التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (9)

الأظهر أن { الذين } عطف على { المهاجرين } [ الحشر : 8 ] أي والذين تبوّؤا الدار . والذين تبوّؤا الدار هم الأنصار .

والدّار تطلق على البلاد ، وأصلُها مَوضع القبيلة من الأرض . وأطلقت على القرية قال تعالى في ذكر ثمود { فأصبحوا في دَارهم جاثمين } [ الأعراف : 78 ] ، أي في مدينتهم وهي حجر ثمود .

والتعريف هنا للعهد لأن المراد بالدار : يثرب ، والمعنى الذين هم أصحاب الدار . هذا توطئة لقوله : { يحبون من هاجر إليهم } .

والتبوُّء : اتخاذ المباءة وهي البُقعة التي يَبوء إليها صاحبها ، أي يرجع إليها بعد انتشاره في أعماله . وفي موقع قوله : { والإيمان } غموض إذ لا يصح أن يكون مفعولاً لفعل تبوَّءوا ، فتأوله المفسرون على وجهين : أحدهما أن يجعل الكلام استعارة مكنية بتشبيه الإِيمان بالمَنْزل وجعْل إثبات التَّبَوُّءِ تخييلاً فيكون فعل تبوأوا مستعملاً في حقيقته ومجازه .

وجمهور المفسرين جعلوا المعطوف عاملاً مقدراً يدلّ عليه الكلام ، تقديره : وأخلصوا الإِيمان على نحو قول الراجز الذي لا يعرف :

علفتها تبناً وماءً بارداً{[414]}

وقول عبد الله بن الزِّبَعْرَى :

يا ليت زوجَككِ قد غدا *** متقلداً سيفاً ورمحاً

أي وممسكاً رمحاً وهو الذي درج عليه في « الكشاف » . وقيل الواو للمعية . و { الإِيمانَ } مفعول معه .

وعندي أن هذا أحسن الوجوه ، وإن قلّ قائلوه . والجمهور يجعلون النصب على المفعول معه سماعياً فهو عندهم قليل الاستعمال فتجنبوا تخريج آيات القرآن عليه حتى ادعى ابن هشام في « مُغني اللبيب » أنه غير واقع في القرآن بيقين . وتأول قوله تعالى : { فأَجمِعُوا أمرَكم وشركاءَكم } [ يونس : 71 ] ، ذلك لأن جمهور البصريين يشترطون أن يكون العامل في المفعول معه هو العاملَ في الاسم الذي صاحَبَه ولا يرون واو المعية ناصبة المفعول معه خلافاً للكوفيين والأخفش فإن الواو عندهم بمعنى ( مع ) . وقال عبد القاهر : منصوب بالواو .

والحق عدم التزام أن يكون المفعول معه معمولاً للفعل ، ألا ترى صحة قول القائل : استوى الماء والخشبةَ . وقولهم : سرْتُ والنيلَ ، وهو يفيد الثناء عليهم بأن دار الهجرة دارُهم آووا إليها المهاجرين لأنها دار مؤمنين لا يماثلها يومئذٍ غيرها .

وبذلك يتضح أن متعلق { من قبلهم } فعل { تبوؤا } بمفرده ، وأن المجرور المتعلق به قيدٌ فِيه دون ما ذكر بعد الواو لأن الواو ليست واو عطف فلذلك لا تكون قائمة مقام الفعل السابق لأن واو المعية في معنى ظرف فلا يعلق بها مجرور .

وفي ذكر الدار ( وهي المدينة ) مع ذكر الإِيمان إيماء إلى فضيلة المدينة بحيث جعل تبوّءهم المدينة قرين الثناء عليهم بالإِيمان ولعل هذا هو الذي عناه مالك رحمه الله فيما رواه عنه ابن وهب قال : سمعت مالكاً يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق . فقال : إن المدينة تبوّئت بالإِيمان والهجرة وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف ثم قرأ : { والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم } الآية .

وجملة { يحبون من هاجر إليهم } حال من الذين تَبَوَّؤُوا الدار ، وهذا ثناء عليهم بما تقرر في نفوسهم من أخوة الإِسلام إذ أحبوا المهاجرين ، وشأن القبائل أن يتحرجوا من الذين يهاجرون إلى ديارهم لمضايقتهم .

ومن آثار هذه المحبة ما ثبت في « الصحيح » من خبر سعد بن الربيع مع عبد الرحمان بن عوف إذ عرض سعد عليه أن يقاسمه ماله وأن يَنزل له عن إحدى زوجتيه ، وقد أسكنوا المهاجرين معهم في بيوتهم ومنحوهم من نخيلهم ، وحسبك الأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار .

وقوله : { ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا } أريد بالوجدان الإِدراك العقلي ، وكنى بانتفاء وجدان الحاجة عن انتفاء وجودها لأنها لو كانت موجودة لأدركوها في نفوسهم وهذا من باب قول الشاعر :

ولا ترى الضبّ بها ينجحر

والحاجة في الأصل : اسم مَصدرِ الحَوْج وهو الاحتياج ، أي الافتقار إلى شيء ، وتطلق على الأمر المحتاج إليه من إطلاق المصدر على اسم المفعول ، وهي هنا مجاز في المأْرب والمرادِ ، وإطلاق الحاجة إلى المأرب مجاز مشهور ساوى الحقيقة كقوله تعالى : { ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم } [ غافر : 80 ] ، أي لتبلغوا في السفر عليها المأْرب الذي تسافرون لأجله ، وكقوله تعالى : { إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها } [ يوسف : 68 ] أي مأربا مُهمّا وقول النابغة :

أيامَ تخبرني نُعْمٌ وأَخْبِرُها *** ما أكتُم الناسَ من حاجِي وإسراري

وعليه فتكون ( مِن ) في قوله : { مما أوتوا } ابتدائية ، أي مأرباً أو رغبة ناشئة من فَيْء أُعْطِيهُ المهاجرون . والصدور مراد بها النفوس جمع الصدر وهو الباطن الذي فيه الحواس الباطنة وذلك كإطلاق القلب على ذلك .

و ( ما أوتوا ) هو فيء بني النضير .

وضمير { صدورهم } عائد إلى { الذين تَبَوَّؤُا الدار } ، وضمير { أوتوا } عائد إلى { من هاجر إليهم } ، لأن من هاجر جماعة من المهاجرين فروعي في ضمير معنى ( مَنْ ) بدون لفظها . وهذان الضميران وإن كانا ضميري غيبة وكانا مقتربَين فالسامع يرد كل ضمير إلى معاده بحسب السياق مثل ( ما ) في قوله تعالى : { وعمروها أكثر مما عمروها } في سورة [ الروم : 9 ] . وقول عباس بن مرداس يذكر انتصار المسلمين مع قومه بني سُليم على هَوازن :

عُدنا ولولا نَحنُ أحدَق جمعهم *** بالمسلمين وأحرزوا ما جمَّعوا

( أي أحرز جيش هوازن ما جمّعه جيش المسلمين ) .

والمعنى : أنهم لا يخامر نفوسهم تشوف إلى أخذ شيء مما أوتيه المهاجرون من فيْء بني النضير .

ويجوز وجه آخر بأن يحمل لفظ حاجة على استعماله الحقيقي اسم مصدر الاحتياج فإن الحاجة بهذا المعنى يصح وقوعها في الصدور لأنها من الوجدانيات والانفعالات . ومعنى نفي وجدان الاحتياج في صدورهم أنهم لفرط حبهم للمهاجرين صاروا لا يخامر نفوسهم أنهم مفتقرون إلى شيء مما يُؤتاه المهاجرون ، أي فهم أغنياء عما يؤتاه المهاجرون فلا تستشرف نفوسهم إلى شيء مما يؤتاه المهاجرون بَلْهَ أن يتطلبوه .

وتكون ( مِن ) في قوله تعالى : { مما أوتوا } للتعليل ، أي حاجة لأجل ما أوتيه المهاجرون ، أو ابتدائية ، أي حاجة ناشئة عما أوتيه المهاجرون فيفيد انتفاء وجدان الحاجة في نفوسهم وانتفاء أسباب ذلك الوجدان ومناشئِه المعتادة في الناس تبعاً للمنافسة والغبطة ، وقد دل انتفاء أسباب الحاجة على متعلق حاجة المحذوف إذ التقدير : ولا يجدون في نفوسهم حاجة لشيء أوتيه المهاجرون .

والإيثار : ترجيح شيء على غيره بمكرمة أو منفعة .

والمعنى : يُؤثرونَ على أنفسهم في ذلك اختياراً منهم وهذا أعلى درجة مما أفاده قوله : { ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا } فلذلك عقب به ولم يُذكر مفعول { يُؤثِرونَ } لدلالة قوله : { مما أوتوا } عليه .

ومن إيثارهم المهاجرين ما روي في « الصحيح » أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الأنصار ليقطع لهم قطائع بنخل البحرين فقالوا : لا إلا أن تقطع لإِخواننا من المهاجرين مثلها .

وإما إيثار الواحد منهم على غيره منهم فما رواه البخاري عن أبي هريرة قال : « أتى رجل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أصابني الجهد . فأرسل في نسائه فلم يجد عندهنّ شيئاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألاَ رجل يُضيف هذا الليلةَ رحمه الله ، فقام رجل من الأنصار ( هو أبو طلحة ) فقال : أنا يا رسول الله ، فذهب إلى أهله فقال لامرأته : هذا ضيف رسول الله لا تدَّخريه شيئاً ، فقالت : والله ما عندي إلا قُوتُ الصِبية . قال : فإذا أراد الصبية العَشاء فنوِّميهم وتعالَي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة . فإذا دخل الضيف فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج تُري أنككِ تصلحينه فأطفئيه وأَرِيه أنَّا نأكل . فقعدوا وأكل الضيف .

وذكرت قصص من هذا القبيل في التفاسير ، قيل : نزلت هذه الآية في قصة أبي طلحة وقيل غير ذلك .

وجملة { ولو كان بهم خصاصة } في موضع الحال .

و { لو } وصلية وهي التي تدل على مجرد تعليق جوابها بشرط يفيد حالة لا يُظنّ حصول الجواب عند حصولها . والتقدير : لو كان بهم خصاصة لآثروا على أنفسهم فيُعلم أن إيثارهم في الأحوال التي دون ذلك بالأحرى دون إفادة الامتناع . وقد بينا ذلك عند قوله تعالى : { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به } في سورة [ آل عمران : 91 ] .

والخصاصة : شدة الاحتياج .

وتذكير فعل { كان } لأجل كون تأنيث الخصاصة ليس حقيقياً ، ولأنه فُصل بين { كان } واسمها بالمجرور . والباء للملابسة .

وجملة { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } تذييل ، والواو اعتراضية ، فإن التذييل من قبيل الاعتراض في آخر الكلام على الرأي الصحيح . وتذييل الكلام بذكر فضل من يوقون شح أنفسهم بعد قوله : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } يشير إلى أن إيثارهم على أنفسهم حتى في حالة الخصاصة هو سلامة من شح الأنفس فكأنه قيل لسلامتهم من شح الأنفس { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } .

والشح بضم الشين وكسرها : غريزة في النفس بمَنْع ما هو لها ، وهو قريب من معنى البخل . وقال الطيبي : الفرق بين الشح والبخل عسير جداً وقد أشار في « الكشاف » إلى الفرق بينهما بما يقتضي أن البخل أثر الشح وهو أن يمنع أحد ما يراد منه بَذْلُه وقد قال تعالى : { وأحضرت الأنفس الشح } [ النساء : 128 ] أي جعل الشح حاضراً معها لا يفارقها ، وأضيف في هذه الآية إلى النفس لذلك فهو غريزة لا تسلم منها نفس .

وفي الحديث في بيان أفضل الصدقة « أن تصَّدَّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمُل الغِنى » ولكن النفوس تتفاوت في هذا المقدار فإذا غلب عليها بمنع المعروف والخير فذلك مذموم ويتفاوت ذمه بتفاوت ما يمنعه . قال وقد أحسن وصفه من قال ، لم أقف على قائله :

يمارس نفساً بين جَنْبَيْه كَزَّةً *** إذا هَمَّ بالمعروف قالت له مهلاً

فمن وقي شح نفسه ، أي وُقي من أن يكون الشح المذموم خُلقاً له ، لأنه إذا وُقي هذا الخُلقَ سلِم من كل مواقع ذمه . فإن وقي من بعضه كان له من الفلاح بمقدار ما وُقيه .

واسم الإِشارة لتعظيم هذا الصنف من الناس .

وصيغة القصر المؤداة بضمير الفصل للمبالغة لكثرة الفلاح الذي يترتب على وقاية شح النفس حتى كأن جنس المفلح مقصور على ذلك المُوقَى .

ومن المفسرين من جعل { والذين تبوؤا الدار } ابتداء كلام للثناء على الأنصار بمناسبة الثناء على المهاجرين وهؤلاء لم يجعلوا للأنصار حظاً في ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى وقصروا قوله : { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } [ الحشر : 7 ] على قرى خاصة هي : قريظة . وفَدَك ، وخيبر . والنفع ، وعُرينة ، ووادي القُرى ، ورووا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفاء الله عليه فيئَها قال للأنصار : " إن شئتم قاسمتم المهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة ، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم لهم هذا " ؟ فقالوا : بل نقسم لهم من أموالنا ونترك لهم هذه الغنيمة ، فنزلت آيةُ { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } الآية [ الحشر : 7 ] .

ومنهم من قصر هذه الآية على فَيء بني النضير وكل ذلك خروج عن مهيع انتظام آي هذه السورة بعضها مع بعض وتفكيك لنظم الكلام وتناسبه مع وهن الأخبار التي رووها في ذلك فلا ينبغي التعويل عليه . وعلى هذا التفسير يكون عطف { والذين تبوؤا الدار } عطفَ جملةٍ على جملة ، واسم الموصول مبتدأ وجملة { يحبون من هاجر إليهم } خبراً عن المبتدأ .


[414]:- هو من شواهد النحو. والمشهور أن تمامه: حتى شتت همَّالة عيناها وفي خزانة الأدب عن حاشية الشيرازي واليمني للكشاف: أنه عجز رجز وأن صدره: لما حططت الرجل عنها وأراد قال: ورأيت في حاشية نسخة صحيحة من صحاح الجوهري أنه لذي الرمة ولم أجده في ديوانه.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (9)

فيه إحدى عشرة مسألة :

الأولى- قوله تعالى : { والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم } لا خلاف أن الذين تبوؤوا الدار هم الأنصار الذين استوطنوا المدينة قبل المهاجرين إليها . { والإيمان }نصب بفعل غير تبوأ ؛ لأن التبوء إنما يكون في الأماكن . و " من قبلهم " " من " صلة تبوأ والمعنى : والذين تبوؤوا الدار من قبل المهاجرين واعتقدوا الإيمان وأخلصوه ؛ لأن الإيمان ليس بمكان يتبوأ ، كقوله تعالى : " فأجمعوا أمركم وشركاءكم{[14841]} " [ يونس : 71 ] أي وادعوا شركاءكم ، ذكره أبو علي والزمخشري وغيرهما . ويكون من باب قوله :

علفتها تبنا وماء باردا .

ويجوز حمله على حذف المضاف كأنه قال : تبوؤوا الدار ومواضع الإيمان . ويجوز حمله على ما دل عليه تبوأ ، كأنه قال : لزموا الدار ولزموا الإيمان فلم يفارقوهما . ويجوز أن يكون تبوأ الإيمان عل طريق المثل ، كما تقول : تبوأ من بني فلان الصميم . والتبوء : التمكن والاستقرار . وليس يريد أن الأنصار آمنوا قبل المهاجرين ، بل أراد آمنوا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم .

الثانية- واختلف أيضا هل هذه الآية مقطوعة مما قبلها أو معطوفة ، فتأول قوم أنها معطوفة على قوله : " { للفقراء المهاجرين } وأن الآيات التي في الحشر كلها معطوفة بعضها على بعض . ولو تأملوا ذلك وأنصفوا لوجدوه على خلاف ما ذهبوا إليه ؛ لأن الله تعالى يقول : { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا } إلى قوله " الفاسقين " [ الحشر : 2 ] فأخبر عن بني النضير وبني قينقاع . ثم قال : { وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء } فأخبر أن ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لم يوجف عليه حين خلوه . وما تقدم فيهم من القتال وقطع شجرهم فقد كانوا رجعوا عنه وانقطع ذلك الأمر . ثم قال : " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " وهذا كلام غير معطوف على الأول . وكذا { والذين تبوؤوا الدار والإيمان } ابتداء كلام في مدح الأنصار والثناء عليهم ، فإنهم سلموا ذلك الفيء للمهاجرين ، وكأنه قال : الفيء للفقراء المهاجرين ، والأنصار يحبون لهم لم يحسدوهم على ما صَفَا لهم من الفيء . وكذا { والذين جاؤوا من بعدهم } [ الحشر : 10 ] ابتداء كلام ، والخبر { يقولون ربنا اغفر لنا } [ الحشر : 10 ] .

وقال إسماعيل بن إسحاق : إن قوله { والذين تبوؤوا الدار } { والذين جاؤوا }معطوف على ما قبل ، وأنهم شركاء في الفيء ، أي هذا المال للمهاجرين والذين تبوؤوا الدار . وقال مالك بن أوس : قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية { إنما الصدقات للفقراء } [ التوبة : 60 ] فقال : هذه لهؤلاء . ثم قرأ " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه " فقال : هذه لهؤلاء . ثم قرأ { ما أفاء الله على رسوله - حتى بلغ - للفقراء المهاجرين } ، { والذين تبوؤوا الدار والإيمان } ، { والذين جاؤوا من بعدهم } ثم قال : لئن عشت ليأتين الراعي وهو بِسَرْوِ حِمْيَر{[14842]} نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه . وقيل : إنه دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتح الله عليه من ذلك ، وقال لهم : تثبتوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا علي . ففكر في ليلته فتبين له أن هذه الآيات في ذلك أنزلت . فلما غدوا عليه قال : قد مررت البارحة بالآيات التي في سورة " الحشر " وتلا { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى - إلى قوله - للفقراء المهاجرين } فلما بلغ قوله : { أولئك هم الصادقون } [ الحجرات : 15 ] قال : ما هي لهؤلاء فقط . وتلا قوله : { والذين جاؤوا من بعدهم } إلى قوله { رؤوف رحيم } [ الحشر : 10 ] ثم قال : ما بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك . والله اعلم .

الثالثة- روى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر قال : لولا من يأتي من آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر . وفي الروايات المستفيضة من الطرق الكثيرة : أن عمر أبقى سواد{[14843]} العراق ومصر وما ظهر عليه من الغنائم ؛ لتكون من أعطيات المقاتلة وأرزاق الحِشْوَة والذَّرَارِي ، وأن الزبير وبلالا وغير واحد من الصحابة أرادوه على قسم ما فتح عليهم ، فكره ذلك منهم واختلف فيما فعل من ذلك ، فقيل : إنه استطاب أنفس أهل الجيش ، فمن رضي له بترك حظه بغير ثمن ليبقيه للمسلمين قلة . ومن أبى أعطاه ثمن حظه . فمن قال : إنما أبقى الأرض بعد استطابة أنفس القوم جعل فعله كفعل النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه قسم خيبر ؛ لأن اشتراءه إياها وترك من ترك عن طيب نفسه بمنزلة قسمها . وقيل : إنه أبقاها بغير شيء أعطاه أهل الجيوش . وقيل إنه تأول في ذلك قول الله سبحانه وتعالى : { للفقراء المهاجرين - إلى قوله - ربنا إنك رؤوف رحيم } على ما تقدم . والله اعلم{[14844]} .

الرابعة- واختلف العلماء في قسمة العقار ، فقال مالك : للإمام أن يوقفها لمصالح المسلمين . وقال أبو حنيفة : الإمام مخير بين أن يقسمها أو يجعلها وقفا لمصالح المسلمين . وقال الشافعي : ليس للإمام حبسها عنهم بغير رضاهم ، بل يقسمها عليهم كسائر الأموال . فمن طاب نفسا عن حقه للإمام أن يجعله وقفا عليهم فله . ومن لم تطب نفسه فهو أحق بمال . وعمر رضي الله عنه استطاب نفوس الغانمين واشتراها منهم .

قلت : وعلى هذا يكون{[14845]} قوله : { والذين جاؤوا من بعدهم } [ الحشر : 10 ] مقطوعا مما قبله ، وأنهم نُدبوا بالدعاء للأولين والثناء عليهم .

الخامسة- قال ابن وهب : سمعت مالكا يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق فقال : إن المدينة تبوئت بالإيمان والهجرة ، وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف ، ثم قرأ { والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم } الآية . وقد مضى الكلام في هذا ، وفي فضل الصلاة في المسجدين : المسجد الحرام ومسجد المدينة ، فلا معنى للإعادة .

السادسة- قوله تعالى : { ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا } يعني لا يحسدون المهاجرين على ما خصوا به من مال الفيء وغيره ، كذلك قال الناس . وفيه تقدير حذف مضافين ، المعنى : مَسَّ حاجةٍ من فقد ما أوتوا . وكل ما يجد الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته فهو حاجة . وكان المهاجرون في دور الأنصار ، فلما غنم عليه الصلاة والسلام أموال بني النضير ، دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم في منازلهم ، وإشراكهم في أموالهم . ثم قال : ( إن أحببتم قسمت ما أفاء الله علي من بني النضير بينكم وبينهم ، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم ) . فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ : بل نقسمه بين المهاجرين ، ويكونون في دورنا كما كانوا . ونادت الأنصار : رضينا وسلمنا يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار ) . وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين ولم يعط الأنصار شيئا إلا الثلاثة الذين ذكرناهم{[14846]} . ويحتمل أن يريد به { ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا } إذا كان قليلا بل يقنعون به ويرضون عنه . وقد كانوا على هذه الحالة حين حياة النبي صلى الله عليه وسلم دنيا ، ثم كانوا عليه بعد موته صلى الله عليه وسلم بحكم الدنيا . وقد أنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ( سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ) .

السابعة- قوله تعالى : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } في الترمذي عن أبي هريرة : أن رجلا بات به ضيف فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه ، فقال لامرأته : نومي الصبية وأطفئي السراج وقربي للضيف ما عندك ، فنزلت هذه الآية { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } قال : هذا حديث حسن صحيح . خرجه مسلم أيضا . وخرّج عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني مجهود . فأرسل إلى بعض نسائه فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء . ثم أرسل إلى الأخرى فقالت مثل ذلك ، حتى قلن كلهن مثل ذلك : لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء . فقال : من يضيف هذا الليلة رحمه الله ؟ فقام رجل من الأنصار فقال : أنا يا رسول الله . فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته : هل عندك شيء ؟ قالت : لا ، إلا قوت صبياني . قال : فعَلِّلِيهم{[14847]} بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل ، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه . قال : فقعدوا وأكل الضيف . فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( قد عجب الله{[14848]} - عز وجل - من صنيعكما بضيفكما الليلة ) . وفي رواية عن أبي هريرة فال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضيفه فلم يكن عنده ما يضيفه . فقال : ( ألا رجل يضيف هذا رحمه الله ) ؟ فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة . فانطلق به إلى رحله . . . ، وساق الحديث بنحو الذي قبله ، وذكر فيه نزول الآية . وذكر المهدوي عن أبي هريرة أن هذا نزل في ثابت بن قيس ورجل من الأنصار - نزل به ثابت - يقال له أبو المتوكل ، فلم يكن عند أبي المتوكل إلا قوته وقوت صبيانه ، فقال لامرأته : أطفئي السراج ونومي الصبية ، وقدم ما كان عنده إلى ضيفه .

وكذا ذكر النحاس قال : قال أبو هريرة : نزل برجل من الأنصار - يقال له أبو المتوكل - ثابت بن قيس ضيفا ، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه ، فقال لامرأته : أطفئي السراج ونومي الصبية ، فنزلت { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة - إلى قوله - فأولئك هم المفلحون } . وقيل : إن فاعل ذلك أبو طلحة . وذكر القشيري أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم : وقال ابن عمر : أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال : إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا ، فبعثه إليهم ، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات ، حتى رجعت إلى أولئك ، فنزلت { ويؤثرون على أنفسهم } . ذكره الثعلبي عن أنس قال : أهدي لرجل من الصحابة رأس شاة وكان مجهودا فوجه به إلى جار له ، فتداولته سبعة أنفس في سبعة أبيات ، ثم عاد إلى الأول ، فنزلت : { ويؤثرون على أنفسهم } الآية . وقال ابن عباس قال النبي للأنصار يوم بني النضير : ( إن شئتم قسمت للمهاجرين من دياركم وأموالكم وشاركتموهم في هذه الغنيمة وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم نقسم لكم من الغنيمة شيئا ) فقالت الأنصار : بل نقسم لإخواننا من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة ، فنزلت " ويؤثرون على أنفسهم " الآية . والأول أصح . وفي الصحيحين عن أنس : أن الرجل كان يجعل للنبي صلى الله عليه وسلم النخلات من أرضه حتى فتحت عليه قريظة والنضير ، فجعل بعد ذلك يرد عليه ما كان أعطاه . لفظ مسلم . وقال الزهري عن أنس بن مالك : لما قدم المهاجرون من مكة المدينة قدموا وليس بأيديهم شيء ، وكان الأنصار أهل الأرض والعقار ، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام ويكفونهم العمل والمؤونة ، وكانت أم أنس بن مالك تدعي أم سليم ، وكانت أم عبدالله بن أبي طلحة ، كان أخا لأنس لأمه ، وكانت أعطت أم أنس رسول الله صلى الله عليه وسلم عِذَاقاً{[14849]} لها ، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن مولاته ، ثم أسامة بن زيد . قال ابن شهاب : فأخبرني أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة ، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم . قال : فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمي عذاقها ، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن مكانهن من حائطه . خرجه مسلم أيضا .

الثامنة- الإيثار : هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية ، ورغبة في الحظوظ الدينية . وذلك ينشأ عن قوة اليقين ، وتوكيد المحبة ، والصبر على المشقة . يقال : آثرته بكذا ، أي خصصته به وفضلته . ومفعول الإيثار محذوف ، أي يؤثرونهم على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم ، لا عن غنى بل مع احتياجهم إليها ، حسب ما تقدم بيانه . وفي موطأ مالك : " أنه بلغه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أن مسكينا سألها وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف ، فقالت لمولاة لها : أعطيه إياه ، فقالت : ليس لك ما تفطرين عليه ؟ فقالت : أعطيه إياه . قالت : ففعلت . قالت : فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يهدي لنا : شاة وكَفَنَها{[14850]} . فدعتني عائشة فقالت : كلي من هذا ، فهذا خير من قرصك . قال علماؤنا : هذا من المال الرابح ، والفعل الزاكي عند الله تعالى يعجل منه ما يشاء ، ولا ينقص ذلك مما يدخره عنه ، ومن ترك شيئا لله لم يجد فقده . وعائشة رضي الله عنها في فعلها هذا من الذين أثنى الله عليهم بأنهم يؤثرون على أنفسهم مع ما هم فيه من الخصاصة ، وأن من فعل ذلك فقد وقى شح نفسه وأفلح فلاحا لا خسارة بعده . ومعنى ( شاة وكَفَنَها ) فإن العرب - أو بعض العرب أو بعض وجوههم - كان هذا من طعامهم ، يأتون إلى الشاة أو الخروف إذا سلخوه غطوه كله بعجين البر وكفنوه به ثم علقوه في التنور ، فلا يخرج من ودكه شيء إلا في ذلك الكفن ، وذلك من طيب الطعام عندهم .

وروى النسائي عن نافع أن ابن عمر اشتكى واشتهى عنبا ، فاشترى له عنقود بدرهم ، فجاء مسكين فسأل ، فقال : اعطوه إياه ، فخالف إنسان فاشتراه بدرهم ، ثم جاء به إلى ابن عمر ، فجاء المسكين فسأل ، فقال : أعطوه إياه ، ثم خالف إنسان فاشتراه بدرهم ، ثم جاء به إليه ، فأراد السائل أن يرجع فمنع . ولو علم ابن عمر أنه ذلك العنقود ما ذاقه ؛ لأن ما خرج لله لا يعود فيه . وذكر ابن المبارك قال : أخبرنا محمد بن مطرف قال : حدثنا أبو حازم عن عبدالرحمن بن سعيد بن يربوع عن مالك الدار : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار ، فجعلها في صرة ثم قال للغلام : اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ، ثم تلكأ ساعة في البيت حتى تنظر ماذا يصنع بها . فذهب بها الغلام إليه فقال : يقول لك أمير المؤمنين : اجعل هذه في بعض حاجتك ، فقال : وصله الله ورحمه ، ثم قال : تعالي يا جارية ، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان ، وبهذه الخمسة إلى فلان ، حتى أنفذها . فرجع الغلام إلى عمر ، فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل ، وقال : اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل ، وتلكأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع ، فذهب بها إليه فقال : يقول لك أمير المؤمنين : اجعل هذه في بعض حاجتك ، فقال : رحمه الله ووصله ، وقال : يا جارية ، اذهبي إلى بيت فلان بكذا وبيت فلان بكذا ، فاطلعت امرأة معاذ فقالت : ونحن ! والله مساكين فأعطنا ، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران قد جاء بهما إليها . فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسر بذلك عمر وقال : إنهم إخوة ! بعضهم من بعض .

ونحوه عن عائشة رضي الله عنها في إعطاء معاوية إياها ، وكان عشرة آلاف وكان المنكدر دخل عليها{[14851]} . فإن قيل : وردت أخبار صحيحة في النهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء ، قيل له : إنما كره ذلك في حق من لا يوثق منه الصبر على الفقر ، وخاف أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه . فأما الأنصار الذين أثنى الله عليهم بالإيثار على أنفسهم ، فلم يكونوا بهذه الصفة ، بل كانوا كما قال الله تعالى : " والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس{[14852]} " [ البقرة : 177 ] . وكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك . والإمساك لن لا يصبر ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار . وروي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل البيضة من الذهب فقال : هذه صدقة ، فرماه بها وقال : ( يأتي أحدكم بجميع ما يملكه فيتصدق به ثم يقعد يتكفف الناس ) . والله أعلم .

التاسعة- والإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال وإن عاد إلى النفس . ومن الأمثال السائرة :

والجود بالنفس أقصى غايةِ الجود{[14853]}

ومن عبارات الصوفية الرشيقة في حد المحبة : أنها الإيثار ، ألا ترى أن امرأة العزيز لما تناهت في حبها ليوسف عليه السلام ، آثرته على نفسها فقالت : أنا راودته عن نفسه . وأفضل الجود بالنفس الجود على حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففي الصحيح أن أبا طلحة ترس على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتطلع ليرى القوم . فيقول له أبو طلحة : لا تشرف يا رسول الله ! لا يصيبونك ! نحري دون نحرك ووقى بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت . وقال حذيفة العدوي : انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي - ومعي شيء من الماء - وأنا أقول : إن كان به رمق سقيته ، فإذا أنا به ، فقلت له : أسقيك ، فأشار برأسه أن نعم ، فإذا أنا برجل يقول : آه ! آه ! فأشار إلي ابن عمي أن انطلق إليه ، فإذا هو هشام بن العاص فقلت : أسقيك ؟ فأشار أن نعم . فسمع آخر يقول : آه ! آه ! فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات . فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات . فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات . وقال أبو يزيد البسطامي : ما غلبني أحد ما غلبني شاب من أهل بلخ ! قدم علينا حاجا فقال لي : يا أبا يزيد ، ما حد الزهد عندكم ؟ فقلت : إن وجدنا أكلنا . وإن فقدنا صبرنا . فقال : هكذا كلاب بلخ عندنا . فقلت : وما حد الزهد عندكم ؟ قال : إن فقدنا شكرنا ، وإن وجدنا آثرنا . وسئل ذو النون المصري : ما حد الزاهد المنشرح صدره ؟ قال ثلاث : تفريق المجموع ، وترك طلب المفقود ، والإيثار عند القوت .

وحكي عن أبي الحسن الأنطاكي : أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلا بقرية من قرى الري ، ومعهم أرغفة معدودة لا تشبع جميعهم ، فكسروا الرغفان وأطفؤوا السراج وجلسوا للطعام ، فلما رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد شيئا ، إيثارا لصاحبه على نفسه .

العاشرة- قوله تعالى{[14854]} : " ولو كان بهم خصاصة " الخصاصة : الحاجة التي مختل بها الحال . وأصلها من الاختصاص وهو انفراد بالأمر . فالخصاصة الانفراد بالحاجة ، أي ولو كان بهم فاقة وحاجة . ومنه قول الشاعر .

أما الربيع إذا تكون خصاصةٌ *** عاش السقيم به وأثْرَى المُقْتِرُ

الحادية عشرة- قوله تعالى : " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " الشح والبخل سواء ؛ يقال : رجل شحيح بين الشُّح والشَّح والشّحاحة . قال عمرو بن كلثوم :

ترى اللَّحِزَ الشَّحِيحَ إذا أُمِرَّتْ *** عليه لمالِه فيها مُهينا{[14855]} .

وجعل بعض أهل اللغة الشح أشد من البخل . وفي الصحاح : الشح البخل مع حرص ، تقول : شحِحت ( بالكسر ) تشح . وشحَحت أيضا تشُح وتشِح . ورجل شحيح ، وقوم شحاح وأشحة . والمراد بالآية : الشح بالزكاة وما ليس بفرض من صلة ذوي الأرحام والضيافة ، وما شاكل ذلك . فليس بشحيح ولا بخيل من أنفق في ذلك وإن أمسك عن نفسه . ومن وسع على نفسه ولم ينفق فيما ذكرناه من الزكوات والطاعات فلم يوق شح نفسه . وروى الأسود عن ابن مسعود أن رجلا أتاه فقال له : إني أخاف أن أكون قد هلكت ؟ قال : وما ذاك ؟ قال : سمعت الله عز وجل يقول :{ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } وأنا رجل شحيح لا أكاد أن أخرج من يدي شيئا . فقال ابن مسعود : ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن ، إنما الشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلما ، ولكن ذلك البخل ، وبئس الشيء البخل . ففرق رضي الله عنه بين الشح والبخل . وقال طاوس : البخل أن يبخل الإنسان بما في يده ، والشح أن يشح بما في أيدي الناس ، يحب أن يكون له ما في أيديهم بالحل والحرام ، لا يقنع . ابن جبير : الشح منع الزكاة وادخار الحرام . ابن عيينة : الشح الظلم . الليث : ترك الفرائض وانتهاك المحارم . ابن عباس : من اتبع هواه ولم يقبل الإيمان فذلك الشحيح . ابن زيد : من لم يأخذ شيئا لشيء نهاه الله عنه ، ولم يدعه الشح على أن يمنع شيئا من شيء أمره الله به ، فقد وقاه الله شح نفسه . وقال أنس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( بريء من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة ) . وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ( اللهم إني أعوذ بك من شح نفسي وإسرافها ووساوسها ) . وقال أبو الهياج الأسدي : رأيت رجلا في الطواف يدعو : اللهم قني شح نفسي . لا يزيد على ذلك شيئا ، فقلت له ؟ فقال : إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن ولم أفعل . فإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف .

قلت : يدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ) . وقد بيناه في آخر " آل عمران{[14856]} " . وقال كسرى لأصحابه : أي شيء أضر بابن آدم ؟ قالوا : الفقر . فقال كسرى : الشح أضر من الفقر ؛ لأن الفقير إذا وجد شبع ، والشحيح إذا وجد لم يشبع أبدا .


[14841]:راجع جـ 8 ص 362.
[14842]:سرو حمير: منازل حمير بأرض اليمن. والسرو من الجبل: ما ارتفع عن مجرى السيل وانحدر عن غلظ الجبل.
[14843]:سواد البلدة: ما حولها من الريف والقرى.
[14844]:جملة "والله أعلم" ساقطة من س.
[14845]:في ح، س: "وعلى هذا يجيء".
[14846]:راجع ص 11 من هذا الجزء.
[14847]:علله بكذا: شغله ولهاه به.
[14848]:أي عظم ذلك عنده وكبر عليه، وإطلاق العجب على الله مجاز؛ لأنه لا يخفى عليه أسباب الأشياء.
[14849]:العذاق ـ بكسر العين جمع عذق بفتحها ـ ومعناها النخلات.
[14850]:أي أنها كانت ملفوفة بالرغف، وسيأتي معناه بأوضح من هذا. وقولها: "ما كان يهدي لنا" تريد أن عائشة رضي الله عنها تعلم بذلك ولم تحتسب به فتثق به وتعول عليه، ولكن الله سبحانه عوضها من حيث لا تحتسب. (شرح الموطأ).
[14851]:بعد كلمة "عليها" بياض في ح، ز، س، هـ، نبه عليه الناسخ بقوله: بياض في الأصل.
[14852]:راجع جـ 2 ص 243.
[14853]:هو من بيت لمسلم بن الوليد، صدره: *تجود بالنفس إذ أنت الضنين بها* يقول: تجود بنفسك في الحرب إذ أنت الضنين بها في الذم. ويروى: *يجود بالنفس إذ ضن الجواد بها*
[14854]:جملة "قوله تعالى" ساقطة من س.
[14855]:في شرح التبريزي: اللحز: الضيق البخيل. وقيل: هو السيء الخلق اللئيم. وقوله: إذا أمرت عليه. أي أديرت، والمعنى: أن الخمر إذا كثر دورانها عليه أهان ماله، يقال: فلا مهين لماله، إذا كان سخيا. وفلان معز لماله، إذا كان بخيلا".
[14856]:راجع جـ 4 ص 293.