التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يُنَزِّلُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرُوٓاْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ} (2)

كان استعجالُهم بالعذاب استهزاءً بالرسول صلى الله عليه وسلم وتكذيبه ، وكان ناشئاً عن عقيدة الإشراك التي من أصولها استحالة إرسال الرسل من البشر .

وأُتبع تحقيق مجيء العذاب بتنزيه الله عن الشريك فقفّي ذلك بتبرئة الرسول عليه الصلاة والسلام من الكذب فيما يبلغه عن ربّه ووصف لهم الإرسال وصفاً موجزاً . وهذا اعتراض في أثناء الاستدلال على التوحيد .

والمراد بالملائكة الواحد منهم وهو جبرئيل عليه السلام .

والروح : الوحي . أطلق عليه اسم الروح على وجه الاستعارة لأن الوحي به هدي العقول إلى الحقّ ، فشبّه الوحي بالروح كما يشبّه العلم الحقّ بالحياة ، وكما يشبّه الجهل بالموت قال تعالى : { أومن كان ميتاً فأحييناه } [ سورة الأنعام : 122 ] .

ووجه تشبيه الوحي بالروح أن الوحي إذا وعته العقول حلّت بها الحياة المعنوية وهو العلم ، كما أن الروح إذا حلّ في الجسم حلّت به الحياة الحسيّة ، قال تعالى : { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا } [ سورة الشورى : 52 ] .

ومعنى من أمره } الجنس ، أي من أموره ، وهي شؤونه ومقدراته التي استأثر بها . وذلك وجه إضافته إلى الله كما هنا وكما في قوله تعالى : { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا } ، وقوله تعالى : { يحفظونه من أمر الله } [ سورة الرعد : 11 ] ، وقوله تعالى : { قل الروح من أمر ربي } [ سورة الإسراء : 85 ] لما تفيده الإضافة من التخصيص .

وقرأ الجمهور { ينزل } بياء تحتية مضمومة وفتح النون وتشديد الزاي مكسورة . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب بسكون النون وتخفيف الزاي مكسورة ، و { الملائكة } منصوباً .

وقرأه روح عن يعقوب بتاء فوقية مفتوحة وفتح النون وتشديد الزاي مفتوحة ورفع { الملائكة } على أن أصله تتنزل .

وقوله تعالى : { على من يشاء من عباده } رد على فنون من تكذيبهم ؛ فقد قالوا : { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } [ سورة الزخرف : 31 ] وقالوا : { فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب } [ سورة الزخرف : 53 ] أي كان ملكاً ، وقالوا : { ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } [ سورة الفرقان : 7 ] . ومشيئة الله جارية على وفق حكمته ، قال تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } [ سورة الأنعام : 124 ] .

وأن أنذروا } تفسير لفعل { ينزل } لأنه في تقدير ينزل الملائكة بالوحي .

وقوله : { بالروح من أمره على من يشاء من عباده } اعتراض واستطراد بين فعل { ينزل } ومفسره .

و { أنه لا إله إلا أنا } متعلق ب { أنذروا } على حذف حرف الجر حذفاً مطرداً مع ( أنّ ) . والتقدير : أنذروا بأنه لا إله إلا أنا . والضمير المنصوب ب ( أنّ ) ضمير الشأن . ولما كان هذا الخبر مسوقاً للذين اتّخذوا مع الله آلهة أخرى وكان ذلك ضلالاً يستحقون عليه العقاب جعل إخبارهم بضدّ اعتقادهم وتحذيرهم مما هم فيه إنذاراً .

وفرع عليه { فاتقون } وهو أمر بالتقوى الشاملة لجميع الشريعة .

وقد أحاطت جملة { أن أنذروا } إلى قوله تعالى : { فاتقون } بالشريعة كلها ، لأن جملة { أنذروا أنه لا إله إلا أنا } تنبيه على ما يرجع من الشريعة إلى إصلاح الاعتقاد وهو الأمر بكمال القوة العقلية .

وجملة { فاتقون } تنبيه على الاجتناب والامتثال اللذين هما منتهى كمال القوة العملية .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يُنَزِّلُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرُوٓاْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ} (2)

قرأ المفضل عن عاصم " تَنَزَّل الملائكةُ " والأصل تتنزل ، فالفعل مسند إلى الملائكة . وقرأ الكسائي عن أبي بكر عن عاصم باختلاف عنه والأعمش " تُنَزَّل الملائكةُ " غير مسمى الفاعل . وقرأ الجعفي عن أبي بكر عن عاصم " تُنَزِّل الملائكةَ " بالنون مسمى الفاعل ، الباقون " يُنَزِّل " بالياء مسمى الفاعل ، والضمير فيه لاسم الله عز وجل . وروي عن قتادة " تنزل الملائكة " بالنون والتخفيف . وقرأ الأعمش " تنزل " بفتح التاء وكسر الزاي ، من النزول . " الملائكة " رفعا مثل " تنزل الملائكة{[9787]} " [ القدر : 4 ] " بالروح " أي بالوحي وهو النبوة ، قاله ابن عباس . نظيره " يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده{[9788]} " [ غافر : 15 ] . الربيع بن أنس : بكلام الله وهو القرآن . وقيل : هو بيان الحق الذي يجب اتباعه . وقيل أرواح الخلق ، قاله قتادة . لا ينزل ملك إلا ومعه روح . وكذا روي عن ابن عباس أن الروح خلق من خلق الله عز وجل كصور ابن آدم ، لا ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد منهم . وقيل بالرحمة ، قاله الحسن وقتادة . وقيل بالهداية ؛ لأنها تحيا بها القلوب كما تحيا بالأرواح الأبدان ، وهو معنى قول الزجاج . قال الزجاج : الروح ما كان فيه من أمر الله حياة بالإرشاد إلى أمره . وقال أبو عبيدة : الروح هنا جبريل . والباء في قوله : " بالروح " بمعنى مع ، كقولك : خرج بثيابه ، أي مع ثيابه . " من أمره " أي بأمره . " على من يشاء من عباده " أي على الذين اختارهم الله للنبوة . وهذا رد لقولهم : " لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم{[9789]} " [ الزخرف : 31 ] . " أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون " تحذير من عبادة الأوثان ، ولذلك جاء الإنذار ؛ لأن أصله التحذير مما يخاف منه . ودل على ذلك قوله : " فاتقون " . و " أن " في موضع نصب بنزع الخافض ، أي بأن أنذروا أهل الكفر بأنه لا إله إلا الله ، " فأن " في محل نصب بسقوط الخافض أو بوقوع الإنذار عليه .


[9787]:راجع ج 20 ص 133.
[9788]:راجع ج 15 ص 299.
[9789]:راجع ج 16 ص 82.