{ وَءاخَرُونَ } بيان لحال طائفة من المسلمين ضعيفة الهمم في أمر الدين ولم يكونوا منافقين على الصحيح . وقيل : هم طائفة من المنافقين إلا أنهم وفقوا للتوبة فتاب الله عليهم . قيل : وهو مبتدأ خبره جملة { خَلَطُواْ } وهي حال بتقدير قد والخبر جملة { عَسَى الله } الخ ، والمحققون على أنه معطوف على { منافقون } [ التوبة : 101 ] أي ومنهم يعني ممن حولكم أو من أهل المدينة قوم آخرون { اعترفوا } أي أقروا عن معرفة { بِذُنُوبِهِمْ } التي هي تخلفهم عن الغزو وإيثار الدعة عليه والرضا بسوء جوار المنافقين ولم يعتذروا بالمعاذير الكاذبة المؤكدة بالإيمان الفاجرة وكانوا على ما أخرج البيهقي في الدلائل . وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عشرة تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فلما حشر رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسوارى المسجد وكان ممر النبي عليه الصلاة والسلام إذا رجع في المسجد عليهم فلما رآهم قال : من هؤلاء الموثقون أنفسهم ؟ قالوا : هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله وقد أقسموا أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا أقسم بالله تعالى لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم فأنزل الله تعالى الآية فأرسل عليه الصلاة والسلام إليهم فأطلقهم وعذرهم .
وفي رواية أخرى عنه أنهم كانوا ثلاثة ، وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد أنهم كانوا ثمانية ، وروي أنهم كانوا خمسة ، والروايات متفقة على أن أبا لبابة بن عبد المنذر منهم { خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا } خروجاً إلى الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَءاخَرَ سَيّئاً } تخلفاً عنه عليه الصلاة والسلام روي هذا عن الحسن . والسدى ، وعن الكلبي أن الأول التوبة والثاني الاثم ، وقيل : العمل الصالح يعم جميع البر والطاعة والسيء ما كان ضده ، والخلط المزج وهو يستدعي مخلوطاً ومخلوطاً به والأول هنا هو الأول والثاني هو الثاني عند بعض ، والواو بمعنى الباء كما نقل عن سيبويه في قولهم : بعت الشاء شاة ودرهما ، وهو منا باب الاستعارة لأن الباء للالصاق والواو وللجمع وهما من واد واحد ، ونقل شارح اللبان عن ابن الحاجب إن أصل المثال بعت الشاة بدرهم أي مع درهم ثم كثر ذلك فأبدلوا من باء المصاحبة واواً فوجب أن يعرب ما بعدها بإعراب ما قبلها كما في قولهم : كل رجل وضيعته ، ولا يخفى ما فيه من التكلف . وذكر الزمخشري أن كل واحد من المتعاطفين مخلوط ومخلوط به لأن المعنى خلط كل واحد منهما بالآخر كقولك : خلطت الماء واللبن تريد خلطت كل واحد منهما بصاحبه ، وفيه ما ليس في قولك : خلطت الماء باللبن لأنك جعلت الماء مخلوطاً واللبن مخلوطاً به وإذا قلته بالواو وجعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطاً بهما كأنك قلت خلطت الماء باللبن واللبن بالماء ، وحاصله أن المخلوط به في كل واحد من الخلطين هو المخلوط في الآخر لأن الخلط لما اقتضى مخلوطاً به فهو إما الآخر أو غيره والثاني منتف بالأصل والقرينة لدلالة سياق الكلام إذا قيل : خلطت هذا وذاك على أن كلا منهما مخلوط ومخلوط به وهو أبلغ من أن يقال خلطت أحدهما بالآخر إذ فيه خلط واحد وفي الواو خلطان .
واعترض بأن خلط أحدهما بالآخر يستلزم خلط الآخر به ففي كل من الواو والباء خلطان فلا فرق ، وأجيب بأن الواو تفيد الخلطين صريحاً بخلاف الباء فالفرق متحقق ، وفيه تسليم حديث الاستلزام ولا يخفى أن فيه خلطاً حيث لم يفرق فيه بين الخلط والاختلاط ، والحق أن اختلاط أحد الشيئين بالآخر مستلزم لاختلاط الآخر به وأما خلط أحدهما بالآخر فلا يستلزم خلط الآخر به لأن خلط الماء باللبن مثلاً معناه أن يقصد الماء أو لا يجعل مخلوطاً باللبن وظاهر أنه لا يستلزم أن يقصد اللبن أولا بل ينافيه ، فعلى هذا معنى خلط العمل الصالح بالسيء أنهم أتوا أولاً بالصالح ثم استعقبوه سيئاً ومعنى خلط السيء بالصالح أنهم أتوا أولا بالسيء ثم أردفوه بالصالح ، وإلى هذا يشير كلام السكاكي حيث جعل تقدير الآية خلطوا عملاً صالحاً بسيء وآخر سيئاً بصالح أي تارة أطاعوا واحبطوا الطاعة بكبيرة وأخرى عصوا وتداركوا المعصية بالتوبة وهو ظاهر في أن العمل الصالح والسيء في أحد الخلطين غيرهما في الخلط الآخر ، وكلام الزمخشري ظاهر في اتحادهما وفيه ما فيه ، ولذلك رجح ما ذهب إليه السكاكي لكن ما ذكره من الإحباط ميل إلى مذهب المعتزلة ، وادعى بعضهم أن ما في الآية نوع من البديع يسمى الاحتباك والأصل خلطوا عملاً صالحاً بآخر سيء وخلطوا آخر سيئاً بعمل صالح ، هو خلاف الظاهر .
واستظهر ابن المنير كون الخلط مضمناً معنى العمل والعدول عن الباء لذلك كأنه قيل : عملوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ، وأنا اختار أن الخلط بمعنى الجمع هنا وإذا اعتبر السياق وسبب النزول يكون المراد من العمل الصالح الاعتراف بالذنوب من التخلف عن الغزو وما معه من السيء تلك الذنوب أنفسها ويكون المقصود بالجمع المتوجه إليه أولاً بالضم هو الاعتراف ، والتعبير عن ذلك بالخلط للاشارة إلى وقوع ذلك الاعتراف على الوجه الكامل حتى كأنه تخلل الذنوب وغير صفتها ، وإذا لم يعتبر سبب النزول يجوز أن يراد من العمل الصالح الاعتراف بالذنوب مطلقاً ومن السيء الذنوب كذلك وتمام الكلام بحاله ، ويجوز أن يراد من العمل الصالح والسيء ما صدر من الأعمال الحسنة والسيئة مطلقاً ، ولعل المتوجه إليه أولى على هذا أيضاً ليجمع العمل الصالح إذ بضمه يفتح باب الخير ، ففي الخبر «أتبع السيئة بالحسنة تمحها » ، وقد حمل بعضهم الحسنة فيه على مطلقها ، وأخرج ابن سعد عن الأسود بن قيس قال : لقي الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما يوماً حبيب بن مسلمة فقال : يا حبيب رب مسير لك في غير طاعة الله تعالى فقال : أما مسيري إلى أبيك فليس من ذلك قال : بلى ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة فلئن قام بك في دنياك فلقد قعد بك في دينك ولو كنت إذ فعلت شراً فعلت خيراً كان ذلك كما قال الله تعالى : { خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا وَءاخَرَ سَيّئاً } ولكنك كما قال الله تعالى :
{ كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [ المطففين : 14 ] والتعبير بالخلط حينئذ يمكن أن يكون لما في ذلك من التغيير أيضاً ، وربما يراد بالخلط مطلق الجمع من غير اعتبار أولية في البين والتعبير بالخلط لعله لمجرد الإيذان بالتخلل فإن الجمع لا يقتضيه ، ويشعر بهذا الحمل ما أخرجه أبو الشيخ والبيهقي عن مطرف قال : إني لأستلقي من الليل على فراشي وأتدبر القرآن فأعرض أعمالي على أعمال أهل الجنة فإذا أعمالهم شديدة { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون } [ الذاريات : 17 ] { يبيتون لربهم سجداً وقياماً } [ الفرقان : 64 ] { أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً } [ الزمر : 9 ] فلا أراني منهم فأعرض نفسي على هذه الآية { مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين } إلى قوله سبحانه : { نُكَذّبُ بِيَوْمِ الدين } [ المدثر : 42-46 ] فأرى القوم مكذبين فلا أراني فيهم فأمر بهذه الآية { وَءاخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ } الخ وأرجو أن أكون أنا وأنتم يا اخوتاه منهم ، وكذا ما أخرجاه وغيرهما عن أبي عثمان النهدي قال : ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله سبحانه : { وَءاخَرُونَ } الخ والظاهر أنه لم يفهم منها صدور التوبة من هؤلاء الآخرين بل ثبت لهم الحكم المفهوم من قوله سبحانه : { عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } مطلقاً وإلا فهي وكثير من الآيات التي في هذا الباب سواء وأرجى منها عندي قوله تعالى : { قُلْ يا عِبَادِى * الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً } [ الزمر : 53 ] والمشهور أن الآية يفهم منها ذلك لأن التوبة من الله سبحانه بمعنى قبول التوبة وهو يقتضي صدورها عنهم فكأنه قيل : وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً فتابوا عسى الخ .
وجعل غير واحد الاعتراف دالا على التوبة ولعل ذلك لما بينهما من اللزوم عرفا ، وقال الشهاب : لأنه توبة إذا اقترن بالندم والعزم على عدم العود ، وفيه أن هذا قول بالعموم والخصوص وقد ذكروا أن العام لا يدل على الخاص بإحدى الدلالات الثلاث ، وكلمة { عَسَى } للإطماع وهو من أكرم الأكرمين إيجاب وأي إيجاب ، وقوله تعالى : { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تعليل لما أفادته من وجوب القبول ، وليس هو الوجوب الذي يقول المعتزلة كما لا يخفى أي إنه تعالى كثير المغفرة والرحمة يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَءاخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ } وهم الذين لم ترسخ فيهم ملكة الذنب وبقي منهم فيهم نور الاستعداد ولهذا لانت شكيمتهم واعترفوا بذنوبهم ورأوا قبحها وأما من رسخت فيه ملكة الذنب واستولت عليه الظلمة فلا يرى ما يفعل من القبائح إلا حسناً { خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا وَءاخَرَ سَيّئاً } حيث كانوا في رتبة النفس اللوامة التي لم يصر اتصالها بالقلب وتنورها بنوره ملكة لها ولهذا تنقاد له تارة وتعمل أعمالاً صالحة وذلك إذا استولى القلب عليها وتنفر عنه أخرى وتفعل أفعالاً سيئة إذا احتجبت عنه بظلمتها وهي دائماً بين هذا وذاك حتى يقوى اتصالها بالقلب ويصير ذلك ملكة لها وحينئذ يصلح أمرها وتنجو من المخالفات ، ولعل قوله سبحانه : { عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } [ التوبة : 102 ] إشارة إلى ذلك وقد تتراكم عليها الهيآت المظلمة فترجه القهقري ويزول استعدادها وتحجب عن أنوار القلب وتهوى إلى سجين الطبيعة فتهلك مع الهالكين ، وترجح أحد الجانبين على الآخر يكون بالصحبة فإن أدركها التوفيق صحبت الصالحين فتحلت بأخلاقهم وعملت أعمالهم فكانت منهم ، وإن لحقها الخذلان صحبت المفسدين واختلطت بهم فتدنست بخلالهم وفعلت أفاعيلهم فصارت من الخاسرين أعاذنا الله تعالى من ذلك ، ولله در من قال :
عليك بأرباب الصدور فمن غدا *** مضافاً لأرباب الصدور تصدراً
وإياك أن ترضى صحابة ناقص *** فتنحط قدراً عن علاك وتحقرا
فرفع أبو من ثم خفض مزمل *** يبين قولي مغرياً ومحذراً
وقد يكون ترجح جانب الاتصال بأسباب أخر كما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى : { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تطهرهم وتزكيهم بها } .
{ 102 - 103 ْ } { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ْ }
يقول تعالى : { وَآخَرُونَ } ممن بالمدينة ومن حولها ، بل ومن سائر البلاد الإسلامية ، { اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ } أي : أقروا بها ، وندموا عليها ، وسعوا في التوبة منها ، والتطهر من أدرانها .
{ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا } ولا يكون العمل صالحا إلا إذا كان مع العبد أصل التوحيد والإيمان ، المخرج عن الكفر والشرك ، الذي هو شرط لكل عمل صالح ، فهؤلاء خلطوا الأعمال الصالحة ، بالأعمال السيئة ، من التجرؤ على بعض المحرمات ، والتقصير في بعض الواجبات ، مع الاعتراف بذلك والرجاء بأن يغفر اللّه لهم ، فهؤلاء { عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } وتوبته على عبده نوعان :
الأول : التوفيق للتوبة . والثاني : قبولها بعد وقوعها منهم .
{ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } أي : وصفه المغفرة والرحمة اللتان لا يخلو مخلوق منهما ، بل لا بقاء للعالم العلوي والسفلي إلا بهما ، فلو يؤاخذ اللّه الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة .
{ إن اللّه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا } .
ومن مغفرته أن المسرفين على أنفسهم الذين قطعوا أعمارهم بالأعمال السيئة ، إذا تابوا إليه وأنابوا ولو قبيل موتهم بأقل القليل ، فإنه يعفو عنهم ، ويتجاوز عن سيئاتهم ، فهذه الآية ، دلت{[383]} على أن المخلط المعترف النادم ، الذي لم يتب توبة نصوحا ، أنه تحت الخوف والرجاء ، وهو إلى السلامة أقرب .
وأما المخلط الذي لم يعترف ويندم على ما مضى منه ، بل لا يزال مصرا على الذنوب ، فإنه يخاف عليه أشد الخوف .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق، ومنهم آخرون اعترفوا بذنوبهم، يقول: أقرّوا بذنوبهم، "خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحا "يعني جلّ ثناؤه بالعمل الصالح الذي خلطوه بالعمل السيئ: اعترافهم بذنوبهم وتوبتهم منها، والآخر السيئ هو تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج غازيا، وتركهم الجهاد مع المسلمين...
"عَسَى اللّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ" يقول: لعلّ الله أن يتوب عليهم. وعسى من الله واجب، وإنما معناه: سيتوب الله عليهم، ولكنه في كلام العرب على ما وصفت. "إنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" يقول: إن الله ذو صفح وعفو لمن تاب عن ذنوبه وساتر له عليها رحيم أن يعذّبه بها...
نزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم الجهاد معه والخروج لغزو الروم حين شخص إلى تبوك، وأن الذين نزل فيهم جماعة أحدهم أبو لبابة،
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك، لأن الله جلّ ثناؤه قال: "وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ" فأخبر عن اعتراف جماعة بذنوبهم، ولم يكن المعترف بذنبه الموثق نفسه بالسارية في حصار قريظة غير أبي لبابة وحده. فإذا كان ذلك، وكان الله تبارك وتعالى قد وصف في قوله: "وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ" بالاعتراف بذنوبهم جماعة، علم أن الجماعة الذين وصفهم بذلك السبب غير الواحد، فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذا لم تكن إلا لجماعة، وكان لا جماعة فعلت ذلك فيما نقله أهل السير والأخبار وأجمع عليه أهل التأويل إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك صحّ ما قلنا في ذلك، وقلنا: كان منهم أبو لبابة لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.
والاعتراف: الإقرارُ بالشيء عن معرفة؛ لأن الإقرار مِنْ قَرَّ الشيء إذا ثبت، والاعترافُ مِنَ المعرفة؛ وإنما ذكر الاعتراف بالخطيئة عند التوبة لأن تذكّر قبح الذنب أدْعَى إلى إخلاص التوبة منه وأبْعَدُ من حال من يُدْعَى إلى التوبة ممن لا يدري ما هو ولا يعرف موقعه من الضرر، فأصحُّ ما يكون من التوبة أن تقع مع الاعتراف بالذنب؛ ولذلك حكى الله تعالى عن آدم وحواء عند توبتهما: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23].
وإنما قال: {عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} ليكونوا بين الطمع والإشفاق فيكونوا أبْعَدَ من الاتّكال والإهمال...
وفي هذه الآية دلالة على أن المذنب لا يجوز له اليأس من التوبة، وإنما يعرض ما دام يعمل مع الشرّ خيرٌ لقوله تعالى: {خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً} وأنه متى كان للمذنب رجوع إلى الله في فعل الخير وإن كان مقيماً على الذنب أنه مرجوُّ الصلاح مأمونُ خير العاقبة؛ وقال الله تعالى: {ولا تيأسوا من رَوْحِ الله إنه لا ييأس من رَوْحِ الله إلا القوم الكافرون} [يوسف: 87]،فالعبد وإن عظمت ذنوبه فغير جائز له الانصراف عن الخير يائساً من قبول توبته؛ لأن التوبة مقبولة ما بقي في حال التكليف، فأما من عظمت ذنوبه وكثرت مظالمه وموبقاته فأعرض عن فعل الخير والرجوع إلى الله تعالى يائساً من قبول توبته فإنه يوشك أن يكون ممن قال الله عز وجل: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: 14].
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
{خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا}: ففي قوله: {وَآخَرَ سَيِّئًا} بعد قوله: {صَالِحًا} دليلٌ على أن الزَّلَّةَ لا تحبِطُ ثوابَ الطاعةِ؛ إذ لو أحبطته لم يكن العملُ صالحاً...
وكذلك قوله: {عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}: وعسى تفيد أنه لا يجب على الله شيء فقد يتوب وقد لا يتوب. ولأنَّ قوله صِدْقٌ.
ويقال قوله: {خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا}: يحتمل معناه أنهم يتوبون؛ فالتوبة عملٌ صالح. وقوله: {وَآخَرَ سَيِّئًا}: يحتمل أنه نَقْضُهم التوبة، فتكون الإشارة في قوله: {عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} أنهم إن نقضوا توبتهم وعادوا إلى ما تركوه من زَلَّتهم فواجبٌ مِنَّا أن نتوب عليهم، ولئن بطلت -بنَقْضِهم- توبتُهم.. لَمَا اخْتَلَّتْ -بفضلنا- توبتُنا عليهم..
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ} أي لم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة كغيرهم، ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئس ما فعلوا متذممين نادمين...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
لما بَيَّن تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغَزاة رغبة عنها وتكذيبًا وشكا، شرع في بيان حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلا وميلا إلى الراحة، مع إيمانهم وتصديقهم بالحق، فقال: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} أي: أقروا بها واعترفوا فيما بينهم وبين رَبِّهم، ولهم أعمال أخرَ صالحة، خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه.
وهذه الآية -وإن كانت نزلت في أناس معينين- إلا أنها عامة في كل المذنبين الخاطئين المخلصين المتلوثين.
وقد قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لُبَابة لما قال لبني قريظة: إنه الذبح، وأشار بيده إلى حلقه.
وقال ابن عباس: {وَآخَرُونَ} نزلت في أبي لُبابة وجماعة من أصحابه، تخلفوا عن غزوة تبوك، فقال بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه، وقيل: وسبعة معه، وقيل: وتسعة معه، فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوته ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أنزل الله هذه الآية: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} أطلقهم النبي صلى الله عليه وسلم، وعفا عنهم.
وقال البخاري: حدثنا مُؤمَّل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عوف، حدثنا أبو رجاء، حدثنا سَمُرَة بن جُنْدَب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا:"أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولَبِن فضة، فتلقانا رجال شَطْر من خلقهم كأحسن ما أنت رَاء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: اذهبوا فَقَعُوا في ذلك النهر. فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن، وهذا منزلك. قالا أما القوم الذين كانوا شَطر منهم حَسَن وشطر منهم قبيح، فإنهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا، فتجاوز الله عنهم".
هكذا رواه مختصرًا، في تفسير هذه الآية.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{وآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} أي وثم آخرون أو ممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة أناس آخرون ليسوا من المنافقين، ولا من السابقين الأولين، ولا من الذين اتبعوهم بإحسان لا إساءة فيه، بل من المؤمنين.
{خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً} أي خلطوا في أعمالهم بأن عملوا عملا صالحا وعملا سيئا، وقيل معناه خلطوا صالحا بسيئ وسيئا بصالح، أو خلطوا في كل منهما ما ليس منه، فكان ناقصا ولكنه لم يغلب الآخر ويندغم فيه، فلم يكونوا من الصالحين الخلص ولا من الفاسقين أو المنافقين، ذلك بأنهم آمنوا وعملوا الصالحات، واقترفوا بعض السيئات، وهم أو منهم بعض الذين تخلفوا عن النفر والخروج إلى غزوة تبوك من غير عذر صحيح كالضعفاء والمرضى وغير الواجدين، ولا استئذان كاستئذان المرتابين، ولا اعتذار كاذب كالمنافقين، ثم كانوا ناصحين لله في أثناء قعودهم، شاعرين بذنبهم، خائفين من ربهم، فكان كل من قعودهم ونصحهم مقترنا بالآخر، كالذي يدخل أرضا مغصوبة فيصلح فيها، ويعترف بأنه مذنب بدخولها، ويأتي بالإصلاح لتكفير ذنب الاعتداء. وهذا المعنى لا يؤيده قولك: خلط العمل الصالح بالسيئ، كما تقول خلط القمح بالشعير أو الماء باللبن، لأن هذا الضرب من الخلط يصير فيه المخلوط والمخلوط به شيئا واحدا أو كالشيء الواحد، فلا يقول صاحبه عندي ماء فرات ولا لبن محض، وأما الضرب الأول المراد من الآية فقد بقي فيه كل من النوعين ممتازا بنفسه، وإنما خلطه مع الآخر عبارة عن الجمع بينهما، وعدم انفراد أحدهما دون الآخر، والواو العاطفة هي التي تؤدي هذا المعنى من الجمع، وهو من دقائق بلاغة القرآن بالعدول عن التعدية بالباء إلى العطف.
{عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} أي هم محل الرجاء لقبول الله توبتهم، التي يشير إلى وقوعها اعترافهم بذنوبهم، وقد تقدم (في ج 10) أن كلمة "عسى "وضعت للتقريب والإطماع، ثم استعملت في الرجاء كلعل، وقول بعضهم: إنها من الله للإيجاب غير صحيح، أو لتوفيقهم للتوبة الصحيحة التي هي سبب المغفرة والرحمة، وإنما تتحقق التوبة بالعلم الصحيح بقبح الذنب وسوء عاقبته، وألم الوجدان من تصور سخط الله والخوف من عقابه، والإقلاع عن الذنب أو الذنوب بباعث هذا الألم الذي هو ثمرة ذلك العلم، والعزم على عدم العود إلى اقترافها، ثم العمل بضدها، ليمحي من النفس أثرها، والروايات صريحة بأن اعتراف من ذكر بذنوبهم قد استتبع كل هذا.
{إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تعليل لرجاء قبول توبتهم، إذ معناه أنه كثير المغفرة للتائبين واسع الرحمة للمحسنين، كما قال: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} [طه: 82]، وكما قال: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} [الأعراف: 56]، وكما قص علينا من خبر استغفار الملائكة للمؤمنين قولهم: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم} إلى قوله {وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته} [غافر: 7، 8].
قال بعض العلماء: إن هذه الآية أرجى آية في القرآن، وقال آخرون: أرجى الآيات قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُو الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، وإنما هذا علاج لمن اشتد عليهم الخوف من إسرافهم في شهواتهم، حتى كادوا يقنطون من رحمة ربهم، لا للمصرين على ذنوبهم بغير مبالاة، ولذلك قال بعدها: {وأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [الزمر: 54] إلى آخر الآيات.
ومن العبرة في هذه الأقسام للمسلمين أن قسم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا يوجد في كل زمان ومكان، كقسم الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وأما المهاجرون والأنصار الأولون الذين أقام الرسول صلى الله عليه وسلم بهم بناء الإسلام فهم الذين لا يلزّ بهم قرين، ولا يلحقهم لاحق من العالمين، ولعل أكثر المسلمين الصادقين في هذا الزمان من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، ولعل أسوأ سيئاتهم ترك الجهاد بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، فيجب أن يسترشدوا بهذه الآية، وبما ورد في سبب نزولها من توبة أبي لبابة وأصحابه. ولا تتم العبرة بها إلا بتدبر ما بعدها، وهو تطهير النفس من النفاق وضعف الإيمان، ببذل الصدقات وغيره من صالح الأعمال...
{عسى الله أن يتوب عليه}... فتشريع الله للتوبة رحمة بمن ارتكب الذنب، ورحمة بالناس الذين وقع عليهم السلوك الذي استوجب التوبة. فإن تبت؛ فقبول التوبة رحمة ثانية، فلو لم يشرع الله التوبة؛ لاستشرى كل من ارتكب ذنبا واصطلى المجتمع بشروره لكن حين يشرع الله التوبة؛ فهناك أمل أن يرجع العبد إلى الله وأن يتخلص المجتمع من إمكانية عودته للذنب؛ وانتهى هو من أن يوقع مصائب بغيره. فإذا قبل الله التوبة، يقال:"تاب الله على فلان"، فلله إذن أكثر من توبة، ولذلك حين تقرأ قوله الحق: {ثم تاب عليهم ليتوبوا} (التوبة 118) أي: شرع لهم التوبة؛ ليتوبوا، فإذا تابوا فسبحانه قابل التوبة. إذن: فالتوبة ثلاث مراحل: تشريع للتوبة، ثم توبة واقعة، فقبول للتوبة. والتوبة رجوع عن شيء، وهي بالنسبة للعبد رجوع عن ذنب، وبالنسبة لله إن كان الذنب يستحق أن يعاقب الله به، فإذا تبت أنت، فالحق يعفو ويرجع عن العقوبة. وينهي الحق الآية: {إن الله غفور رحيم}؛ لأن المغفرة بالنسبة للعبد صعبة، فإن سرق واحد منك شيئا فهو يضرك، ويّلح عليك حب الانتقام منه؛ لأن الضرر أتبعك، ولكن أيتعب أحد ربه بالمعصية؟ لا؛ لأنك إن كنت قد أضررت بأحد فإنما أضررت بنفسك، ولم تضر الله سبحانه، لأنه سبحانه لا يلحقه ضرر بذنبك، وإنما الذنب لحقك أنت. فحين يقول سبحانه: {غفور} فهو غفور لك، و {رحيم} بك...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
وتأتي الصورة المزدوجة، التي تحمل الجانب المشرق من الصورة، بإزاء الجانب المظلم منها، في ما يمثله العمل الصالح في بعض المجالات، والعمل السيئ في بعض آخر، ولكنها تتحرك، على كل حال من موقع الإيمان الصحيح، الذي إن انحرف الإنسان معه عن الخط المستقيم للعمل، فإنه لا ينحرف من حالة عمقٍ في الذات، بل من حالةٍ طارئةٍ متحركة توحي للإنسان بالغفلة التي قد يعود عنها في وقتٍ قريبٍ {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} عندما اكتشفوا وجه الخطأ في مسيرتهم، فرجعوا إلى الله في موقف اعترافٍ وابتهال، {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً} فوقفوا بين موقعٍ يبعث فيهم الأمل، وموقعٍ يقودهم إلى اليأس. ولكن الأمل يتغلب على اليأس، لأن المؤمن لا ييأس من روح الله، فيبقى في خطّ الرحمة والعفو وفي أجواء الأمل، {عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} لأن رحمته سبقت غضبه {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}...