{ وكتبنا له في الألواح من كل شيء } مما يحتاجون إليه من أمر الدين . { موعظة وتفصيلا لكل شيء } بدل من الجار والمجرور ، أي وكتبنا له كل شيء من المواعظ وتفصيل الأحكام . واختلف في أن الألواح كانت عشرة أو سبعة ، وكانت من زمرد أو زبرجد ، أو ياقوت أحمر أو صخرة صماء لينها الله لموسى فقطعها بيده وسقفها بأصابعه وكان فيها التوراة أو غيرها . { فخذها } على إضمار القول عطفا على كتبنا أو بدل من قوله : { فخذ ما آتيتك } والهاء للألواح أو لكل شيء فإنه بمعنى الأشياء أو للرسالات . { بقوة } بجد وعزيمة . { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } أي بأحسن ما فيها كالصبر والعفو بالإضافة إلى الانتصار ، والاقتصاص على طريقة الندب والحث على الأفضل كقوله تعالى . { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } . أو بواجباتها فإن الواجب أحسن من غيره ، ويجوز أن يراد بالأحسن البالغ في الحسن مطلقا لا بالاضافة ، وهو المأمور به كقولهم الصيف أحر من الشتاء . { سأريكم دار الفاسقين } دار فرعون وقومه بمصر خاوية على عروشها ، أو منازل عاد وثمور وأضرابهم لتعتبروا فلا تفسقوا ، أو دارهم في الآخرة وهي جهنم . وقرئ سأوريكم بمعنى سأبين لكم من أوريت الزند وسأورثكم ، ويؤيده قوله : { وأورثنا القوم } .
{ وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين( 145 ) }
وكتبنا له في الألواح : أي : وخلقنا له الكتابة فيها ؛ والألواح : الصحف التي كتبت فيها التوراة .
فخذها بقوة : أي : فتناولها وتقبلها بجد وعزيمة .
{ 145 – وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء . . . . }الآية .
هل المراد بالألواح هنا التوراة أو ألواح أعطيها موسى قبل التوراة ؟ قولان للعلماء :
قال بعض المفسرين : إن الألواح كانت مشتملة على التوراة ، وقال بعضهم : بل كانت قبل التوراة ، والراجح : أنها كانت أول ما أوتيه من وحي التشريع ، فكانت أصل التوراة الإجمالي ، وكانت سائر الأحكام من العبادات والمعاملات الحربية والمدنية والعقوبات تنزل يخاطبه بها الله تعالى في أوقات الحاجة إليها28 .
والمعنى : بينا لموسى في الألواح والصحف من كل شيء يحتاج إليه ينو إسرائيل ؛ لإصلاح شئونهم في الدين والدنيا من المواعظ وتفصيل الأحكام ، وبيان الحلال والحرام والحسن والقبيح وغير ذلك من أنواع الهداية والإرشاد .
{ فخذوها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } .
أي : خذ هذه الأحكام بالعزيمة والجد ، بدون تهاون أو تفريط ، وهي دعوة إلى تقديم العزيمة على الرخصة ، وعدم محاولة التفلّت والانسلاخ من الأحكام الشاقة إلى أيسر الأحكام والتكاليف .
وليس في هذا غلو أو اعتساف ، فنحن نعلم أن دين الله يسر لا حرج فيه .
ولكن هذه العقيدة تحتاج إلى الجد والهمة والحسم والصراحة ولا ينبغي أن تؤخذ في رخاوة ولا تميع ولا ترخيص ، مع البعد أيضا عن التشدد والتعنت والتعقيد .
{ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } .
أي : وأمر قومك بالاعتصام بهذه الموعظة ، والأحكام المفصلة في الألواح ، التي هي في منتهى الكمال والحسن ، وأن يختاروا أقربها إلى الصواب لو أن فيها حسنا وأحسن ، كالقود والعفو ، والانتصار والصبر ، والمأمور به والمباح . فأمروا بأن يأخذوا بما هو أكثر ثوابا .
أي : سأرى قومك ديار الهالكين من عاد وثمود وأمثالهم ؛ ليشاهدوا ما حل بأهلها من الهلاك والدمار ؛ لأن رؤية الديار خالية من أهلها ، خاوية على عروشها ، تدعو إلى مزيد من الحذر والاعتبار .
قال ابن كثر : أي : سترون عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي كيف يصير إلى الهلاك والدمار .
وخوطب قوم موسى عليه السلام بقوله : سأريكم دون قوله – سأريهم – التفاتا إليهم بعد الغيبة ؛ ليكون ذلك أبلغ من حملهم على الطاعة والامتثال ، وتخويفهم من اتباع طريق الظالمين .
وقيل : معنى : سأوريكم دار الفاسقين . سأورثكم حكم الوثنيين في تلك الديار التي هاجرتم إليها ، بدليل قراءة : { سأورثكم دار الفاسقين } .
قوله تعالى : { وكتبنا له } ، يعني لموسى .
قوله تعالى : { في الألواح } ، قال ابن عباس : يريد ألواح التوراة ، وفي الحديث ( كانت من سدر الجنة ، طول اللوح اثنا عشر ذراعاً ) . وجاء في الحديث ( خلق الله آدم بيده ، وكتب التوراة بيده ، وغرس شجرة طوبى بيده ) . وقال الحسن : كانت الألواح من خشب . قال الكلبي : كانت من زبرجدة خضراء . وقال سعيد بن جبير : كانت من ياقوت أحمر ، وقال الربيع بن أنس : كانت الألواح من برد . وقال ابن جريج : كانت من زمرد ، أمر الله جبريل حتى جاء بها من عدن ، وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر ، واستمد من نهر النور ، قال وهب : أمره الله بقطع الألواح من صخرة صماء ، لينها الله له ، فقطعها بيده ، ثم شققها بيده ، وسمع موسى صرير القلم بالكلمات العشر ، وكان ذلك في أول يوم من ذي القعدة ، وكانت الألواح عشرة أذرع على طول موسى ، وقال مقاتل ووهب : { وكتبنا له في الألواح } ، كنقش الخاتم . وقال الربيع بن أنس : نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير ، يقرأ الجزء منه في سنة ، لم يقرأه إلا أربعة نفر ، موسى ، ويوشع ، وعزير ، وعيسى . وقال الحسن : هذه الآية في التوراة ألف آية ، يعني : { وكتبنا له في الألواح } .
قوله تعالى : { من كل شيء } ، مما أمروا به ونهوا عنه .
قوله تعالى : { موعظة } نهياً عن الجهل ، وحقيقة لموعظة التذكير والتحذير بما يخاف عاقبته .
قوله تعالى : { وتفصيلاً لكل شيء } ، أي : تبييناً لكل شيء من الأمر والنهي ، والحلال والحرام ، والحدود والأحكام .
قوله تعالى : { فخذها بقوة } ، أي : بجد واجتهاد ، وقيل : بقوة القلب وصحة العزيمة ، لأنه إذا أخذه بضعف النية أداه إلى الفتور .
قوله تعالى : { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } ، قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : يحلوا حلالها ، ويحرموا حرامها ، ويتدبروا أمثالها ، ويعملوا بمحكمها ، ويقفوا عند متشابهها ، وكان موسى عليه السلام أشد عبادة من قومه ، فأمر بما لم يؤمروا به . قال قطرب : ( بأحسنها ) أي بحسنها ، وكلها حسن ، وقيل : أحسنها الفرائض والنوافل ، وهي ما يستحق عليها الثواب ، وما دونها المباح ، لأنه لا يستحق عليه الثواب ، وقيل : بأحسنها بأحسن الأمرين في كل شيء ، كالعفو أحسن من القصاص ، والصبر أحسن من الانتصار .
قوله تعالى : { سأريكم دار الفاسقين } ، قال مجاهد : مصيرها في الآخرة ، قال الحسن وعطاء : يعني جهنم ، يحذركم أن تكونوا مثلهم ، وقال قتادة وغيره : سأدخلكم الشام ، فأريكم منازل القرون الماضية الذين خالفوا أمر الله لتعتبروا بها ، قال عطية العوفي : أراد دار فرعون وقومه وهي مصر ، يدل عليه قراءة قسامة بن زهير : ( سأورثكم دار الفاسقين ) ، وقال السدي : دار الفاسقين مصارع الكفار . وقال الكلبي : ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد ، وثمود ، والقرون الذين أهلكوا .
قوله : { وكتبنا له في الألواح من كل شيء وموعظة وتفضيلا لكل شيء } كتب الله التوراة لموسى ؛ إذ كتبها جبريل بأمر ربه عز وعلا ، وأضاف الله الكتابة إلى نفسه ؛ تشريفا للتوراة وتعظيما . وقد كتب فيها { من كل شيء } مما يحتاجون إليه في دينهم من الأحكام ومن نبين للحلال والحرام . وقيل : لا يريد بكل شيء التعميم بل ذكر ذلك على سبيل التفخيم كقوله : { تدمر كل شيء } . وذلك كله { موعظة وتفصيلا لكل شيء } أي أنزلت التوراة على بني إسرائيل ؛ لتكون لهم موعظة ؛ أي ليتعظوا ويثوبوا إلى بارئهم ؛ فلا يميلوا عن شرع الله . ولتكون { تفصيلا لكل شيء } أي تبيينا الأحكام الحلال والحرام وغير ذلك مما أمروا به أو نهوا عنه{[1520]} .
قوله : { فخذها بقوة } أي قال له ربه : خذ التوراة بجد واجتهاد ونشاط ، وكذلك كلفه ربه أن يأمر بني إسرائيل أن يأخذوا بأحسن التوراة وهو قوله : { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } المراد بأحسنها ، المأمور بعلمه ؛ فقد أمرهم أن يعلموا بما كان مأمورا به وهو أحسن من العمل بالمنهي عنه . وقيل : بأحسن ما فيها بما أجره أعظم من اجر غيره . كقوله : { فيتبعون أحسنه } ومن الأحسن الصبر على الغير والعفو عنه ؛ فهو أحسن من الانتصار للنفس والأخذ لها بالقصاص من الجاني . وكالعمل بالعزيمة أحسن من العمل بالرخصة ، وبالفريضة دون النافلة .
قوله : { سأوريكم دار الفاسقين } ذلك إخبار من الله لموسى والذين استضعفوا معه أنه سيريهم { دار الفاسقين } أي جهنم . وقيل : سأوريكم دار الظالمين في مصر وهم فرعون وقومه . وقيل : المراد ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والذين أهلكوا . وذلك وعيد تهديد لما خالف أمر الله فتنكب عن شرعه وصراطه المستقيم وآثر الأهواء والشهوات فانزلق في المعاصي والموبقات . فأولئك الخاسرون الهالكون الذين زاغوا عن دين الله ومنهجه الحكيم للناس .