المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية - ابن عطية  
{سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلۡخُرۡطُومِ} (16)

وقوله تعالى : { سنسمه على الخرطوم } معناه على الأنف قاله المبرد ، وذلك أن { الخرطوم } يستعار في أنف الإنسان . وحقيقته في مخاطم السباع ، ولم يقع التوعد في هذه الآية ، بأن يوسم هذا الإنسان على أنفه بسمة حقيقة ، بل هذه عبارة عن فعل يشبه الوسم على الأنف . واختلف الناس في ذلك الفعل ، فقال ابن عباس : هو الضرب بالسيف ، أي يضرب في وجهه وعلى أنفه ، فيجيء ذلك الوسم على الأنف ، وحل ذلك به يوم بدر . وقال محمد بن يزيد المبرد : ذلك في عذاب الآخرة في جهنم ، وهو تعذيب بنار على أنوفهم . وقال آخرون ذلك في يوم القيامة ، أي يوسم على أنفه بسمة يعرف بها كفره وانحطاط قدره . وقال قتادة وغيره معناه : سنفعل به في الدنيا من الذم له والمقت والإشهار بالشر ما يبقى فيه ولا يخفى به ، فيكون ذلك كالوسم على الأنف ثابتاً بيناً ، وهذا المعنى كما تقول : سأطوقك طوق الحمامة ، أي أثبت لك الأمر بيناً فيك ، ونحو هذا أراد جرير بقوله : [ الكامل ]

لما وضعت على الفرزدق ميسمي{[11246]} . . . وفي الوسم على الأنف تشويه ، فجاءت استعارته في المذمات بليغة جداً . وإذا تأملت حال أبي جهل ونظرائه وما ثبت لهم في الدنيا من سوء الأحدوثة ، رأيت أنهم قد وسموا على الخراطيم .


[11246]:هذا صدر بيت قاله جرير من قصيدته المعروفة: (لمن الديار كأنها لم تحلل)، والبيت بتمامه مع بيت قبله: أعددت للشعراء سما ناقعا فسقيت آخرهم بكأس الأول لما وضعت على الفرزدق ميسمي وضغا البعيث جدعت أنف الأخطل والوسم أثر الكي، وهو يريد هنا أنه رماه بقصائد من الشعر تركت أثرها في سمعته وكرامته كما يترك الميسم أثره في الجلد، و "ضغا" : صاح من الألم وتذلل كالكلب حين يضرب فيعوي ويصرخ من شدة الألم، و "جدعت أنفه": قطعته، وجرير في هذا البيت يهاجم ثلاثة من فطاحل الشعراء ويقول: إنه فضحهم وأذلهم أمام الناس بما قاله فيهم من الشعر.