أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ} (11)

{ له } لمن أسر أو جهر أو استخفى أو سرب . { معقّبات } ملائكة تعتقب في حفظه ، جمع معقبة من عقبه مبالغة عقبه إذا جاء على عقبه كأن بعضهم يعقب بعضا ، أو لأنهم يعقبون أقواله وأفعاله فيكتبونها ، أو اعتقب فأدغمت التاء في القاف والتاء للمبالغة ، أو لأن المراد بالمعقبات جماعات . وقرئ " معاقيبُ " جمع معقب أو معقبة على تعويض الياء من حذف إحدى القافين . { من بين يديه ومن خلفه } من جوانبه أو من الأعمال ما قدم وأخر . { يحفظونه من أمر الله } من بأسه متى أذنب بالاستمهال أو الاستغفار له ، أو يحفظونه من المضار أو يراقبون أحواله من أجل أمر الله تعالى . وقد قرئ به وقيل من بمعنى الباء . وقيل من أمر الله صفة ثانية ل { معقبات } . وقيل المعقبات الحرس والجلاوزة حول السلطان يحفظونه في توهمه من قضاء الله تعالى . { إن الله لا يغيّر ما بقوم } من العافية والنعمة . { حتى يغيّروا ما بأنفسهم } من الأحوال الجميلة بالأحوال القبيحة { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مردّ له } فلا راد له فالعامل في { إذا } ما دل عليه الجواب . { وما لهم من دونه من والٍ } ممن يلي أمرهم فيدفع عنهم السوء ، وفيه دليل على أن خلاف مراد الله تعالى محال .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ} (11)

قوله تعالى : { له معقبات } ، أي : لله تعالى ملائكة يتعاقبون فيكم بالليل والنهار ، فإذا صعدت ملائكة الليل جاء في عقبها ملائكة النهار ، وإذا صعدت ملائكة النهار جاء في عقبها ملائكة الليل . والتعقيب : العود بعد البدء ، وإنما ذكر بلفظ التأنيث لأن واحدها معقب ، وجمعه معقبة ، ثم جمع الجمع معقبات ، كما قيل : ابناوات سعد ورجالات بكر .

أخرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يتعاقبون فيكم ، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الفجر وصالة العصر ، ثم يعرج الذين باتوا فيكم ، فيسألهم ربهم - وهو أعلم بهم - : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون " . قوله تعالى : { من بين يديه ومن خلفه } ، يعني : من قدام هذا المستخفي بالليل والسارب بالنهار ، ومن خلفه : من وراء ظهره ، { يحفظونه من أمر الله } ، يعني : بأمر الله ، أي : يحفظونه بإذن الله تعالى ما لم يجيء المقدور ، فإذا جاء المقدور خلوا عنه . وقيل : يحفظونه من أمر الله : أي مما أمر الله به من الحفظ عنه . قال مجاهد : ما من عبد إلا وله ملك موكل به ، يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام ، فما منهم شيء يأتيه يريده إلا قال وراءك ! إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه . قال كعب الأحبار : لولا أن الله عز وجل وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفكم الجن . وقال عكرمة : الآية في الأمراء وحرسهم يحفظونه من بين أيديهم ومن خلفهم . وقيل : الآية في الملكين القاعدين عن اليمين وعن الشمال يكتبان الحسنات والسيئات ، كما قال الله تعالى : { إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد } [ ق-17 ] . قال ابن جريج : معنى يحفظونه أي : يحفظون عليه أعماله من أمر الله ، يعني : الحسنات والسيئات .

وقيل : الهاء في قوله { له } : راجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : روى جؤيبر عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال : له معقبات يعني لمحمد صلى الله عليه وسلم حراس من الرحمن من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ، يعني : من شر الجن وطوارق الليل والنهار .

وقال عبد الرحمن بن زيد : نزلت هذه الآيات في عامر بن الطفيل ، وأربد بن ربيعة ، وكانت قصتهما على ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أقبل عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة ، وهما عامريان ، يريدان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو جالس في المسجد في نفر من أصحابه ، فدخلا المسجد فاستشرف الناس لجمال عامر وكان أعور وكان من أجل الناس . فقال رجل : يا رسول الله ، هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك ، فقال : دعه فإن يرد الله به خيرا يهده . فأقبل حتى قام عليه ، فقال : يا محمد مالي إن أسلمت ؟ قال : لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين . قال : تجعل لي الأمر بعدك . قال : ليس ذلك إلي ، إنما ذلك إلى الله عز وجل ، يجعله حيث يشاء . قال : فتجعلني على الوبر وأنت على المدر ، قال : لا . قال : فلماذا تجعل لي ؟ . قال : أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها . قال : أو ليس ذلك إلى اليوم ؟ قم معي أكلمك . فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان عامر أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف ، فجعل يخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه فدار أربد من خلف النبي صلى الله عليه وسلم ليضربه بالسيف ، فاخترط من سيفه شبرا ، ثم حبسه الله تعالى عنه ، فلم يقدر على سله ، وجعل عامر يومئ إليه ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما صنع بسيفه ، فقال : اللهم أكفنيهما بما شئت . فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صحو قائظ فأحرقته ، وولى عامر هاربا وقال : يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلا جردا وفتيانا مردا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يمنعك الله تعالى من ذلك ، وأبناء قيلة ، يريد : الأوس والخزرج .

فنزل عامر بيت امرأة سلولية ، فلما أصبح ضم عليه سلاحه وقد تغير لونه ، فجعل يركض في الصحراء ، ويقول : ابرز يا ملك الموت ، ويقول الشعر ، ويقول واللات والعزى لئن أبصرت محمدا وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذتهما برمحي ، فأرسل الله إليه ملكا فلطمه بجناحه فأرداه في التراب وخرجت على ركبتيه في الوقت غدة عظيمة ، فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول : غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية . ثم دعا بفرسه فركبه ثم أجراه حتى مات على ظهره فأجاب الله دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقتل عامر بن الطفيل بالطعن وأربد بالصاعقة ، وأنزل الله عز وجل في هذه القصة قوله : " سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار * له معقبات من بين يديه " ، يعني لرسول الله صلى الله عليه وسلم معقبات يحفظونه من بين يديه ومن خلفه من أمر الله . يعني تلك المعقبات من أمر الله ، وفيه تقديم وتأخير . وقال لهذين : { إن الله لا يغير ما بقوم } ، من العافية والنعمة ، { حتى يغيروا ما بأنفسهم } . من الحال الجميلة فيعصوا ربهم . { وإذا أراد الله بقوم سوءاً } ، أي : عذابا وهلاكا { فلا مرد له } أي : لا راد له { وما لهم من دونه من وال } ، أي : ملجأ يلجؤون إليه . وقيل : وال يلي أمرهم ويمنع العذاب عنهم .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ} (11)

ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر رعايته لعباده فقال - تعالى - { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله إِنَّ اللَّهَ . . . } .

والضمير في { له } يعود إلى { من } في قوله { مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بالليل } باعتبار تأويله بالمذكور .

و " معقبات " صفة لموصوف محذوف أى : ملائكة معقبات .

قال الشوكانى : " والمعقبات المتناوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه ويكون بدلا منه . وهم الحفظة من الملائكة في قول عامة المفسرين . قال الزجاج : المعقبات ملائكة يأتى بعضهم بعقب بعض ، وإنما قال " معقبات " مع كون الملائكة ذكوراً ؛ لأن الجماعة من الملائكة يقال لها معقبة ، ثم جمع معقبة على معقبات .

قال الجوهرى : والتعقيب العود بعد البدء قال الله - تعالى - { ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ } يقال : عقب الفرس في عدوه ، أى : جرى بعد جريه . وعقبه تعقيبا . أى : جاء عقبة و " من " في قوله { مِنْ أَمْرِ الله } بمعنى باء السببية .

والمعنى : لكل واحد من هؤلاء المذكورين ممن يسرون القول أو يجهرون به ، ملائكة يتعاقبون عليه بالليل والنهار ويحيطون به من جميع جوانبه لحفظه ورعايته ، ولكتابة أقواله وأعماله ، وهذا التعقيب والحفظ ، إنما هو بسبب أمر الله - تعالى - لهم بذلك .

قال ابن كثير : وفى الحديث الصحيح : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ، فيصعد الذين باتوا فيكم فيسألهم - سبحانه - وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادى ؟ فيقولون : أتيناهم وهم يصلون ، وتركناهم وهم يصلون " .

وفى الحديث الآخر : " إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع ، فاستحويهم وأكرموهم " أى : فاستحيوا منهم وأكرموهم بالتستر وغيره .

وقال عكرمة عن ابن عباس " يحفظونه من أمر الله ، قال ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه ، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه " .

ثم ساق - سبحانه - سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } .

أى : إن الله - تعالى - قد اقتضت سنته ، أنه - سبحانه - لا يغير ما بقوم من نعمة وعافية وخير بضده ، حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة إلى معصية ؛ ومن جميل إلى قبيح ، ومن صلاح إلى فساد .

وإذا أراد - سبحانه - بقوم سوءا من عذاب أو هلاك ما يشبهها بسبب إيثارهم الغى على الرشد ، فلا راد لقضائه ، ولا دافع لعذابه .

وما لهم من دونه - سبحانه - من وال أى من ناصر ينصرهم منه - سبحانه - ويرفع عنهم عقابه ، ويلى أمورهم ويلتجئون إليه عند الشدائد .

فالجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر عدل الله في شئون عباده ، وتحذير شديد لهم من الإِصرار على الشرك والمعاصى وجحود النعمة ، فإنه - سبحانه - لا يعصم الناس من عذابه عاصم . ولا يدفعه دافع .

قال الإِمام ابن كثير : " قال ابن أبى حاتم : أوحى الله إلى نبى من أنبياء بنى إسرائيل أن قل لقومك إنه ليس من أهل قرية ، ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله ، فيتحولون منها إلى معصية الله ، إلا تحول الله لهم لهم مما يحبون إلى ما يكرهون .

ثم قال : إن مصداق ذلك في كتاب الله { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } .

وعن عمير بن عبد الملك قال : خطبنا على بن أبى طالب على منبر الكوفة فقال : كنت إذا سكت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابتدأنى ، وإذا سألته عن الخبر أنبأنى ، وإنه حدثنى عن ربه - عز وجل - قال : " قال الرب : وعزتى وجلالى وارتفاعى فوق عرشى ، ما من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت من معصيتى ، ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتى ، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابى إلى ما يحبون من رحمتى " .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ} (11)

قوله : { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } { له } ، أي لمن أسر ومن جهر ، ومن استخفى ومن سرب . والمعقبات ، هم الملائكة الحفظة . سموا بالمعقبات ؛ لأن الملائكة الليل تعقب ملائكة النهار وبالعكس . والمعنى : أن للعبد ملائكة يتعاقبون عليه ، فريق يحرسونه بالليل وآخرون يحرسونه بالنهار { مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } أي من قدام هذا المستخفي بالليل والسارب بالنهار ، ومن روائه ، ومن كل ما حوله ؛ فقد أحط به هؤلاء المعقبات ليحصلوا عليه كل أعماله وأقواله على التمام ، من غير أن يفرطوا في حفظ شيء منها . وقيل : المراد أنهم يحرسونه من جميع المهالك .

قوله : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } { من } ، بمعنى الباء ؛ أي يحفظونه بأمر الله أو بإذنه . وقريب من ذلك كون { من } ، بمعنى عن ؛ أي يحفظونه عن أمر الله . وقيل : يحفظونه من اجل أمر الله ؛ أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه من بأسه ونقمته بدعائهم له . وقيل : ليس من عبد إلا ومعه ملائكة يحفظونه من الأسواء{[2325]} ؛ والنائبات ؛ فالملائكة موكلة بالعبد لحفظه من الوحوش والهوام والأخطار كأن تقع عليه حائط ، أو يهوي في بئر ، أو يأكله سبع ، أو ينتابه غرق أو حرق ، فغذا جاء القدر خلوا بينه وبين القدر .

وذكر أن هذه الآية : { سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ 10 لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } نزلت في حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلاءة الله له من الأشرار والخائنين ؛ فقد روي أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عامر : ما تجعل لي إن أنا اتبعك ؟ قال : ( أنت فارس ، أعطيك أعنة الخيل ) . قال : لا . قال : ( فما تبغي ؟ ) قال : لي الشرق ولك الغرب . قال : ( لا ) قال : فلي الوبر ولك المدر . قال : ( لا ) قال : لأملأنها عليك إذا خيلا ورجالا . قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يمنعك الله ذاك وأبناء قيلة ) يريد الأوس والخزرج . فخرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تشاورا فيما بينهما . فقال عامر : ارجع وأنا أشغله عنك بالمجادلة وكن وراءه فاضربه بالسيف ضربة واحدة . فكانا كذلك ، واحد وراء النبي صلى الله عليه وسلم والآخر قال : اقصص علينا قصصك ، ما يقول قرآنك ، فجعل يجادله ويستبطئه وهو يرجو أن يضرب أربد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف . ثم قال له عامر : مالك ، أجشمت{[2326]} ؟ قال : وضعت يدي على قائم سيفي فيبست فما قدرت على أن أحركها ! ثم خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال عامر : اخرج أنت يا أربد إلى ناحية عذبة ، وأخرج أنا إلى نجد فنجمع الرجال فنلتقي عليه . فخرج أربد حتى إذا كان بالرقم بعث الله سحابة من الصف فيها صاعقة فاحرقته . وخرج عامر حتى إذا كان بواد يقال له الجرير أرسل الله عليه الطاعون فجعل يصيح : يا آل عامر أعدة{[2327]} كغدة البكر تقتلني ! يا آل عامر أغدة البكر تقتلني ! فذلك هو قول الله : { سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ } حتى قوله : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } {[2328]} .

قوله : { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } ذلك إخبار من الله عن فضله على الناس وعن عدله فيهم ، وإن ما بهم من نعمة أو خير فما يزول إلا بعصيانهم وضلالهم وفسقهم عن أمر ربهم ؛ فالله جل وعلا لا يغير ما بقوم من عافية ونعمة فيزيلهما عنهم ويهلكهم حتى يقع منهم تغيير ، وذلك بظلم بعضهم بعضا ، واعتداء بعضهم على بعض ؛ فتحل بهم حينئذ من الله العقوبة والتغيير . أي أن زوال النعم وتغيير الحال من العافية والسلامة والعزة سببه المعاصي والحيدة عن منهج الله إلى ما يخالفه .

قوله : { وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } إذا أراد أن يصيب أحدا أو قوما أو أمة من الأمم بعذاب أو بلاء ، من أمراض أو أسقام أو كروب أو نحو ذلك من ألوان البلاء ؛ ساقهم ليختاروا ما فيه بلائهم . وهم بذلك يمضون إلى ما فيه هلاكهم من حيث لا يدرون ، وربما يساق المرء مختارا إلى حتفه وهو لا يدري أو يسعى جادا ليظفر بما يبتغيه ثم يجد ثمة مهلكته وهو لا يعلم . ولو كان بعلم لامتنع من الفعل وأحجم ؛ فهذا هو تقدير الله على عباده ، ولا يملك أن يرد ما أراده الله بعباده من سوء وغيره { وما لهم من دونه من وال } أي ليس لهم غير الله من ناصر يلي أمرهم فيدرأ عنهم البلاء ، أو ملجأ يأوون إليه فيحول بينهم وبين ما يريده الله لهم من السوء{[2329]} .


[2325]:الأسواء: جمع سوء انظر المعجم الوسيط جـ 1 ص 460.
[2326]:جشمت: تعبت. جشمت المر جشما، أي تكلفته على مشقة؛ أجشمته الأمر، وجشمته فتجشم. انظر المصباح المنير جـ 1 ص 110.
[2327]:الغدة: لحم يحدث من داء بين الجلد واللحم. والغدة للبعير كالطاعون للإنسان. انظر المصباح المنير جـ 1 ص 94.
[2328]:تفسير الطبري جـ 13 ص 95.
[2329]:الكشاف جـ 2 ص 352 وفتح القدير جـ 3 ص 71.