مناسبة موقع جملة { وله ما في السموات والأرض } بعد جملة { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين } [ سورة النحل : 51 ] أن الذين جعلوا إلهين جعلوهما النور والظلمة . وإذ كان النور والظلمة مظهرين من مظاهر السماء والأرض كان المعنى : أن ما تزعمونه إلهاً للخير وإلهاً للشرّ هما من مخلوقاته .
وتقديم المجرور يفيد الحصر فدخل جميع ما في السماء والأرض في مفاد لام الملك ، فأفاد أن ليس لغيره شيء من المخلوقات خيرها وشرّها . فانتفى أن يكون معه إله آخر لأنه لو كان معه إله آخر لكان له بعض المخلوقات إذ لا يعقل إله بدون مخلوقات .
وضمير { له } عائد إلى اسم الجلالة من قوله : { وقال الله لا تتخذوا إلهين } .
فعطفه على جملة { إنما هو إله واحد } [ سورة النحل : 51 ] لأن عظمة الإلهية اقتضت الرّهبة منه وقصرها عليه ، فناسب أن يشار إلى أن صفة المالكية تقتضي إفراده بالعبادة .
وأما قوله : { وله الدين واصباً } فالدين يحتمل أن يكون المراد به الطاعة ، من قولهم : دانت القبيلة للملك ، أي أطاعته ، فهو من متمّمات جملة { وله ما في السموات والأرض } ، لأنه لما قَصَر الموجودات على الكون في ملكه كان حقيقاً بقصر الطاعة عليه ، ولذلك قدّم المجرور في هذه الجملة على فعله كما وقع في التي قبلها .
ويجوز أن يكون { الدين } بمعنى الديانة ، فيكون تذييلاً لجملة { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين } ، لأن إبطال دين الشرك يناسبه أن لا يدين الناس إلا بما يشرّعه الله لهم ، أي هو الذي يشرّع لكم الدين لا غيره من أيمّة الضلال مثل عَمرو بن لُحييَ ، وزَرَادَشْت ، وَمَزْدك ، ومَاني ، قال تعالى : { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } [ سورة الشورى : 21 ] .
ويجوز أن يكون الدين بمعنى الجزاء كما في قوله تعالى : { ملك يوم الدين } [ سورة الفاتحة : 4 ] ، فيكون إدماجاً لإثبات البعث الذي ينكره أولئك أيضاً . والمعنى : له ما في السماوات والأرض وإليه يرجع من في السماوات والأرض لا يرجعون إلى غيره ولا ينفعهم يومئذٍ أحد .
والواصب : الثابت الدائم ، وهو صالح للاحتمالات الثلاثة ، ويزيد على الاحتمال الثالث لأنه تأكيد لردّ إنكارهم البعث .
وتفرّع على هاتين الجملتين التّوبيخ على تقواهم غيره ، وذلك أنهم كانوا يتقون إله الشرّ ويتقرّبون إليه ليأمنوا شرّه .
قوله تعالى : " وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا " الدين : الطاعة والإخلاص . و " واصبا " معناه دائما ، قاله الفراء ، حكاه الجوهري . وصب الشيء يصب وصوبا ، أي دام . ووصب الرجل على الأمر إذا واظب عليه . والمعنى : طاعة الله واجبة أبدا . وممن قال واصبا دائما : الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك . ومنه قوله تعالى : " ولهم عذاب واصب " {[9892]} [ الصافات :9 ] أي دائم . وقال الدؤلي :
لا أبتغي الحمدَ القليلَ بقاؤه*** بدم يكون الدهرَ أجمعَ واصبًا
أنشد الغزنوي والثعلبي وغيرهما :
ما أبتغي الحمد القليل بقاؤه*** يوما بذم الدهر أجمع واصبا
وقيل : الوصب التعب والإعياء ، أي تجب طاعة الله وإن تعب العبد فيها . ومنه قول الشاعر :
لا يمسك الساق من أينٍ ولا وَصَبٍ*** ولا يَعَضّ على شُرْسُوفِهِ الصفر{[9893]}
وقال ابن عباس : " واصبا " واجبا . الفراء والكلبي : خالصا . " أفغير الله تتقون " أي لا ينبغي أن تتقوا غير الله . " فغير " نصب ب " تتقون " .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.