{ مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاغنيآء مِنكُمْ } .
جمهور العلماء جعلوا هذه الآية ابتداء كلام ، أي على الاستئناف الابتدائي ، وأنها قصد منها حكم غير الحكم الذي تضمنته الآية التي قبلها . ومن هؤلاء مالك وهو قول الحنفية فجعلوا مضمون الآية التي قبلها أموالَ بني النضير خاصة ، وجعلوا الآية الثانية هذه إخباراً عن حكم الأَفيَاء التي حصلت عند فتح قرىً أخرى بعد غزوة بني النضير . مثل قريظة سنة خمس ، وفَدكٍ سنة سبع ، ونحوهما فعيّنته هذه الآية للأصناف المذكورة فيها ، ولا حق في ذلك لأهل الجيش أيضاً وهذا الذي يجري على وفاق كلام عمر بن الخطاب في قضائه بين العباس وعلي فيما بأيديهما من أموال بني النضير على احتمال فيه ، وهو الذي يقتضيه تغيير أسلوب التعْبير بقوله هنا : { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } بعد أن قال في التي قبلها { وما أفاء الله على رسوله منهم } [ الحشر : 6 ] فإن ضمير { منهم } راجع ل { الذين كفروا من أهل الكتاب } [ الحشر : 2 ] وهم بنو النضير لا محالة . وعلى هذا القول يجوز أن تكون هذه الآية نزلت عقب الآية الأولى ، ويجوز أن تكون نزلت بعد مدة فإن فتح القُرى وقع بعد فتح النضير بنحو سنتين .
ومن العلماء من جعل هذه الآية كلمة وبياناً للآية التي قبلها ، أي بياناً للإِجمال الواقع في قوله تعالى : { فما أوجفتم عليه من خيل } الآية [ الحشر : 6 ] ، لأن الآية التي قبلها اقتصرت على الإِعلام بأن أهل الجيْش لا حقّ لهم فيه ، ولم تبين مستحقَّه وأشعر قولُه { ولكن الله يسلط رسله على من يشاء } [ الحشر : 6 ] أنه مَالٌ لله تعالى يضعه حيث شاء على يد رسوله صلى الله عليه وسلم فقد بيّن الله له مستحقّيه من غير أهل الجيش . فموقع هذه الآية من التي قبلها موقع عطف البيان . ولذلك فصلت .
وممن قال بهذا الشافعيّ وعليه جرى تفسير صاحب « الكشاف » . ومقتضى هذا أن تكون أموال بني النضير مما يُخَمّس ولم يرو أحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمّسها بل ثبت ضدُّه ، وعلى هذا يكون حكم أموال بني النضير حكماً خاصاً ، أو تكون هذه الآية ناسخة للآية التي قبلها إن كانت نزلت بعدها بمدة .
قال ابن الفرس : آية { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } . وهذه الآية من المشكلات إذا نُظرت مع الآية التي قبلها ومع آية الغنيمة من سورة الأنفال . ولا خلاف في أن قوله تعالى : { وما أفاء الله على رسوله منهم الآية } [ الحشر : 6 ] إنما نزلت فيما صار لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أموال الكفار بغير إيجاف ، وبذلك فسّرها عُمر ولم يخالفه أحد .
وأما آية الأنفال فلا خلاف أنها نزلت فيما صار من أموال الكفار بإيجاف ، وأما الآية الثانية من الحشر فاختلف أهل العلم فيها فمنهم من أضافها إلى التي قبلها ، ومنهم من أضافها إلى آية الأنفال وأنهما نزلتا بحكمين مختلفين في الغنيمة الموجف عليها ، وأن آية الأنفال نسخت آية الحشر .
ومنهم من قال : إنها نزلت في معنى ثالث غير المعنيين المذكورين في الآيتين : واختلف الذاهبون إلى هذا : فقيل نزلت في خراج الأرض والجزية دون بقية الأموال ، وقيل نزلت في حكم الأرض خاصة دون سائر أموال الكفار ( فتكون تخصيصاً لآية الأنفال ) وإلى هذا ذهب مالك . والآية عند أهل هذه المقالة غير منسوخة . ومنهم من ذهب إلى تخيير الإمام اهـ .
والتعريف في قوله تعالى : { من أهل القرى } تعريف العهد وهي قرى معروفة عُدّت منها : قريظة ، وفَدَك ، وقرى عُرينة ، واليُنْبُع ، ووادي القُرى ، والصفراء ، فتحت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم واختلف الناس في فتحها أكان عنوة أو صلحاً أو فَيئاً . والأكثر على أن فَدَك كانت مثل النضير .
ولا يختص جعله للرسول بخصوص ذات الرسول صلى الله عليه وسلم بل مثله فيه أيمة المسلمين .
وتقييد الفيء بفيء القرى جَرى على الغالب لأن الغالب أن لا تفتح إلا القرى لأن أهلها يحاصَرون فيستسلمون ويعطُون بأيديهم إذا اشتد عليهم الحصار ، فأما النازلون بالبوادي فلا يُغلبون إلا بعد إيجاف وقتال فليس لقيد { من أهل القرى } مفهوم عندنا ، وقد اختلف الفقهاء في حكم الفيء الذي يحصل للمسلمين بدون إيجاف . فمذهب مالك أنه لا يخمَّس وإنما تخمس الغنائم وهي ما غنمه المسلمون بإيجاف وقتال .
وذهب أبو حنيفة إلى التفصيل بين الأموال غير الأرضين وبين الأرضين . فأما غير الأرضين فهو مخمّس ، وأما الأرضون فالخيار فيها للإِمام بما يراه أصلح إن شاء قسّمها وخمس أهلها فهم أرقاء ، وإن شاء تركها على ملك أهلها وجعل خراجاً عليها وعلى أنفسهم .
وذهب الشافعي إلى أن جميع أموال الحرب مخمّسة وحمل حكم هاته الآية على حكم آية سورة الأنفال بالتخصيص أو بالنسخ .
وذهب أبو حنيفة إلى التفصيل بين الأموال غير الأرضين وبين الأرضين . فأما غير الأرضين فهو مخمّس ، وأما الأرضون فالتفويض فيها للإِمام بما يراه أصلح إن شاء قسّمها وخمس أهلها فهم أرقاء ، وإن شاء أقرّ أهلها بها وجعل خراجاً عليها وعلى أنفسهم .
وهذه الآية اقتضت أن صنفاً مما أفاء الله على المسلمين لم يجعل الله فيه نصيباً للغزاة وبذلك تحصل معارضة بين مقتضاها وبين قصر آية الأنفال التي لم تجعل لمن ذكروا في هذه الآية إلا الخمس ، فقال جمع من العلماء : إن آية الأنفال نسخت حكم هذه الآية . وقال جمع : هذه الآية نسخت آيةَ الأنفال .
وقال قتادة : كانت الغنائم في صدر الإِسلام لهؤلاء الأصناف الخمسة ثم نسخ ذلك بآية الأنفال ، وبذلك قال زيد بن رومان : قال القرطبي ونحوه عن مالك ا ه . على أن سورة الأنفال سابقة في النزول على سورة الحشر لأن الأنفال نزلت في غنائم بدر وسورة الحشر نزلت بعدها بسنتين .
إلا أن يقول قائل : إن آية الأنفال نزلت بعد آية الحشر تجديداً لما شرعه الله من التخميس في غنائم بدر ، أي فتكون آية الحشر ناسخة لما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في قسمة مغانم بدر ، ثم نسخت آية الأنفال آية الحشر . فيكون إلحاقها بسورة الأنفال بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم وقال القرطبي : قيل إن سورة الحشر نزلت بعد الأنفال ، واتفقوا على أن تخميس الغنائم هو الذي استقر عليه العمل ، أي بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وبالإِجماع .
وليس يبعد عندي أن تكون القرى التي عنتها آية الحشر فتحت بحالة مترددة بين مجرد الفيء وبين الغنيمة ، فشُرع لها حكم خاص بها ، وإذ قد كانت حالتها غير منضبطة تعذر أن نقيس عليها ونُسخ حكمها واستقرّ الأمر على انحصار الفتوح في حالتين : حالة الفيء المجرد وما ليس مجردَ فيء . وسقط حكم آية الحشر بالنسخ أو بالإِجماع . والإِجماع على مخالفة حكم النص يعتبر ناسخاً لأنه يتضمن ناسخاً . وعن معمر أنه قال : بلغني أن هذه الآية أي آية { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } نزلت في أرض الخراج والجزْية .
ومن العلماء من حملها على أرض الكفار إذا أخذت عنوة مثل سواد العراق دون ما كان من أموالهم غير أرض . كل ذلك من الحيرة في الجمع بين هذه الآية وآية سورة الأنفال مع أنها متقدمة على هذه مع ما روي عن عمر في قضية حكمه بين العباس وعلي ، ومع ما فعله عُمر في سواد العراق ، وقد عرفت موقع كل . وستعرف وجه ما فعله عمر في سواد العراق عند الكلام على قوله تعالى : { والذين جاؤوا من بعدهم } [ الحشر : 10 ] .
ومن العلماء من جعل محمل هذه الآية على الغنائم كلها بناء على تفسيرهم الفيء بما يرادف الغنيمة . وزعموا أنها منسوخة بآية الأنفال . وتقدم ما هو المراد من ذكر اسم الله تعالى في عداد من لهم المغانم والفيءُ والأصناف المذكورة في هذه الآية تقدم بيانها في سورة الأنفال .
و { كي لا يكون دولة } الخ تعليل لما اقتضاه لام التمليك من جعله ملكاً لأصناف كثيرة الأفراد ، أي جعلناه مقسوماً على هؤلاء لأجل أن لا يكون الفيء دُولة بين الأغنياء من المسلمين ، أي لئلا يتداوله الأغنياء ولا ينال أهلَ الحاجة نصيب منه .
والمقصود من ذلك . إبطال ما كان معتاداً في العرب قبل الإِسلام من استئثار قائد الجيش بأمور من المغانم وهي : المرباع ، والصفايا ، وما صالح عليه عدوّه دون قتال ، والنشيطة ، والفضول .
قال عبد الله بن عَنمة الضبّيّ يخاطب بِسطام بنَ قيس سيد بني شيبان وقائدَهم في أيامهم :
لك المِرباع منها والصفايا *** وحُكْمك والنشيطَةُ والفُضُول
فالمرباع : ربُع المغانم كان يستأثر به قائد الجيش .
والصفايا : النفيس من المغانم الذي لا نظير له فتتعذر قسمته ، كان يستأثر به قائد الجيش ، وأما حُكمه فهو ما أعطاه العدوُّ من المال إذا نزلوا على حكم أمير الجيش .
والنشيطة : ما يصيبه الجيش في طريقه من مال عدوّهم قبل أن يصلوا إلى موضع القتال .
والفُضُول : ما يبْقى بعد قسمة المغانم مما لا يقبل القسمة على رؤوس الغُزاة مثل بعيرٍ وفرس .
وقد أبطل الإِسلام ذلك كله فجعل الفيء مصروفاً إلى ستة مصارف راجعة فوائدها إلى عموم المسلمين لسدّ حاجاتهم العامة والخاصة ، فإن ما هو لله وللرسول صلى الله عليه وسلم إنما يجعله الله لما يأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم وجعل الخمس من المغانم كذلك لتلك المصارف .
وقد بدا من هذا التعليل أن من مقاصد الشريعة أن يكون المال دُولة بين الأمة الإِسلامية على نظام محكم في انتقاله من كل مال لم يسبق عليه ملك لأحد مثل المَوات ، والفيء ، واللقطات ، والركاز ، أو كان جزءاً معيناً مثل : الزكاة ، والكفارات ، وتخميس المغانم ، والخراج ، والمواريث ، وعقود المعاملات التي بين جانبي مال وعمل مثل : القراض والمغارسة ، والمساقاة ، وفي الأموال التي يظفر بها الظافر بدون عمل وسعي مثل : الفيء والرّكاز ، وما ألقاه البحر ، وقد بينت ذلك في الكتاب الذي سميتُه « مقاصد الشريعة الإِسلامية » .
والدُولة بضم الدال : ما يتداوله المتداولون . والتداول : التعاقب في التصرف في شيء . وخصها الاستعمال بتداول الأموال .
والدَولة بفتح الدال : النوبة في الغلبة والملك . ولذلك أجمع القراء المشهورون على قراءتها في هذه الآية بضم الدال .
وقرأ الجمهور { كي لا يكون دولة } بنصب { دولةً } على أنه خبر { يكون } . واسم { يكون } ضمير عائد إلى ما أفاء الله ، وقرأه هشام عن ابن عامر ، وأبو جعفر برفع { دولةٌ } على أنَّ { يكون } تامة و { دولةٌ } فاعله .
وقرأ الجمهور { يكون } بتحتية في أوله . وقرأه أبو جعفر { تكونَ } بمثناة فوقية جرياً على تأنيث فاعله . واختلف الرواة عن هشام فبعضهم روى عنه موافقة ( أي جعفر ) في تاء { تكون } وبعضهم روى عنه موافقة الجمهور في الياء .
والخطاب في قوله تعالى : { بين الأغنياء منكم } للمسلمين لأنهم الذين خوطبوا في ابتداء السورة بقوله : { ما ظننتم أن يخرجوا } [ الحشر : 2 ] ثم قوله : { ما قطعتم من لينة } [ الحشر : 5 ] وما بعده . وجعله ابن عطية خطاباً للأنصار لأن المهاجرين لم يكن لهم في ذلك الوقت غنى .
والمراد ب { الأغنياء } الذين هم مظنة الغنى ، وهم الغُزاة لأنهم أغنياء بالمغانم والأنفال .
{ وَمَآ ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنْهُ فانتهوا واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ العقاب } .
اعتراض ذيّل به حكم فَيْء بني النضير إذ هو أمر بالأخذ بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ومما جاءت به هذه الآيات في شأن فيْء النضير ، والواو اعتراضية ، والقصد من هذا التذييل إزالة ما في نفوس بعض الجيش من حزازة حرمانهم مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من أرض النضير .
والإِيتاء مستعار لتبليغ الأمر إليهم ، جعل تشريعه وتبليغه كإيتاء شيء بأيديهم كما قال تعالى : { خذوا ما آتيناكم بقوة } [ البقرة : 63 و93 ] واستعير الأخذ أيضاً لقبول الأمر والرضى به والعمل .
وقرينة ذلك مقابلته بقوله تعالى : { وما نهاكم عنه فانتهوا } وهو تتميم لنوعي التشريع . وهذه الآية جامعة للأمر باتباع ما يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم من قول وفعل فيندرج فيها جميع أدلة السنة . وفي « الصحيحين » عن ابن مسعود : أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لعن الله الواشمات والمستوشمات " . الحديث . فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها : أم يعقوب فجاءته فقالت : بلغني أنك لعنت كيت وكيت فقال لها : وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله ؟ فقالت : لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول . فقال : لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه ، أما قرأتِ : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } .
وعطف على هذا الأمر تحذير من المخالفة فأمرهم بتقوى الله فيما أمر به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وعطف الأمر بالتقوى على الأمر بالأخذ بالأوامر وترك المنهيات يدل على أن التقوى هي امتثال الأمر واجتناب النهي .
والمعنى : واتقوا عقاب الله لأن الله شديد العقاب ، أي لمن خالف أمره واقتحم نهيه .
الثانية- قوله تعالى : { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } قال ابن عباس : هي قريظة والنضير ، وهما بالمدينة وفدك ، وهي على ثلاثة أيام من المدينة وخيبر . وقرى عرينة وينبع جعلها الله لرسوله . وبين أن في ذلك المال الذي خصه بالرسول عليه السلام سُهْمَانا لغير الرسول نظراً منه لعباده . وقد تكلم العلماء في هذه الآية والتي قبلها ، هل معناهما واحد أو مختلف ، والآية التي في الأنفال ، فقال قوم من العلماء : إن قوله تعالى : { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } منسوخ بما في سورة الأنفال من كون الخمس لمن سمي له ، والأخماس الأربعة لمن قاتل . وكان في أول الإسلام تقسم الغنيمة على هذه الأصناف ولا يكون لمن قاتل عليها شيء . وهذا قول يزيد بن رومان وقتادة وغيرهما ، ونحوه عن مالك . وقال قوم : إنما غنم بصلح من غير إيجاف خيل ولا ركاب ، فيكون لمن سمى الله تعالى فيه فيئا والأولى للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، إذا أخذ منه حاجته كان الباقي في مصالح المسلمين . وقال معمر : الأولى : للنبي صلى الله عليه وسلم . والثانية : هي الجزية والخراج للأصناف المذكورة فيه . والثالثة : الغنيمة في سورة الأنفال للغانمين . وقال قوم منهم الشافعي : إن معنى الآيتين واحد ، أي ما حصل من أموال الكفار بغير قتال قسم على خمسة أسهم ، أربعة منها للنبي صلى الله عليه وسلم . وكان الخمس الباقي على خمسة أسهم : سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا وسهم لذوي القربى - وهم بنو هاشم وبنو المطلب - لأنهم منعوا الصدقة فجعل لهم حق في الفيء ، وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لابن السبيل . وأما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالذي كان من الفيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف عند الشافعي في قول إلى المجاهدين المترصدين للقتال في الثغور ؛ لأنهم القائمون مقام الرسول عليه الصلاة والسلام . وفي قول آخر له : يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر ، يقدم الأهم فالأهم ، وهذا في أربعة أخماس الفيء . فأما السهم الذي كان له من خمس الفيء والغنيمة فهو لمصالح المسلمين بعد موته صلى الله عليه وسلم بلا خلاف ، كما قال عليه الصلاة والسلام : ( ليس لي من غنائمكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم ) . وقد مضى القول فيه في سورة " الأنفال{[14827]} " .
وكذلك ما خلفه من المال غير موروث ، بل هو صدقة يصرف عنه إلى مصالح المسلمين ، كما قال عليه السلام : ( إنا لا نورث ما تركناه صدقة ) . وقيل : كان مال الفيء لنبيه صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى : { ما أفاء الله رسوله } فأضافه إليه ، غير أنه كان لا يتأثل{[14828]} مالا ، إنما كان يأخذ بقدر حاجة عياله ويصرف الباقي في مصالح المسلمين . قال القاضي أبو بكر بن العربي : لا إشكال أنها ثلاثة معان في ثلاث آيات ، أما الآية الأولى فهي قوله : { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر } [ الحشر : 2 ] ثم قال تعالى : { وما أفاء الله على رسوله منهم } يعني من أهل الكتاب معطوفا عليهم ، { فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب } يريد كما بينا ، فلا حق لكم فيه ، ولذلك قال عمر : إنها كانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعني بني النضير وما كان مثلها . فهذه آية واحدة ومعنى متحد .
قوله تعالى : { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول } وهذا كلام مبتدأ غير الأول لمستحق غير الأول . وسمى الآية الثالثة آية الغنيمة ، ولا شك في أنه معنى آخر باستحقاق ثان لمستحق آخر ، بيد أن الآية الأولى والثانية ، اشتركتا في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئا أفاءه الله على رسوله ، واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال ، واقتضت آية الأنفال أنه حاصل بقتال ، وعرِيت الآية الثالثة وهي قوله تعالى : { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } عن ذكر حصوله بقتال أو بغير قتال ، فنشأ الخلاف من ها هنا ، فمن طائفة قالت : هي ملحقة بالأولى ، وهو مال الصلح كله ونحوه . ومن طائفة قالت : هي ملحقة بالثانية وهي آية الأنفال ، والذين قالوا أنها ملحقة بآية الأنفال اختلفوا ، هل هي منسوخة - كما تقدم - أو محكمة ؟ وإلحاقها بشهادة الله بالتي قبلها{[14829]} أولى ؛ لأن فيه تجديد فائدة ومعنى . ومعلوم أن حمل الحرف من الآية فضلا عن الآية على فائدة متجددة أولى من حمله على فائدة معادة . وروى ابن وهب عن مالك في قوله تعالى : { فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب } بني النضير{[14830]} ، لم يكن فيها خمس ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب . كانت صافية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقسمها بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار ، حسب ما تقدم . وقوله : { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } هي قريظة ، وكانت قريظة والخندق في يوم واحد . قال ابن العربي : قول مالك إن الآية الثانية في بني قريظة ، إشارة إلى أن معناها يعود إلى آية الأنفال ، ويلحقها النسخ . وهذا أقوى{[14831]} من القول بالإحكام . ونحن لا نختار إلا ما قسمنا وبينا أن الآية الثانية لها معنى مجدد حسب ما دللنا عليه والله اعلم .
قلت : ما اختاره حسن . وقد قيل إن سورة " الحشر " نزلت بعد الأنفال ، فمن المحال أن ينسخ المتقدم المتأخر . وقال ابن أبي نجيح : المال ثلاثة : مغنم ، أو فيء ، أو صدقة ، وليس منه درهم إلا وقد بين الله موضعه . وهذا أشبه .
الثالثة- الأموال التي للأئمة والولاة فيها مدخل ثلاثة أضرب : ما أخذ من المسلمين على طريق التطهير لهم ، كالصدقات والزكوات . والثاني : الغنائم ، وهو ما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكافرين بالحرب والقهر والغلبة . والثالث : الفيء ، وهو ما رجع للمسلمين من أموال الكفار عفوا صفوا من غير قتال ولا إيجاف ، كالصلح والجزية والخراج والعشور المأخوذة من تجار الكفار ، ومثله أن يهرب المشركون ويتركوا أموالهم ، أو يموت أحد منهم في دار الإسلام ولا وارث له . فأما الصدقة فمصرفها الفقراء والمساكين والعاملين عليها ، حسب ما ذكره الله تعالى ، وقد مضى في " براءة{[14832]} " . وأما الغنائم فكانت في صدر الإسلام للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيها ما شاء ، كما قال في سورة " الأنفال " : { قل الأنفال لله والرسول }[ الأنفال : 1 ] ، ثم نسخ بقوله تعالى : { واعلموا أنما غنمتم من شيء } [ الأنفال : 41 ] الآية ، وقد مضى في الأنفال بيانه{[14833]} . فأما الفيء فقسمته وقسمة الخمس سواء . والأمر عند مالك فيهما إلى الإمام ، فإن رأى حبسهما لنوازل تنزل بالمسلمين فعل ، وإن رأى قسمتهما أو قسمة أحدهما قسمه كله بين الناس ، وسوى فيه بين عربيهم ومولاهم . ويبدأ بالفقراء من رجال ونساء حتى يغنوا ، ويعطوا ذوو القربى من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفيء سهمهم على ما يراه الإمام ، وليس له حد معلوم .
واختلف في إعطاء الغني منهم ، فأكثر الناس على إعطائه لأنه حق لهم . وقال مالك : لا يعطي منه غير فقرائهم ؛ لأنه جعل لهم عوضا من الصدقة . وقال الشافعي : أيما حصل من أموال الكفار من غير قتال كان يقسم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على خمسة وعشرين سهما : عشرون للنبي صلى الله عليه وسلم يفعل فيها ما يشاء . والخمس يقسم على ما يقسم عليه خمس الغنيمة . قال أبو جعفر أحمد بن الداودي : وهذا قول ما سبقه به أحد علمناه ، بل كان ذلك خالصا له ، كما ثبت في الصحيح عن عمر مبينا للآية . ولو كان هذا لكان قوله : { خالصة لك من دون المؤمنين{[14834]} } [ الأحزاب : 50 ] يدل على أنه يجوز الموهبة لغيره ، وأن قوله : { خالصة يوم القيامة{[14835]} } [ الأعراف : 32 ] يجوز أن يشركهم فيها غيرهم . وقد مضى قول الشافعي مستوعبا في ذلك والحمد لله . ومذهب الشافعي رضي الله عنه : أن سبيل خمس الفيء سبيل خمس الغنيمة ، وأن أربعة أخماسه كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهي بعده لمصالح المسلمين . وله قول آخر : أنها بعده للمرصدين أنفسهم للقتال بعده خاصة ، كما تقدم .
الرابعة- قال علماؤنا : ويقسم كل مال في البلد الذي جبي فيه ، ولا ينقل عن ذلك البلد الذي جبي فيه حتى يغنوا ، ثم ينقل إلى الأقرب من غيرهم ، إلا أن ينزل بغير البلد الذي جبي فيه فاقة شديدة ، فينتقل ذلك إلى أهل الفاقة حيث كانوا ، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أعوام الرمادة ، وكانت خمسة أعوام أو ستة . وقد قيل عامين وقيل : عام فيه اشتد الطاعون مع الجوع . وإن لم يكن ما وصفنا ورأى الإمام إيقاف الفيء أوقفه لنوائب المسلمين ، ويعطى منه المنفوس ويبدأ بمن أبوه فقير . والفيء حلال للأغنياء . ويسوى بين الناس فيه إلا أنه يؤثر أهل الحاجة والفاقة . والتفضيل فيه إنما يكون على قدر الحاجة . ويعطي منه الغرماء ما يؤدون به ديونهم . ويعطي منه الجائزة والصلة إن كان ذلك أهلا ، ويرزق القضاء والحكام ومن فيه منفعة للمسلمين . وأولاهم بتوفر الحظ منهم أعظمهم للمسلمين نفعا . ومن أخذ من الفيء شيئا في الديوان كان عليه أن يغزو إذا غزي .
الخامسة- قوله تعالى : { كي لا يكون دولة } قراءة العامة " يكون " بالياء . " دولة " بالنصب ، أي كي لا يكون الفيء دولة وقرأ أبو جعفر والأعرج وهشام - عن ابن عامر - وأبو حيوة " تكون " بتاء " دولة " بالرفع ، أي كي لا تقع دولة . فكانت تامة . و " دولة " رفع على اسم كان ولا خبر له . ويجوز أن تكون ناقصة وخبرها " بين الأغنياء منكم " . وإذا كانت تامة فقوله : " بين الأغنياء منكم " متعلق ب " دولة " على معنى تداول بين الأغنياء منكم . ويجوز أن يكون { بين الأغنياء منكم } وصفا ل " دولة " . وقراءة العامة " دولة " بضم الدال . وقرأها السلمي وأبو حيوة بالنصب . قال عيسى بن عمر ويونس والأصمعي : هما لغتان بمعنى واحد . وقال أبو عمرو بن العلاء : الدولة ( بالفتح ) الظفر في الجواب وغيره ، وهي المصدر . وبالضم اسم الشيء الذي يتداول من الأموال . وكذا قال أبو عبيدة : الدولة اسم الشيء الذي يتداول ، والدَّوْلة الفعل . ومعنى الآية : فعلنا ذلك في هذا الفيء ، كي لا تقسمه الرؤساء والأغنياء والأقوياء بينهم دون الفقراء والضعفاء ؛ لأن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا أخذ الرئيس ربعها لنفسه ، وهو المرباع . ثم يصطفي منها أيضا بعد المِرْبَاع ما شاء ، وفيها قال شاعرهم :
لك المِرْبَاع منها والصَّفَايا{[14836]} .
يقول : كي لا يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية . فجعل الله هذا لرسوله صلى الله عليه وسلم ، يقسمه في المواضع التي أمر بها ليس فيها خمس ، فإذا جاء خمس وقع بين المسلمين جميعا .
السادسة- قوله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عه فانتهوا } أي ما أعطاكم من مال الغنيمة فخذوه ، وما نهاكم عنه من الأخذ والغُلُول{[14837]} فانتهوا ، قاله الحسن وغيره . السدي : ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه ، وما منعكم منه فلا تطلبوه . وقال ابن جريج : ما آتاكم من طاعتي فافعلوه ، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه . الماوردي : وقيل إنه محمول على العموم في جميع أوامره ونواهيه ، لا يأمر إلا بصلاح ولا ينهى إلا عن فساد . قلت : هذا هو معنى القول الذي قبله . فهي ثلاثة أقوال .
السابعة- قال المهدوي : قوله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } هذا يوجب أن كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أمر من الله تعالى ، والآية وإن كانت في الغنائم فجميع أوامره صلى الله عليه وسلم ونواهيه دخل فيها . وقال الحكم بن عمير - وكانت له صحبة - قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا القرآن صعب مستصعب عسير على من تركه ، يسير على من اتبعه وطلبه . وحديثي صعب مستصعب وهو الحكم فمن استمسك بحديثي وحفظه نجا مع القرآن . ومن تهاون بالقرآن وحديثي خسر الدنيا والآخرة . وأمرتم أن تأخذوا بقولي وتكتنفوا أمري وتتبعوا سنتي فمن رضي بقولي فقد رضي بالقرآن ، ومن استهزأ بقولي فقد استهزأ بالقرآن قال الله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } .
الثامنة- قال عبد الرحمن بن زيد : لقي ابن مسعود رجلا محرما وعليه ثيابه فقال له : انزع عنك هذا . فقال الرجل : أتقرأ علي بهذا آية من كتاب الله تعالى ؟ قال : نعم ، { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } . وقال عبدالله بن محمد بن هارون الفريابي : سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول : سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله تعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ، قال : فقلت له : ما تقول - أصلحك الله - في المحرم يقتل الزنبور ؟ قال فقال : بسم الله الرحمن الرحيم ، قال الله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } . وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ) . حدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر بن كدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه أمر بقتل الزنبور . قال علماؤنا : وهذا جواب في نهاية الحسن ، أفتى بجواز قتل الزنبور في الإحرام ، وبين أنه يقتدي فيه بعمر ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاقتداء به ، وأن الله سبحانه أمر بقبول ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فجواز قتله مستنبط من الكتاب والسنة . وقد مضى هذا المعنى من قول عكرمة حين سئل عن أمهات الأولاد فقال : هن أحرار في سورة " النساء " عند قوله تعالى : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم{[14838]} } [ النساء : 59 ] . وفي صحيح مسلم وغيره عن علقمة عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات{[14839]} والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ) فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب ؛ فجاءت فقالت : بلغني أنك لعنت كيت وكيت ! فقال : وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله ! فقالت : لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول . فقال : لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه ! أما قرأت { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ! قالت : بلى . قال : فإنه قد نهى عنه . . الحديث . وقد مضى القول فيه في " النساء " مستوفى .
التاسعة- قوله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه } وإن جاء بلفظ الإيتاء وهو المناولة فإن معناه الأمر ، بدليل قوله تعالى : { وما نهاكم عنه فانتهوا } فقابله بالنهي ، ولا يقابل النهي إلا بالأمر ، والدليل على فهم ذلك ما ذكرناه قبل مع قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ) . وقال الكلبي : إنها نزلت في رؤوساء المسلمين ، قالوا فيما ظهر عليه رسول الله من أموال ، المشركين : يا رسول الله ، خذ صفيك والربع ، ودعنا والباقي ، فهكذا كنا نفعل في الجاهلية . وأنشدوه :
لك المرباعُ منها والصَّفَايَا *** وحُكْمُكَ والنَّشِيطَةُ والفُضُولُ
العاشرة- { واتقوا الله } أي عذاب الله ، إنه شديد لمن عصاه . وقيل : اتقوا الله في أوامره ونواهيه فلا تضيعوها ، { إن الله شديد العقاب } لمن خالف ما أمره به .