الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ} (45)

ثم قال تعالى : { اتل ما أوحي إليك من الكتاب } أي : اقرأ يا محمد ما أنزل عليك من القرآن . { وأقم الصلاة } أي : أدها بفروضها وفي وقتها . { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } .

قال ابن عباس : في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله جل ذكره{[54523]} . وقال ابن مسعود{[54524]} : من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بها إلا بعدا من الله جل ذكره{[54525]} .

وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قول ابن مسعود{[54526]} . وهو قول قتادة{[54527]}وغيره .

وقيل : المعنى : إن الصلاة تنهى من كان فيها عن الفحشاء والمنكر فتحول بينه وبين ذلك لشغله بها{[54528]} .

وروي عن ابن عمر{[54529]} أنه قال : الصلاة هنا : القرآن . قال : القرآن الذي يقرأ في المساجد ينهى عن الفحشاء والمنكر{[54530]} . والفحشاء والمنكر والمعاصي .

ثم قال : { ولذكر الله أكبر } قال ابن عباس في معناه : ولذكر الله أكبر إذا ذكرتموه عندما أمركم به ، ونهى عنه أكبر من ذكركم إياه{[54531]} . وهو قول مجاهد وعكرمة{[54532]} وغيرهما . وروي ذلك عن أبي الدرداء{[54533]} . وقيل : المعنى : ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه . وهو اختيار الطبري{[54534]} .

وقيل : المعنى : ولذكركم الله أفضل من كل شيء{[54535]} أي : ذكركم الله في الصلاة والدعاء وغير ذلك أفضل من الصلاة وسائر العبادات بلا ذكر .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعات مرت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها " {[54536]} وقال ثابت البناني{[54537]} : " بلغني أن أهل ذكر الله يجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم من الآثام مثل الجبال ، وإنهم ليقومون منها عطلا ما عليهم منها شيء " .

وسئل/ سلمان{[54538]} عن أي الأعمال أفضل ؟ فقال : أما تقرأ القرآن ، { ولذكر الله أكبر } لا شيء أفضل من ذكر الله{[54539]} .

وقالت أم الدرداء{[54540]} : إن صليت فهو من ذكر الله ، وإن صمت فهو من ذكر الله وكل خير فعلته فهو من ‍ذكر الله ، وكل شيء{[54541]} تجنبته لله فهو من ذكر الله ، وأفضل من ذلك تسبيح الله جل وعز{[54542]} .

وقال قتادة : ولذكر الله أكبر ، لا شيء أكبر من ذكر الله{[54543]} ، وقيل : المعنى : ولذكر العبد في الصلاة أفضل من الصلاة{[54544]} . قاله السدي{[54545]} .

وقيل المعنى : والصلاة التي أنت فيها ، وذكر الله فيها أكبر مما نهتك الصلاة عنه من الفحشاء والمنكر{[54546]} . وقيل : المعنى : ولذكر الله الفحشاء والمنكر كبير{[54547]} .

{ والله يعلم ما تصنعون } أي : ما تفعلون في صلاتكم من إقامة حدودها وغير ذلك من ترككم الفحشاء والمنكر .


[54523]:انظر: جامع البيان 20/155، والكشف والبيان للثعلبي 6/26، ومجمع البيان للطبرسي 22/364، والدر المنثور 6/464
[54524]:هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي عرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وروي عنه طائفة من الصحابة والتابعين. شهد بدرا وضرب عنق أبي جهل، وشهد أحدا والخندق والمشاهد كلها. انظر: طبقات ابن سعد 3/ 150
[54525]:انظر: جامع البيان 20/ 155 والجامع للقرطبي 13/ 348، والدر المنثور 6/ 465، وتفسير ابن مسعود 2/ 405.
[54526]:انظر: جامع البيان 20/ 155، والجامع للقرطبي 13/ 348، والدر المنثور 6/ 465.
[54527]:انظر: جامع البيان 20/ 155
[54528]:هو قول الطبري في جامع البيان 20/155
[54529]:هو عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن، صحابي فقيه من أهل بيعة الرضوان، ورواية الحديث، توفي سنة 73هـ انظر: الا ستيعاب 3/ 950، 1612، وحلية الأولياء 1/92، 44، وتذكرة الحفاظ 1/37، 17، والإصابة 2/ 347، 4834.
[54530]:انظر: جامع البيان 20/ 154، والكشف والبيان للثعلبي 6/ 25، والدر المنثور 6/ 466
[54531]:انظر: جامع البيان 20/ 155، وتفسير سفيان الثوري 235، والكشف والبيان للثعلبي، 6/ 25، والمحرر الوجيز 12/ 226، وتفسير ابن القيم 404، وتفسير ابن كثير 3/ 416، والدر المنثور 6/ 466
[54532]:انظر: جامع البيان 20/ 157، والكشف والبيان للثعلبي 6/25، وتفسير ابن كثير 3/ 416، والدر المنثور 6/467، وتفسير مجاهد 535
[54533]:انظر: جامع البيان 20/ 157، والمحرر الوجيز12/ 226. وأبو الدرداء هو: عويمر بن زيد أبو الدرداء الأنصاري الخزرجي. صحابي مشهور بالعبادة والحكمة ورواية الحديث. جمع القرآن وولي القضاء. مات بالشام سنة 32هـ انظر: الاستيعاب 3/ 1217، 2006، وتذكرة الحفاظ 1/24ـ 25، 11، وغاية النهاية 1/606، 2480، والإصابة 13/45، 6117، وتقريب التهذيب 2/91، 806
[54534]:انظر: جامع البيان 20/ 158
[54535]:هو قول سلمان، وأم الدرداء ، وقتادة في جامع البيان 20/ 157 ـ 158
[54536]:الحديث من رواية معاذ، أورده السيوطي في الجامع الصغير 2/139، وعلاء الدين علي المتقي في كنز العمال رقم 1806
[54537]:هو ثابت بن أسلم البناني، أبو محمد البصري، ثقة عابد ناسك مأمون في الحديث، روى له الستة وغيرهم، توفي سنة 123 هـ انظر: طبقات ابن سعد 7/232، وحلية الأولياء 2/318، 187، وصفة الصفوة 3/260، وتذكرة الحفاظ 1/125، 110، وتقريب التهذيب 1/115
[54538]:هو أبو عبد الله سلمان الفارسي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أول مشاهده الخندق، كان عالما زاهدا، ولي المدائن. روى عنه أنس وكعب ابن عجرة وابن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين توفي سنة 35هـ انظر: طبقات ابن سعد 4/ 75، وحلية الأولياء 1/ 185، 34، وصفة الصفوة 1/523، 59، والاستيعاب 2/634، 1014، والإصابة 2/62، 3357.
[54539]:انظر: جامع البيان 20/ 157، والمحرر الوجيز 12/ 227، وتفسير ابن القيم 404، وتفسير ابن كثير 3/416 والدر المنثور 6/468.
[54540]:هي: خيرة بنت أبي حدرد، زوجة أبي الدرداء حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن زوجها، انظر: الاستيعاب 4/1934، والإصابة 4/295
[54541]:هكذا في الأصل ولعل الصواب (وكل شر) وهو ما ورد في جامع البيان وكذلك الدر المنثور.
[54542]:انظر: جامع البيان 20/157، والدر المنثور 6/468
[54543]:انظر: جامع البيان 20/158، والمحرر الوجيز 12/227، وتفسير ابن القيم 404، والجامع للقرطبي 13/349، والدر المنثور 6/467
[54544]:انظر: جامع البيان 20/158
[54545]:هو إسماعيل ابن عبد الرحمن بن أبي كريمة الهاشمي السدي الكبير، أبو محمد الكوفي الأعور، أصله حجازي، صاحب التفسير روى عن ابن عباس وأنس وطائفة وروى عنه الثوري والحسن بن صالح وغيرهما. توفي سنة 127 هـ انظر: ميزان الاعتدال 1/236، والنجوم الزاهرة 1/304 وطبقات المفسرين 2/110.
[54546]:انظر: جامع البيان 20/158، والكشف والبيان للثعلبي 6/27، وفي هذا الأخير نسبة القول إلى ابن عون).
[54547]:انظر: الجامع للقرطبي 13/349 ورد فيه هذا القول غير منسوب أيضا