أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ} (106)

{ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } أي فيما أمرتم شهادة بينكم ، والمراد بالشهادة الإشهاد في الوصية وإضافتها إلى الظرف على الاتساع وقرئ { شهادة } بالنصب والتنوين على ليقم . { إذا حضر أحدكم الموت } إذا شارفه وظهرت أماراته وهو ظرف للشهادة . { حين الوصية } بدل منه وفي إبداله تنبيه على أن الوصية مما ينبغي أن لا يتهاون فيه أو ظرف حضر . { اثنان } فاعل شهادة ويجوز أن يكون خبرها على حذف المضاف . { ذوا عدل منكم } أي من أقاربكم أو من المسلمين وهما صفتان لاثنان . { أو آخران من غيركم } عطف على اثنان ، ومن فسر الغير بأهل الذمة جعله منسوخا فإن شهادته على المسلم لا تسمع إجماعا . { إن أنتم ضربتم في الأرض } أي سافرتم فيها . { فأصابتكم مصيبة الموت } أي قاربتم الأجل . { تحبسونهما } تقفونهما وتصبرونهما صفة لآخران والشرط بجوابه المحذوف المدلول عليه بقوله أو آخران من غيركم اعتراض ، فائدته الدلالة على أنه ينبغي أن يشهد اثنان منكم فإن تعذر كما في السفر فمن غيركم ، أو استئناف كأنه قيل كيف نعمل إن ارتبنا بالشاهدين فقال تحبسونهما . { من بعد الصلاة } صلاة العصر ، لأنه وقت اجتماع الناس وتصادم ملائكة الليل وملائكة النهار . وقيل أي صلاة كانت . { فيقسمان بالله إن ارتبتم } إن ارتاب الوارث منكم . { لا نشتري به ثمنا } مقسم عليه ، وإن ارتبتم اعتراض يفيد اختصاص القسم بحال الارتياب . والمعنى لا نستبدل بالقسم أو بالله عرضا من الدنيا أي لا نحلف بالله كاذبا لطمع . { ولو كان ذا قربى } ولو كان المقسم له قريبا منا ، وجوابه أيضا محذوف أي لا نشتري . { ولا نكتم شهادة الله } أي الشهادة التي أمرنا الله بإقامتها ، وعن الشعبي أنه وقف على شهادة ثم ابتدأ الله بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه ، وروي عنه بغيره كقولهم الله لأفعلن . { إنا إذا لمن الآثمين } أي إن كتمنا . وقرئ لملاثمين بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وإدغام النون فيها .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ} (106)

المفردات :

شهادة بينكم : الشهادة ؛ قول صادر عن علم حصل ، بطريق البصر أو السمع ، أو بهما جميعا .

إن أنتم ضربتم في الأرض : أي : سافرتم فيها .

تحبسونهما : أي : تمسكونهما ، وتمنعونهما من الانطلاق والهرب .

إن ارتبتم : أي : شككتم في صدقهما فيما يقران به .

لمن الآثمين : أي : العاصين .

التفسير :

106- يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية إثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم . . . الآية .

لما بين الله تعالى – في الآية السابقة – أن المرجع إليه وحده بعد الموت ، وأنه هو الذي يتولى الحساب ، وجزاء المحسن والمسيء ، أرشدنا سبحانه – في هذه الآية – إلى أنه يلزم – في الوصية قبل الموت – الإشهاد عليها ، حفاظا على أداء الحقوق الموصى بها لمستحقيها .

سبب النزول :

عن ابن عباس رضي الله عنه قال : ( خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي ابن بداء ، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم . فلما قدما بتركته ، فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بالله تعالى : ما كتمتما ولا اطلعتما . ثم وجد الجام بمكة . فقيل اشتريناه من تميم وعدي . فقام رجلان من أولياء السهمى ، فحلفا بالله ، لشهادتنا أحق من شهادتهما . وإن الجام لصاحبهم .

وفيهم نزلت : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ( 36 ) .

يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوات عدل . . . الآية .

أعلم الله سبحانه المؤمنين : أن الشهادة المشروعة بينهم – حين الوصية – هي شهادة اثنين من أصحاب العدالة والتقوى : يشهدهما على وصيته ، فيتحملان هذه الشهادة ، لأدائها عند الحاجة .

( منكم ) : أي من المؤمنين ، وقيل : من أقارب الموصي .

أو آخران من غيركم .

أي : من غير المسلمين فكأنه قال : أو شهادة اثنين آخرين من غير المسلمين .

إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت .

أي : إن أنتم سافرتم في الأرض ، ونزلت بكم مصيبة الموت ، وأردتم الإيصاء . فأشهدوا عدلين من أقارب الموصى أو من المؤمنين أو آخرين من أهل الذمة . أي : فأشهدوا عدلين منكم معشر المؤمنين .

وقيل عدلين من أقارب الموصى . وذلك إذا تيسر وجودهما . فإن لم يتيسر وجودهما . فإن لم يتيسر وجودهما – بسبب السفر مثلا – فيجوز اختيار اثنين من أهل الذمة . وقيل من غير أقارب الموصى له .

تحبسونهما بعد الصلاة .

تمنعونهما من الانصراف للتحليف بعد الصلاة . والمراد بالصلاة التي يحبسان بعدها ، صلاة العصر ؛ لأنه وقت اجتماع الناس ؛ ولأن الحكام كانوا يجلسون للقضاء في هذا الوقت بين الخصوم .

وقيل : بعد أي صلاة كانت ؛ لأن الصلاة داعية إلى النطق بالصدق ، وناهية عن الكذب لقوله تعالى : ( . . . إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر . . . ) . ( العنكبوت : 45 ) .

والمأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه حلف عديا وتميما الدارى بعد العصر .

وقد جرى العمل على هذا بين المسلمين .

فيقسمان بالله إن ارتبتم .

فيقسمان عند ارتياب الورثة وشكهم ، فإذا لم تكن ريبة . فيصدق الشاهدان ، لأمانتهما وعدم الارتياب فيهما .

لا نشري به ثمنا ولو كان ذا قربى .

أي : لا نستبدل بالقسم بالله عرضا زائلا من الدنيا . فلا نحلف بالله كاذبين ، ولو كان القسم يحقق مصلحة لبعض الأقارب ، طمعا في عرض الدنيا .

ولا نكتم شهادة الله . أي ويقول الحالفان – في يمينهما – ولا نكتم الشهادة التي أمر الله تعالى بإقامتها . كما قال تعالى : وأقيموا الشهادة لله . . . الآية . ( الطلاق : 2 ) وكقوله سبحانه :

ومن يكتمها فإنه آثم قلبه . . . الآية . ( البقرة : 283 ) .

إنا إذن لمن الآثمين .

أي : أننا إذا اشترينا بالقسم ثمنا . أو راعينا فيه قرابة . بأن كذبنا في الشهادة – ابتغاء المنفعة لأنفسنا أو لقرابتنا أو كتمنا الشهادة كلها أو بعضها – كنا من الواقعين في الإثم ، المستحقين للعقوبة من الله عليه .