{ وأرسلنا الرياح لواقح } حوامل ، شبه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل كما شبه ما لا يكون كذلك بالعقيم ، أو ملقحات للشجر ونظيره الطوائح بمعنى المطيحات في قوله :
ومختبطٌ مما تُطيح الطوائحُ *** . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقرئ { وأرسلنا الرياح } على تأويل الجنس . { فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكُموه } فجعلناه لكم سقياً . { وما أنتم له بخازنين } قادرين متمكنين من إخراجه ، نفى عنهم ما أثبته لنفسه ، أو حافظين في الغدران والعيون والآبار ، وذلك أيضا يدل على المدبر الحكيم كما تدل حركة الهواء في بعض الأوقات من بعض الجهات على وجه ينتفع به الناس ، فإن طبيعة الماء تقتضي الغور فوقوفه دون حد لا بد له من سبب مخصص .
كما أن الرياحَ في الآفاق مُقَدِّمَاتُ المطر كذلك الآمال في القلوب ، وما يقرب العبد مما يتوارد على قلبه من مبشرات الخواطر ، ونسيم النجاة في الطلب يحصل ، فيستروح القلب إليه قبل حصول المأمول من الكفاية واللطف .
قوله جلّ ذكره : { فَأَسْقَيْنَاكُمُوُهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ } .
أسفاه إذا جعل له السُّقيا ؛ كذلك يجعل الحق - سبحانه- لأوليائه ألطافاً معلومة في أوقات محدودة ! كما قال في وصف أهل الجنة : { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةَ وعَشِيّاً }
كذلك يجعل من شراب القلوب لِكُلِّ ورداً معلوماً ، ثم قضايا ذلك تختلف : فمِنْ شراب يُسْكِر ، ومن شراب يُحْضِر ، ومن شراب يزيل الإحساس ، كما قيل :
فصحوك من لفظي هو الصحو كله *** وسُكْرُكَ من لحظي يبيح لك الشُّرْبا
ويقال إذا هبَّت رياح التوحيد على الأسرار كنست آثار البشرية ، فلا للأغيار فيها أثر ، ولا عن الخلائق لهم خبر .
ويقال إذا هبَّت رياح القرب على قلوب العارفين عَطَّرَتْها بنفخات الأنس ، فيَسْقَوْن في نسيمها على الدوام ، وفي معناه أنشدوا :
وهبَّتْ شمال آخر الليل قَرَّةٌ *** ولا ثوبَ إلا بُرْدَةَ ورائيا
وما زال بُردِي لينا من ردائها*** إلى الحوْلِ حتى أصبح البُرْدُ باليا
ويقال إذا هبَّت رياح العناية على أحوال عبد عادت مَسَاوِيه مناقِبَه ومثالبُه محاسنه .
لواقح : جمع لاقح . معناها حوامل للماء ، ومعنى آخر لأنها تلقح النباتات والشجر .
ثم فصّل بعض ما في خزائنه من النعم فقال :
{ وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ } .
وقد أرسل الله تعالى الرياحَ بالماءِ تحملُه ، فتحيي الأمطار الخلقَ والأرض وتعطيها حياةً جديدة ، فتُزهرُ بكلّ لونٍ بهيج ، ويشرب منها الإنسانُ ويسقي زرعه وحيوانه .
والخلاصة : نحن القادرون على إيجاد الماء وخزنه في السحاب وإنزاله مطراً ، وما أنتم على ذلك بقادرين ، لأنه في دورة مستمرة ، يتبخر من البحر والأرض ، ثم تحمله السحب فينزل على الأرض ويعود إلى البحر .
وقد زاد بعض المفسرين معنى آخر لكلمة لواقح فقالوا : إن الرياح تحمل اللقاح من شجرةٍ إلى شجرة ، ومن نبته إلى أختها ، وهذا أيضا لم يكن معروفا في الأزمان السابقة ، فيكون هذا أيضا من معجزات القرآن الكريم .
قرأ حمزة وحده : «وأرسلنا الريح » بالإفراد ، والباقون بالجمع كما هو في المصحف .
بعد أن ذكر الله تعالى نظم المعيشة في هذه الحياة بين أن الحياة والموت بيده وأنه هو الحي الباقي يرث الأرض ومن عليها .
قوله تعالى : { وأرسلنا الرياح لواقح } أي : حوامل ، لأنها تحمل الماء إلى السحاب ، وهو جمع لاقحة ، يقال : ناقة لاقحة إذا حملت الولد . قال ابن مسعود : يرسل الله الريح فتحل الماء فيمر به السحاب ، فيدر كما تدر اللقحة ثم تمطر . وقال أبو عبيدة : أراد باللواقح الملاقح واحدتها ملقحة ، لأنها تلقح الأشجار . قال عبيد بن عمير : يبعث الله الريح المبشرة فتقم الأرض قما ، ثم يبعث الله المثيرة فتثير السحاب ، ثم يبعث الله المؤلفة السحاب بعضه إلى بعض فتجعله ركاما ، ثم يبعث اللواقح فتلقح الشجر . وقال أبو بكر بن عياش : لا تقطر قطرة من السحاب إلا بعد أن تعمل الرياح الأربع فيه ، فالصبا تهيجه ، والشمال تجمعه ، والجنوب تذره ، والدبور تفرقه .
وفى الخبر : " إن اللقح رياح الجنوب " . وفى بعض الآثار : ما هبت ريح الجنوب إلا وبعث عينا غدقة . وأما الريح العقيم : فإنها تأتي بالعذاب ولا تلقح .
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنبأنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، حدثنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا من لا أتهم بحديثه ، حدثنا العلاء بن راشد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : ما هبت ريح قط إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه ، وقال : اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا ، اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا ، قال ابن عباس : في كتاب الله عز وجل : { إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً } [ القمر-19 ] { إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } [ الذاريات-41 ] ، وقال : { وأرسلنا الرياح لواقح } [ الحجر-22 ] ، وقال : { أن يرسل الرياح مبشرات } [ الروم-46 ] قوله : { فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه } ، أي : جعلنا المطر لكم سقيا ، يقال : أسقى فلان فلانا : إذا جعل له سقيا ، وسقاه : إذا أعطاه ما يشرب . وتقول العرب : سقيت الرجل ماء ولبنا إذا كان لسقيه فإذا جعلوا له ماء لشرب أرضه ودوابه تقول : أسقيته . { وما أنتم له بخازنين } ، يعني المطر في خزائننا لا في خزائنكم . وقال سفيان : بمانعين .
قوله : ( وأرسلنا الرياح لواقح ) اللواقح جمع لاقح بمعنى حامل . نقول : ناقة لاقح ، أي حامل ؛ فقد شبهت الريح التي تحمل السحاب الماطر بالناقة الحامل ؛ لأنها " الريح " حاملة لذلك السحاب أو للماء الذي فيه .
ويجوز أن تكون لواقح بمعنى ملاقح ، جمع ملقحة . وهو من ألقح الفحل الناقة إذا ألقى ماءه فيها لتحمل . أو من ألقحت الريح الشجر . والمراد ملقحات للسحاب أو للشجر ؛ أي أن اللواقح ، التي تلقح السحاب حتى يحمل الماء ، وهي أيضا التي تلقح الشجر حتى يثمر . لا جرم أن هذا شاهد مبين ينطق بأن هذا الكلام رباني وأنه معجز . فمن أين لمحمد ( ص ) ، وهو العربي الأمي في بيئته البدائية الأمية أن يعي وحده مثل هذه الحقيقة العلمية في تلقيح النبات لولا أنه يوحى إليه بذلك من ربه ؟ ! وما كانت البشرية في ذلك الزمان لتعلم أن عملية الإثمار في الشجر يسبقها عملية التلقيح لإيناع الشجر وتحصيل الثمر ، وذلك على نمط ما يجري في بقية الكائنات الحية .
قوله : ( فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه ) بعد إنشاء السحاب الماطر عن طريق الريح الملقحة أنزلنا عليكم المطر المدرار لتستقوا منه ماء عذبا سائغا ، ولتستقي منه مزارعكم ومواشيكم . وذلك من نعم الله الكبيرة على الناس . النعم التي تقتضي دوام الشكر لله الباسط العاطي الذي لا تنقضي آلاؤه ولا تنحصي نعماؤه .
قوله : ( وما أنتم له بخازنين ) أي لستم قادرين أن تمنعوا نزول الماء من السماء . وقيل : لستم بقادرين على إيجاد الماء وخزنه في السحاب وإنزاله مطرا سائغا عذبا إلى الأرض ؛ بل نحن القادرون على منع ذلك .