التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ} (30)

{ فريقاً } الأوّلُ والثّاني منصوبان على الحال : إمَّا من الضّمير المرفوع في { تعودون } ، أي ترجعون إلى الله فريقين ، فاكتُفي عن إجمال الفريقين ثم تفصيلِهما بالتّفصيل الدّال على الإجمال تعجيلاً بذكر التّفصيل لأنّ المقام مقام ترغيب وترهيب ، ومعنى { فريقاً هدى } : أنّ فريقاً هداهم الله في الدّنيا وفريقاً حقّ عليهم الضّلالة ، أي في الدّنيا ، كما دلّ عليه التّعليل بقوله : { إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله } ، وإمّا من الضّمير المستتر في قوله : { مخلصين } أي ادْعُوه مخلصين حال كونكم فريقين : فريقاً هداه الله للإخلاص ونبذِ الشّرك ، وفريقاً دام على الضّلال ولازم الشّرك .

وجملة : { هدى } في موضع الصّفة لفريقاً الأوّل ، وقد حذف الرّابط المنصوب : أي هداكم الله ، وجملة : { حق عليهم الضلالة } صفة { فريقاً } الثّاني .

وهذا كلّه إنذار من الوقوع في الضّلالة ، وتحذير من اتّباع الشّيطان ، وتحريض على توخي الاهتداء الذي هو من الله تعالى ، كما دلّ عليه إسناده إلى ضمير الجلالة في قوله : { هدى } فيعلم السّامعون أنّهم إذا رجعوا إليه فريقين كان الفريق المفلح هو الفريق الذين هداهم الله تعالى كما قال : { أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } [ المجادلة : 22 ] وأنّ الفريق الخاسر هم الذين حَقّت عليه الضّلالة واتّخذوا الشّياطين أولياء من دون الله كما قال : { أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون } [ المجادلة : 19 ] . وتقديم { فريقاً } الأوّل والثّاني على عامليهما للاهتمام بالتّفصيل .

ومعنى : { حق عليهم الضلالة } ثبتت لهم الضّلالة ولزموها . ولم يقلعوا عنها ، وذلك أنّ المخاطبين كانوا مشركين كلّهم ، فلمّا أمروا بأن يعبدوا الله مخلصين افترقوا فريقين : فريقاً هداه الله إلى التّوحيد ، وفريقاً لازم الشّرك والضّلالة ، فلم يطرأ عليهم حال جديد .

وبذلك يظهر حسن موقع لفظ : { حق } هنا دون أن يقال أضلّه الله ، لأنّ ضلالهم قديم مستمر اكتسبوه لأنفسهم ، كما قال تعالى في نظيره : { فمنهم من هدى اللَّه ومنهم من حقت عيله الضلالة } [ النحل : 36 ] ثمّ قال { إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل } [ النحل : 37 ] ، فليس تغيير الأسلوب بين : { فريقاً هدى } وبين { وفريقاً حق عليهم الضلالة } تحاشيا عن إسناد الإضلال إلى الله ، كما توهمه صاحب « الكشاف » ، لأنّه قد أسند الإضلال إلى الله في نظير هذه الآية كما علمت وفي آيات كثيرة ، ولكنّ اختلاف الأسلوب لاختلاف الأحوال .

وجُرد فعل حقّ عن علامة التّأنيث لأنّ فاعله غير حقيقي التّأنيث ، وقد أظهرت علامة التّأنيث في نظيره في قوله تعالى : { ومنهم من حقت عليه الضلالة } [ النحل : 36 ] .

وقوله : { إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله } استئناف مراد به التّعليل لجملة { حقت عليه الضلالة } [ النحل : 36 ] ، وهذا شأن ( إنّ ) إذا وقعت في صدر جملة عقب جملة أخرى أن تكون للرّبط والتّعليل وتغني غَنَاء الفاء ، كما تقدّم غيرَ مرّة .

والمعنى أنّ هذا الفريق ، الذي حَقت عليهم الضّلالة ، لمّا سمعوا الدّعوة إلى التّوحيد والإسلام ، لم يطلبوا النّجاة ولم يتفكّروا في ضلال الشّرك البيِّن ، ولكنّهم استوحوا شياطينهم ، وطابت نفوسهم بوسوستهم ، وائتمروا بأمرهم ، واتّخذوهم أولياء ، فلا جرم أن يدوموا على ضلالهم لأجل اتّخاذهم الشّياطين أولياء من دون الله .

وعطف جملة : { ويحسبون } على جملة : { اتخذوا } فكان ضلالهم ضلالاً مركباً ، إذ هم قد ضلّوا في الائتمار بأمر أيمّة الكفر وألياء الشّياطين ، ولمّا سمعوا داعي الهُدى لم يتفكّروا ، وأهملوا النّظر ، لأنّهم يحسبون أنّهم مهتدون لا يتطرق إليهم شكّ في أنّهم مهتدون ، فلذلك لم تخطر ببَالهم الحاجة إلى النّظر في صدق الرّسول صلى الله عليه وسلم والحسبان الظنّ ، وهو هنا ظن مجرّد عن دليل ، وذلك أغلب ما يراد بالظنّ وما يرادفه في القرآن .

وعطف هذه الجملة على التي قبلها ، واعتبارهما سواء في الإخبار عن الفريق الذين حقّت عليهم الضّلالة ، لقصد الدّلالة على أنّ ضلالهم حاصل في كلّ واحد من الخبرين ، فولاية الشّياطين ضلالة ، وحسبانهم ضلالهم هدى ضلالة أيضاً ، سواء كان ذلك كلّه عن خطأ أو عن عناد ، إذ لا عذر للضّال في ضلاله بالخطأ ، لأنّ الله نصب الأدلّة على الحقّ وعلى التّمييز بين الحقّ والباطل .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ} (30)

قوله تعالى : " فريقا هدى " " فريقا " نصب على الحال من المضمر في " تعودون " أي تعودون فريقين : سعداء ، وأشقياء . يقوي هذا قراءة أبي " تعودون فريقين فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة " ، عن الكسائي . وقال محمد{[7084]} بن كعب القرظي في قوله تعالى " فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة " قال : من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة ، وإن عمل بأعمال الهدى . ومن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى ، وإن عمل بأعمال الضلالة . ابتدأ الله خلق إبليس على الضلالة ، وعمل بأعمال السعادة مع الملائكة ، ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه . قال : " وكان من الكافرين " [ البقرة : 34 ] وفي هذا رد واضح على القدرية ومن تابعهم . وقيل : " فريقا " نصب ب " هدى " ، " وفريقا " الثاني نصب بإضمار فعل ، أي وأضل فريقا . وأنشد سيبويه :

أصبحتُ لا أحمل السلاح ولا *** أملكُ رأسَ البعيرِ إن نَفَرَا

والذئبَ أخشاه إن مررت به *** وحدي وأخشى الرياح والمَطَرَا{[7085]}

قال الفراء : ولو كان مرفوعا{[7086]} لجاز . " إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله " وقرأ عيسى بن عمر : " أنهم " بفتح الهمزة ، يعني لأنهم .


[7084]:من البحر.
[7085]:البيتان للربيع بن ضبع الفزاري. وصف فيهما انتهاء شبيبته وذهاب قوته
[7086]:أي في مثل هذا التركيب في غير كلام الله