أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ} (21)

{ وبرزوا لله جميعا } أي يبرزون من قبورهم يوم القيامة لأمر الله تعالى ومحاسبته ، أو { لله } على ظنهم فإنهم كانوا يخفون ارتكاب الفواحش ويظنون أنها تخفى على الله تعالى ، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله تعالى عند أنفسهم ، وإنما ذكر بلفظ الماضي لتحقيق وقوعه . { فقال الضعفاء } الأتباع جمع ضعيف يريد به ضعاف الرأي ، وإنما كتبت بالواو على لفظ من بفخم الألف قبل الهمزة في فيمليها إلى الواو . { للذين استكبروا } لرؤسائهم الذين استتبعوهم واستغووهم . { إنا كنا لكم تبعا } في تكذيب الرسل والإعراض عن نصائحهم ، وهو جمع تابع كغائب وغيب ، أو مصدر نعت به للمبالغة أو على إضمار مضاف . { فهل أنتم مغنون عنا } دافعون عنا . { من عذاب الله من شيء } من الأولى للبيان واقعة موقع الحال ، والثانية للتبغيض واقعة موقع المفعول أي بعض الشيء الذي هو عذاب الله ، ويجوز أن تكونا للتبعيض أي بعض شيء هو بعض عذاب الله ، والأعراب ما سبق ويحتمل أن تكون الأولى مفعولا والثانية مصدرا ، أي فهل أنتم مغنون بعض العذاب بعض الإغناء . { قالوا } أي الذين استكبروا جوابا عن معاتبة الأتباع واعتذار عما فعلوا بهم . { لو هدانا الله } للإيمان ووفقنا له . { لهديناكم } ولكن ضللنا فأضللناكم أي اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا ، أو لو هدنا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم وأغنيناه عنكم كما عرضناكم له ، لكن سد دوننا طريق الخلاص . { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا } مستويان علينا الجزع والصبر . { ما لنا من محيص } منجى ومهرب من العذاب ، من الحيص وهو العدل على جهة الفرار ، وهو يحتمل أن يكون مكانا كالمبيت ومصدرا كالمغيب ، ويجوز أن يكون قوله { سواء علينا } من كلام الفريقين ويؤيده ما روي أنهم يقولون : تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم ، فيقولون تعالوا نصبر فيصبرون كذلك ثم يقولون { سواء علينا } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ} (21)

{ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا } أي يبرزون يوم القيامة ، وإيثار الماضي لتحقق الوقوع أو لأنه لا مضي ولا استقبال بالنبسة إليه سبحانه ، والمراد ببروزهم لله ظهورهم من قبورهم للرائين لأجل حساب الله تعالى ، فاللام للتعليل وفي الكلام حذف مضاف ، وجوز أن تكون اللام صلة البروز وليس هناك حذف مضاف ، ويراد أنهم ظهروا له عز شأنه عند أنفسهم وعلى زعمهم فإنهم كانوا يظنون عند ارتكابهم الفواحش سراً أنها تخفى على الله تعالى فإذا كان يوم القيامة انكشفوا له تعالى عند أنفسهم وعلموا أنه لا تخفى عليه جل شأنه خافية ، وقال ابن عطية : معنى برزوا صاروا بالبراز وهي الأرض المتسعة فاستعير ذلك لمجمع يوم القيامة ، وهذا ميل إلى التعليل والحذف . ونقل الإمام عن الحكماء في تأول البروز أن النفس إذا فارقت الجسد فكأنه زال الغطاء وبقيت مجردة بذاتها عارية عن كل ما سواها وذلك هو البروز لله تعالى وهو كلام تعده العرب من الأحاجي ولذا لم يلتفت إليه المحدثون .

وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { وَبَرَزُواْ } مبنياً للمفعول وبتشديد الراء ، والمراد أظهرهم الله تعالى وأخجرهم من قبورهم لمحاسبته { فَقَالَ الضعفاء } جمع ضعيف ، والمراد بهم ضعاف الرأي وهم الاتباع ، وكتب في المصحف العثماني بواو قبل الهمزة ، ووجه ذلك بأنه على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ، ونظيره { عُلَمَآؤُا بني إسرائيل } [ الشعراء : 197 ] . ورد ذلك الجعبي قائلاً : إنه ليس من لغة العرب ولا حاجة للتوجيه بذلك لأن الرسم سنة متبعة ، وزعم ابن قتيبة أنه لغة ضعيفة ، ولو وجه بأنه اتباع للفظه في الوقف فإن من القراء من يقف في مثل ذلك بالواو كان حسناً صحيحاً كذا ذكر فليراجع . ولعل من أنصف لا يرى أحسن من ترك التوجيه .

{ لِلَّذِينَ استكبروا } أي لرؤسائهم الذين استتبعوهم واستغووهم { إِنَّا كُنَّا } في الدنيا { لَكُمْ تَبَعًا } في تكذيب الرسل عليهم السلام والإعراض عن نصائحهم وهو جمع تابع كخادم وخدم وغايب وغيب أو اسم جمع لذلك ولم يذكر كونه جمعاً في «البحر » . أو هو مصدر نعت به مبالغة أو بتأويل أو بتقدير مضاف أي تابعين أو ذوي تبع ؛ وبه على سائر الاحتمالات يتعلق الجار والمجرور ، والتقديم للحصر أي تبعاً لكم لا لغيركم .

وقيل : المعنى : إنا تبع لكم لا لرأينا ولذا سماهم الله تعالى ضعفاء ، ولا يلزم منه كون الرؤساء أقوياء الرأي حيث ضلوا وأضلوا ، ولو حمل الضعف على كونهم تحت أيديهم وتابعين لهم كان أحسن وليس بذاك .

{ فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا } استفهام أريد به التوبيخ والتقريع ، والفاء للدلة على سببية الاتباع للإغناء ، وهو من الغناء بمعنى الفائدة وضمن معنى الدفع ولذا عدى بعن أي إنا اتبعناكم فميا كنتم فيه من الضلال فهل أنتم اليوم دافعون عنا { مِنْ عَذَابِ الله مِن شَىْء } أي بعض الشيء الذي هو عذاب الله تعالى بناء على ما قيل : إن { مِنْ } الثانية للتبعيض واقعة موقع المفعول للوصف السابق والأولى للبيان وهي واقعة موقع الحال من مجرور الثانية لأنها لو تأخرت كانت صفة له وصفة النكرة إذا قدمت أعربت حالاً ، واعترض هذا الوجه بأن فيه تقديم من البيانية على ما تبينه وهو لا يجوز ، وكذا تقديم الحال على صاحبها المجرور .

وأجيب بأن في كل من هذين الأمرين اختلافاً ، وقد أجاز جماعة تقديم { مِنْ } البيانية وصحح ذلك لأنه إنما يفوت بالتقديم الوصفية لا البيانية ، وكذا أجاز كثير كابن كيسان وغيرهم تقديم الحال على صاحبها المجرور فلعل الذاهب إلى هذا الوجه في الآية يرى رأي المجوزين لكل من التقديمين .

وقال بعض المدققين : جاز تقديم هذه الحال لأنها في الحقيقة عما سد مسده من شيء أعني بعض لا عن المجرور وحده ، وفيه من البعد ما لا يخفى ، وجوز أن تكون الأولى والثانية للتبعيض ، والمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله تعالى ؛ والإعراب كما سبق ، واختار بعضهم على هذا كون الحال عما سد مسده من شيء إذ لو جعل حالاً عن المجرور لآل الكلام إلى هل أنتم مغنون عنا بعض بعض عذاب الله تعالى ولا معنى له ، وفيه أنه يفيد المبالغة في عدم الغناء كقولهم : أقل من القليل فنفي المعنى لا معنى له ، ولا يصح الإلغاء إذ لا يصح أن يتعلق بفعل ظرفان من جنس دون ملابسة بينهما تصحح التبعية ، وجعل الثاني بدلاً من الأول يأباه كما في «الكشف » اللفظ والمعنى ؛ وقد تعقب أبو حيان توجيه التبعيض في المكانين كما سمعت بأن ذلك يقتضي البدلية فيكون بدل عام من خاص لأن { مِن شَىْء } أعم من قوله : { مِنْ عَذَابِ } وهذا لا يقال : لأن بعضية الشيء مطلقة فلا يكون لها بعض ، ومما ذكرنا يعلم ما فيه .

وجوز أن تكون الأولى مفعولاً والثانية صفة مصدر سادة مسده ، والشيء عبارة عن إغناء ما أي فهل أنتم مغنون عنا بعض عذاب الله بعض الإغناء . وتعقب بأنه يلزم على هذا أن يتعلق بعامل ظرفان إلى آخر ما سمعت آنفاً ، وفيه نظر لأن لكون أحدهما في تأويل المفعول به والآخر في تأويل المفعول المطلق صح التعلق ولم يكونا من جنس واحد ، وقد يقال : إن تقييد الفعل بالثاني بعد اعتبار تقييده بالأول فليس العامل واحداً .

ونص الحوفي . وأبو البقاء على أن { مِنْ } الثانية زائدة للتوكيد وسوغ زيادتها تقدم الاستفهام الذي هو هنا في معنى النفي ، و { عَذَابُ الله } أما متعلق بمغنون أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من { شَىْء } أي شيئاً كائناً من عذاب الله تعالى أو مغنون من عذاب الله تعالى غناء ما { قَالُواْ } أي المستكبرون جواباً عن توبيخ الضعفاء وتقريعهم واعتذاراً عما فعلوا بهم : { لَوْ هَدَانَا الله } إلى الايمان ووفقنا له { لَهَدَيْنَاكُمْ } ولكن ضللنا فضللناكم أي اهترنا لكم ما اخترنا لأنفسنا ، وحاصله على ما قيل : إن ما كان منا في حكم هو النصح لكن قصرنا في رأينا ، وقال الزمخشري : إنهم وركوا الذنب في ضلالهم وإضلالهم على الله تعالى وكذبوا في ذلك ، ويدل على وقوع الكذب من أمثالهم يوم القيامة قوله تعالى حكاية عن المنافقين :

{ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَىْء } [ المجادلة : 18 ] وقد خالف في ذلك أصول مشايخه لأنهم لا يجوزون صدور الكذب عن أهل القيامة فلا يقبل منه ، وجوز أن يكون المعنى لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الايمان ، ونقل ذلك القاضي وزيفه كما ذكره الإمام ، وقيل : المعنى لو هدانا الله تعالى إلى الرجعة إلى الدنيا فنصلح ما أفسدناه لهديناكم وهو كما ترى ، وقال الجياني . وأبو مسلم : المراد لو هدانا الله تعالى إلى طريق الخلاص من العقاب والوصول إلى النعيم والثواب لهديناكم إلى ذلك ، وحاصله لو خلصنا لخلصناكم أيضاً لكن لا مطمع فيه لنا ولكم ، قال الإمام : والدليل على أن المراد من الهدي هو هذا أنه الذي طلبوه والتمسوه .

{ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا } مما لقينا { أَمْ صَبَرْنَا } على ذلك و { سَوَآء } اسم بمعنى الاستواء مرفوع على الخبرية للفعل المذكور بعده لأنه مجرد عن النسبة والزمان فحكمه حكم المصدر والهمزة و { أَمْ } قد جردتا عن الاستفهام لمجرد التسوية ولذا صارت الجملة خبرية فكأنه قيل : جزعنا وصبرنا سواء علينا أي سيان ، وإنما أفرد الخبر لأنه مصدر في الأصل ، وقال الرضي في مثله : إن { سَوَآء } خبر مبتدأ محذوف أي الأمران سواء ثم بين الأمر أن بقولهم : { أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا } وما قيل : من أن { سَوَآء } خبر مبتدأ والجملة جزاء للجملة المذكورة بعد لتضمنها معنى الشرط ، وإفادة همزة الاستفهام معنى إن لاشتراكهما في الدلالة على عدم الجزم ، والتقدير إن جزعنا أم صبرنا فالأمران سيان فتكلف كما لا يخفى ، والجزع حزن يصرف عما يراد فهو حزن شديد . وفي البحر هو عدم احتمال الشدة فهو نقيض الصبر ، وإنما أسندوا كلاً من الجزع والصبر واستوائهما إلى ضمير المتكلم المنتظم للمخاطبين أيضاً مبالغة في النهي عن التوبيخ بإعلامهم أنهم شركاء لهم فيما ابتلوا به وتسلية لهم .

وجوز أن يكون هذا من كلام الفريقين فهو مردود إلى ما سيق له الكلام وهم الفريقان ، ولا نظر إلى القرب كما قيل في قوله تعالى :

{ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } [ يوسف : 52 ] وأيد ذلك بما أخرجه ابن أبي حاتم . والطبراني . وابن مردويه عن كعب بن مالك رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما يظن أنه قال : «يقول أهل النار : هلموا فلنصبر فيصبرون خمسمائة عام فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا : هلموا فلنجزع فيبكون خمسمائة عام فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا : { سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا } الآية ، وإلى كون هذه المحاورة بين الضعفاء والمستكبرين في النار ذهب بعضهم ميلاً لظواهر الأخبار .

واستظهر أبو حيان أنها في موضع العرض وقت البروز بين يدي الله تعال ، ى وقول الاتباع : { فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا } جزع منهم ، وكذا جواب الرؤساء باعترافهم بالضلال ، واحتمال أنه من كلام الأولين فقط خلاف الظاهر جداً ، وقوله تعالى : { مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } جملة مفسرة لاجمال ما فيه الاستواء فلا محل لها من الإعراب أو حال مؤكدة أو بدل منه ، والمحيص من حاص حاد وفر ، وهو إما اسم مكان كالمبيت والمصيف أو مصدر ميمي كالمغيب والمشيب ، والمعنى ليس لنا محل ننجوا فيه من عذابه أولاً نجاة لنا من ذلك .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا } ذكر بعضهم أن البروز متعدد فبروز عند القيامة الصغرى بموت الجسد . وبروز عند القيامة الوسطى بالموت الإرادي وهو الخروج عن حجاب صفات النفس إلى عرصة القلب . وبروز عند القيامة الكبرى وهو الخروج عن حجاب الآنية إلى فضاء الوحدة الحقيقية ، وإن حدوث التقاول بين الضعفاء والمستكبرين المشار إليه بقوله تعالى : { فَقَالَ الضعفاء لِلَّذِينَ استكبروا } [ إبراهيم : 21 ] الخ فهو بوجود المهدي القائم بالحق الفارق بين أهل الجنة والنار عند قضاء الأمر الإلهي بنجاة السعداء وهلاك الأشقياء .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ} (21)

ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانباً من الحوار الذى يدور يوم القيامة بين الضعفاء والمستكبرين ، بين الأتباع والمتبوعين . . فقال - تعالى - : { وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضعفاء لِلَّذِينَ استكبروا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ . . . }

وقوله { وبرزوا } من البروز بمعنى الظهور ، مأخوذ من البراز وهو الفضاء الواسع ، الذى يظهر فيه الناس بدون استتار . أى : وخرج الكافرون جميعاً من قبورهم يوم القيامة وظهوراً ظهوراً لا خفاء معه ، لكى يحاسبهم - سبحانه - على أعمالهم فى الدنيا .

وقال - سبحانه - { وبرزوا } بلفظ الفعل الماضى مع أن الحديث عن يوم القيامة ، للتنبيه على تحقق وقوع هذا الخروج ، وأنه كائن لا محالة .

وعبر - سبحانه - بهذا التعبير ، مع أنهم لا يخفون عليه سواء أبرزوا أم لم يبرزوا ، لأنهم كانوا فى الدنيا يستترون عن العيون عند اجتراحهم السيئات ويظنون أن ذلك يخفى على الله - عز وجل - .

ثم بين - سبحانه - ما سيقوله الضعفاء للمستكبرين فى هذا الموقف العصيب فقال :

{ فَقَالَ الضعفاء } وهم العوام والأتباع الذين فقدوا نعمة التفكير ، ونعمة حرية الإِرادة ، فهانوا وذلوا . .

قال هؤلاء الضعفاء { لِلَّذِينَ استكبروا } وهم السادة المتبوعون الذين كانوا يقودون أتباعهم إلى طريق الغى والضلال .

{ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ } - أيها السادة - { تبعا } جمع تابع كخادم وخدم .

أى : إنا كنا فى الدنيا تابعين لكم ، ومنقادين لأمركم ، فى تكذيب الرسل ، وفى كل ما تريدونه منا .

والاستفهام فى قوله - سبحانه - { فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ } للتقريع والتفجع .

ومغنون من الإِغناء بمعنى الدفاع والنصرة .

قال الشوكانى : " يقال : أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى ، وأغناه إذا أوصل إليه النفع " .

أى : فهل أنتم - أيها المستكبرون - دافعون عنا شيئا من عذاب الله النازل لنا ، حتى ولو كان هذا الشئ المدفوع قليلا ؟ إن كان فى إمكانكم ذلك فاظهروه لنا ، فقد كنتم فى الدنيا سادتنا وكبراءنا ، وكنتم تزعمون أنكم أصحاب الحظوة يوم القيامة .

قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : أى فرق بين " من " فى { مِنْ عَذَابِ الله } وبينه فى { مِن شَيْءٍ } ؟

قلت : الأولى للتنبيه ، والثانية للتبعيض ، كأنه قيل : هل أنتم مغنون عنا بعض الشئ الذى هو عذاب الله ؟ ويجوز أن يكون للتبعيض معا بمعنى : هل أنتم مغنون عنا بعض شئ ، هو بعض عذاب الله ؟ أى : بعض بعض عذاب الله " .

ثم حكى - سبحانه - رد المستكبرين على المستضعفين فقال : { قَالُواْ لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ . . . }

أى : قال المستكبرون - بضيق وتحسر - فى ردهم على المستضعفين : لو هدانا الله - تعالى - إلى الإِيمن الموصل إلى النجاة من هذا العذاب الأليم { لهديناكم } إليه ، ولكن ضللنا عنه وأضللناكم معنا ، واخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا ، ولو كنا نستطيع النفع لنفعنا أنفسنا .

ثم أضافوا إلى ذلك قولهم : { سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } .

والجزع : حزن يصرف الإِنسان عما هو بصدده لشدة اضطرابه وذهوله .

يقال : جزع فلان يجزع جزعا وجزوعا ، إذا ضعف عن حمل ما نزل به ولم يجد صبرا .

والمحيص : المهرب والمنجى من العذاب . يقال : حاص فلان عن الشئ يحيص حيصا ومحيصا ، إذا عدل عنه على وجه الهرب والفرار .

أى : مستو عندنا الجزع مما نحن فيه من عذاب ، أو الصبر على ذلك ، وليس لنا من مهرب أو منجى من هذا المصير الأليم .

فالآية الكريمة تحكى أقوال الضعفاء يوم القيامة ، وهى أقوال يبدو فيها طابع الذلة والمهانة كما هو شأنهم فى الدنيا ، كما تحكى رد المستكبرين عليهم ، وهو رد يبدو فيه التبرم والتفجع والتأنيب من طرف خفى لهؤلاء الضعفاء ، والتسليم بالواقع الأليم الذى لا محيص لهم عنه .

قال الإِمام ابن كثير : " قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إن أهل النار قال بعضهم لبعض : تعالوا ، فإنما إدراك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله - تعالى - ، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله ، فبكوا وتضرعوا ، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا : تعالوا ، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر ، تعالوا حتى نصبر ، فصبروا صبرا لم ير مثله ، فلم ينفعهم ذلك . فعند ذلك قالوا : { سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } .