التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٖ فَتَكُن فِي صَخۡرَةٍ أَوۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَأۡتِ بِهَا ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ} (16)

تكرير النداء لتجديد نشاط السامع لوعي الكلام . وقرأ نافع وأبو جعفر { إن تَكُ مثقالُ } برفع { مثقالُ } على أنه فاعل { تَكُ مِن ( كان ) التامة . وإنما جيء بفعله بتاء المضارعة للمؤنثة ، وأعيد عليه الضمير في قوله بها } مؤنثاً مع أن { مثقال لفظ غير مؤنث لأنه أضيف إلى حبة } فاكتسب التأنيث من المضاف إليه ، وهو استعمال كثير إذا كان المضاف لو حذف لما اختل الكلام بحيث يستغنى بالمضاف إليه عن المضاف ، وعليه فضمير { إنها } للقصة والحادثة وهو المسمى بضمير الشأن ، وهو يقع بصورة ضمير المفردة المؤنثة بتأويل القصة ، ويختار تأنيث هذا الضمير إذا كان في القصة لفظ مؤنث كما في قوله تعالى { فإنها لا تَعْمَى الأبصار } [ الحج : 46 ] ، ويكثر وقوع ضمير الشأن بعد ( إنَّ ) كقوله تعالى { إنه مَن يأتِ ربه مجرماً فإنَّ له جَهَنم لا يَمُوت فيها ولا يَحْيى } [ طه : 74 ] ، ومن ذلك تقدير ضمير الشأن اسماً لحرف ( أنَّ ) المفتوحة المخففة ، وهو يفيد الاهتمام بإقبال المخاطب على ما يأتي بعده ، فاجتمع في هذه الجملة ثلاثة مؤكدات : النداء ، وإنَّ ، وضمير القصة ، لعظم خطر ما بعده المفيد تقرير وصفه تعالى بالعلم المحيط بجميع المعلومات من الكائنات ، ووصفه بالقدرة المحيطة بجميع الممكنات بقرينة قوله { يأت بها الله } .

وقد أفيد ذلك بطريق دلالة الفحوى ؛ فذُكر أدقُّ الكائنات حالاً من حيث تعلق العلم والقدرة به ، وذلك أدق الأجسام المختفي في أصْلَب مكان أو أقصاه وأعزِّه منالاً ، أو أوسعه وأشده انتشاراً ، ليعلم أن ما هو أقوى منه في الظهور والدّنو من التناول أولى بأن يحيط به علم الله وقدرته . وقرأه الباقون بنصب { مثقالَ } على الخبرية ل { تكُ } مِن ( كان ) الناقصة ، وتقدير اسم لها يدل عليه المقام مع كون الفعل مسنداً لمؤنث ، أي إن تك الكائنة ، فضمير { إنها } مراد منه الخصلة من حسنة أو سيئة أخذاً من المقام .

والمثقال بكسر الميم : ما يقدر به الثقل ولذلك صيغ على زنة اسم الآلة .

والحبة : واحدة الحَبّ وهو بذر النبات من سنابل أو قطنية بحيث تكون تلك الواحدة زريعة لنوعها من النبات ، وقد تقدم في سورة البقرة ( 261 ) قوله { كَمَثَل حَبَّة أنبتَتْ سَبْع سَنَابل } وقوله { إنَّ الله فَالِق الحَب والنَّوى } في سورة الأنعام ( 95 ) .

والخردل : نبت له جذر وساق قائمة متفرعة إسطوانية أوراقها كبيرة يُخرج أزهاراً صغيرة صُفْراً سنبلية تتحول إلى قرون دقيقة مربعة الزوايا تخرج بزوراً دقيقة تسمى الخردل أيضاً ، ولبّ تلك البزور شديد الحرارة يلدغ اللسان والجلد ، وهي سريعة التفتق ينفتق عنها قشرها بدقّ أو إذا بلت بمائع ، فتستعمل في الأدوية ضَمَّادات على المواضع التي فيها التهاب داخلي من نزلة أو ذات جنْب وهو كثير الاستعمال في الطب قديماً وحديثاً . وقد أخذ الأطباء يستغنون عنه بعقاقير أخرى . وتقدم نظير هذا في سورة الأنبياء ( 47 ) { فلا تُظْلَم نفس شيئاً وإن كان مثقالُ حَبة من خردل أتينَا بها } وقوله { أو في السموات } عطف على { في صخرة } لأن الصخرة من أجزاء الأرض فذكر بعدها { أو في السماوات } على معنى : أو كانت في أعزّ مَنَالاً من الصخرة ، وعطف عليه { أو في الأرض } وإنما الصخرة جزء من الأرض لقصد تعميم الأمكنة الأرضية فإن الظرفية تصدق بهما ، أي : ذلك كله سواء في جانب علم الله وقدرته ، كأنه قال : فتكن في صخرة أو حيث كانت من العالم العلوي والعالم السفلي وهو معنى قوله { وما يعزب عن ربك مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء ولا أصغرَ من ذلك ولا أكبرَ إلا في كتاب مبين } [ يونس : 61 ] .

والإتيان كناية عن التمكن منها ، وهو أيضاً كناية رمْزيَّة عن العلم بها لأن الإتيان بأدق الأجسام من أقصى الأمكنة وأعمقها وأصلبها لا يكون إلا عن علم بكونها في ذلك المكان وعلم بوسائل استخراجها منه .

وجملة { إن الله لطيف خبير } يجوز أن تكون من كلام لقمان فهي كالمقصد من المقدمة أو كالنتيجة من الدليل ، ولذلك فصلت ولم تعطف لأن النتيجة كبدل الاشتمال يشتمل عليها القياس ولذلك جيء بالنتيجة كلية بعد الاستدلال بجزئية . وإنما لم نجعلها تعليلاً لأن مقام تعليم لقمان ابنه يقتضي أن الابن جاهل بهذه الحقائق ، وشرط التعليل أن يكون مسلَّماً معلوماً قبل العلم بالمعلَّل ليصح الاستدلال به . ويجوز أن تكون معترضة بين كلام لقمان تعليماً من الله للمسلمين .

واللطيف : مَن يعلم دقائق الأشياء ويسلك في إيصالها إلى من تصلح به مسلك الرفق ، فهو وصف مؤذن بالعلم والقُدرة الكاملين ، أي يعلم ويقدر وينفذ قدرته ، وتقدم في قوله { وهو اللطيف الخبير } في سورة الأنعام ( 103 ) . ففي تعقيب { يأت بها الله } بوصفه ب ( اللطيف ) إيماء إلى أن التمكن منها وامتلاكها بكيفية دقيقة تناسب فلق الصخرة واستخراج الخردلة منها مع سلامتهما وسلامة ما اتصل بهما من اختلال نظام صُنعه . وهنا قد استوفى أصول الاعتقاد الصحيح .

وجملة { إن الله لطيف خبير } [ لقمان : 16 ] يجوز أن تكون من كلام لقمان وأن تكون معترضة من كلام الله تعالى .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٖ فَتَكُن فِي صَخۡرَةٍ أَوۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَأۡتِ بِهَا ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ} (16)

المعنى : وقال لقمان لابنه يا بني . وهذا القول من لقمان إنما قصد به إعلام ابنه بقدر قدرة الله تعالى . وهذه الغاية التي أمكنه أن يفهمه ؛ لأن الخردلة يقال : إن الحس لا يدرك لها ثقلا ، إذ لا ترجح ميزانا . أي لو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه ؛ أي لا تهتم للرزق حتى تشتغل به عن أداء الفرائض ، وعن اتباع سبيل من أناب إلي .

قلت : ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود : ( لا تكثر همك ما يقدر يكون وما ترزق يأتيك ) . وقد نطقت هذه الآية بأن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا ؛ سبحانه لا شريك له . وروي أن ابن لقمان سأل أباه عن الحبة التي تقع في سفل البحر أيعلمها الله ؟ فراجعه لقمان بهذه الآية . وقيل : المعنى أنه أراد الأعمال ، المعاصي والطاعات ، أي إن تك الحسنة أو الخطيئة مثقال حبة يأت بها الله ، أي لا تفوت الإنسان المقدر وقوعها منه . وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة ترجية وتخويف مضاف ذلك{[12585]} إلى تبيين قدرة الله تعالى . وفي القول الأول ليس فيه ترجية ولا تخويف .

قوله تعالى : " مثقال حبة " عبارة تصلح للجواهر ، أي قدر حبة ، وتصلح للأعمال ، أي ما يزنه على جهة المماثلة قدر حبة . ومما يؤيد قول من قال هي من الجواهر : قراءة عبد الكريم الجزري{[12586]} " فتكن " بكسر الكاف وشد النون ، من الكن الذي هو الشيء المغطى . وقرأ جمهور القراء : " إن تك " بالتاء من فوق " مثقال " بالنصب على خبر كان ، واسمها مضمر تقديره : مسألتك ، على ما روي ، أو المعصية والطاعة على القول الثاني ، ويدل على صحته قول ابن لقمان لأبيه : يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله ؟ فقال لقمان له : " يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة " الآية . فما زال ابنه يضطرب حتى مات . قاله مقاتل . والضمير في " إنها " ضمير القصة ، كقولك : إنها هند قائمة ، أي القصة إنها إن تك مثقال حبة . والبصريون يجيزون : إنها زيد ضربته ، بمعنى إن القصة . والكوفيون لا يجيزون هذا إلا في المؤنث كما ذكرنا . وقرأ نافع : " مثقال " بالرفع ، وعلى هذا " تك " يرجع إلى معنى خردلة ، أي إن تك حبة من خردل . وقيل : أسند إلى المثقال فعلا فيه علامة التأنيث من حيث انضاف إلى مؤنث هو منه ؛ لأن مثقال الحبة من الخردل إما سيئة أو حسنة ، كما قال : " فله عشر أمثالها " {[12587]} [ الأنعام : 160 ] فأنث وإن كان المثل مذكرا ؛ لأنه أراد الحسنات . ومن هذا قول الشاعر :

مشيْنَ كما اهتَزَّتْ رماحٌ تَسَفَّهَتْ *** أعاليَها مرُّ الرياح النَّوَاسِمِ{[12588]}

و " تك " ها هنا بمعنى تقع فلا تقتضي خبرا .

قوله تعالى : " فتكن في صخرة " قيل : معنى الكلام المبالغة والانتهاء في التفهيم ، أي أن قدرته تعالى تنال ما يكون في تضاعيف صخرة وما يكون في السماء والأرض . وقال ابن عباس : الصخرة تحت الأرضين السبع وعليها الأرض . وقيل : هي الصخرة على ظهر الحوت . وقال السدي : هي صخرة ليست في السموات والأرض ، بل هي وراء سبع أرضين عليها ملك قائم ؛ لأنه قال : " أو في السموات أو في الأرض " وفيهما غنية عن قوله : " فتكن في صخرة " ، وهذا الذي قاله ممكن ، ويمكن أن يقال : قوله : " فتكن في صخرة " تأكيد ، كقوله : " اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان{[12589]} من علق " [ العلق : 2 ] ، وقول : " سبحان الذي أسرى بعبده{[12590]} ليلا " [ الإسراء : 1 ] .


[12585]:زيادة عن ابن عطية.
[12586]:في ج: " الجوزي".
[12587]:في ج:" الجوزي". راجع ج 7 ص 150.
[12588]:البيت لذي الرمة. و" تسفهت": استخفت، والسفه خفة العقل وضعفه و "النواسم": الضعيفة الهبوب. وصف نساء فيقول: إذا مشين اهتززن في مشيهن وتثنين فكأنهن رماح نصبت فمرت عليها الرياح فاهتزت وتثنت.
[12589]:راجع ج 20 ص 117.
[12590]:راجع ج 10 ص 204.