التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَأُخۡرَىٰ لَمۡ تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهَا قَدۡ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا} (21)

هذا من عطف الجملة على الجملة فقوله : { أخرى } مبتدأ موصوف بجملة { لم تقدروا عليها } والخبر قوله : { قد أحاط الله بها } .

ومجموع الجملة عطف على جملة { وعدكم اللَّه مغانم كثيرة } [ الفتح : 20 ] فلفظ { أخرى } صفة لموصوف محذوف دل عليه { مغانم } الذي في الجملة قبلها ، أي هي نوع آخر من المغانم صعبة المنال ، ومعنى المغانم يقتضي غانمين فعلم أنها لهم ، أي غير التي وعدهم الله بها ، أي هذه لم يعدهم الله بها ، ولم نجعل { وأخرى } عطفا على قوله { هذه } [ الفتح : 20 ] عطف المفرد على المفرد إذ ليس المراد غنيمة واحدة بل غنائم كثيرة .

ومعنى { لم تقدروا عليها } : أنها موصوفة بعَدم قدرتكم عليها ، فلما كانت جملة { لم تقدروا عليها } صفة ل { أخرى } لم يقتض مدلول الجملة أنهم حاولوا الحصول عليها فلم يقدروا ، وإنّما المعنى : أن صفتها عدم قدرتكم عليها فلم تتعلّق أطماعكم بأخذها .

والإحاطة بالهمز : جعل الشيء حائطاً أي حافظاً ، فأصل همزته للجعل وصار بالاستعمال قاصراً ، ومعناه : احتوى عليه ولم يترك له منصرفاً فول على شدة القدرة عليه قال تعالى : { لتأتنني به إلا أن يُحاط بكم } [ يوسف : 66 ] أي إلا أن تغلَبوا غلباً لا تستطيعون معه الإتيان به .

فالمعنى : أن الله قدَر عليها ، أي قدر عليها فجعلها لكم بقرينة قوله قبله { لم تقدروا عليها } . والمعنى : ومغانم أخرى لم تقدروا على نيلها قد قدر الله عليها ، أي فأنا لكُمْ إيّاها .

وإلا لم يكن لإعلامهم بأن الله قدر على ما لم يقدروا عليه جدوى لأنهم لا يجهلون ذلك ، أي أحاط الله بها لأجلكم ، وفي معنى الإحاطة إيماء إلى أنها كالشيء المحاط به من جوانبه فلا يفوتهم مكانه ، جعلت كالمخبوء لهم . ولذلك ذُيل بقوله : { وكان اللَّه على كل شيء قديراً } إذ هو أمر مقرر في علمهم .

فعلم أن الآية أشارت إلى ثلاثة أنواع من المغانم : نوع من مغانم موعودة لهم قريبة الحصول وهي مغانم خيبر ، ونوع هو مغانم مرجوة كثيرة غير معين وقت حصولها ، ومنها مغانم يوم حنين وما بعده من الغزوات ، ونوع هو مغانم عظيمة لا يَخطر ببالهم نوالها قد أعدها الله للمسلمين ولعلها مغانم بلاد الروم وبلاد الفرس وبلاد البربر . وفي الآية إيماء إلى أن هذا النوع الأخير لا يناله جميع المخاطبين لأنه لم يأت في ذكره بضميرهم ، وهو الذي تأوله عُمر في عدم قسمة سواد العراق وقرأ قوله تعالى : { والذين جاءوا من بعدهم } [ الحشر : 10 ] .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأُخۡرَىٰ لَمۡ تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهَا قَدۡ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا} (21)

18

كذلك يمن عليهم ويبشرهم بأخرى غير هذه . لم يقدروا عليها بقوتهم ، ولكن الله تولاها عنهم بقدرته وتقديره : ( وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها ، وكان الله على كل شيء قديرا ) . .

وتختلف الروايات في هذه الأخرى . أهي فتح مكة ? أهي فتح خيبر ? أهي فتوح مملكتي كسرى وقيصر ? أهي فتوح المسلمين التي تلت هذه الوقعة جميعا ?

وأقرب ما يناسب السياق أن تكون هي فتح مكة . بعد صلح الحديبية وبسبب من هذا الصلح . الذي لم يدم سوى عامين ، ثم نقضه المشركون ، ففتح الله مكة للمسلمين بلا قتال تقريبا . وهي التي استعصت عليهم من قبل ، وهاجمتهم في عقر دارهم ، وردتهم عام الحديبية . ثم أحاط الله بها ، وسلمها لهم بلا قتال - ( وكان الله على كل شيء قديرا ) . . فهذه بشرى ملفوفة في هذا الموضع ، لم يحددها لأنها كانت عند نزول هذه الآية غيبا من غيب الله . أشار إليه هذه الإشارة لبث الطمأنينة والرضى والتطلع والاستبشار .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأُخۡرَىٰ لَمۡ تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهَا قَدۡ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا} (21)

قوله تعالى : " وأخرى " " أخرى " معطوفة على " هذه " ، أي فعجل لكم هذه المغانم ومغانم أخرى . " لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها " قال ابن عباس : هي الفتوح التي فتحت على المسلمين ، كأرض فارس والروم ، وجميع ما فتحه المسلمون . وهو قول الحسن ومقاتل وابن أبي ليلى . وعن ابن عباس أيضا والضحاك وابن زيد وابن إسحاق : هي خيبر ، وعدها الله نبيه قبل أن يفتحها ، ولم يكونوا يرجونها حتى أخبرهم الله بها . وعن الحسن أيضا وقتادة : هو فتح مكة . وقال عكرمة : حنين ، لأنه قال : " لم تقدروا عليها " . وهذا يدل على تقدم محاولة لها وفوات درك المطلوب في الحال كما كان في مكة ، قاله القشيري . وقال مجاهد : هي ما يكون إلى يوم القيامة . ومعنى " قد أحاط الله بها " : أي أعدها لكم . فهي كالشيء الذي قد أحيط به من جوانبه ، فهو محصور لا يفوت ، فأنتم وإن لم تقدروا عليها في الحال فهي محبوسة عليكم لا تفوتكم . وقيل : " أحاط الله بها " علم أنها ستكون لكم ، كسا قال : " وأن الله قد أحاط بكل شيء علما " {[14014]} [ الطلاق : 12 ] . وقيل : حفظها الله عليكم . ليكون فتحها لكم . " وكان الله على كل شيء قديرا " .


[14014]:آية 12 سورة الطلاق.