روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ} (32)

وقوله تعالى : { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتِ رَبّكَ } إنكار فيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم بنزول القرآن العظيم على من أرادوا ، والرحمة يجوز أن يكون المراد بها ظاهرها وهو ظاهر كلام البحر ونزل تعيينهم لمن ينزل عليه الوحي منزلة التقسيم لها وتدخل النبوة فيها ، ويجوز أن يكون المراد بها النبوة وهو الأنسب لما قبل وعليه أكثر المفسرين ، وفي إضافة الرب إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من تشريفه عليه الصلاة والسلام ما فيه ، وفي إضافة الرحمة إلى الرب إشارة إلى أنها من فات الربوبية { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ } أسباب معيشتهم .

وقرأ عبد الله . وابن عباس . والأعمش . وسفيان { *معايشهم } على الجمع { يُؤْمِنُونَ وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم } قسمة تقتضيها مشيئتنا المبنية على الحكم والمصالح ولم نفوض أمرها إليهم علماً منا بعجزهم عن تدبيرها بالكلية وإطلاق المعيشة يقتضي أن يكون حلالها وحرامها من الله تعالى : { وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ } في الرزق وسائر مبادي المعاش { درجات } متفاوتة بحسب القرب والبعد حسبما تقتضيه الحكمة فمن ضعيف وقوي وغني وفقير وخادم ومخدوم وحاكم ومحكوم { لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً } ليستعمل بعضهم بعضاً في مصالحهم ويستخدموهم في مهنهم ويسخروهم في أشغالهم حتى يتعايشوا ويترافدوا ويصلوا إلى مرافقهم لا لكمال في الموسع عليه ولا لنقص في المقتر عليه ولو فوضنا ذلك إلى تدبيرهم لضاعوا وهلكوا فإذا كانوا في تدبير خويصة أمرهم وما يصلحهم من متاع الدنيا وهو على طرف التمام بهذه الحالة فما ظنهم بأنفسهم في تدبير أمر الدين وهو أبعد من مناط العيوق ومن أين لهم البحث عن أمر النبوة والتخير لها من يصلح لها ويقوم بأمرها ، والسخري على ما سمعت نسبة إلى السخرة وهي التذليل والتكليف ، وقال الراغب : السخري هو الذي يقهر أن يتسخر بإرادته ، وزعم بعضهم أنه هنا من السخر بمعنى الهزء أي ليهزأ الغني بالفقير واستبعده أبو حيان ، وقال السمين : إنه غير مناسب للمقام .

وقرأ عمرو بن ميمون . وابن محيصن : وابن أبي ليلى . وأبو رجاء . والوليد بن مسلم { سِخْرِيّاً } بكسر السين والمراد به ما ذكرنا أيضاً ، وفي قوله تعالى : { نَحْنُ قَسَمْنَا } الخ ما يزهد في الانكباب على طلب الدنيا ويعين على التوكل على الله عز وجل والانقطاع إليه جل جلاله :

فاعتبر نحن قسمنا بينهم *** تلقه حقاً وبالحق نزل

{ إِنَّ رَبَّكَ } أي النبوة وما يتبعها من سعادة الدارين ، وقيل : الهداية والايمان ، وقال قتادة . والسدي : الجنة { خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } من حطام الدنيا الدنية فالعظيم من رزق تلك الرحمة دون ذلك الحطام الدنىء الفاني .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ} (32)

قال اللّه ردا لاقتراحهم : { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ } أي : أهم الخزان لرحمة اللّه ، وبيدهم تدبيرها ، فيعطون النبوة والرسالة من يشاءون ، ويمنعونها ممن يشاءون ؟

{ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } أي : في الحياة الدنيا ، والحال أن رَحْمَةَ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ من الدنيا .

فإذا كانت معايش العباد وأرزاقهم الدنيوية بيد اللّه تعالى ، وهو الذي يقسمها بين عباده ، فيبسط الرزق على من يشاء ، ويضيقه على من يشاء ، بحسب حكمته ، فرحمته الدينية ، التي أعلاها النبوة والرسالة ، أولى وأحرى أن تكون بيد اللّه تعالى ، فاللّه أعلم حيث يجعل رسالته .

فعلم أن اقتراحهم ساقط لاغ ، وأن التدبير للأمور كلها ، دينيها ودنيويها ، بيد اللّه وحده . هذا إقناع لهم ، من جهة غلطهم في الاقتراح ، الذي ليس في أيديهم منه شيء ، إن هو إلا ظلم منهم ورد للحق .

وقولهم : { لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } لو عرفوا حقائق الرجال ، والصفات التي بها يعرف علو قدر الرجل ، وعظم منزلته عند اللّه وعند خلقه ، لعلموا أن محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب صلى اللّه عليه وسلم ، هو أعظم الرجال قدرا ، وأعلاهم فخرا ، وأكملهم عقلا ، وأغزرهم علما ، وأجلهم رأيا وعزما وحزما ، وأ كملهم خلقا ، وأوسعهم رحمة ، وأشدهم شفقة ، وأهداهم وأتقاهم .

وهو قطب دائرة الكمال ، وإليه المنتهى في أوصاف الرجال ، ألا وهو رجل العالم على الإطلاق ، يعرف ذلك أولياؤه وأعداؤه ، فكيف يفضل عليه المشركون من لم يشم مثقال ذرة من كماله ؟ ! ، ومن جرمه ومنتهى حمقه أن جعل إلهه الذي يعبده ويدعوه ويتقرب إليه صنما ، أو شجرا ، أو حجرا ، لا يضر ولا ينفع ، ولا يعطي ولا يمنع ، وهو كل على مولاه ، يحتاج لمن يقوم بمصالحه ، فهل هذا إلا من فعل السفهاء والمجانين ؟

فكيف يجعل مثل هذا عظيما ؟ أم كيف يفضل على خاتم الرسل وسيد ولد آدم صلى اللّه عليه وسلم ؟ ولكن الذين كفروا لا يعقلون .

وفي هذه الآية تنبيه على حكمة اللّه تعالى في تفضيل اللّه بعض العباد على بعض في الدنيا { لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا } أي : ليسخر بعضهم بعضا ، في الأعمال والحرف والصنائع .

فلو تساوى الناس في الغنى ، ولم يحتج بعضهم إلى بعض ، لتعطلت كثير من مصالحهم ومنافعهم .

وفيها دليل على أن نعمته الدينية خير من النعمة الدنيوية كما قال تعالى في الآية الأخرى : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ }

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ} (32)

وقد وبخهم الله - تعالى - على جهلهم هذا بقوله : { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ } فالاستفهام للإِنكار والتهكم بهم ، والتعجب من تفكيرهم .

والمراد بالرحمة : ما يشمل النبوة ، وما أنزله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - من وحى ، وما منحه إياه من خلق كريم ، وخير عميم .

أى : كيف بلغ الجهل والغباء بهؤلاء المشركين إلى هذه الدرجة ؟ إنهم ليس بيدهم ولا بيد غيرهم عطاء ربك ، وليس عندهم مفاتيح الرسالة ليضعوها حيث شاؤا ، وليختاروا لها من أرادوا . وما دام الأمر كذلك فكيف يعترضون على نزول القرآن عليك - أيها الرسول الكريم - ؟ .

ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى خلقه فقال : { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا . . } أى : نحن قسمنا بينهم أرزاقهم فى هذه الدنيا ، ولم نترك تقسيمها لأحد منهم ، ونحن الذين - بحكمتنا - تولينا تدبير أسبابها ولم نكلها إليهم لعلمنا بعجزهم وقصورهم . ونحن الذين رفعنا بعضهم فوق بعض درجات فى الدنيا ، فهذا غنى وذاك فقير ، هذا مخدوم ، وذاك خادم ، وهذا قوى ، وذاك ضعيف .

ثم ذكر - سبحانه - الحكمة من هذا التفاوت فى الأرزاق فقال : { لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً } .

أى : فعلنا ذلك ليستخدم بعضهم بعضا فى حوائجهم ، ويعاون بعضهم بعضا فى مصالحهم ، وبذلك تنتظم الحياة ، وينهض العمران . ويعم الخير بين الناس ، ويصل كل واحد إلى مطلوبه على حسب ما قدر الله - تعالى - له من رزق واستعداد . .

ولو أنا تركنا أم تقسيم الأرزاق إليهم لتهارجوا وتقاتلوا ، وعم الخراب فى الأرض ، لأن كل واحد منهم يريد أن يأخذ ما ليس من حقه ، لأن الحرص والطمع من طبيعته .

وإذا كان هذا هو حالهم بالنسبة لأمور دنياهم فكيف أباحوا لأنفسهم التحكم فى منصب النبوة ، وهو بلا شك أعلى شأنا ، وأبعد شأوا من أمور الدنيا .

وقوله { سُخْرِيّاً } بضم السين - من التسخير ، بمعنى تسخير بعضهم لبعض وخدمة بعضهم لبعض ، وعمل بعضهم لبعض ، فالغنى - مثلا - يقدم المال لغيره ، نظير ما يقدمه له ذلك الغير من عمل معين . .

وبذلك تنتظم أمور الحياة ، وتسير فى طريقها الذى رسمه - سبحانه - لها .

قال الجمل ما ملخصه : قوله : { لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً } أى : ليستخدم بعضهم بعضا ، فيسخر الأغنياء بأموالهم ، الأجراء الفقراء بالعمل ، فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض ، هذا بماله ، وهذا بأعماله ، فيلتئم قوام العالم ، لأن الأرزاق لو تساوت لتعطلت المعايش ، فلم يقدر أحد منهم أن ينفك عما جعلناه إليه من هذا الأمر الدنئ ، فكيف يطمعون فى الاعتراض فى أمر النبوة ، أيتصور عاقل أن نتولى قسم الناقص ، ونكل العالى إلى غيرنا . .

هذا ، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها تقرر سنة من سنن الله - تعالى - التى لا تغيير لها ولا بتديل ، والتى تؤيدها المشاهدة فى كل زمان ومكان ، فحتى الدول التى تدعى المساواة فى كل شئ . . ترى سمة التفاوت فى الأرزاق وفى غيرها وضحة جلية ، وصدق الله فى قوله : { وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } .

ومن الآيات التى تشبه هذه الآية قوله - تعالى - : { والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِي الرزق . . . } وقوله - سبحانه - : { انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً }