ثم إنه سبحانه صدق يعقوب فيما قال ، مؤكداً لما أشار إلى اعتقاده ، فقال : { ولما } وعطفه بالواو يدل على أنهم ما أسرعوا الكرة في هذه المرة خوفاً من أن يقول لهم : لم يفرغ ما عندكم حتى تضطروا إلى الاستبدال{[42174]} به ، والزمان زمان رفق ، لا زمان تبسط { دخلوا } أي أخوة يوسف عليه الصلاة والسلام عند وصولهم إلى مصر { من حيث أمرهم } أي به { أبوهم } من أبواب متفرقة ، قالوا : وكان{[42175]} لمصر أربعة أبواب ، { ما كان } ذلك الدخول { يغني } أي يدفع ويجزي { عنهم من الله } أي الملك الأعلى الذي لا راد لأمره ، وأغرق في النفي فقال : { من شيء } كما تقدم من قول يعقوب عليه الصلاة والسلام { إلا حاجة } أي شيئاً غير أتم{[42176]} حاجة { في نفس يعقوب } وهو{[42177]} الدخول على ما أمر به شفقة عليهم { قضاها } يعقوب ، وأبرزها من نفسه إلى أولاده ، فعملوا فيها بمراده فأغنى عنهم ذلك الخلاص من عقوق أبيهم فقط ، فإنهم ابتلوا في هذه السفرة بأمر عظيم لم يجدوا منه خلاصاً ، وهو نسبهم إلى السرقة ، وأسر أخيهم منهم{[42178]} ، قال أبو حيان{[42179]} : وفيه حجة لمن زعم أن " لما " حرف وجوب لوجوب ، لا ظرف زمان بمعنى " حين " ، إذ لو كان ظرف زمان ما جاز أن يكون معمولاً لما " بعد " ما النافية - انتهى .
ولما كان ذلك ربما أوهم{[42180]} أنه لا فائدة في الاحيتاط ، أشار تعالى إلى رده بمدح يعقوب عليه الصلاة والسلام ، حثاً{[42181]} على الاقتداء به في التسبب مع اعتقاده أن الأمر بيد الله فقال : { وإنه } أي يعقوب عليه الصلاة والسلام مع{[42182]} أمره لبنيه بذلك { لذو علم } أي معرفة بالحكمين : حكم التكليف ، وحكم التقدير ، وإطلاع{[42183]} على الكونين عظيم { لما } أي للذي { علمناه } إياه من أصول الدين وفروعه ، ويجوز أن يكون المعنى : لذو علم لأجل تعليمنا إياه .
فاقتدوا به في الاحتياط في تعاطي الأسباب ، مع اعتقاد أنه لا أثر لها إلا إن أمضاها الواحد القهار ، فبهذا التقدير يتبين أن الاستثناء متصل ، وفائدة إبرازه - في صورة الاستثناء عند من جعله منقطعاً - الإشارة إلى تعظيم يعقوب{[42184]} عليه الصلاة والسلام ، وأنه جدير بأن يكون ما يأمر به مغنياً ، لأنه من أمر الله ، فلو كان شيء يغني من قدر الله لأغنى ما أشار به ، وإنما فسرت " يغنى " ب " يدفع " لأن مادة " غنى " - بأي ترتيب كان - تدور على الإقامة ، فيكون أغنى للسلب ، وهو معنى للدفع ، بيانه أن غنى بمعنى أقام ، وعاش ، ولقي ، ومغنى الدار : موضع الحلول ، ويلزم من الإقامة الكفاية والتمول ، لأن الفقير منزعج مضطرب ، والغنى - كإلى : التزوج{[42185]} ، وإذا فتح مد ، والاسم الغنية - بالضم ، وذلك لأن التزوج لازم الإقامة ، والغانية : المرأة تُطلَب ولا تَطلُب ، أو{[42186]} الغنية بحسنها{[42187]} عن الزينة ، أو الشابة المتزوجة ، أو الشابة العفيفة ذات زوج كانت أم لا ، ومثلها يلزم المنزل ويقصر في الخيام ، وأغنى عنه غناء فلان : ناب عنه منابه{[42188]} وأجزأ مجزأه ، وحقيقته جعل إقامة كذا متجاوزة عنه ، فالمفعول محذوف ، فإذا قال مثلاً : فلان أغنى عني في الحرب ، كان المعنى : أغنى عني ضرب الأبطال أو شدة الحرب ، أي{[42189]} أزال إقامة{[42190]} ذلك عني فجعله متجاوزاً ، ولا شك أن معنى ذلك : دفعه عني ، وكذا كل ما كان من ذلك ، وما فيه غناء ذاك ، أي إقامته{[42191]} والاضطلاع{[42192]} به ، ويلزم أيضاً - من الإقامة التي هي المدار والكفاية التي هي سببها - الغناءُ - بالكسر والمد ، وهو التطريب بالصوت ، والغناء أيضاً : الرمل - لإقامته ، وغنى بالمرأة : تغزل ، أي نظم فيها الغزل ، وغنى بزيد{[42193]} : مدحه أو هجاه - من لوازم الإقامة والكفاية ، ومنه غنى الحمام : صوت ؛{[42194]} ونغى - كرمى{[42195]} : تكلم{[42196]} بكلام يفهم{[42197]} - لأن ذلك يسكن الخاطر عن القلق{[42198]} ، ومنه المناغاة - وهي تكليم الصبي بما يهوى ، ونغيت إليه نغية ، أي ألقيت إليه كلمة ، والنغية - كالنغمة{[42199]} : أول الخبر قبل أن تستثبته ، من تسمية الجزء باسم الكل ، و{[42200]} ناغاه : داناه{[42201]} ، ومنه الموج{[42202]} يناغي السماء - إذا ارتفع ، وناغاه : باراه أي عارضه ، والمرأة : غازلها{[42203]} ، أي حادثها - كل ذلك من لوازم الإقامة ؛ والغين : حرف هجاء مجهور{[42204]} مستعل - كأنها{[42205]} لقوتها مقيمة في مخرجها{[42206]} غير متزعزعة{[42207]} عنه كالراء والحروف الهوائية وغيرها ، والغين : العطش - لأنه الأصل لاقتضاء الحرارة له والريّ حادث ، والغين : الغيم - لإقامته{[42208]} في الهواء ، والغينة : أرض - لأنها موضع الإقامة ، والأشجار الملتفة بلا ماء ، هي أيضاً موضع لذلك ، لأنها ظليلة ولا ماء بأرضها يمنع من الانتفاع{[42209]} بشيء من ظلها ، والغيناء : الخضراء{[42210]} من الشجر ، وبئر ، وبالقصر : قنة ثبير من الأثبرة السبعة{[42211]} - لأن ذلك كله موضع للإقامة ، ولعل قنة هذا الجبل كثيرة{[42212]} الشجر فترجع إلى الشجرة ، والأغين : الطويل - إما تشبيه بقنة{[42213]} الجبل ، أو بالشجرة ، والغانة{[42214]} : حلقة رأس الوتر في القوس ، وغين على قلبه : غطى عليه أي أقام عليه ساتراً له فصار كالسماء بالنسبة إلى الغيم{[42215]} ، ومنه غين عليه - إذا تغشته الشهوة وألبس أو غشي عليه ، أو أحاط به الرين{[42216]} وهو الطبع والدنس ، والغينة - بالكسر : الصديد وما سال من الميت - كأنه من سلب الإقامة ، وكذا الغين بالكسر - لموضع كثير الحمى ، و{[42217]} غانت نفسي تغين : غثت{[42218]} ، والإبل : غانت{[42219]} ، أي حصل لها داء كالقلاب غير أنه لا يقتل - انتهى{[42220]} .
ولما كان قد يظن أن كل أحد يكون كذلك ، أي يعلم ما علمه{[42221]} ، نفى ذلك سبحانه بقوله{[42222]} : { ولكن أكثر الناس } أي لأجل ما لهم من الاضطراب { لا يعلمون * } أي ليسوا بذوي علم لما علمناهم{[42223]} لإعراضهم عنه واستفراغ قواهم في الاهتمام بما وقع التكفل لهم به من أحوال الدنيا ، ومغالبة فطرهم القويمة السليمة بردها إلى ما تدعو إليه الحظوظ والشهوات حتى لا يكون فيها طب{[42224]} مخلوق .
قوله : { وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا } دخل بنو يعقوب من أبواب متفرقة شتى كما أمرهم أبوهم . وما كان دخولهم متفرقين كما أمرهم ليغني عنهم من قضاء الله الذي قضاه فيهم من شيء إن أدراه الله لهم { إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا } استثناء منقطع ؛ لأنه ليس من جنس المستثنى منه ؛ أي ليس دخولهم مصر متفرقين كما أمرهم أبوهم إلا حاجة كانت في نفس يعقوب وهي شفقته عليهم وخوفه عليهم من العين .
قوله : { وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ } إن يعقوب لذو علم مما علمناه { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } أي لا يعلمون ما يعلمه يعقوب .