معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (6)

قوله تعالى : { الذين كفروا } . يعني مشركي العرب ، قال الكلبي : يعني اليهود . والكفر هو الجحود وأصله من الستر ومنه سمي الليل كافراً لأنه يستر الأشياء بظلمته وسمي الزارع كافراً لأنه يستر الحب بالتراب ، فالكافر يستر الحق بجحوده . والكفر على أربعة أنحاء : كفر إنكار ، وكفر جحود ، وكفر عناد ، وكفر نفاق . فكفر الإنكار هو : أن لا يعرف الله أصلاً ولا يعترف به وكفر به ، وكفر الجحود هو : أن يعرف الله تعالى بقلبه ولا يعترف بلسانه ككفر إبليس وكفر اليهود . قال الله تعالى : ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) وكفر العناد هو : أن يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به ككفر أبي طالب حيث يقول :

ولقد علمت بأن دين محمد *** من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذار مسبة *** لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً

وأما كفر النفاق فهو : أن يقر بلسانه ولا يعتقد بالقلب ، وجميع هذه الأنواع سواء في أن من لقي الله تعالى بواحد منها لا يغفر له .

قوله تعالى : { سواء عليهم } . أي : متساو لديهم .

قوله تعالى : { أأنذرتهم } . خوفتهم وحذرتهم ، والإنذار إعلام مع تخويف ، المنذر معلم وليس كل معلم منذراً ، وحقق ابن عامر و عاصم و حمزة و الكسائي الهمزتين في ( أأنذرتهم ) وكذلك كل همزتين تقعان في أول الكلمة والآخرون يلينون الثانية .

قوله تعالى : { أم } . حرف عطف على الاستفهام .

قوله تعالى : { لم } . حرف جزم لا تلي إلا الفعل لأن الجزم يختص بالأفعال .

قوله تعالى : { تنذرهم لا يؤمنون } . وهذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة الشقاوة في سابق علم الله ثم ذكر سبب تركهم الإيمان فقال : { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (6)

قوله تعالى : { إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون 6 } لما ذكر المؤمنين وأحوالهم ذكر الكافرين ومآلهم . والكفر ضد الإيمان وهو المراد في الآية . وقد يكون بمعنى جحود النعمة والإحسان ، ومنه قوله عليه السلام في النساء في حديث الكسوف : ( ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء ) قيل : بم يا رسول الله ؟ قال : ( بكفرهن ) ، قيل أيكفرن بالله ؟ قال : ( يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط ) أخرجه البخاري وغيره .

وأصل الكفر في كلام العرب : الستر والتغطية ، ومنه قول الشاعر :

في ليلة كفر النجومَ غمامُها

أي سترها .

ومنه سمي الليل كافرا ؛ لأنه يغطي كل شيء بسواده ، قال الشاعر{[203]} :

فتذكَّرَا ثَقَلاً رَثيداً بعدما *** ألقت ذُكاءُ يمينها في كافر

ذكاء ( بضم الذال والمد ) : اسم للشمس ، ومنه قول الآخر :

فوردت قبل انبلاج الفجر *** وابنُ ذُكاء كامنٌ في كَفْر

أي في ليل . والكافر أيضا : البحر والنهر العظيم . والكافر : الزارع ، والجمع كفار ، قال الله تعالى : " كمثل غيث أعجب الكفار نباته{[204]} " [ الحديد : 20 ] . يعني الزراع لأنهم يغطون الحب . ورماد مكفور : سفت الريح عليه التراب . والكافر من الأرض : ما بعد عن الناس لا يكاد ينزله ولا يمر به أحد ، ومن حل بتلك المواضع فهم أهل الكُفُور . ويقال الكفور : القرى .

قوله تعالى : " سواء عليهم " معناه معتدل عندهم الإنذار وتركه ، أي سواء عليهم هذا . وجيء بالاستفهام من أجل التسوية ، ومثله قوله تعالى : " سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين{[205]} " [ الشعراء : 136 ] . وقال الشاعر{[206]} :

وليل يقول الناس من ظلماته *** سواء صحيحاتُ العيون وعورُها

قوله تعالى : " أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " الإنذار الإبلاغ والإعلام ، ولا يكاد يكون إلا في تخويف يتسع زمانه للاحتراز ، فإن لم يتسع زمانه للاحتراز كان إشعارا ولم يكن إنذارا ، قال الشاعر :

أنذرت عَمرًا وهو في مَهَلٍ *** قبل الصباح فقد عصى عمرُو

وتناذر بنو فلان هذا الأمر إذا خوفه بعضهم بعضا

واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ، فقيل : هي عامة ومعناها الخصوص فيمن حقت عليه كلمة العذاب ، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره . أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حاله دون أن يعين أحدا . وقال ابن عباس والكلبي : نزلت في رؤساء اليهود ، منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما . وقال الربيع بن أنس : نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب ، والأول أصح ، فإن من عين أحدا فإنما مثل بمن كشف الغيب عنه بموته على الكفر ، وذلك داخل في ضمن الآية .

قوله تعالى " لا يؤمنون " موضعه رفعٌ خبر " إنّ " أي إن الذين كفروا لا يؤمنون . وقيل : خبر " إن " " سواء " وما بعده يقوم مقام الصلة ، قاله ابن كيسان . وقال محمد بن يزيد : " سواء " رفع بالابتداء ، " أأنذرتهم أم لم تنذرهم " الخبر ، والجملة خبر " إن " . قال النحاس : أي إنهم تبالهوا فلم تغن فيهم النذارة شيئا . واختلف القراء في قراءة " أأنذرتهم " فقرأ أهل المدينة وأبو عمرو والأعمش وعبد الله بن أبي إسحاق : " آنذرتهم " بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية ، واختارها الخليل وسيبويه ، وهي لغة قريش وسعد بن بكر ، وعليها قول الشاعر{[207]} :

أيا ظبيةَ الوعساءِ بين جُلاَجِلٍ *** وبين النَّقَا آنتَ أمْ أمّ سالمِ

هجاء " آنت " ألف واحدة . وقال آخر :

تطالَلْتُ فاستشرفتُه فعرفته *** فقلت له : آنت زيدُ الأرانب

وروي عن ابن مُحَيصِن أنه قرأ : " أنذرتهم أم لم تنذرهم " بهمزة لا ألف بعدها ، فحذف لالتقاء الهمزتين ، أو لأن أم تدل على الاستفهام ، كما قال الشاعر :

ترُوحُ من الحي أم تبتكر *** وماذا يضيرُكَ لو تنتظر

أراد : أتروح ، فاكتفى بأم من الألف . وروي عن ابن أبي إسحاق أنه قرأ : " أأنذرتهم " فحقق الهمزتين وأدخل بينهما ألفا لئلا يجمع بينهما . قال أبو حاتم : ويجوز أن تدخل بينهما ألفا وتخفف الثانية ، وأبو عمرو ونافع يفعلان ذلك كثيرا . وقرأ حمزة وعاصم والكسائي بتحقيق الهمزتين : " أأنذرتهم " وهو اختيار أبي عبيد ، وذلك بعيد عند الخليل . وقال سيبويه : يشبه في الثقل ضَنِنوا . قال الأخفش : ويجوز تخفيف الأولى من الهمزتين وذلك رديء ؛ لأنهم إنما يخففون بعد الاستثقال ، وبعد حصول الواحدة . قال أبو حاتم : ويجوز تخفيف الهمزتين جميعا . فهذه سبعة أوجه من القراءات ، ووجه ثامن يجوز في غير القرآن ، لأنه مخالف للسواد{[208]} . قال الأخفش سعيد : تبدل من الهمزة هاء تقول : هأنذرتهم ، كما يقال هياك وإياك ، وقال الأخفش في قوله تعالى : " ها أنتم " [ آل عمران : 66 ] إنما هو أاأنتم .


[203]:هو ثعلبة بن صعيرة المازني، يصف الظليم والنعامة ورواحهما إلى بيضهما عند غروب الشمس. والثقل (بالتحريك) هنا: بيض النعام المصون.والرشيد: المنضد بعضه فوق بعض أو إلى جنب بعض. وألقت يمينا في كافر: أي بدأت في المغيب. اللسان مادة (كفر).
[204]:راجع ج 17 ص 255.
[205]:راجع ج 13 ص 125.
[206]:هو أعشى قيس الملقب بالأعشى الأكبر.
[207]:هو ذو الرمة كما في كتاب سيبويه، والمفصل للزمخشري.
[208]:السواد من الناس هم الجمهور الأعظم.