أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} (13)

{ يعملون له ما يشاء من محاريب } قصور حصينة ومساكن شريفة سميت بها لأنها يذب عنها ويحارب عليها . { وتماثيل } وصورا هي تماثيل للملائكة والأنبياء على ما اعتادوا من العبادات ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم وحرمة التصاوير شرع مجدد . روي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه ، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما . { وجفان } وصحاف . { كالجواب } كالحياض الكبار جمع جابية من الجباية وهي من الصفات الغالبة كالدابة . { وقدور راسبات } ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها . { اعملوا آل داود شكرا } حكاية عما قيل لهم { وشكرا } نصب على العلة أي : اعلموا له واعبدوه شكرا ، أو المصدر لأن العمل له شكرا أو الوصف له أو الحال أو المفعول به . { وقليل من عبادي الشكور } المتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته ومع ذلك لا يوفي حقه ، لأن توفيقه الشكر نعمة تستدعي شكرا آخر لا إلى نهايته ، ولذلك قيل الشكور من يرعى عجزه عن الشكر .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} (13)

قوله جل ذكره : { اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } .

أي اعملوا يا آل داود للشكر ، فقوله : " شكراً " منصوب لأنه مفعول له .

ويقال شكراً ؛ منصوب لأَنه مفعول به مثل قوله تعالى :{ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ } [ المؤمنين : 4 ] .

وقد مضى طَرَفٌ من القول في الشكر . والشكور كثير الشكر ، والأصل في الشكر الزيادة ، والشكيرة اسم لما ينبت تحت الأشجار منها ، ودابة شكور إذا أظهرت من السِّمَن فوق ما تُعْطَى من العَلَفِ ؛ فالشكور الذي يشكر على النعمة فوق ما يشكر أمثالُه وأضرابُه . وإذا كان الناسُ يشكرونه على الرخاء فالشكور يشكره في البلاء .

والشاكر يشكر على الَبذْلِ ، والشكور على المنع . . فكيف بالبذل ؟

والشكور يشكر بقلبه ولسانه وجوارحه ومالِه ، والشاكر ببعض هذه .

ويقال في { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشّكُورُ } قليلٌ مَنْ يأخذ النعمة مني ولا يحملها على الأسباب ؛ فلا يشكر الوسائطَ ويشكرني . والأكثرون يأخذون النعمة من الله ، ويَجِدُون الخيرَ مِنْ قِبَلهِ ثم يتقلدون المِنَّةَ من غير الله ، ويشكرون غيرَ الله .

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} (13)

{ من محاريب } أي قصور ومساجد . جمع محراب ، وهو كل موضع مرتفع . ويطلق على مكان وقوف الإمام في المسجد . وعلى الغرفة التي يصعد إليها بدرج . وعلى أشرف بيوت الدار . { وتماثيل } أي صور للملائكة والأنبياء والصالحين من زجاج أو نحاس أو رخام ؛ تقام في المساجد ؛ ليراها الناس فيعبدوا الله وحده مثل عبادته . وكان اتخاذها في شريعته جائزا ؛ أما في شريعتا فمحرم ؛ سدا لذريعة التشبه بمتخذي الأصنام . { وجفان كالجواب } أي قصاع كبار كالحياض العظام . جمع جفنة وهي أعظم القصاع . وجابية وهي الحوض الضخم الذي يجبى فيه الماء للإبل أي يجمع ؛ ومنه جبيت الخراج جباية ، والماء في الحوض جبيا : جمعته . { وقدور } هي ما يطبخ فيها الطعام من فخار أو نحاس أو غيره . { راسيات } أي ثابتات على الأثافي {[282]} ، لا تحمل ولا تحرك لضخامتها وعظمها .

{ اعملوا آل داود } اعملوا يا آل داود بطاعة الله . { شكرا } له تعالى على ما خصكم به من النعم ، وعلى سائر خلقه . وحقيقة الشكر : الاعتراف بالنعمة للمنعم ، والثناء عليه لإنعامه ، واستعمال النعم في طاعته . و " شكرا " مفعول لأجله .


[282]:الأثافي: جمع أثفية – بضم الهمزة وتكسر – الحجر بوضع عليه القدر.