{ أفمن هو قائم على كل نفس } رقيب عليها { بما كسبت } من خير أو شر لا يخفى عليه شيء من أعمالهم ولا يفوت عنده شيء من جزائهم ، والخبر محذوف تقديره كمن ليس كذلك . { وجعلوا لله شركاء } استئناف أو عطف على { كسبت } إن جعلت " ما " مصدرية ، أو لم يوحدوه وجعلوا عليه ويكون فيه موضع الضمير للتنبيه على أنه المستحق للعبادة وقوله : { قل سمّوهم } تنبيه على أن هؤلاء الشركاء لا يستحقونها ، والمعنى صفوهم فانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة ويستأهلون الشركة . { أم تنبّؤنه } بل أتنبئونه . وقرئ " تنبئونه " بالتخفيف . { بما لا يعلم في الأرض } بشركاء يستحقون العبادة لا يعلمهم ، أو بصفات لهم يستحقونها لأجلها لا يعملها وهو العالم بكل شيء . { أم بظاهر من القول } أم تسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير حقيقة واعتبار معنى كتسمية الزنجي كافورا وهذا احتجاج بليغ على أسلوب عجيب ينادي على نفسه بالإعجاز . { بل زُيّن للذين كفروا مكرهم } تمويههم فتخيلوا أباطيل ثم خالوها حقا ، أو كيدهم للإسلام بشركهم . { وصدّوا عن السبيل } سبيل الحق ، وقرأ ابن كثير . ونافع وأبو عمرو وابن عامر { وصدوا } بالفتح أي وصدوا الناس عن الإيمان ، وقرئ بالكسر " وَصَدُ " بالتنوين . { ومن يضلل الله } يخذله . { فما له من هادٍ } يوفقه للهدى .
{ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } : أي حافظها ورازقها وعالم بها وبما كسبت و يجازيها بعملها .
{ قل سموهم } : أي صفوهم له من هم ؟
{ أم تنبئونه بما لا يعلم } : أي أتخبرونه بما لا يعمله ؟
{ بظاهر من القول } : أي بظن باطل لا حقيقة له في الواقع .
ما زال السياق في تقرير التوحيد وإبطال التنديد بقوله تعالى : { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } أي حافظها ورازقها وعالم بها وبما كسبت من خير وشر ومجازيها كمن لا يحفظ ولا يرزق ولا يعلم ولا يجزي وهو الأصنام ، إذا فبطل تأليهها ولم يبق إلا الإله الحق الله الذي لا اله إلا هو ولا رب سواه ، وقوله تعالى : { وجعلوا لله شركاء } أي يعبدونهم معه { قل سموهم } أي قل لهم يا رسولنا سموا لنا تلك الشركاء صفوهم بينوا من هم ؟ { أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض } أي أتنبئون الله بما لا يعلم في الأرض ؟ { أم بظاهر من القول } أي بل بظاهر من القول أي بظن باطل لا حقيقة له في الواقع .
وقوله تعالى { بل زين للذين كفروا مكرهم } أي قولهم الكاذب وافتراؤهم الماكر فبذلك صدوا عن السبيل سبيل الحق وصرفوا عنه فلم يهتدوا اليه ، { ومن يضلل الله فما له من هاد } .
- تقرير التوحيد إذا الأصنام لا تحفظ ولا ترزق ولا تحاسب ولا تجزي ، والله هو القائم على كل نفس فهو الإله الحق وما عداه فآلهة باطلة لا حقيقة لها إلا مجرد أسماء .
- استمرار الكفار على كفرهم هو نتيجة تزيين الشيطان لهم ذلك فصدهم عن السبيل .
قوله تعالى : { أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } الاستفهام للتوبيخ والتقريع ، على سبيل الاحتجاج على المشركين الضالين والإزراء عليهم والتسفيه لأحلامهم . وهو قوله : { أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } القائم هنا بمعنى المتولي والمدبر . فيكون معنى الآية : أفمن هو عالم بأحوال العباد وما يكسبونه من الأعمال وهو رقيب على قلوبهم وسلوكهم فلا يعزب عن عمله شيء ؟ والجواب محذوف وتقديره : كمن هو هالك بائد لا يحفظ ولا يعلم ولا ينفع .
قوله : { وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء } الجملة حالية . والشركاء ، الأصنام ، والتقدير : والحال أنهم جعلوا له شركاء ؛ فالله هو القائم بأرزاق هؤلاء المشركون ، المدبر أمورهم ، الرقيب على أفعالهم وقلوبهم وما يضمرون ، وقد جعلوا له شركاء مما خلق من الحجارة والأوثان .
قوله : { قُلْ سَمُّوهُمْ } يأمرهم بذكر أسماء أصنامهم التي يعبدونها وذلك على سبيل التهديد ، أو على سبيل التحقير والازدراء ؛ أي سموا هؤلاء الذين أشركتموهم في العبادة .
قوله : { أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ } { أم } ، المنقطعة ، بمعنى بل وهمزة الاستفهام . أي بل أتنبئون الله بشركاء له في الأرض لا يعلمهم ، وهو العليم بما في السموات والأرض ؟ { أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ } بل أتسمونهم شركاء لله بباطل من القول وكذب ، أو تسمونهم شركاء بظاهر من القول المسموع وهو في الحقيقة باطل لا صحة له .
قوله : { بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ } أي ليس ما يفتريه المشركون من اصطناع الأوثان إلا الكذب والظلم والباطل ؛ فإنه ليس لله شريك البتة . بل زين لهؤلاء الضالين { مكرهم } وهو كفرهم وإشراكهم ؛ فقد زين لهم الشيطان ذلك . سواء في ذلك شيطان الجن أو البشر ؛ فكلهم شياطين يزينون للناس الكفر ويحسنون لأذهانهم ونفوسهم فعل المنكرات والمعاصي ، وينفرونهم من عقيدة التوحيد وعبادة الله وطاعته والإذعان أوامره أشد تنفير .
قوله : { وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ } صدوا بضم الصاد ، على البناء للمفعول ؛ أي صدهم الله لفساد قلوبهم وسوء فطرتهم التي تنفر من الحق نفورا . تلك في الفطرة السقيمة التي لا تستجيب لنداء الرحمن ولا تتملى دعوة الحق والنور . أو صدهم الشيطان بمختلف أساليبه ووسائله وأسبابه . وتقرأ بالفتح على البناء للمعلوم ؛ أي أن المشركين الضالين المضلين قد صدوا الناس عن دين الله وحالوا بينهم وبين عقيدة التوحيد ومنهج الله بأساليب شتى من الإغراء والإغواء والتضليل ، أو الترهيب والإكراه والقسر .
قوله : { وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } يعني من أضله الله عن إصابة الحق بخذلانه إياه ؛ فليس من أحد بعده يهديه لإصابة الحق . قال الزمخشري في تأويل ذلك : من يخذله الله لعلمه أنه لا يهتدي فماله من احد يقدر على هدايته{[2356]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.