{ قل إنما حرّم ربي الفواحش } ما تزايد قبحه ، وقيل ما يتعلق بالفروج . { ما ظهر منها وما بطن } جهرها وسرها . { والإثم } وما يوجب الإثم تعميم بعد تخصيص ، وقيل شرب الخمر . { والبغي } الظلم ، أو الكبر أفرده بالذكر للمبالغة . { بغير الحق } متعلق بالبغي مؤكد له معنى . { وأن تشركوا بالله ما لم ينزّل به سلطانا } تهكم بالمشركين ، وتنبيه على تحريم اتباع ما لم يدل عليه برهان . { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } بالإلحاد في صفاته سبحانه وتعالى ، والافتراء عليه كقولهم { الله أمرنا بها } .
{ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش } أي ما تزايد قبحه من المعاصي . وقيل : ما يتعلق بالفروج { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } بدل من { الفواحش } أي جهرها وسرها . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما ظهر الزنا علانية وما بطن الزنا سراً وقد كانوا يكرهون الأول ويفعلون الثاني فنهوا عن ذلك مطلقاً . وعن مجاهد ما ظهر التعري في الطواف وما بطن الزنا . وقيل : الأول : طواف الرجال بالنساء . والثاني : طواف النساء بالليل عاريات .
{ والإثم } أي ما يوجب الإثم ، وأصله الذم فأطلق على ما يوجبه من مطلق الذنب ، وذكر للتعميم بعد التخصيص بناء على ما تقدم من معنى الفواحش . وقيل : إن الإثم هو الخمر كما نقل عن ابن عباس والحسن البصري وذكره أهل اللغة كالأصمعي وغيره وأنشدوا له قول الشاعر
: نهانا رسول الله أن نقرب الزنا *** وأن نشرب الإثم الذي يوجب الوزرا
: شربت الإثم حتى ضل عقلي *** كذاك الإثم يذهب بالعقول
وزعم ابن الأنباري أن العرب لا تسمي الخمر اثماً في جاهلية ولا إسلام وأن الشعر موضوع . والمشهور أن ذلك من باب المجاز لأن الخمر سبب الإثم . وقال أبو حيان وغيره : ( إن هذا التفسير غير صحيح هنا لأن السورة مكية ولم تحرم الخمر إلا بالمدينة بعد أحد ) . وأيضاً يحتاج حينئذ إلى دعوى أن الحصر إضافي فتدبر . { والبغى } الظلم والاستطالة على الناس . وأفرد بالذكر بناء على التعميم فيما قبله أو دخوله في الفواحش للمبالغة في الزجر عنه { بِغَيْرِ الحق } متعلق بالبغي لأن البغي لا يكون إلا كذلك . وجوز أن يكون حالاً مؤكدة . وقيل : جيء به ليخرج البغي على الغير في مقابلة بغيه فإنه يسمى بغياً في الجملة لكنه بحق وهو كما ترى { وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا } أي حجة وبرهاناً ، والمعنى على نفي الإنزال والسلطان معاً على أبلغ وجه كقوله
: لا ترى الضب بها ينجحر *** وفيه من التهكم بالمشركين ما لا يخفى { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } بالإلحاد في صفاته واإفتراء عليه كقولهم : { والله أَمَرَنَا بِهَا } [ الأعراف : 28 ] ولا يخفى ما في توجيه التحريم إلى قولهم عليه سبحانه ما لا يعلمون وقوعه دون ما يعلمون عدم وقوعه من السر الجليل .
( ومن باب الإشارة ) :{ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش } رذائل القوة البهيمية { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم والبغى } رذائل القوة السبعية { وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ الأعراف : 33 ] رذائل القوة النطقية وكل ذلك من موانع الزينة
ثم ذكر المحرمات التي حرمها اللّه في كل شريعة من الشرائع فقال : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ } أي : الذنوب الكبار التي تستفحش وتستقبح لشناعتها وقبحها ، وذلك كالزنا واللواط ونحوهما .
وقوله : { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } أي : الفواحش التي تتعلق بحركات البدن ، والتي تتعلق بحركات القلوب ، كالكبر والعجب والرياء والنفاق ، ونحو ذلك ، { وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ } أي : الذنوب التي تؤثم وتوجب العقوبة في حقوق اللّه ، والبغي على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم ، فدخل في هذا الذنوبُ المتعلقةُ بحق اللّه ، والمتعلقةُ بحق العباد .
{ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا } أي : حجة ، بل أنزل الحجة والبرهان على التوحيد . والشركُ هو أن يشرك مع اللّه في عبادته أحد من الخلق ، وربما دخل في هذا الشرك الأصغر كالرياء والحلف بغير اللّه ، ونحو ذلك .
{ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه ، فكل هذه قد حرمها اللّه ، ونهى العباد عن تعاطيها ، لما فيها من المفاسد الخاصة والعامة ، ولما فيها من الظلم والتجري على اللّه ، والاستطالة على عباد اللّه ، وتغيير دين اللّه وشرعه .
قوله تعالى : { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن } ، يعني : الطواف عراة ، { ما ظهر } طواف الرجال بالنهار ، { وما بطن } طواف النساء بالليل ، وقيل : هو الزنا سراً وعلانيةً .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي وائل ، عن عبد الله قال : قلت أنت سمعت هذا من عبد الله ؟ قال : نعم رفعه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا أحد أغير من الله ، فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه المدح من الله فلذلك مدح نفسه . ) قوله تعالى : { والإثم } يعني : الذنب والمعصية . وقال الضحاك : الذنب الذي لا حد فيه ، قال الحسن : الإثم الخمر .
شربت الإثم حتى ضل عقلي *** كذاك الإثم تذهب بالعقول
قوله تعالى : { والبغي } ، الظلم الكبير .
قوله تعالى : { بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً } ، حجةً وبرهاناً .
قوله تعالى : { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } ، في تحريم الحرث والأنعام ، في قول مقاتل . وقال غيره : هو عام في تحريم القول في الدين من غير يقين .
قوله : { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن } ما في موضع نصب على البدل من الفواحش{[1388]} أي أن الله لم يحرم عليكم الزينة والطيبات مما حلقه لكم وأنعمه عليكم فجعلتموه أنتم حراما على أنفسكم ، ولكن الله حرم { الفواحش ما ظهر منها وما بطن } أي حرم عليكم القبائح من الأشياء مما تفعلونه علانية أو خفية . وقيل : ما ظهر منها يعني طواف أهل الجاهلية بالبيت عراة . وما بطن يعني الزنا . وقيل : غير ذلك .
قوله : { والإثم والبغي بغير الحق } الإثم المعصية أو يوجبه من الذنوب . والبغي : التعدي والظلم وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء{[1389]} .
قوله : { وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا } وأن تشركوا ، المصدر من هذه الجملة في موضع نصب معطوف على الفواحش . وكذلك قوله بعدها : { وأن تقولوا على الله } {[1390]} أي كذلك الله حرم عليكم أن تعبدوا معه إلها غيره . والإشراك بالله يأتي في قمة الموبقات والخطايا العظيمات وهو ما لم يجعل الله فيه للمشركين سلطانا ؛ أي حجة وبرهانا .
قوله : { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } أي حرم الله عليكم أن تفتروا الكذب كاتخاذكم الأوثان آلهة مع الله ، وتجردكم من الثياب عند الطواف بالبيت فتطوفون عراة ، وتحريمكم ما أحله الله لكم مما خلقه لكم كتحريم البحائر والسوائب والوصائل والحوامي وغير ذلك مما تزعمون وتفترون وانتم جاهلون لا تعلمون{[1391]} .