قوله تعالى : { وإذ جعلنا البيت } . يعني الكعبة .
قوله تعالى : { مثابة للناس } . مرجعاً لهم ، قال مجاهد وسعيد بن جبير : يثوبون إليه من كل جانب ويحجون ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : معاذاً وملجأ وقال قتادة وعكرمة : مجمعاً .
قوله تعالى : { وأمنا } . أي مأمناً يأمنون فيه من إيذاء المشركين ، فإنهم ما كانوا يتعرضون لأهل مكة ويقولون : هم أهل الله ويتعرضون لمن حوله كما قال الله تعالى : { أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم } .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا علي بن عبد الله ، أنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ، ولا يختلى خلاه فقال العباس : يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلا الإذخر " .
قوله تعالى : { واتخذوا } . قرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على الخبر ، وقرأ الباقون بكسر الخاء على الأمر .
قوله تعالى : { من مقام إبراهيم مصلى } . قال يمان : المسجد كله مقام إبراهيم ، وقال إبراهيم النخعي : الحرم كله مقام إبراهيم ، وقيل : أراد بمقام إبراهيم جميع مشاهد الحج ، مثل عرفة ومزدلفة وسائر المشاهد . والصحيح أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي في المسجد يصلي إليه الأئمة ، وذلك الحجر الذي قام عليه إبراهيم عند بناء البيت ، وقيل : كان أثر أصابع رجليه بيناً فيه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي ، قال قتادة ومقاتل والسدي : أمروا بالصلاة عند مقام إبراهيم ولم يؤمروا بمسحه وتقبيله .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا مسدد عن يحيى بن حميد عن أنس قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : وافقت الله في ثلاث . أو وافقني ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى ، فأنزل الله تعالى { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } وقلت يا رسول الله : يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب ، فأنزل الله عز وجل آية الحجاب ، قال : وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فدخلت عليهن فقلت لهن : إن انتهيتن ، أو ليبدلنه الله خيراً منكن ، فأنزل الله تعالى : { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن } الآية . ورواه محمد بن إسماعيل أيضاً عن عمرو ابن عون .
أخبرنا هشام عن حميد عن أنس رضي الله عنه قال : قال عمر رضي الله عنه : " وافقت ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت :{ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } .
وأما بدء قصة المقام ، فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " لما أتى إبراهيم إسماعيل وهاجر ووضعهما بمكة ، وأتت على ذلك مدة ، ونزلها الجرهميون وتزوج إسماعيل منهم امرأة وماتت هاجر ، واستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر ، فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل فقدم إبراهيم مكة ، وقد ماتت هاجر ، فذهب إلى بيت إسماعيل فقال لامرأته : أين صاحبك ؟ قالت ذهب يتصيد . وكان إسماعيل عليه السلام يخرج من الحرم فيصيد ، فقال لها إبراهيم : هل عندك ضيافة . قالت ليس عندي ضيافة ، وسألها عن عيشها ؟ فقالت : نحن في ضيق وشدة ، فشكت إليه فقال لها : إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له فليغير عتبة بابه ، فذهب إبراهيم فجاء إسماعيل فوجد ريح أبيه فقال لامرأته : هل جاءك أحد ؟ قالت : جاءني شيخ صفته كذا وكذا كالمستخفة بشأنه قال : فما قال لك ؟ قالت : قال : أقرئي زوجك السلام وقولي له فليغير عتبة بابه ، قال ذلك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك ، فطلقها وتزوج منهم أخرى ، فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث ، ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل فأذنت له ، وشرطت عليه أن لا ينزل ، فجاء إبراهيم عليه السلام حتى انتهى إلى باب إسماعيل فقال لامرأته : أين صاحبك ؟ قالت : ذهب يتصيد وهو يجيء الآن إن شاء الله ، فانزل يرحمك الله ، قال : هل عندك ضيافة ؟ قالت : نعم فجاءت باللبن واللحم ، وسألها عن عيشهم ؟ فقالت : نحن بخير وسعة ، فدعا لهما بالبركة ولو جاءت يومئذ بخبز بر أو شعير أو تمر لكانت أكثر أرض الله براً أو شعيراً أو تمراً ، فقالت له : انزل حتى أغسل رأسك ، فلم ينزل فجاءته بالمقام فوضعته عن شقه الأيمن فوضع قدمه عليه فغسلت شق رأسه الأيمن ، ثم حولته إلى شقه الأيسر فغسلت شق رأسه الأيسر ، فبقي أثر قدميه عليه ، فقال لها : إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له قد استقامت عتبة بابك ، فلما جاء إسماعيل ، وجد ريح أبيه فقال لامرأته : هل جاءك أحد ؟ قالت : نعم شيخ أحسن الناس وجهاً وأطيبهم ريحاً ، وقال لي كذا وكذا . وقلت له كذا وكذا ، وغسلت رأسه وهذا موضع قدميه فقال : ذاك إبراهيم النبي أبي ، وأنت العتبة أمرني أن أمسكك .
وروي عن سعيد بن جبير أيضا عن ابن عباس قال : ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً تحت دوحة قريباً من زمزم ، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد ، والولد بالوالد ثم قال : إسماعيل : إن الله تعالى أمرني بأمر تعينني عليه ؟ قال : أعينك عليه قال : إن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً ، فعند ذلك رفعا القواعد من البيت ، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني ، فلما ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له ، فقام إبراهيم على حجر المقام وهو يبني ، وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم .
وفي الخبر : " الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة ، ولولا مسته أيدي المشركين لأضاء ما بين المشرق والمغرب .
قوله تعالى : { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل } . أي أمرنا وأوصينا إليهما ، قيل : سمي إسماعيل لأن إبراهيم كان يدعو الله أن يرزقه ولداً ويقول : اسمع يا إيل ، وإيل هو الله فلما رزق الولد سماه به .
قوله تعالى : { أن طهرا بيتي } . يعنى الكعبة أضافه إليه تخصيصاً وتفضيلاً ، أي ابنياه على الطهارة والتوحيد ، وقال سعيد بن جبير وعطاء : طهراه من الأوثان والريب وقول الزور ، وقيل : بخراه وخلقاه ، قاله يمان بن رباب ، قرأ أهل المدينة وحفص بيتي بفتح الياء هاهنا وفي سورة الحج ، وزاد حفص في سورة نوح
قوله تعالى : { للطائفين } . الدائرين حوله .
قوله تعالى : { والعاكفين } . المقيمين المجاورين .
قوله تعالى : { والركع } . جمع راكع .
قوله تعالى : { السجود } . جمع ساجد وهم المصلون قال الكلبي ومقاتل : الطائفين هم الغرباء والعاكفين أهل مكة ، قال عطاء ومجاهد وعكرمة : الطواف للغرباء أفضل ، والصلاة لأهل مكة أفضل .
قوله : { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } البيت هو الكعبة . والمثابة بمعنى المرجع من الفعل ثاب يثوب . فقد جعل الله الكعبة مرجعا للمسلمين جميعا تهوي إليه قلوبهم دائما ، وتتشوف لرؤيته على الدوام أرواحهم حتى إن الواحد يحج البيت ثم ينصرف وهو يحس إحساسا عميقا رغبته في الإياب إليه من جديد ؛ إذ لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرا . والمقصود من الآية أن الله يذكر شرف البيت ؛ إذ جعله مرجعا تشتاق له أرواح المسلمين وتحنّ إليه قلوبهم على مر الزمن حتى إنها لا تقضي منه الوطر ولو ترددت إليه كل عام .
وكذلك قد جعل الله الكعبة للناس أمنا ، فهي مصدر أمن وسلام وطمأنينة لمن يعوذ بها أو يثوي إليها . ومعلوم أن العرب خارج البيت العظيم كانوا يقتتلون فيما بينهم ويتخطف بعضهم بعضا طمعا في مغنم أو رغبة في تسلط قبلي يقوم على العصبية السخيفة ، لكن الذين يثوبون إلى البيت كانت تظللهم أجنحة الرحمة والأمان ، فلا يمسهم شيء من أذى أو سوء . حتى قيل : إن الحد لا يقام على من لجأ إلى الحرم . وهو قول أبي حنيفة وآخرين . وقيل : بل يقام الحد عليه ؛ لأن الحكم الأول منسوخ .
قوله : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } مقام إبراهيم موضع خلاف المفسرين ، لكننا نعتمد القول الذي نطمئن إليه فنرجحه وهو ما كره البخاري أنه الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناولها إياه في بناء البيت وغرقت قدماه فيه . قال أنس : رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص قدميه ، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم . وقيل : إنه الحجر الذي تعرفه الناس اليوم الذي يصلون عنده ركعتي طواف القدوم .
ويريد الله جلت قدرته أن يثير الذكرى في نفس كل مسلم يؤم البيت الحرام فيتذكر إبراهيم الخليل عليه السلام وما تركه من أثر عظيم تجلى في بناء أقدس بيت في الأرض وهي الكعبة ، وبذلك فكل حاج يؤت البيت مطالب بالصلاة في مقام إبراهيم ، على ما ورد في هذه المسألة من خلاف بين العلماء . فقد قيل بأفضلية الصلاة لأهل مكة ، والطواف للوافدين من خارج مكة . وهو قول الإمام مالك ، خلافا للجمهور إذ قالوا : الصلاة أفضل مطلقا{[129]} .
وقوله : { مصلى } أي موضع صلاة . فإن على الآمّين البيت الحرام أن يصلوا ركعتي الطواف في المكان الذي كان إبراهيم يقف عليه ليناوله إسماعيل الحجارة لإتمام بناء الكعبة . أما موضع المقام نفسه فقد روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن المقام كان زمان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وزمان أبي بكر رضي الله عنه ملتصقا بالبيت ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
قوله : { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود }عهدنا بمعنى أمرنا أو أوحينا وهما متقاربان . فقد أمر الله كلا من إبراهيم وإسماعيل عن طريق الوحي بتطهير الكعبة وما حولها من الأوثان والرفث والرجس وقول والزور ، كما ذكر عن مجاهد وسعيد بن جبير . والمقصود الأساسي من ذلك أن يتطهر البيت من كل شيبة من أو شاب الباطل أو الشرك وأن يكون نقيا من أخلاط الرفث والقذر ليكون البيت نقيا طاهرا نظيفا كما يليق بحرمته وقدسيته واعتباره العظيم ؛ فهو أول بيت وضع للناس في الأرض ؛ ليذكر فيه اسم الله ؛ وليؤمه الناس من كل حدب وصوب طيلة الزمان ؛ لينالوا من الله المثوبة والغفران .
ويراد للبيت أن يظل طاهرا من درن الشرك والقذر ؛ لتؤدى فيه العبادة والمناسك من قبل الطائفين وهم الذين يطوفون بالبيت وذلك من الطوف وهو السير رملا أو على مهل من حول الكعبة في عملية تعبدية معروفة مقترنة بالخشوع والتبتل والابتهال إلى الله سبحانه ، وكذلك للعاكفين ، من العكوف وهو حبس النفس عن التصرفات العادية وانشغالها بأمور العبادة من صلاة وذكر وتلاوة وغير ذلك . ثم الركع السجود وهم الراكعون الساجدون أي المصلون عند الكعبة .
ومع أن النص قد وقع على البيت العتيق بالاسم ، فإنه لا مانع من انسحاب الحكم على كل بيت من بيوت الله ليشمله وجوب التطهير ، فيؤمه العابدون من المصلين والعاكفين والذاكرين وهو على هيئته اللائقة الكريمة من شرف التطهر والنقاء من كل درن .
ويرد في هذا الصدد حكم الصلاة في جوف الكعبة أو على ظهرها . فإن الأصل الذي تعورف عليه بغير تكلف أو اختلاف أن تكون القبلة جهاتها جميعا مثابة للناس لتصح الصلاة شطرها . أما الصلاة في جوف الكعبة فموضع خلاف الفقهاء . فقد ذهب أبو حنيفة والشافعي إلى جواز الصلاة في جوفها إلا أن تكون الصلاة صوب الباب ، ومع ذلك فإن الأفضل عند الشافعي أن يصلي النفل داخل الكعبة . أما الفرض فإن الأفضل أن يصليه خارجها . وخالفهما في هذه المسألة الإمام مالك ؛ إذ ذهب إلى عدم صحة الصلاة في جوفها استدلالا بما رواه البخاري عن ابن عمر أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) دخل الكعبة ولم يصلّ حتى خرج ، فلما خرج صلى صوب الكعبة ركعتين وقال : " هذه القبلة " .
أما الصلاة على ظهر الكعبة فغير صحيحة في مذهب مالك والشافعي ؛ لأن المصلي على ظهرها لم يستقبل شيئا ، وهي صحيحة عند أبي حنيفة . واشترطت الشافعية لجواز الصلاة على ظهر الكعبة أن يضع المصلي بين يديه سترة متصلة بالسطح ليكون المصلي متوجها نحو جزء من السطح . وبغير ذلك لا تصح الصلاة{[130]} .