التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ} (15)

جملة { إنَّ السَّاعة ءَاتِيَة } مستأنفة لابتداء إعلام بأصل ثان من أصول الدّين بعد أصل التوحيد ، وهو إثبات الجزاء .

والساعة : علَم بالغلبة على ساعة القيامة أو ساعة الحساب .

وجملة { أكَادُ أُخْفِيهَا } في موضع الحال من الساعَةَ ، أو معترضة بين جملة وعلّتها .

والإخفاء : الستر وعدم الإظهار ، وأريد به هنا المجاز عن عدم الإعلام .

والمشهورُ في الاستعمال أن « كاد » تدلّ على مقاربة وقوع الفعل المخبر به عنها ، فالفعل بعدها في حيّز الانتفاء ، فقوله تعالى : { كادُوا يكونون عليه لِبداً } [ الجنّ : 19 ] يدلّ على أن كونهم لِبَداً غير واقع ولكنه اقترب من الوقوع .

ولما كانت الساعة مخفية الوقوع ، أي مخفية الوقت ، كان قوله { أكاد أُخفيها } غير واضح المقصود ، فاختلفوا في تفسيره على وجوه كثيرة أمثلها ثلاثة .

فقيل : المراد إخفاء الحديث عنها ، أي من شدّة إرادة إخفاء وقتها ، أي يراد ترك ذكرها ولعلّ توجيه ذلك أنّ المكذبين بالساعة لم يزدهم تكرر ذكرها في القرآن إلا عناداً على إنكارها .

وقيل : وقعت { أكَادُ } زائدة هنا بمنزلة زيادة كان في بعض المواضع تأكيداً للإخفاء . والمقصود : أنا أخفيها فلا تأتي إلاّ بغتة .

وتأوّل أبو عليّ الفارسي معنى { أُخْفِيها } بمعنى أظهرها ، وقال : همزة { أخفيها للإزالة مثل همزة أعْجَم الكتابَ ، وأشكى زيداً ، أي أزيل خفاءَها . والخفاء : ثوب تلفّ فيه القِربة مستعار للستر .

فالمعنى : أكاد أظهرها ، أي أظهر وقوعها ، أي وقوعها قريب . وهذه الآية من غرائب استعمال ( كاد ) فيضم إلى استعمال نفيها في قوله : { وما كادوا يفعلون } في سورة البقرة ( 71 ) .

وقوله { لتجزى } يتعلّق بآتِيَةٌ وما بينهما اعتراض . وهذا تعليم بحكمة جعل يوم للجزاء .

واللام في { لِتُجْزى كلُّ نَفْسٍ } متعلّق بآتِيَةٌ .

ومعنى { بِمَا تسعى } بما تعمل ، فإطلاق السعي على العمل مجاز مرسل ، كما تقدم في قوله : { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها } في سورة الإسراء ( 19 ) .

وفُرع على كونها آتية وأنها مخفاة التحذيرُ من أن يصدّه عن الإيمان بها قوم لا يؤمنون بوقوعها اغتراراً بتأخر ظهورها ، فالتفريع على قوله أكاد أُخفيها } أوقع لأنّ ذلك الإخفاء هو الذي يُشبّه به الذين أنكروا البعث على الناس ، قال تعالى : { فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً } [ الإسراء : 51 ] وقال : { وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين } [ الجاثية : 32 ] .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ} (15)

قوله تعالى : " إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى " آية مشكلة ، فروي عن سعيد بن جبير أنه قرأ " أكاد أخفيها " بفتح الهمزة ، قال : أظهرها . " لتجزى " أي الإظهار للجزاء ، رواه أبو عبيد عن الكسائي عن محمد بن سهل عن وقاء بن إياس عن سعيد بن جبير وقال النحاس : وليس لهذه الرواية طريق غير هذا . قلت : وكذا رواه أبو بكر الأنباري في كتاب الرد ، حدثني أبي حدثنا محمد بن الجهم حدثنا الفراء حدثنا الكسائي ، ح - وحدثنا عبدالله بن ناجية ، حدثنا يوسف حدثنا يحيى الحماني حدثنا محمد بن سهل . قال النحاس : وأجود من هذا الإسناد ما رواه يحيى القطان عن الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير : أنه قرأ " أكاد أخفيها " بضم الهمزة . قلت : وأما قراءة ابن جبير " أخفيها " بفتح الهمزة بالإسناد المذكور فقال أبو بكر الأنباري : قال الفراء معناه أظهرها ، من خفيت الشيء أخفيه إذا أظهرته . وأنشد الفراء لامرئ القيس :

فإن تدفنوا الداء لا نَخْفِهِ *** وإن تَبْعَثُوا الحرب لا نقعُد

أراد : لا نظهره ، وقد قال بعض اللغويين : يجوز أن يكون " أخفيها " بضم الهمزة معناه أظهرها ؛ لأنه يقال : خفيت الشيء وأخفيته إذا أظهرته ، فأخفيته من حروف الأضداد يقع على الستر والإظهار . وقال أبو عبيدة : خفيت وأخفيت بمعنى واحد النحاس : وهذا حسن ، وقد حكاه عن أبي الخطاب{[11032]} وهو رئيس من رؤساء اللغة لا يشك في صدقه ، وقد روى عنه سيبويه وأنشد :

وإن تكتموا الداء لا نُخْفِهِ *** وإن تبعثوا الحرب لا نقعد

كذا رواه أبو عبيدة عن أبي الخطاب بضم النون . وقال امرؤ القيس أيضا :

خَفَاهُنَّ من أنفاقهن كأنما *** خفاهُنَّ وَدْقٌ من عَشِيٍّ مُجَلَّبِ{[11033]}

أي أظهرهن . وروى : " من سحاب مركب " بدل " من عشي مجلب " . وقال أبو بكر الأنباري وتفسير للآية آخر : " إن الساعة آتية أكاد " انقطع الكلام على " أكاد " وبعده مضمر أكاد آتي بها ، والابتداء " أخفيها لتجزى كل نفس " قال ضابئ البرجمي{[11034]} :

هممتُ ولم أفعل وكدت وليتني *** تركتُ على عثمانَ تبكي حلائلُه

أراد وكدت أفعل ، فأضمر مع كدت فعلا كالفعل المضمر معه في القرآن .

قلت : هذا الذي اختاره النحاس ، وزيف القول الذي قبله فقال يقال : خفي الشيء يخفيه إذا أظهره ، وقد حكى أنه يقال : أخفاه أيضا إذا أظهره ، وليس بالمعروف ، قال : وقد رأيت علي بن سليمان لما أشكل عليه معنى " أخفيها " عدل إلى هذا القول ، وقال معناه كمعنى " أخفيها " . قال النحاس : ليس المعنى على أظهر ولا سيما و " أخفيها " قراءة شاذة ، فكيف ترد القراءة الصحيحة الشائعة إلى الشاذة ، والمضمر أولى ، ويكون التقدير : إن الساعة آتية أكاد آتي بها ، ودل " آتية " على أتي بها ، ثم قال : " أخفيها " على الابتداء . وهذا معنى صحيح ؛ لأن الله عز وجل قد أخفى الساعة التي هي القيامة ، والساعة التي يموت فيها الإنسان ليكون الإنسان يعمل ، والأمر عنده مبهم فلا يؤخر التوبة .

قلت : وعلى هذا القول تكون اللام في " لتجزى " متعلقة ب " أخفيها " . وقال أبو عليك هذا من باب السلب وليس من باب الأضداد ، ومعنى " أخفيها " أزيل عنها خفاءها ، وهو سترها كخفاء الأخفية [ وهي الأكسية{[11035]} ] والواحد خفاء بكسر الخاء [ ما تلف به ]{[11036]} القربة ، وإذا زال عنها سترها ظهرت . ومن هذا قولهم : أشكيته ، أي أزلت شكواه ، وأعديته أي قبلت استعداء ولم أحوجه إلى إعادته . وحكى أبو حاتم عن الأخفش : أن " كاد " زائدة موكدة . قال : ومثله " إذا أخرج يده لم يكد يراها{[11037]} " [ النور : 40 ] لأن الظلمات التي ذكرها الله تعالى بعضها يحول بين الناظر والمنظور إليه . وروى معناه عن ابن جبير ، والتقدير : إن الساعة آتية أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى . وقال الشاعر{[11038]} :

سريعٌ إلى الهيجاء شاكٍ سلاحُه *** فما إن يكاد قرنُه يَتَنَفَّسُ

أراد فما يتنفس . وقال آخر :

وَأَلَّا ألوم النفسَ فيما أصابني *** وألا أكاد بالذي نِلْتُ أنجحُ

معناه : وألا أنجح بالذي نلت ، فأكاد توكيد للكلام . وقيل : المعنى " أكاد أخفيها " أي أقارب ذلك ؛ لأنك إذا قلت كاد زيد يقوم ، جاز أن يكون قام ، وأن يكون لم يقم . ودل على أنه قد أخفاها بدلالة غير هذه على هذا الجواب . قال اللغويون : كدت أفعل معناه عند العرب : قاربت الفعل ولم أفعل ، وما كدت أفعل معناه : فعلت بعد إبطاء . وشاهده قول الله عزت عظمته " فذبحوها وما كادوا يفعلون " [ البقرة : 71 ] معناه : وفعلوا بعد إبطاء لتعذر وجدان البقرة عليهم . وقد يكون ما كدت أفعل بمعنى ما فعلت ولا قاربت إذا أكد الكلام ب " أكاد " . وقيل : معنى " أكاد أخفيها " أريد أخفيها . قال الأنباري : وشاهد هذا قول الفصيح من الشعر :

كادت وكدتُ وتلك خيرُ إرادة *** لو عاد من لهو الصَّبَابَةِ ما مضى

معناه : أرادت وأردت . وقال ابن عباس وأكثر المفسرين فيما ذكر الثعلبي : إن المعنى أكاد أخفيها من نفسي ، وكذلك هو في مصحف أبي . وفي مصحف ابن مسعود : أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق . وفي بعض القراءات : فكيف أظهرها لكم . وهو محمول على أنه جاء على ما جرت به عادة العرب في كلامها ، من أن أحدهم إذا بالغ في كتمان الشيء قال : كدت أخفيه من نفسي . والله تعالى لا يخفى عليه شيء ، قال معناه قطرب وغيره . وقال الشاعر :

أيامَ تَصحبني هند وأخبرُها *** ما أكتم النفسَ من حَاجِي وأسراري

فكيف يخبرها بما تكتم نفسه . ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ( ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) الزمخشري وقيل معناه : أكاد أخفيها من نفسي ، ولا دليل في الكلام على هذا المحذوف ، ومحذوف لا دليل عليه مُطَّرح ، والذي غرهم منه أن في مصحف أبي : أكاد أخفيها من نفسي ، وفي بعض المصاحف أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها .

قلت : وقيل إن معنى قول من قال أكاد أخفيها من نفسي ، أي إن إخفاءها كان من قبلي ومن عندي لا من قبل غيري . وروي عن ابن عباس أيضا : أكاد أخفيها من نفسي ، ورواه طلحة بن عمر وعن عطاء . وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : لا أظهر عليها أحدا . وروى عن سعيد بن جبير قال : قد أخفاها . وهذا على أن كاد زائدة . أي إن الساعة آتية أخفيها ، والفائدة في إخفائها التخويف والتهويل . وقيل : تعلق " لتجزى " بقوله تعالى : ( وأقم الصلاة ) فيكون في الكلام تقديم وتأخير ، أي أقم الصلاة لتذكرني ( لتجزي كل نقس بما تسعى ) أي بسعيها ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها ) . والله أعلم . وقيل : هي متعلقة بقوله : ( آتية ) أي إن الساعة آتية لتجزي .


[11032]:هو الأخفش الأكبر عبد الحميد بن عبد المجيد.
[11033]:خفاهن: أظهرهن. والأنفاق: (جمع نفق): وهو الحجر. والودق: المطر. والمجلب: الذي له جلبة. وقبله: ترى الغار في مستيفع القاع لاحبا *** على جدد الصحراء من شد ملهب يقول: وقع حوافر الفرس على الأرض أخرج الفأر من حجرتها لأنه ظنه مطرا.
[11034]:قاله وهو محبوس، حبسه سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه لهجاته بعض بني جرول بن نهشل، ولم يزل في حبسه إلى أن مات.
[11035]:من ك وز.
[11036]:راجع جـ 12 ص 283 فما بعد.
[11037]:هو زيد الخيل.
[11038]:راجع جـ 1 ص 452 فما بعد.