قوله تعالى : { فأرسلنا عليهم الطوفان } قال ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، ومحمد بن إسحاق : دخل كلام بعضهم في بعض : لما آمنت السحرة ، ورجع فرعون مغلوباً ، أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر ، والتمادي في الشر ، فتابع الله عليهم الآيات ، وأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات ، فلما عالج منهم بالآيات الأربع : العصا ، واليد ، والسنين ، ونقص الثمار ، فأبوا أن يؤمنوا فدعا عليهم ، فقال : يا رب ، إن عبدك فرعون علا في الأرض ، وطغى وعتا ، وإن قومه قد نقضوا عهدك ، رب ، فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة ، ولقومي عظةً ، ولمن بعدهم آيةً وعبرة ، فبعث الله عليهم الطوفان ، وهو الماء ، أرسل الله عليهم الماء وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة ، فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ، ومن جلس منهم غرق ، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل قطرة من الماء ، وركد الماء على أرضهم ، لا يقدرون أن يحرثوا ولا يعملوا شيئاً ، ودام ذلك عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت ، وقال مجاهد وعطاء : الطوفان الموت ، وقال وهب : الطوفان الطاعون بلغة اليمن . وقال أبو قلابة : الطوفان الجدري ، وهم أول من عذبوا به ، فبقي في الأرض . وقال مقاتل : الطوفان الماء طغى فوق حروثهم ، وروى ابن ظبيان عن ابن عباس قال : الطوفان أمر من الله طاف بهم ، ثم قرأ { فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون } [ القلم : 19 ] . قال نحاة الكوفة : الطوفان مصدر لا يجمع كالرجحان والنقصان . وقال أهل البصرة : هو جمع ، واحدها طوفانة ، فقال لموسى : ادع لنا ربك يكشف عنا المطر فنؤمن بك ، ونرسل معك بني إسرائيل ، فدعا ربه ، فرفع عنهم الطوفان ، فأنبت الله لهم في تلك السنة شيئا لم ينبته لهم قبل ذلك من الكلأ ، والزرع ، والثمر ، وأخصبت بلادهم ، فقالوا : ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا ، وخصباً ، فلم يؤمنوا ، وأقاموا شهراً في عافية ، فبعث الله عليهم الجراد فأكل عامة زروعهم . وثمارهم ، وأوراق الشجر ، حتى كانت تأكل الأبواب ، وسقوف البيوت والخشب ، والثياب ، والأمتعة ، ومسامير الأبواب من الحديد ، حتى تقع دورهم ، وابتلي الجراد بالجوع ، فكان لا يشبع ، ولم يصب بني إسرائيل شيء من ذلك ، فعجوا وضجوا ، وقالوا : { يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك } ، وأعطوه عهد الله وميثاقه ، فدعا موسى عليه السلام فكشف الله عنهم الجراد بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت ، وفي الخبر : " مكتوب على صدر كل جرادة جند الله الأعظم " . ويقال : إن موسى برز إلى الفضاء ، فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب ، فرجعت الجراد من حيث جاءت ، وكانت قد بقيت من زروعهم وغلاتهم بقية ، فقالوا : قد بقي لنا ما هو كافينا فما نحن بتاركي ديننا ، فلم يفوا بما عاهدوا ، وعادوا لأعمالهم السوء ، فأقاموا شهراً في عافية ، ثم بعث الله عليهم القمل . واختلفوا في القمل ، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : القمل السوس الذي يخرج من الحنطة ، وقال مجاهد ، والسدي ، وقتادة ، والكلبي : القمل الدبي ، والجراد الطيارة التي لها أجنحة ، والدبي الصغار التي لا أجنحة لها ، وقال عكرمة : هي بنات الجراد ، وقال أبو عبيدة : وهو الحمنان ، وهو ضرب من القراد . وقال عطاء الخراساني : هو القمل ، وبه قرأ أبو الحسن والقمل بفتح القاف ، وسكون الميم . قالوا : أمر الله موسى أن يمشي إلى كثيب أعفر بقرية من قرى مصر تدعى عين شمس ، فمشى موسى إلى ذلك الكثيب ، وكان أهيل فضربه بعصاه ، فانثال عليهم القمل ، فتتبع ما بقي من حروثهم وأشجارهم ونباتهم فأكله ، ولحس الأرض كلها ، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيعضه ، وكان أحدهم يأكل الطعام فيمتلئ قملاً . قال سعيد بن المسيب : القمل السوس الذي يخرج من الحبوب ، وكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحا فلا يرد منها ثلاثة أقفزة ، فلم يصابوا ببلاء كان أشد عليهم من القمل ، وأخذ أشعارهم ، وأبشارهم ، وأشفار عيونهم ، وحواجبهم ، ولزم جلودهم كأنه الجدري عليهم ، ومنعهم النوم والقرار ، فصرخوا وصاحوا إلى موسى : إنا نتوب ، فادع لنا ربك يكشف عنا البلاء ، فدعا موسى عليه السلام الله فرفع الله القمل عنهم بعدما أقام عليهم سبعة أيام ، من السبت إلى السبت ، فنكثوا وعادوا إلى أخبث أعمالهم وقالوا : ما كنا قط أحق أن نستيقن أنه ساحر منا اليوم ، يجعل الرمل دواب . وقالوا : وعزة فرعون لا نتبعه أبدا ، ولا نصدقه ، فأقاموا شهرا في عافية ، فدعا موسى عليه السلام بعدما أقاموا شهراً في عافية ، فأرسل الله عليهم الضفادع ، فامتلأت منها بيوتهم ، وأقبيتهم ، وأطعمتهم ، وآنيتهم ، فلا يكشف أحدا إناءً ولا طعاماً إلا وجد فيه الضفادع ، وكان الرجل يجلس في الضفادع في ذقنه ، ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع إلى فيه ، وكانت في قدورهم فتفسد عليهم طعامهم ، وتطفئ نيرانهم ، وكان أحدهم يضطجع فتركبه الضفادع ، فتكون عليه ركاماً ، حتى ما يستطيع أن ينصرف إلى شقة الآخر ، ويفتح فاه لأكلته فيسبق الضفدع أكلته إلى فيه ، ولا يعجن عجينا إلا تشدخت فيه ، ولا يفتح قدراً إلا امتلأت ضفادع ، فلقوا منها أذىً شديداً .
روى عكرمة عن ابن عباس قال : كانت الضفادع برية ، فلما أرسلها الله على آل فرعون سمعت وأطاعت ، فجعلت تقذف نفسها في القدور وهي تغلي ، وفي التنانير وهي تفور ، فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء ، فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا إلى موسى ، وقالوا : هذه المرة نتوب إلى الله تعالى ، ولا نعود ، فأخذ عهودهم ومواثيقهم ، ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بعدما أقام سبعاً ، من السبت إلى السبت ، فأقاموا شهراً في عافية ثم نقضوا العهد وعادوا لكفرهم ، فدعا عليهم موسى فأرسل الله عليهم الدم ، فسال النيل عليهم دماً ، وصارت مياههم دماً ، وما يستقون من الآبار والأنهار إلا وجدوه دماً عبيطاً ، أحمر ، فشكوا ذلك إلى فرعون وقالوا : ليس لنا شراب ، فقال : إنه سحركم ، فقال القوم : من أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئاً من الماء إلا دما عبيطاً ؟ وكان فرعون يجمع بين القبطي والإسرائيلي على الإناء الواحد ، فيكون ما يلي الإسرائيلي ماءً ، وما يلي القبطي دماً ، ويقومان إلى الجرة فيها الماء ، فيخرج للإسرائيلي ماء وللقبطي دم .
حتى كانت المرأة من آل فرعون تأتي المرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول : اسقيني من مائك ، فتصب لها من قربتها ، فيعود في الإناء دماً ، حتى كانت تقول : اجعليه في فيك ، ثم مجيه في فيّ ، فتأخذ في فيها ماءً ، فإذا مجته في فيها صار دماً ، وإن فرعون اعتراه العطش حتى إنه ليضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة ، فإذا مضغها يصير ماؤها في فيه ملحاً أجاجاً ، فمكثوا في ذلك سبعة أيام لا يشربون إلا الدم ، قال زيد بن أسلم : الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف ، فأتوا موسى وقالوا : يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن بك ، ونرسل معك بني إسرائيل ، فدعا ربه عز وجل فكشف عنهم ، فلم يؤمنوا ، فذلك قوله عز وجل : { فأرسلنا عليهم الطوفان } .
قوله تعالى : { والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات } ، يتبع بعضها بعضاً ، وتفصيلها أن كل عذاب يمتد أسبوعا ، وبين كل عذابين شهراً .
فدعا عليهم موسى فأرسل الله عليهم السماء بالماء حتى امتلأت بيوت القبط ماء ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة فذلك قوله { فأرسلنا عليهم الطوفان } ودام ذلك سبعة أيام فقالوا { يا موسى ادع لنا ربك } يكشف عنا فنؤمن لك فدعا ربه فكشف فلم يؤمنوا فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم فوعدوه أن يؤمنوا إن كشف عنهم فكشف فلم
134 137 يؤمنوا فبعث الله عليهم القمل وهو الدباء الصغار البق التي لا أجنحة لها فتتبع ما بقي من حروثهم وأشجارهم فصرخوا فكشف عنهم فلم يؤمنوا فعادوا بكفرهم فأرسل الله عليهم الضفادع تدخل في طعامهم وشرابهم فعاهدوا موسى أن يؤمنوا فكشف عنهم فعادوا لكفرهم فأرسل الله عليهم الدم فسال النيل عليهم دما وصارت مياههم كلها دما فذلك قوله { آيات مفصلات } مبينات { فاستكبروا } عن عبادة الله
فبعد هذا العتو والاستكبار بالرغم مما رأوه من المعجزات الحسية المشهودة التي تدل على صدق نبوة موسى عليه السلام –بعد ذلك كله أخذ الله هؤلاء الظالمين المجرمين بالبلاء والمحن . وأول ذلك { الطوفان } وهو المطر الغامر الشديد ؛ فقد أرسل الله السماء عليهم هاطلة مدرارة حتى عاموا في طوفان الماء المغرق الذي يتلف الزروع والثمرات . وقيل : معناه الموت . وقيل : الطاعون . والمعنى الأول أظهر .
ثم { الجراد } وهو مأكول لما رواه أحمد وابن ماجه عن أبي عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أحلت لنا ميتتان ودمان : الحوت والجراد ، والكبد والطحال ) .
أما إذا حل الجراد بأرض فأفسدها فغنه يحل قتله ؛ للتخلص من ضرره ؛ ودرءا لفساده وأذاه . وهو قول الأكثرين من الفقهاء وأهل العلم . ويستدل على ذلك بالعقول وهو درء الفساد المتحصل بسبب الجراد ؛ ولئن جاز قتل المسلم إذا اعتدى على أحذ لأخذ ماله أو إفساده ، فلا جرم أن يكون قتل الجراد أولى . وقيل : لا يحل قتل الجراد ؛ لأنه جند من جند الله . والصواب الأول .
ثم ( القمل ) بضم القاف وتشديد الميم . وقد قيل : معناه السوس الذي في الحنطة . وقيل : معناه الجعلان . وقيل : البراغيث . وقيل : هو ضرب من القراد أكلت دوابهم وزروعهم ولزمت جلودهم كالجدري . وقيل : القمل ، بفتح القاف وسكون الميم . وهو معروف .
ثم { الضفادع } وهي جمع ومفردها الضفدع . وهي حيوان صغير يعيش في الماء ، وهي منهي عن قتلها لما أخرجه أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة قال : ( نهى رسول الله عن قتل الصرد{[1506]} والضفدع والنملة والهدهد ) وقيل : عن أكثر الدواب تسبيحا الضفدع حتى إن نقيقها لهو تسبيح ؛ فقد أرسل الله عليهم الضفادع لتملأ عليهم كل أوعيتهم وشرابهم ، حتى إن أحدهم ليجلس فتغشاه الضفادع لتواريه إلى ذقنه . ولا يتكلم حتى يثب الضفدع في فمه .
ثم { الدم } امتلأت حياتهم بالدم حتى فاض الدم في أمكنتهم وآنيتهم ومياههم فما كان أحدهم يغترف من الماء إلا الدم الأحمر مما أوقع فيهم العنت البالغ والبلاء الشديد . فكانوا في كل مرة ينزل بهم البلاء من ربهم يضجون بالشكوى إلى موسى ليدعو ربه أن يزيل عنهم هذا البلاء من ربهم يضجون بالشكوى إلى موسى ليدعوا ربه أن يزيل عنهم هذا البلاء النازل بهم . فما يدعو موسى ربه ثم يستجيب الله الدعاء بإزالة البلاء عنهم حتى يجنح فرعون وقومه للكفر والتمادي في العدوان والباطل فتابع الله عليهم الآيات بأخذهم بالسنين وهي القحوط ، ثم الطوفان ، ثم الجراد ، ثم القمل ، ثم الضفادع ، ثم الدم { آيات مفصلات } أي بينات ظاهرات لمن يريد أن يتذكر أو يعتبر .
قوله : { فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين } فرعون اللعين كان فاسد الفطرة تماما . وهو ذو قلب غليظ بالغ الكزازة والقسوة فلا يلين ولا يرق ولا يستقيم ، وهو بلؤمه وقسوته وجموحه الشرير قد طغى عليه طبعه الجاحد الكنود ، فما كان ليصيخ لهتاف المنطق أو الحق أو الفطرة بل استشرت في دمه وعروقه نزوة الشر والأذى والعتو ، فاستكبر هو وقومه والذين اتبعوه في الضلال والباطل وأبوا إلا الفسق والتمرد والكيد لموسى نبي الله والذين آمنوا معه . وذلك بالرغم مما حل بهم من ألوان البلاء وكانوا في كل نازلة من هذه النوازل يسألون موسى أن يضرع إلى ربه لئن كشفت عنا هذا الضر لنؤمن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل . لكنهم نقضوا ما وعدوه وعادوا إلى مفارقة الشر والفساد والإجرام .