليغ شيء غير مادة التبليغ وموضوعه. والمطلوب هو عدم المداهنة في بيان كلمة الحق كاملة في العقيدة، وعدم اللقاء في منتصف الطريق في الحقيقة ذاتها. فالحقيقة الاعتقادية ليس فيها أنصاف حلول.. ومنذ الأيام الأولى للدعوة كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة في طريقة التبليغ، وكان يفاصل مفاصلة كاملة في العقيدة، فكان مأمورا أن يقول: (يا أيها الكافرون: لا أعبد ما تعبدون..) فيصفهم بصفتهم؛ ويفاصلهم في الأمر، ولا يقبل أنصاف الحلول التي يعرضونها عليه، ولا يدهن فيدهنون، كما يودون! ولا يقول لهم: إنه لا يطلب إليهم إلا تعديلات خفيفة فيما هم عليه، بل يقول لهم: إنهم على الباطل المحض، وإنه على الحق الكامل.. فيصدع بكلمة الحق عالية كاملة فاصلة، في أسلوب لا خشونة فيه ولا فظاظة..
وهذا النداء، وهذا التكليف، في هذه السورة:
(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك -وإن لم تفعل فما بلغت رسالته- والله يعصمك من الناس.. إن الله لا يهدي القوم الكافرين)..
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
...والتّبليغ جعل الشيء بالغاً. والبلوغ الوصول إلى المكان المطلوب وصوله، وهو هنا مجاز في حكاية الرّسالة للمرسل بها إليه من قولهم: بَلَغ الخبر وبلغَت الحاجة. والأمر بالتّبليغ مستعمل في طلب الدّوام، كقوله تعالى: {يأيّها الّذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله} [النساء: 136]. ولمّا كان نزول الشريعة مقصوداً به عمل الأمّة بها (سواء كان النّازل متعلّقاً بعمل أم كان بغير عمل، كالّذي ينزل ببيان أحوال المنافقين أو فضائل المؤمنين أو في القصص ونحوها، لأنّ ذلك كلّه إنّما نزل لفوائد يتعيّن العلم بها لحصول الأغراض الّتي نزلت لأجلها، على أنّ للقرآن خصوصية أخرى وهي ما له من الإعجاز، وأنّه متعبَّد بتلاوته، فالحاجة إلى جميع ما ينزل منه ثابتة بقطع النّظر عمّا يحويه من الأحكام وما به من مواعظ وعبر)، كان معنى الرّسالة إبلاغ ما أنزل إلى مَن يراد علمه به وهو الأمّة كلّها، ولأجل هذا حذف متعلِّق {بلِّغ} لقصد العموم، أي بلّغ ما أنزل إليك جميع من يحتاج إلى معرفته، وهو جميع الأمّة، إذ لا يُدرى وقت ظهور حاجة بعض الأمّة إلى بعض الأحكام، على أنّ كثيراً من الأحكام يحتاجها جميع الأمّة.
والتّبليغ يحصل بما يكفل للمحتاج إلى معرفة حكمٍ تَمكُّنَه من معرفته في وقت الحاجة أو قبله، لذلك كان الرسول عليه الصّلاة والسّلام يقرأ القرآن على النّاس عند نزول الآية ويأمر بحفظها عن ظهر قلب وبكتابتها، ويأمر النّاس بقراءته وبالاستماع إليه. وقد أرسل مصعباً بن عُمير إلى المدينة قبل هجرته ليعلّم الأنصار القرآن. وكان أيضاً يأمر السامع مقالتَه بإبلاغها مَن لم يسمعها، ممّا يكفل ببلوغ الشّريعة كلّها للأجيال من الأمّة. ومن أجل ذلك كان الخلفاء مِن بعدِه يعطون النّاس العطاءَ على قدر ما معهم من القرآن. ومن أجل ذلك أمر أبو بكر بكتابة القرآن في المصحف بإجماع الصّحابة، وأكمل تلك المزيّة عثمان بن عفّان بانتساخ القرآن في المصاحف وإرسالها إلى أمصار الإسلام، وقد كان رسول الله عيَّن لأهل الصّفَّة الانقطاع لحفظ القرآن.
والّذي ظهر من تتبّع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه كان يبادر بإبلاغ القرآن عند نزوله، فإذا نزل عليه ليلاً أخبر به عند صلاة الصّبح. وفي حديث عمر، قال رسول الله:"لقد أنزِلت عليّ اللّيلة سورة لَهِي أحبّ إليّ ممّا طلعتْ عليه الشّمس" ثمّ قرأ: {إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً} [الفتح: 1]. وفي حديث كعب بن مالك في تخلّفه عن غزوة تبوك « فأنزل الله توبتنا على نبيّه حين بقي الثلثُ الآخر من اللّيل ورسُولُ الله عند أمّ سلمة، فقال: يا أمّ سلمة تِيب على كعب بن مالك، قالت: أفَلا أرْسِلُ إليه فأبشِّرَهُ، قال: « إذاً يَحطمُكم النّاسُ فيمنعونَكم النّومَ سائر اللَّيلة.
حتّى إذا صلّى رسول الله صلاة الفجر آذَنَ بتوبة الله علينا». وفي حديث ابن عبّاس: أنّ رسول الله نزلت عليه سورة الأنعام جملة واحدة بمكّة ودعا رسول الله الكتَّاب فكتبوها من ليلتهم.
وفي الإتيان بضمير المخاطب في قوله: {إليك من ربّك} إيماء عظيم إلى تشريف الرسول صلى الله عليه وسلم بمرتبة الوساطة بين الله والنّاس، إذ جَعل الإنزال إليه ولم يقل إليكم أو إليهم، كما قال في آية [آل عمران: 199] {وإنّ من أهل الكتاب لَمَنْ يؤمن بالله وما أنزل إليكم} وقوله: {لتُبيّن للنّاس ما نُزّل إليهم} [النحل: 44]. وفي تعليق الإنزال بأنّه من الرّب تشريف للمنزّل.
والإتيان بلفظ الرّب هنا دون اسم الجلالة لما في التذكير بأنّه ربّه من معنى كرامته، ومن معنى أداء ما أراد إبلاغه، كما ينبغي من التعجيل والإشاعة والحثّ على تناوله والعمل بما فيه.
... وقوله: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته} جاء الشّرط بإنْ الّتي شأنها في كلام العرب عدم اليقين بوقوع الشرط، لأنّ عدم التّبليغ غيرُ مظنون بمحمدّ صلى الله عليه وسلم وإنّما فُرض هذا الشّرط ليبني عليه الجوابُ، وهو قوله: {فمَا بَلَّغْتَ رسالاته}، ليستفيق الّذين يرجون أن يسكت رسول الله عن قراءة القرآن النّازل بفضائحهم من اليهود والمنافقين، وليبكت من علم الله أنّهم سيفترون، فيزعمون أنّ قُرآناً كثيراً لم يبلّغه رسول الله الأمَّةَ.
ومعنى {لم تفعل} لم تفعل ذلك، وهو تبليغ ما أنزل إليك. وهذا حذف شائع في كلامهم، فيقولون: فإن فعلت، أو فإن لم تَفعل. قال تعالى: {ولا تَدْعُ من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرّك فإن فَعَلْتَ فإنّك إذاً من الظّالمين} [يونس: 106] أي إن دعوتَ ما لا ينفعك، يَحذفون مفعول فعلتَ ولم تَفْعَل لدلالة ما تقدّم عليه، وقال تعالى: {فإن لم تَفْعَلوا ولن تفعلوا} في سورة [البقرة: 24]. وهذا ممّا جرى مجرى المثل فلا يتصرّف فيه إلاّ قليلاً ولم يتعرّض له أيمّة الاستعمال.
ومعنى تَرَتّب هذا الجواب على هذا الشّرط أنّك إنْ لم تُبلّغ جميع ما أنزل إليك فتركت بعضه كنت لم تبلّغ الرّسالة، لأنّ كتم البعض مثل كتمان الجميع في الاتّصاف بعدم التّبليغ، ولأنّ المكتوم لا يدري أن يكون في كتمانه ذهاب بعض فوائد ما وقع تبليغه، وقد ظهر التّغاير بين الشّرط وجوابه بما يدفع الاحتياج إلى تأويل بناء الجواب على الشّرط، إذ تقدير الشّرط: إنْ لم تبلّغ مَا أنزل، والجزاءُ، لم تُبلّغ الرّسالة، وذلك كافٍ في صحّة بناءِ الجواب على الشرط بدون حاجة إلى ما تأوّلوه ممّا في وغيره. ثمّ يعلم من هذا الشّرط أنّ تلك منزلة لا تليق بالرسل، فينتج ذلك أنّ الرسول لا يكتم شيئاً ممّا أرسل به. وتظهر فائدة افتتاح الخطاب ب {يأيّها الرسول} للإيماء إلى وجه بناء الخبر الآتي بعده، وفائدة اختتامه بقوله: {فما بلّغتَ رسالته}.