التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ} (45)

بعد أن ضرب الله للناس المثل بالأمم السالفة جاء بالحجة المبيّنة فساد معتقد المشركين ، ونوه بصحة عقائد المؤمنين بمنتهى البيان الذي ليس وراءه مطلب أقبل على رسوله بالخطاب الذي يزيد تثبيته على نشر الدعوة وملازمة الشرائع وإعلان كلمة الله بذلك ، وما فيه زيادة صلاح المؤمنين الذين انتفعوا بدلائل الوحدانية . وما الرسول عليه الصلاة والسلام إلا قدوة للمؤمنين وسيّدهم فأمره أمر لهم كما دل عليه التذييل بقوله { والله يعلم ما تصنعون } بصيغة جمع المخاطبين كقوله { فاستقم كما أُمِرتَ ومن تاب معك } [ هود : 112 ] قرآن إذ ما فرط فيه من شيء من الإرشاد .

وحذف متعلق فعل { اتْلُ } ليعم التلاوة على المسلمين وعلى المشركين . وهذا كقوله تعالى { إنما أُمرتُ أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرّمها } إلى قوله { وأن أتلو القرءان فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين } [ النمل : 91 ، 92 ] .

وأمره بإقامة الصلاة لأن الصلاة عمل عظيم ، وهذا الأمر يشمل الأمة فقد تكرر الأمر بإقامة الصلاة في آيات كثيرة .

وعلل الأمر بإقامة الصلاة بالإشارة إلى ما فيها من الصلاح النفساني فقال { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } ، فموقع { إن } هنا موقع فاء التعليل ولا شك أن هذا التعليل موجّه إلى الأمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الفحشاء والمنكر فاقتصر على تعليل الأمر بإقامة الصلاة دون تعليل الأمر بتلاوة القرآن لما في هذا الصلاح الذي جعله الله في الصلاة من سِرّ إلهي لا يهتدي إليه الناس إلا بإرشاد منه تعالى ؛ فأخبر أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، والمقصود أنها تنهى المصلي .

وإذ قد كانت حقيقة النهي غير قائمة بالصلاة تعيّن أن فعل { تنهى } مستعمل في معنى مجازي بعلاقة أو مشابهة . والمقصود : أن الصلاة تيسر للمصلي ترك الفحشاء والمنكر . وليس المعنى أن الصلاة صارفة المصلي عن أن يرتكب الفحشاء والمنكر فإن المشاهد يخالفه إذ كم من مصلّ يقيم صلاته ويقترف بعض الفحشاء والمنكر .

كما أنه ليس يصح أن يكون المراد أنها تصرف المصلي عن الفحشاء والمنكر ما دام متلبساً بأداء الصلاة لقلة جدوى هذا المعنى . فإن أكثر الأعمال يصرف المشتغل به عن الاشتغال بغيره .

وإذ كانت الآية مسوقة للتنويه بالصلاة وبيان مزيتها في الدين تعين أن يكون المراد أن الصلاة تُحذر من الفحشاء والمنكر تحذيراً هو من خصائصها .

وللمفسرين طرائق في تعليل ذلك منها ما قاله بعضهم : إن المراد به ما للصلاة من ثواب عند الله ، فإن ذلك غرض آخر وليس منصباً إلى ترك الفحشاء والمنكر ولكنه من وسائل توفير الحسنات لعلها أن تغمر السيئات ، فيتعين لتفسير هذه الآية تفسيراً مقبولاً أن نعتبر حكمها عاماً في كل صلاة فلا يختص بصلوات الأبرار ، وبذلك تسقط عدة وجوه مما فسروا به الآية .

قال ابن عطية : « وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجب من الخشوع والإخبات صلحت بذلك نفسه وخامرها ارتقاب الله تعالى فاطرد ذلك في أقواله وأفعاله وانتهى عن الفحشاء والمنكر » اهـ . وفيه اعتبار قيود في الصلاة لا تناسب التعميم وإن كانت من شأن الصلاة التي يحق أن يلقنها المسلمون في ابتداء تلقينهم قواعد الإسلام .

والوجه عندي في معنى الآية : أن يُحمل فعل { تنهى } على المجاز الأقرب إلى الحقيقة وهو تشبيه ما تشتمل عليه الصلاة بالنهي ، وتشبيه الصلاة في اشتمالها عليه بالناهي ، ووجه الشبه أن الصلاة تشتمل على مذكِّرات بالله من أقوال وأفعال من شأنها أن تكون للمصلي كالواعظ المذكر بالله تعالى إذ ينهى سامعه عن ارتكاب ما لا يرضي الله . وهذا كما يقال : صديقك مرآة ترى فيها عيوبك . ففي الصلاة من الأقوال تكبير لله وتحميده وتسبيحه والتوجيه إليه بالدعاء والاستغفار وقراءة فاتحة الكتاب المشتملة على التحميد والثناء على الله والاعتراف بالعبودية له وطلب الإعانة والهداية منه واجتناب ما يغضبه وما هو ضلال ، وكلها تذكر بالتعرض إلى مرضاة الله والإقلاع عن عصيانه وما يفضي إلى غضبه فذلك صدّ عن الفحشاء والمنكر .

وفي الصلاة أفعال هي خضوع وتذلل لله تعالى من قيام وركوع وسجود وذلك يذكر بلزوم اجتلاب مرضاته والتباعد عن سخطه . وكل ذلك مما يصد عن الفحشاء والمنكر .

وفي الصلاة أعمال قلبية من نية واستعداد للوقوف بين يدي الله وذلك يذكر بأن المعبود جدير بأن تمتثل أوامره وتُجتنب نواهيه .

فكانت الصلاة بمجموعها كالواعظ الناهي عن الفحشاء والمنكر ، فإن الله قال { تنهى عن الفحشاء والمنكر } ولم يقل تَصُدّ وتحول ونحو ذلك مما يقتضي صرف المصلي عن الفحشاء والمنكر .

ثم الناس في الانتهاء متفاوتون ، وهذا المعنى من النهي عن الفحشاء والمنكر هو من حكمة جعل الصلوات موزعة على أوقات من النهار والليل ليتجدد التذكير وتتعاقب المواعظ ، وبمقدار تكرر ذلك تزداد خواطر التقوى في النفوس وتتباعد النفس من العصيان حتى تصير التقوى ملكة لها . ووراء ذلك خاصية إلهية جعلها الله في الصلاة يكون بها تيسير الانتهاء عن الفحشاء والمنكر .

روى أحمد وابن حِبّان والبيهقي عن أبي هريرة قال : « جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن فلاناً يصلي بالليل فإذا أصبح سرق ، فقال : سينهاه ما تقول » أي صلاته بالليل .

واعلم أن التعريف في قوله { الفحشاء والمنكر } تعريف الجنس فكلما تذكر المصلي عند صلاته عظمة ربه ووجوب طاعته وذكر ما قد يفعله من الفحشاء والمنكر كانت صلاته حينئذ قد نهته عن بعض أفراد الفحشاء والمنكر .

و { الفحشاء } : اسم للفاحشة ، والفُحش : تجاوز الحد المقبول . فالمراد من الفاحشة : الفعلة المتجاوزة ما يُقبل بين الناس . وتقدم في قوله تعالى { إنما يأمركم بالسوء والفحشاء } في سورة [ البقرة : 169 ] . والمقصود هنا من الفاحشة : تجاوز الحد المأذون فيه شرعاً من القول والفعل ، وبالمنكر : ما ينكره الشرع ولا يرضى بوقوعه .

وكأنّ الجمع بين الفاحشة والمنكر منظور فيه إلى اختلاف جهة ذمه والنهي عنه .

وقوله { وَلَذِكْرُ الله أكبر } يجوز أن يكون عطفاً على جملة { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } فيكون عطف علة على علة ، ويكون المراد بذكر الله هو الصلاة كما في قوله تعالى { فاسعوا إلى ذكر الله } [ الجمعة : 9 ] أي صلاة الجمعة . ويكون العدول عن لفظ الصلاة الذي هو كالاسم لها إلى التعبير عنها بطريق الإضافة للإيماء إلى تعليل أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، أي إنما كانت ناهية عن الفحشاء والمنكر لأنها ذكر الله وذكر الله أمرٌ كبير ، فاسم التفضيل مسلوب المفاضلة مقصود به قوة الوصف كما في قولنا : الله أكبر ، لا تريد أنه أكبر من كبير آخر .

ويجوز أن يكون عطفاً على جملة { اتلُ ما أوحي إليك من الكتاب } . والمعنى : واذكر الله فإن ذكر الله أمر عظيم ، فيصح أن يكون المراد من الذكر تذكُّر عظمة الله تعالى . ويجوز أن يكون المراد ذكر الله باللسان ليعمّ ذكر الله في الصلاة وغيرها . واسم التفضيل أيضاً مسلوب المفاضلة ويكون في معنى قول معاذ بن جبل « ما عَمِل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله » .

ويجوز أن يكون المراد بالذكر تذكر ما أمر الله به ونهى عنه ، أي مراقبة الله تعالى وحذر غضبه ، فالتفضيل على بابه ، أي ولذكر الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة في ذلك النهي ، وذلك لإمكان تكرار هذا الذكر أكثر من تكرر الصلاة فيكون قريباً من قول عمر رضي الله عنه : أفضل من شكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه .

ولك أن تقول : ذكر الله هو الإيمان بوجوده وبأنه واحد . فلما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم وأراد أمر المؤمنين بعملين عظيمين من البر أردفه بأن الإيمان بالله هو أعظم من ذلك إذ هو الأصل كقوله تعالى { فكُّ رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة ثم كان من الذين ءامنوا } [ البلد : 13 17 ] . وذلك من ردّ العجز على الصدر عاد به إلى تعظيم أمر التوحيد وتفظيع الشرك من قوله { إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء } [ العنكبوت : 42 ] إلى هنا .

وقوله { والله يعلم ما تصنعون } تذييل لما قبله ، وهو وعد ووعيد باعتبار ما اشتمل عليه قوله { اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة } وقوله { تنهى عن الفحشاء والمنكر } .

والصنع : العمل .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ} (45)

14

وفي نهاية الشوط يربط الكتاب الذي أنزل على محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ويربط الصلاة وذكر الله ، بالحق الذي في السماوات والأرض ، وبسلسلة الدعوة إلى الله من لدن نوح عليه السلام :

( اتل ما أوحي إليك من الكتاب ، وأقم الصلاة ، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ) . .

اتل ما أوحي إليك من الكتاب فهو وسيلتك للدعوة ، والآية الربانية المصاحبة لها ، والحق المرتبط بالحق الكامن في خلق السماوات والأرض .

وأقم الصلاة إن الصلاة - حين تقام - تنهى عن الفحشاء والمنكر . فهي اتصال بالله يخجل صاحبه ويستحيي أن يصطحب معه كبائر الذنوب وفواحشها ليلقى الله بها ، وهي تطهر وتجرد لا يتسق معها دنس الفحشاء والمنكر وثقلتهما . " من صلى صلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا " . وما أقام الصلاة كما هي إنما أداها أداء ولم يقمها . . وفرق كبير بينهما . . فهي حين تقام ذكر لله . ( ولذكر الله أكبر ) . أكبر إطلاقا أكبر من كل اندفاع ومن كل نزوع . وأكبر من كل تعبد وخشوع .

( والله يعلم ما تصنعون ) . .

فلا يخفى عليه شيء ، ولا يلتبس عليه أمر . وأنتم إليه راجعون . فمجازيكم بما تصنعون . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ} (45)

قوله تعالى : " اتل " أمر من التلاوة والدؤوب عليها وقد مضى في " طه " {[12412]} الوعيد فيمن أعرض عنها وفي مقدمة الكتاب{[12413]} الأمر بالحض عليها والكتاب يراد به القرآن . " وأقم الصلاة " الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته وإقامة الصلاة أداؤها في أوقاتها بقراءتها وركوعها وسجودها وقعودها وتشهدها وجميع شروطها وقد تقدم بيان ذلك في " البقرة " {[12414]} فلا معنى للإعادة .

قوله تعالى : " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " يريد إن الصلوات الخمس هي التي تكفر ما بينها من الذنوب ، كما قال عليه السلام : ( أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء ) قالوا : لا يبقى من درنه شيء ، قال : ( فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا ) خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ، وقال فيه حديث حسن صحيح وقال ابن عمر : الصلاة هنا القرآن . والمعنى : الذي يتلى في الصلاة ينهى عن الفحشاء والمنكر وعن الزنى والمعاصي .

قلت : ومنه الحديث الصحيح : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ) يريد قراءة الفاتحة ، وقال حماد بن أبي سليمان وابن جريج والكلبي : العبد ما دام في صلاته لا يأتي فحشاء ولا منكرا ، أي إن الصلاة تنهى ما دمت فيها قال ابن عطية : وهذه عجمة وأين هذا مما رواه أنس بن مالك قال : كان فتى من الأنصار يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يدع شيئا من الفواحش والسرقة إلا ركبه ، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن الصلاة ستنهاه ) فلم يلبث أن تاب وصلحت حاله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألم أقل لكم ) وفي الآية تأويل ثالث ، وهو الذي ارتضاه المحققون وقال به المشيخة الصوفية وذكره المفسرون ، فقيل المراد ب " أقم الصلاة " إدامتها والقيام بحدودها ثم أخبر حكما منه بأن الصلاة تنهى صاحبها وممتثلها عن الفحشاء والمنكر ، وذلك لما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة والصلاة تشغل كل بدن المصلي ، فإذا دخل المصلي في محرابه وخشع وأخبت لربه وادكر أنه واقف بين يديه ، وأنه مطلع عليه ويراه صلحت لذلك نفسه وتذللت وخامرها ارتقاب الله تعالى وظهرت على جوارحه هيبتها ، ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حالة فهذا معنى هذه الأخبار لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون .

قلت : لا سيما وإن أشعر نفسه أن هذا ربما يكون آخر عمله وهذا أبلغ في المقصود وأتم في المراد ، فإن الموت ليس له سن محدود ولا زمن مخصوص ولا مرض معلوم ، وهذا مما لا خلاف فيه ، وروي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه ، فكلم في ذلك فقال : إني واقف بين يدي الله تعالى وحق لي هذا مع ملوك الدنيا ، فكيف مع ملك الملوك ، فهذه صلاة تنهى ولا بد عن الفحشاء والمنكر ، ومن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء لا خشوع فيها ولا تذكر ولا فضائل كصلاتنا - وليتها تجزي- فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان ، فإن كان على طريقة معاص تبعده من الله تعالى ، تركته الصلاة يتمادى على بعده ، وعلى هذا يخرج الحديث المروي عن ابن مسعود وابن عباس والحسن والأعمش قولهم : ( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعدا ) وقد روي أن الحسن أرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك غير صحيح السند . قال ابن عطية : سمعت أبي رضي الله عنه يقول : فإذا قررناه ونظر معناه فغير جائز أن يقول إن نفس صلاة العاصي تبعده من الله ، حتى كأنها معصية وإنما يتخرج ذلك على أنها لا تؤثر في تقريبه من الله ، بل تتركه على حال ومعاصيه من الفحشاء والمنكر والبعد ، فلم تزده الصلاة إلا تقرير ذلك البعد الذي كان سبيله ، فكأنها بعدته حين لم تكف بعده عن الله ، وقيل لابن مسعود : إن فلانا كثير الصلاة فقال : إنها لا تنفع إلا من أطاعها .

قلت : وعلى الجملة فالمعنى المقصود بالحديث : ( لم تزده من الله إلا بعدا ولم يزدد بها من الله إلا مقتا ) إشارة إلى أن مرتكب الفحشاء والمنكر لا قدر لصلاته ؛ لغلبة المعاصي على صاحبها . وقيل : هو خبر بمعنى الأمر أي لينته المصلي عن الفحشاء والمنكر والصلاة بنفسها لا تنهى ، ولكنها سبب الانتهاء وهو كقوله تعالى : " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق " [ الجاثية : 29 ] وقوله : " أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون " [ الروم : 35 ] .

قوله تعالى : " ولذكر الله أكبر " أي ذكر الله لكم بالثواب والثناء عليكم أكبر من ذكركم له في عبادتكم وصلواتكم قال معناه ابن مسعود وابن عباس وأبو الدرداء وأبو قرة وسلمان والحسن ، وهو اختيار الطبري ، وروي مرفوعا من حديث موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قول الله عز وجل : " ولذكر الله أكبر " قال : ( ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه ) وقيل : ذكركم الله في صلاتكم وفي قراءة القرآن أفضل من كل شيء وقيل : المعنى ، إن ذكر الله أكبر مع المداومة من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر . وقال الضحاك : ولذكر الله عند ما يحرم فيترك أجلّ الذكر وقيل : المعنى ولذكر الله للنهي عن الفحشاء والمنكر أكبر أي كبير وأكبر يكون بمعنى كبير . وقال ابن زيد وقتادة : ولذكر الله أكبر من كل شيء أي أفضل من العبادات كلها بغير ذكر . وقيل : ذكر الله يمنع من المعصية فإن من كان ذاكرا له لا يخالفه . قال ابن عطية : وعندي أن المعنى ولذكر الله أكبر على الإطلاق أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك وكذلك يفعل في غير الصلاة ؛ لأن الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر الله مراقب له وثواب ذلك أن يذكره الله تعالى ، كما في الحديث ( من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ) والحركات التي في الصلاة لا تأثير لها في نهيٍ . والذكر النافع هو مع العلم وإقبال القلب وتفرغه إلا من الله ، وأما ما لا يتجاوز اللسان ففي رتبة أخرى ، وذكر الله تعالى للعبد هو إفاضة الهدى ونور العلم عليه وذلك ثمرة لذكر العبد ربه قال الله عز وجل : " فاذكروني أذكركم " [ البقرة : 152 ] وباقي الآية ضرب من الوعيد والحث على المراقبة .


[12412]:راجع ج 11 ص 258 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية.
[12413]:راجع ج 1 ص 1 وما بعدها طبعة ثانية أو ثالثة.
[12414]:راجع ج 1 ص 164 وما بعدها طبعة ثانية أو ثالثة.